موقع ومنتدبات ابو ريوف
عزيزي هنا مملكة أبو ريوف للابداع

يجب عليك التسجيل لتتمكن من المشاركه والمشاهده لاقسام الموقع والبث المباشر المدير العام أبو ريوف

المشرفون : محمد منسي - ملكة الحب
لكم منا أجمل تحيه


M E T O

موقع ومنتدبات ابو ريوف

كل مساهمه في هذا المنتدى بشكل أو بآخر هي تعبر في الواقع عن رأي صاحبها
 
الرئيسيةبوابة METOاليوميةمكتبة الصوربحـثالتسجيلدخول
اهلا باصدقاء أبو ريوف بعد غياب اربع سنين اعود لمنتداكم الجميل لطالما علمت بأني هنا معكم استنشق عطراً يفوح من اقلامكم لكم مني كل الحب والتقدير أخوكم الصغير أبو ريوف

توقيت الرياض
المواضيع الأخيرة
»  قد أغرقتنى ((حبيبتي))
أمس في 14:02 من طرف محمد منسى

» لماذا نصلي صلاة مودع؟
أمس في 13:55 من طرف محمد منسى

» . الخشوع طريق النجاح
أمس في 13:50 من طرف محمد منسى

» هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟
أمس في 13:43 من طرف محمد منسى

» مدينة رسول الله صلي الله عليه وسلم
الجمعة 14 ديسمبر 2018 - 7:38 من طرف محمد منسى

»  يا صوتهـــــــــا
الخميس 13 ديسمبر 2018 - 13:48 من طرف محمد منسى

» عشاق الحياة
الخميس 13 ديسمبر 2018 - 9:23 من طرف محمد منسى

» شخصيات.. فى حياتى
الخميس 13 ديسمبر 2018 - 8:43 من طرف محمد منسى

» صفة المسيح عيسى ابن مريم رسول الله عليه السلام
الخميس 13 ديسمبر 2018 - 7:27 من طرف محمد منسى

» تعرف على القصة الكاملة لخروج تمثال نفرتيتى من مصر
الأربعاء 12 ديسمبر 2018 - 18:02 من طرف محمد منسى

» .من فضائل صحابة رسول الله رضي الله عنهم:
الأربعاء 12 ديسمبر 2018 - 12:33 من طرف محمد منسى

» فضائل عمر بن الخطاب رضي الله عنه
الأربعاء 12 ديسمبر 2018 - 11:58 من طرف محمد منسى

» فضل الصدقات
الأربعاء 12 ديسمبر 2018 - 11:17 من طرف محمد منسى

» زرقاء اليمامة
الأربعاء 12 ديسمبر 2018 - 5:09 من طرف محمد منسى

» ما صح في فضائل " سبحان الله وبحمده "
الأربعاء 12 ديسمبر 2018 - 5:00 من طرف محمد منسى

» دلائل وحدانية الله
الأربعاء 12 ديسمبر 2018 - 4:55 من طرف محمد منسى

» .. وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ!
الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 - 10:55 من طرف محمد منسى

» وانت فايت
الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 - 5:16 من طرف محمد منسى

» مقدمة ابن خلدون
الإثنين 10 ديسمبر 2018 - 17:39 من طرف محمد منسى

» والســــحر فى عينيكِ
الإثنين 10 ديسمبر 2018 - 13:13 من طرف محمد منسى

» ريحة الحبايب.. عبدالفتاح القصرى.. أسرار أيام الحزن والقهر بحياة ملك الكوميديا.. بدأ طريق النجومية بصفعة من جورج أبيض وانتهت حياته باستجداء المارة.. فقد بصره وذاكرته وحبسته زوجته وسرقت ثروته وتزوجت ابنه بالتبنى
الأحد 9 ديسمبر 2018 - 8:55 من طرف محمد منسى

» البرده (كعب بن زهير)
السبت 8 ديسمبر 2018 - 11:57 من طرف محمد منسى

»  قصاقيص
الجمعة 7 ديسمبر 2018 - 19:39 من طرف محمد منسى

»  الجندى الصفيح
الجمعة 7 ديسمبر 2018 - 15:29 من طرف محمد منسى

» بائع الجرائد
الجمعة 7 ديسمبر 2018 - 15:26 من طرف محمد منسى

» أحترم خيوط إنهزامى
الخميس 6 ديسمبر 2018 - 16:48 من طرف محمد منسى

» ومضة «صلاح» تخطف وسائل الإعلام برغم خسارة «الكرة الذهبية»
الأربعاء 5 ديسمبر 2018 - 11:14 من طرف محمد منسى

» وتهلين كليلة عرس
الثلاثاء 4 ديسمبر 2018 - 13:32 من طرف محمد منسى

» شــــرج فى جـــدار الزمــــن
الإثنين 3 ديسمبر 2018 - 18:02 من طرف محمد منسى

» كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير
الإثنين 3 ديسمبر 2018 - 17:50 من طرف محمد منسى

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
محمد منسى - 19288
 
ملكة الحب - 1144
 
ابو ريوف METO - 324
 
جلالة الملكه - 180
 
باكى - 67
 
الحربي - 36
 
صلاح اليب2 - 35
 
زهرالورد - 30
 
اكينو ملوال - 29
 
رشيد سويدة - 29
 

شاطر | 
 

 كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6, 7, 8, 9  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
محمد منسى
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 19288
العمر : 39
الموقع : منتديات ابو ريوف
تاريخ التسجيل : 26/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الأحد 25 نوفمبر 2018 - 17:52


ذكر محاربة آسا بن أفيا ورزح الهنديقيل: كان أسا بن أبيا رجلاً صالحاً، وكان أبوه قد عبد الأصنام ودعا الناس الى عبادتها، فلما ملك ابنه أسا أمر منادياً فنادى: ألا إنّ الكفر قد مات وأهله وعاش الإيمان وأهله، فليس كافر في بني اسرائيل يطلع رأسه بكفر إلا قتلته، فإن الطوفان لم يغرق الدنيا وأهلها ولم يخسف بالقرى ولم تطمر الحجارة والنار من السماء إلى الأرض إلا بترك طاعة الله والعمل بمعصيته وشدد في ذلك. فأتى بعضهم ممن كان يعبد الأصنام ويعمل بالمعاصي إلى أم أسا الملك، وكانت تعبد الأصنام، فشكوا إليها، فجاءت إليه ونهته عما كان يفعله وبالغت في زجره، فلم يصغ الى قولها بل تهددها على عبادة الأصنام وأظهر البراءة منها، فحينئذٍ أيس الناس منه وانتزح من كان يخافه وساروا إلى الهند.
وكان بالهند ملك يقال له رزح، وكان جبّاراً عاتياً عظيم السلطان قد أطاعه أكثر البلاد، وكان يدعو الناس الى عبادته، فوصل اليه أولذك النفر من بني اسرائيل وشكوا إليه ملكهم ووصفوا له البلاد وكثرتها وقلّة عسكرها وضعف ملكها وأطمعوه فيها. فأرسل الجواسيس فأتوه بأخبارها، فلما تيقن الخبر جمع العساكر وسار الى الشام في البحر، وقال له بنو اسرائيل: إن لأسا صديقاً ينصره ويعينه، قال: فأين أسا وصديقه من كثرة عساكري وجنودي وبلغ خبرُه إلى أسا، فتضرّع الى الله تعالي وأظهر الضعف والعجز عن الهنديّ وسأل الله النصرة عليه، فاستجاب الله له وأراه في المنام: إنّي سأظهر من قدرتي في رزح الهنديّ وعساكره ما أكفيك شرهم وأغنمكم أموالهم حتى يعلم أعداؤك أن صديقك لا يُطاق وليّه ولا ينهزم جنده.

ثمّ سار رزح حتى أرسى بالساحل، وسار الى بيت المقدس، فلما صار على مرحلتين منه فرق عساكره، فامتلأت منهم تلك الأرض وملئت قلوب بني إسرائيل رعباً، وبعث أسا العيون فعادوا وأخبروه من كثرتهم بما لم يُسمع بمثله، وسمع الخبر بنو اسرائيل فصاحوا وبكوا وودّع بعضهم بعضاً وعزموا على أن يخرجوا الى رزح ويستسلموا إليه وينقادوا له، فقال لهم ملكهم: إنّ ربي قد وعدني بالظفر ولا خلف لوعده، فعاودوا الدعاء والتضرّع، ففعلوا ودعوا جميعهم وتضرّعوا، فزعموا أن الله أوحى إليه: يا أسا إنّ الحبيب لا يُسلم حبيبه، وأنا الذي أكفيك عدوّك فإنّه لا يهون من توكل عليّ، ولا يضعف من تقوى بي، وقد كنت تذكرني في الرخاء فلا أسلمك في الشدّة، وسأرسل بعض الزبانية يقتلون أعدائي، فاستبشر وأخبر بني اسرائيل، فأما المؤمنون فاستبشروا وأما المنافقون فكذبوه. وزمره الله بالخروج إلى رزح في عساكره، فخرج في نفر يسير، فوقفوا على رابية من الأرض ينظرون الى عساكره، فلمّا رآهم رزح احتقرهم واستصغرهم وقال: إنما خرجت من بلادي وجمعت عساكري وأنفقت أموالي لهذه الطائفة ودعا النفر من بني اسرائيل الذين قصدوه والجواسيس الذين أرسلهم ليختبروا له وقال: كذبتموني وأخبرتموني بكثرة بني اسرائيل حتى جمعت العساكر وفرقت أموالي ثم أمر بهم فقتلوا، وأرسل إلى أسا يقول له: أين صديقك الذي ينصرك ويخلّصك من سطوتي؟ فأجابه أسا: يا شقيّ إنّك لا تعلم ما تقول أتريد أن تغالب الله بقوتك أم تكاثره بقلتك؟ وهو معي في موقفي هذا، ولن يغلب أحد كان الله معه، وستعلم ما يحل بك فغضب رزح من قوله وصفّ عساكره وخرج الى قتال أسا وأمر الرّماة فرموهم بالسهام، وبعث الله من الملائكة مدداً لبني اسرائيل، فأخذوا السهام ورموا بها الهنود، فقتلت كل إنسان منهم نشّابته، فقتل جميع الرماة، فضج بنو اسرائيل بالتسبيح والدّعاء، وتراءت الملائكة للهنود، فلمّا رآهم رزح ألقي الله الرعب في قلبه وسقط في يده ونادى في عساكره يأمرهم بالحملة عليهم، ففعلوا، فقتلتهم الملائكة ولم يبق منهم غير رزح وعبيده ونسائه، فلما رأى ذلك ولّى هارباً وهو يقول: قتلني صديق أسا.
فلما رآه أسا مدبراً قال: اللهم إنك إن لم تهلكه استنفر علينا نائبه، وبلغ رزح ومن معه الى البحر فركبوا السفن، فلما سارت بهم أرسل الله عليهم الرياح فعرّقتهم أجمعين. ثم ملك بعد أسا ابنه سافاط الى أن هلك خمساً وعشرين سنة، ثم ملكت عزليا بنت عمرم أخت أخزيا، وكانت قتلت أولاد ملوك بني اسرائيل ولم يبق منهم إلا يواش بن أخزيا، وهو ابن ابنها، فإنه ستر عنها، ثم قتلها بواش وأصحابه، وكان ملكها سبع سنين؛ ثم ملك يواش أربعين سنة، ثم قتله أصحابه، وهو الذي قتل جدّته؛ ثم ملك عوزيا بن امصيا بن يواش، ويقال له غوزيا، الى أن توفي اثنتين وخمسين سنة؛ ثم ملك يوثام بن عوزيا الى أن توفّي ستّ عشرة سنة؛ ثم ملك حزقيا بن أحاز الى أن توفي، فيقال: إنه صاحب شعيا الذي أعلمه شعيا انقضاء عمره، فتضرّع الى ربّه فزاده، وأمر شعيا بإعلامه ذلك، وقيل: إن صاحب شعيا في هذه القصة اسمه صدقيا، على ما يرد ذكره.
ذكر شعيا والملك الذي معه من بني إسرائيل ومسير سنحاريب إلى بني إسرائيلقيل: كان الله تعالى قد أوحى الى موسى ما ذكر في القرآن: (وقضينا الى بني اسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علواً كبيراً، فإذا جاء وعد أولادهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً، ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجلعناكم أكثر نفيراً، إن أحسنتم أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها، فإذا جاء وعد الآخرة ليسؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبّروا ما علوا تتبيراً عسى ربّكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً).

فكثر في بني اسرائي لالزحداث والذنوب، وكان الله يتجاوز عنهم متعطفاً عليهم، وكان من أول ما أنزل الله عليهم عقوبة لذنوبهم أنّ ملكاً منهم يقال له صدقية، وكانت عادتهم إذا ملك عليهم رجل بعث الله إليه نبياً يرشده ويوحي إليه ما يريد، ولم يكن لهم غير شريعة التوراة، فلما ملك صدقية بعث الله تعالى إليه شعيا، وهو الذي بشر بعيسى وبمحمد، عليهما السلام، فلما قارب أن ينقضي ملكه عظمت الأحداث في بني اسرائيل، فأرسل الله عليهم سنحاريب ملك بابل في عساكر يغصّ بها الفضاء، فسار حتى نزل بيت المقدس وزحاط به وملك بني اسرائيل مريض في ساقه قرحة، فأتاه النبيّ شعيا وقال له: إنّ الله يأمرك أن توصي وتعهد فإنك ميت، فأقبل الملك على الدعاء والتضرّع، فاستجاب الله له، فأوحى الله إلى شعيا أنه قد زاد في عمر الملك صدقية خمس عشرة سنة وأنجاه من عدّوه سنحاريب، فلما قال له ذلك زال عنه الألم وجاءته الصحة.
ثم إن الله أرسل على عساكر سنحاريب ملكاً صاح بهم فماتوا غير ستة نفر منهم: سنحاريب وخمسة من كتّابه، أحدهم بخت نصّر في قول بعضهم، فخرج صدقية وبنو اسرائيل الى معسكرهم فغنموا ما فيه والتمسوا سنحاريب فلم يجدوه، فأرسل الطلب في أثره فوجدوه ومعه أصحابه، فأخذوهم وقيدوهم وحملوهم إليه فقال لسنحاريب: كيف رأيت صنع ربّنا بك؟ فقال: قد أتاني خبر ربّكم ونصره إياكم فلم أسمع ذلك، فطاف بهم حول بيت المقدس ثم سجنهم.
فأوحى الله إلى شعيا يأمر الملك بإطلاق سنحاريب ومن معه، فأطلقهم، فعادوا الى بابل وأخبروا قومهم بما فعل الله بهم وبعساكرهم، وبقي بعد ذلك سبع سنين ثم مات.
وقد زعم بعض أهل الكتاب أن بني اسرائيل سار إليهم قبل سنحاريب ملك من ملوك بابل يقال له كفرو، وكان بخت نصّر ابن عمّه وكاتبه، وأنّ الله أرسل عليهم ريحاً فأهلكت جيشه وأفلت هو وكاتبه، وأن هذا البابليّ قتله ابن له، وأن بخت نصر غضب لصاحبه فقتل ابنه الذي قتله، وأن سنحاريب سار بعد ذلك وكان ملكه بنينوي وغزا مع ملك أذربيجان يومئذٍ بني اسرائيل فأوقع بهم، ثم اختلف سنحاريب وملك أذربيجان وتحاربا حتى تفانى عسكراهما، فخرج بنو اسرائيل وغنموا ما معهم.
وقيل: كان ملك سنحاريب الى أن توفّي تسعاً وعشرين سنة، وكان ملك بني اسرائيل الذي حصره سنحاريب حزقياً، فلمّا توفّي حزقيا ملك بعده ابنه منشى خسماً وخمسين سنة، ثم ملك بعده آمون الى أن قتله أصحابه ثنتي عشرة سنة، ثم ملك ابنه يوشيا الي أن قتله فرعون مصر الزجدع إحدى وثلاثين سنة؛ ثم ملك بعده ابنه ياهو أحاز بن يوشيا، فعزله فرعون الأجدع واستعمل بعده يوياقيم بن ياهو أحاز ووظف عليه خراجاً يحمله إليه، وكان ملكه اثنتي عشرة سنة، ثم ملك بعده ابنه يوياحين، فغزاه بخت نصّر وأشخصه الى بابل بعد ثلاثة أشهر من ملكه، وملك بعده يقونيا ابن عمه، وسماه صدقية، وخالفه فغزاه وظفر به وحمله الى بابل وذبح ولده بين يديه وسمل عينيه وخرّب بيت المقدس والهيكل وسبى بني اسرائيل وحملهم الى بابل، فمكثوا الى أن عادوا إليه، على ما نذكره إن شاء الله؛ وكان جميع ملك صدقية إحدى عشرة سنة.
وقيل: إن شعيا أوحى الله إليه ليقوم في بني اسرائيل يذكرهم بما يوحي الله على لسانه لما كثرت فيهم الأحداث، ففعل، فعدوا عليه ليقتلوه، فهرب منهم، فلقيته شجرة فانفلقت له، فدخلها، وأخذ الشيطان بهدب ثوبه وأراه بني اسرائيل، فوضعوا المنشار على الشجرة فنشروها حتي قطعوه في وسطها.
وقيل في أسماء ملوكهم غير ذلك، ركناه كراهة التطويل ولعدم الثقة بصحة النقل به.
ذكر ملك لهراسب وابنه بشتاسب وظهور زرادشتقد ذكرنا أن كيخسرو لما حضرته الوفاة عهد الى ابن عمّه لهراسب بن كيوخى بن كيكاووس، فهو ابن ابن كيكاووس، فلمّا ملك اتخذ سريراً من ذهب وكلّله بأنواع الجواهر وبنيت له بزرض خراسان مدينة بلخ وسمّاها الحسناء، ودوّن الدواوين، وقوّى ملكه بانتخابه الجنود، وعمر الأرض، وجبى الخراج لأرزاق الجند.
واشتدّت شوكة الترك في زمانه فنزل بلخ لقتالهم، وكان محموداً عند زهل مملكته شديد القمع لزعدائه المجاورين له، شديد التفقد لأصحابه، وبعيد الهمة، عظيم البنيان، وشقّ عدّة أنهار، وعمر البلاد، وحمل إليه ملوك الهند الروم والمغرب الخراج، وكاتبوه بالتمليك هيبةً له وحذراً منه.

ثم إنه تنسّك وفارق الملك واشتغل بالعبادة واستخلف ابنه بشتاسب في الملك، وكان ملكه مائة وعشرين سنة، وملك بعده ابنه بشتاسب، وفي أيامه ظهر زرادشت بن سقيمان الذي ادّعى النبوّة وتبعه المجوس، وكان زرادشت فيما يزعم أهل الكتاب من أهل فلسطين يخدم لبعض تلامذة إرميا النبيّ خاصّاً به، فخانه وكذب عليه، وفدعا الله عليه فبرص ولحق ببلاد أذربيجان وشرع بها دين المجوس.
وقيل: إنّه من العجم، وصنّف كتاباً وطاف به الأرض، فما عرف أحد معناه، وزعم أنها لغة سماوية خوطب بها، وسمّاه: اشتا، فسار من أذربيجان إلى فارس، فلم يعرفوا ما فيه ولم يقبلوه، فسار الى الهند وعرضه على ملوكهم، ثمّ أتى الصين والترك فلم يقبله أحد وأخرجوه من بلادهم، وقصد فرغانة، فأراد ملكها أن يقتله فهرب منها وقصد بشتاسب بن لهراسب، فأمر بحبسه، فحبس مدّة، وشرح زرادشت كتابه وسمّاه: زند، ومعناه: التفسير، ثم شرح الزند بكتاب سمّاه: بازند، يعني: تفسير التفسير، وفيه علوم مختلفة كالرياضات وأحكام النجوم والطبّ وغير ذلك من أخبار القرون الماضية وكتب الأنبياء، وفي كتابه: تمسّكوا بما جئتكم به الى أن يجيئكم صاحب الجمل الأحمر، يعني محمّداً، صلى الله عليه وسلم، وذلك على رأس ألف سنة وستّ مائة سنة، وبسبب ذلك وقعت البغضاء بين المجوس والعرب، ثم يذكر عند أخبار سابور ذي الأكتاف أنّ من جملة الأسباب الموجبة لغزوة العرب هذا القول؛ والله أعلم.
ثمّ إنّ بشتاسب زحضر زرادشت، وهو ببلخ، فلمّا قدم عليه شرع له دينه، فأعجبه واتبعه وقهر الناس على اتباعه وقتل منهم خلقاً كثيراً حتى قبلوه ودانوا به.
وأمّا المجوس فيزعمون أن أصله من أذربيجان، وأنه نزل على الملك من سقف إيوانه وبيده كبّة من نار يلعب بها ولا تحرقه، وكلّ من أخذها من يده لم تحرقه، وأنه اتبعه الملك ودان بدينه وبنى بيوت النيران في البلاد وأشعل من تلك النار في بيوت النيران، فيزعمون أن النيران التي في بيوت عباداتهم من تلك إلى الآن.
وكذبوا فإنّ النار التي للمجوس طفئت في جميع البيوت لما بعث الله محمداً، صلى الله عليه وسلم، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وكان هظور زرادشت بعد مضيّ ثلاثين سنة من ملك بشتاسب، وأتاه بكتاب زعم أنه وحي من الله تعالى، وكتب في جلد اثني عشر ألف بقرة حفراً ونقشاً بالذهب، فجعله بشتاسب في موضع بإصطخر ومنع من تعليمه العامة.
وكان بشتاسب وآباؤه قبله يدينون بدين الصابئة، وسيرد باقي أخباره.
ذكر مسير بختنصّر إلى بني إسرائيل
قد اختلف العلماء في الوقت الذي أرسل فيه بخت نصّر على بني اسرائيل، فقيل: كان في عهد إرميا النبيّ ودانيال وحنانيا وعزاريا وميشائيل، وقيل: إنما أرسله الله على بني اسرائيل لما قتلوا يحيى بن زكرياء، والأول أكثر.
وكان ابتداء أمر بخت نصّر ما ذكره سعيد بن جبير قال: كان رجل من بني اسرائيل يقرأ الكتب، فلما بلغ الى قوله تعالى: (بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد) الاسراء:5، قال: أي ربّ أرني هذا الرجل الذي جعلت هلاك بني اسرائيل على يده، فزري في المنام مسكيناً يقال له بخت نصر ببابل، فسار على سبيل التجارة الى بابل وجعل يدعو المساكين ويسأل عنهم حتى دلّوه على بخت نصّر، فأرسل من يحضره، قرآه صعلوكاً مريضاً، فقام عليه في مرضه يعالجه حتى برأ، فلمّا برأ أعطاه نفقة وعزم على السفر، فقال له بخت نصّر وهو يبكي: فعلت معي ما فعلت ولا أقدر على مجازاتك قال الإسرائيلي: بلى تقدر عليه، تكتب لي كتاباً إن ملكت أطلقتني، فقال: أتستهزئ بي؟ فقال: إنما هذا أمر لا محالة كائن.

ثمّ إن ملك الفرس أحب أن يطلع على أحوال الشام، فأرسل إنساناً يثق به ليتعرّف له أخباره وحال من فيه، فسار إليه ومعه بخت نصّر فقير لم يخرج إلا للخدمة، فلما قدم الشام رأى أكبر بلاد الله خيلاً ورجالاً وسلاحاً، ففتّ ذلك في ذرعه، فلم يسأل عن شيء، وجعل بخت نصّر يجلس مجالس أهل الشام فيقول لهم: ما يمنعكم أن تغزوا بابل، فلو غزوتموها ما دون بيت ما لها شيء فكلّهم يقول له: لا نحسن القتال ولا نراه، فلما عادوا أخبر الطليعة بما رأوا من الرجال والسلاح والخيل، وأرسل بخت نصّر الى الملك يطلب إليه أن يحضره ليعرفه جليّة الحال، فأحضره، فأخبره بما كان جميعه، ثمّ إنّ الملك أراد أن يبعث عسكراً إلى الشام أربعة آلاف راكب جريدة، واستشار فيمن يكون عليهم، فأشاروا ببعض أصحابه، فقال: لا بل بخت نصّر، فجعله عليهم، فساروا فغنموا وأوقعوا ببعض البلاد وعادوا سالمين.
ثم إنّ لهراسب استعلمه أصبهبذ على ما بين الأهواز إلى أرض الروم من غربيّ دجلة؛ وكان السبب في مسيره إلى بني اسرائيل أنه لما استعمله لهراسب كما ذكرنا سار الى الشام فصالحه أهل دمشق وبيت المقدس، فعاد عنهم وأخذ رهائنهم، فلمّا عاد من القدس الى طبرية وثب بنو اسرائيل على ملكهم الذي صالح بخت نصّر فقتلوه وقالوا: داهنت أهل بابل وخذلتنا، فلمّا سمع بخت نصّر بذلك قتل الرهائن الذين معه وعاد الى القدس فأخبره.
وقيل: إن الذي استعمله إنما كان الملك بهمن بن بشتاسب بن لهراسب، وكان بخت نصّر قد خدم جدّه وأباه وخدمه وعمّر عمراً طويلاً، فأرسل بهمن رسلاً الى ملك بني اسرائيل ببيت المقدس فقتلهم الإسرائيليّ، فغضب بهمن من ذلك واستعمل بخت نصّر على أقاليم بابل وسيّره في الجنود الكثيرة، فعمل بهم ما نذكره.
هذه الأسباب الظاهرة وإنما السبب الكلّيّ الذي أحدث هذه الأسباب الموجبة للانتقام من بني اسرائيل هو معصية الله تعالى ومخالفة أواره، وكانت سنة الله تعالى في بني اسرائيل أنه إذا ملك عليهم ملكاً أرسل معه نبيّاً يرشده ويهديه الى أحكام التوراة، فلما كان قبل مسير بخت نصّر إليهم كثرت فيهم الأحداث والمعاصي، وكان الملك فيهم يقونيا بن يوياقيم، فبعث الله إليه إرميا، قيل: هو الخضر، عليه السلام، فأقام فيهم يعدوهم الى الله وينهاهم عن المعاصي ويذكر لهم نعمة الله عليهم بإهلاك سنحاريب، فلم يرعووا، فأمره الله أن يحذرهم عقوبته وأنه إن لم يراجعوا الطاعة سلّط عليهم من يقتلهم ويسبي ذراريّهم ويخرب مدينتهم ويستعبدهم ويأتيهم بجنود ينزع من قلوبهم الرأفة والرحمة، فلم يراجعوها فأرسل الله إليه: لأقيضنّ لهم فتنة تذر الحليم حيران ويضلّ فيها رأي ذي الرأي وحكمة الحكيم، ولأسلطن عليهم جبّاراً قاسياً عاتياً ألبسه الهيبة وأنزع من صدره الرحمة، يتبعه عدد مثل سواد الليل، وعساكر مثل قطع السحاب، يهلك بني اسرائيل وينتقم منهم ويخرب بيت المقدس.
فلمّا سمع إرميا ذلك صاح وبكى وشقّ ثيابه، وجعل الرماد على رأسه وتضرّع إلى الله في رفع ذلك عنهم في أيّامه.
فأوحى الله إليه: وعزّتي لا أهلك بيت المقدس وبني اسرائيل حتى يكون الأمر من قبلك في ذلك، ففرح إرميا، وقال: لا والذي بعث موسى وأنبياءه بالحقّ لا آمر بهلاك بني اسرائيل أبداً.
وأتى ملك بني اسرائيل فأعلمه بما أوحي إليه، فاستبشر وفرح، ثمّ لبثوا بعد هذا الوحي ثلاث سنين ولم يزدادوا إلا معصيةً وتمادياً في الشرّ، وذلك حين اقترب هلاكهم، فقل الوحي حيث لم يكونوا هم يتذكّرون، فقال لهم ملكهم: يا بني اسرائيل انتهوا عمّا أنتم عليه قبل أن يأتيكم عذاب الله فلم ينتهوا، فألقى الله في قلب بخت نصّر أن يسير الى بني اسرائيل ببيت المقدس، فسار في العساكر الكثيرة التي تملأ الفضاء.
وبلغ ملك بني اسرائيل الخبر، فاستدعى إرميا النبيّ، فلمّا حضر عنده قال له: يا إرميا أين ما زعمت أنّ ربّك أوحي إليك أن لا يهلك بيت المقدس حتى يكون الأمر منك؟ فقال إرميا: إن ربي لا يخلف الميعاد وأنا به واثق.

فلما قرب الأجل ودنا انقطاع ملكهم وأراد الله إهلاكهم أرسل الله ملكاً في صورة آدمي إلى إرميا وقال له: استفته، فأتاه وقال له: يا إرميا أنا رجل من بني اسرائيل أستفتيك في ذوي رحمي، وصلت أرحامهم بما أمرني الله به وأتيت إليهم حسناً وكرامة فلا تزيدهم كرامتي إيّاهم إلا سخطاً لي وسوء سيرة معي فأفتني فيهم، فقال له: أحسن فيما بينك وبين الله وصل ما أمرك الله به أن تصله، فانصرف عنه الملك ثم عاد إليه بعد أيام ف يتلك الصورة، فقال له إرميا: أما طهرت أخلاقهم وما رأيت منهم ما تريد؟ فقال: والذي بعثك بالحق ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس الى ذوي رحمه إلا وقد زتيتها إليهم وأفضل من ذلك فلم يزدادوا إلا سوء سيرة، فقال: ارجع الى أهلك وأحسن إليهم، فقام الملك من عنده فلبث أياماً، ونزل بخت نصّر على بيت المقدس بأكثر من الجراد، ففزع منهم بنو إسرائيل وقال ملكهم لإرميا: أين ما وعدك ربك؟ فقال: إني بربي واثق.
ثمّ إن الملك الذي أرسله الله يستفتي إرميا عاد إليه وهو قاعد على جدار بيت المقدس فقال مثل قوله الأول وشكا أهله وجورهم وقال له: يا نبيّ الله كلّ شيء كنت أصبر عليه قبل اليوم لأنّ ذلك كان فيه سخطي، وقد رأيتهم اليوم على عمل عظيم من سخط الله تعالى، فلو كانوا على ما كانوا عليه اليوم لم يشتدّ عليهم غضبي، وإنما غضبت اليوم لله وأتيتك لأخبرك خبرهم، وإني أسألك بالله الذي بعثك بالحق إلا ما دعوت الله عليهم أن يهلكوا، فقال إرميا: يا ملك السموات والأرض إن انوا على حقّ وصواب فأبقهم، وإن كانوا على سخطك وعمل لا ترضاه فأهلكهم، فلمّا خرجت الكلمة من فيه أرسل الله صاعقة من السماء في بيت المقدس والتهب مكان القربان وخسف بسبعة أبواب من أبوابها.
فلما رأى ذلك إرميا صاح وشقّ ثيابه ونبذ الرماد على رأسه وقال: يا ملك السموات والأرض، يا أرحم الراحمين أين ميعادك، أيا ربّ، الذي وعدتني به؟ فأوحى الله إليه أنه لم يصبهم ما أصابهم إلا بفتياك التي أفتيت رسولنا، فاستيقن أنها فتياه وأنّ السائل كان من عند الله، وخرج إرميا حتى خالط الوحش، ودخل بخت نصّر وجنوده بيت المقدس، فوطئ الشام وقتل بني اسرائيل حتى أفناهم، وخرّب بيت المقدس وأمر جنوده، فحملوا التراب وألقوه فيه حتى ملأوه ثمّ انصرف راجعاً الى بابل وأخذ معه سبايا بني اسرائيل، وأمرهم، فجمعوا من كان في بيت المقدس كلّهم، فاجتمعوا واختار منهم مائة ألف صبيّ فقسمهم على الملوك والقوّاد الذين كانوا معه، وكان من أولئك الغلمان دانيال النبيّ وحنانيا وعزاريا وميشائيل، وقسّم بني اسرائيل ثلاث فرق، فقتل ثلثاً، وأقرّ بالشام ثلثاً، وسبى ثلثاً، ثمّ عمر الله بعد ذلك إرميا، فه الذي رئي بفلوات الأرض والبلدان.
ثم إنّ بخت نصّر عاد الى بابل وأقام في سلطانه ما شاء الله أن يقيم، ثمّ رأى رؤيا، فبينما هو قد أعبجه ما رأى، فدعا دانيال وحنانيا وعزاريا وميشائيل وقال: أخبروني عن رؤيا رأيتها فأنسيتها، ولذن لم تخبروني بها وبتأويلها لأنزعنّ أكتافكم فخرجوا من عنده ودعوا الله وتضرّعوا إليه وسألوه أن يعلمهم إيّاها، فأعلمهم الذي سألهم عنه، فجاءوا الى بخت نصّر فقالوا: رأيت تمثالاً، قال: صدقتم، قالوا: قدماه وساقاه من فخّار وركبتاه وفخذاه من نحاس وبطنه من فضّة وصدره من ذهب ورأسه وعنقه من حديد، فبينما أنت تنظر إليه قد أعجبك أرسل الله عليه صخرة من السماء فدقّته، وهي التي أنستك الرؤيا قال: صدقتم، فما تأويلها؟ قالوا: أريت ملك الملوك، وبعضهم كان ألين ملكاً من بعض، وبعضهم كان أحسن ملكاً من بعض، وبعضهم أشدّ، وكان أوّل الملك الفخّار، وهو أضعفه وألينه، ثمّ كان فوقه النحاس، وهو أفضل منه وأشدّ، ثمّ كان فوق النحاس الفضّة، وهي أفضل من ذلك وأحسن، ثمّ كان فوقها الذهب، وهو أحسن من الفضّة وأفضل، ثمّ كان الحديد، وهو ملكك، فهو أشد الملوك وأعزّ، وكانت الصخرة التي رأيت قد أرسل الله من السماء فدقّت ذلك جميعه نبيّاً يبعثه الله من السماء ويصير الأمر إليه.

فلما عبّر دانيال ومن معه رؤيا بخت نصّر قرّبهم وأدناهم واستشارهم في أمره، فحسدهم أصحابه وسعوا بهم إليه وقالوا عنهم ما أوحشه منهم، فأمر، فحفر لهم أخدود وألقاهم فيه، وهم ستّة رجال، وألقى معهم سبعاً ضارياً ليأكلهم، ثم قال أصحاب بخت نصّر: انطلقوا فلنأكل ولنشرب، فذهبوا فأكلوا وشربوا، ثمّ راحوا فوجدوهم جلوساً والسبع مفترش ذراعيه بينهم لم يخدش منهم أحداً، ووجدوا معهم رجلاً سابعاً، فخرج إليهم السابع، وكان ملكاً من الملائكة، فلطم بخت نصّر لطمةً فمسخه وصار في الوحش في صورة أسد، وهو مع ذلك يعقل ما يعقله الإنسان، ثم رده الله الى صورة الإنس وأعاد عليه ملكه، فلما عاد الي ملكه كان دانيال وأصحابه أكرم الناس عليه، فعاد الفرس وسعوا بهم الى بخت نصّر وقالوا له في سعايتهم: إنّ دانيال إذا شرب الخمر لا يملك نفسه من كثرة البول، وكان ذلك عندهم عاراً؛ فصنع لهم بخت نصّر طعاماً وأحضره عنده وقال للبواب: انظر أوّل من يخرج ليبول فاقتله، وإن قال لك: أنا بخت نصّر، فقل له: كذبت، بخت نصّر أمرني بقتلك واقتله.
فحبس الله عن دانيال البول، وكان أول من قام من الجمع بخت نصّر فقام مدلاً أنه الملك، وكان ذلك ليلاً، فلما رآه البواب شد عليه ليقتله، فقال له: أنا بخت نصّر فقال: كذبت، بخت نصّر أمرني بقتلك، وقتله.
وقيل في سبب قتله: إن الله أرسل عليه بعوضة فدخلت في منخره وصعدت الى رأسه، فكان لا يقرّ ولا يسكن حتى يدقّ رأسه، فلما حصره الموت قال لأهله: شقّوا رأسي فانظروا ما هذا الذي قتلني، فلما مات شقّوا رأسه فوجدوا البعوضة بزمّ رأسه، ليرى الله العباد قدرته وسلطانه وضعف بخت نصّر، لما تجبّر قتله بأضعف مخلوقاته، تبارك الذي بيده ملكوت كلّ شيء، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
وأما دانيال فإنه أقام بأرض بابل وانتقل عنها ومات ودفن بالسوس من أعمال خوزستان.
ولما أراد الله تعالى أن يردّ بني اسرائيل الى بيت المقدس كان بخت نصّر قد مات، فإنه عاش بعد تخريب بيت المقدس أربعين سنة، في قول بعض أهل العلم، وملك بعده ابن له يقال له أولمردج، فملك الناحية ثلاثاً وعشرين سنة، ثم هلك وملك ابن له بلتاصر سنة، فلما ملك تخلط في أمره، فعزله ملك الفرس حينئذٍ؛ وهو مختلف فيه علي ما ذكرناه؛ واستعمل بعده داريوش على بابل الشام، وبقي ثلاثين سنة، ثمّ عزله واستعمل مكانه أخشويرش، فبقي أربع عشرة سنة، ثمّ ملك ابنه كيرش العلميّ، وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وكان قد تعلّم التوراة ودان باليهودية، وفهم عندانيال ومن معه مثل حنانيا وعزاريا وغيرهما، فسألوه أن يأذن لهم في الخروج الى بيت المقدس، فقال: لو كان بقي منكم منكم ألف نبيّ ما فارقتكم، وولّى دانيال القضاء وجعل إليه جميع أمره، وأره أن يقسم ما غنمه بخت نصّر من بني اسرائيل عليهم، وأمره بعمارة بيت المقدس، فعمّر في أيّامه، وعاد إليه بنو اسرائيل.
وهذه المدّة لهؤلاء الملوك معدودة من خراب بيت المقدس منسوبة الى بخت نصر، وكان ملك كيرش اثنتين وعشرين سنة.
وقيل: إنّ الذي أمر بعود بني اسرائيل الى الشام بشتاسب بن لهراسب، وكان قد بلغه خراب بلاد الشام، وزنها لم يبق بها من بني اسرائيل أحد، فنادى في أرض بابل: من شاء من بني اسرائيل أن يرجع الى الشام فليرجع، وملك عليهم رجلاً من ال داود وأمره أن يعمر بيت المقدس، فرجعوا وعمروه.

وكان إرميا بن خلقيا من سبط هارون بن عمران، فلمّا وطئ بخت نصّر الشام وخرّب بيت المقدس وقتل بني اسرائيل وسباهم، فارق البلاد واختلط بالوحش، فلما عاد بخت نصّر الى بابل أقبل إرميا على حمار له معه عصير عنب وفي يده سلّة تين فرأى بيت المقدس خراباً فقال: (أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام) البقرة: 259 ثم أمات حماره وأعمى عنه العيون، فلما انعمر بيت المقدس أحيا الله من إرميا عينيه، ثمّ أحيا جسده، وهو ينظر إليه، وقيل له: (كم لبثت؟ قال: لبثت يوماً أو بعض يوم)، قيل: (بل لبثت مائة عام، فانظر الى طعامك وشرابك لم يتسنه - يتغيّر - وانظر الى حمارك) فنظر الى عظام حماره وهي تجتمع بعضها الى بعض، ثم كسي لحماً، ثم قام حيّاً بإذن الله، ونظر الى المدينة وهي تبنى، وقد كثر فيها بنو إرسرائيل وتراجعوا إليها من البلاد، وكان عهدها خراباً، وأهلها ما بين قتيل وأسير، فلما رآها عامرة (قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير) البقرة: 259.
وقيل: إنّ الذي أماته الله مائة عام ثمّ أحياه كان عزيزاً، فلما عاش قصد منزله من بيت المقدس على وهم منه فرأى عنده عجوزاً عمياء زمنه كانت جارية له، ولها من العمر مائة وعشرون سنة، فقال لها: هذا منزل عزيز؟ قالت: نعم، وبكت وقالت: ما أرى أحداً يذكر عزيزاً غيرك فقال: أنا عزيز، فقالت: إنّ عزيزاً كان مجاب الدعوة، فادع الله لي بالعافية، فدعا لها فعاد بصرها وقامت ومشت، فلما رأته عرفته، وكان لعزيز ولد وله من العمر مائة وثلاث عشرة سنة، وله أولاد شيوخ، فذهبت إليهم الجارية وأخبرتهم به، فجاؤوا، فلما رأوه عرفه ابنه بشامة كانت في ظهره.
وقيل: إنّ عزيزاً كان مع بني اسرائيل بالعراق، فعاد الى بيت المقدس فجدّد لبني اسرائيل التوراة لأنهم عادوا الى بيت المقدس، ولم يكن معهم التوراة لأنها كانت قد أُخذت فيما أخذ وأحرقت وعدمت، وكان عزيز قد أخذ مع السبي، فلما عاد عزيز الى بيت المقدس مع بني اسرائيل جعل يبكي ليلاً ونهاراً وانفرد عن الناس، فبينما هو كلذكل في حزنه إذ أقبل إليه رجل، وهو جالس، فقال: يا عزيز ما يبكيك؟ فقال: أبكي لأنّ كتاب الله وعهده كان بين أظهرنا فعدم، قال: فتريد أن يردّه الله عليكم؟ قال: نعم، قال: فارجع وصم وتطهر والميعاد بيننا غداً هذا المكان، ففعل عزيز ذلك وأتي المكان فانتظره، وأتاه ذلك الرجل بإناء فيه ماء، وكان ملكاً بعثه الله في صورة رجل، فسقاه من ذلك الإناء، فتمثلت التوراة في صدره، فرجع الى بني اسرائيل فوضع لهم التوراة يعرفونها بحلالها وحرامها


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohammed.mansy@yahoo.com
محمد منسى
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 19288
العمر : 39
الموقع : منتديات ابو ريوف
تاريخ التسجيل : 26/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الأحد 25 نوفمبر 2018 - 17:57

وحدودها، فزحبّوه حبّاً شديداً لم يحبّوا شيئاً قطّ مثله، وأصلح أمرهم، وأقام عزيز بينهم، ثمّ قبضه الله إليه على ذلك، وحدثت فيهم الأحداث، حتى قال بعضهم: عزيز ابن الله ولم يزل بنو اسرائيل ببيت المقدس، وعادوا وكثروا حتى غلبت عليهم الروم زمن ملوك الطوائف، فلم يكن لهم بعد ذلك جماعة.
وقد اختلف العلماء في أمر بخت نصّر وعمارة بيت المقدس اختلافاً كثيراً تركنا ذكره اختصاراً.
ذكر غزو بختنصّر العرب
قيل: أوحى الله إلى برخيا بن حنيا يأمره أن يقول لبخت نصّر ليغزو العرب فيقتل مقاتلتهم ويسبي ذراريهم ويستبيح أموالهم عقوبة لهم على كفرهم، فقال برخيا لبخت نصّر ما أمر به، فابتدأ بمن في بلاده من تجار العرب فأخذهم وبنى لهم حران بالنجف وحبسهم فيه ووكل بهم، وانتشر الخبر في العرب، فخرجت إليه طوائف منهم مستأمنين، فقبلهم وعفا عنهم فأنزلهم السواد، فابتنوا الزنبار، وخلّى عن أهل الحيرة فاتخذوها منزلاً حياة بخت نصّر.

فلمّا مات انضمّوا الى أهل الأنبار، وهذا أول سكنى العرب السواد بالحيرة والأنبار، وسار الى العرب بنجد والحجاز، فأوحى الله إلى برخيا وإرميا يأمرهما أن يسير الى معدّ بن عدنان فيأخذاه ويحملاه الى حرّان، وأعلمهما أنه يخرج من نسله محمد، صلى الله عليه وسلم، الذي يختم به الأنبياء؛ فسارا تطوى لهما المنازل والأرض حتى سبقا بخت نصّر الى معد، فحملاه الى حرّان في ساعتهما، ولمعدّ حينئذٍ اثنتا عشرة سنة، وسار بخت نصّر فلقي جموع العرب فقاتلهم فهزمهم وأكثر القتل فيهم، وسار الى الحجاز فجمع عدنان العرب والتقى هو وبخت نصّر بذات عرق قاتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم عدنان وتبعه بخت نصّر الى حصون هناك، واجتمع عليه العرب وخندق كلّ واحد من الفريقين على نفسه وأصحابه، فكمّن بخت نصّر كميناً، وهو أول كمين عمل، وأخذتهم السيوف، فنادوا بالويل، ونهي عدنان عن بخت نصّر، وبخت نصّر عن عدنان، فافترقا، فلما رجع بخت نصّر خرج معد بن عدنان مع الأنبياء حتى أتى مكّة فأقام أعلامها وحج ّوحجّ معه الأنبياء، وخرج معدّ حتى أتى ريشوب وسأل عمّن بقي منولد الحرث بن مضاض الجرهميّ، فقيل له: بقي جوشم بن جلهمة، فتزوج معد ابنته معانة، فولدت له نزار بن معدّ.
ذكر بشتاسب والحوادث في ملكه وقتل أبيه لهراسبلما ملك بشتاسب بن لهراسب ضبط الملك وقرّر قوانينه وابتنى بفارس مدينة فسا ورتّب سبعة من عظماء أهل مملكته مراتب وملك كلّ واحد منهم مملكة على قدر مرتبته، ثمّ إنّه أرسل إلى ملك الترك، واسمه خرزاسف، وهو أخو أفراسياب، وصالحه، واستقرّ الصلح على أن يكون لبشتاسب دابّة واقفة على باب ملك الترك لا تزال علي عادتها على أبواب الملوك، فلما جاء زرادشت الى بشتاسب واتبعه على ما ذكرناه أشار زرادشت على بشتاسب بنقض الصلح مع ملك الترك، وقال: أنا أعيّن لك طالعاً تسير فيه الى الحرب فتظفر؛ وهذا أول وقت وضعت فيه الاختيارات للملوك بالنجوم؛ وكان زرادشت عالماً بالنجوم جيّد المعرفة بها، فأجابه بشتاسب الى ذلك، فأرسل الى الدابّة التي بباب ملك الترك والى الموكّل بها فصرفهما، فغضب ملك الترك وأرسل اليه يتهدده وينكر عليه ذلك ويأمره بإنفاذ زرادشت إليه وإن لم يفعل غزاه وقتله وأهل بيته.
فكتب إليه بشتاسب كتاباً غليظاً يؤذنه فيه بالحرب، وسار كلّ واحد منهما الى صاحبه والتقيا واقتتلا قتالاً شديداً، فكانت الهزيمة على الترك، وقتلوا قتلاً ذريعاً، ومرّوا منهزمين، وعاد بشتاسب الى بلخ، وعظم أمر زرادشت عند الفرس، وعظم شأنه حيث كان هذا الظفر بقوله.
وكان أعظم الناس غناء في هذه الحرب إسفنديار بن بشتاسب، فلما انجلت الحرب سعى الناس بي بشتاسب وابنه اسفنديار وقالوا: ويريد الملك لنفسه، فندبه لحرب بعد حرب، ثمّ أخذه وحبسه مقيّداً.
ثم إنّ بشتاسب سار الى ناحية كرمان وسجستان وسار الى جبل يقال له طمبدر لدراسة دينه والتنسّك هناك، وخلف أباه لهراسب ببلخ شيخاً قد أبطله الكبر، وترك بها خزائنه وأولاده ونساءه، فبلغت الأخبار إلى ملك الترك خرزاسف، فلمّا تحققها جمع عساكره وحشد وسار الى بلخ وانتهز الفرصة بغيبة بشتاسب عن مملكته، ولما بلغ بلخ ملكها وقتل لهراسب وولدين لبشتاسب والهرابذة وأحرق الدواوين وهدم بيوت النيران وأرسل السرايا إلى البلاد، فقتلوا وسبوا وأخربوا، وسَبى ابنتين لبشتاسب إحداهما خُمانى والاخرى باذافره، وأخذ علمهم الأكبر المعروف بدرفش كابيان، وسار متبعاً لبشتاسب، وهرب بشتاسب من بين يديه فتحصّن بتلك الجبال مما يلي فارس، وضاق ذرعاً بما نزل به.
فلما اشتدّ عليه الأمر أرسل الى ابنه اسفنديار مع عالمهم جاماسب، فأخرجه من محبسه واعتذر إليه ووعده أن يعهد إليه بالملك من بعده، فلمّا سمع إسفنديار كلامه سجد له ونهض من عنده وجمع من عنده من الجند وبات ليلته مشغولاً بالتجهّز وسار من الغد نحو عسكر الترك وملكهم، والتقوا واقتتلوا والتحمت الحرب وحمي الوطيس، وحمل إسفنديار على جانب من العسكر فأثّر فيه ووّهنه، وتابع الحملات، وفشا في الترك أنّ إسفنديار هو المتولّي لحربهم، فانهزموا لا يلوون على شيء، وانصرف إسفنديار وقد ارتجع درفش كابيان.

فلمّا دخل على أبيه استبشر به وأمره باتباع الترك ووصّاه بقتل ملكهم ومن قدر عليه من أهله ويقتل من الترك من أمكنه قتله وأن يستنقذ السبايا والغنائم التي أُخذت من بلادهم، فسار إسفنديار ودخل بلاد الترك وقتل وسبى وأخرب وبلغ مدينتهم العظمى ودخلهم عنوة وقتل الملك وإخوته ومقاتلته واستباح أمواله وسبى نساءه واستنقذ أختيه ودوّخ البلاد وانتهى الى آخر حدود بلاد الترك والى التّبّت، وأقطع بلاد الترك، وجعل كلّ ناحية الى رجل من وجوه الترك بعد أن آمنهم ووظف عليهم خراجاً يحملونه كلّ سنة الى أبيه بشتاسب، ثم عاد الى بلخ.
فحسده أبوه بما ظهر منه من حفظ الملك والظفر بالترك، وأسرّ ذلك في نفسه، وأمره بالتجهّز والمسير الى قتال رستم الشديد بسجستان، وقال له: هذا رستم متوسّط بلادنا ولا يعطينا الطاعة لأن الملك كيكاووس وأعتقه فأقطعه إيّاها؛ وقد ذكرنا ذلك في ملك كيكاوو؛ وكان عغرض بشتاسب أن يقتله رستمُ أو يقتل هو رستم، فإنه كان أيضاً شديد الكراهة لرستم، فجمع العساكر وسار الى رستم لينزع سجستان منه، فخرج إليه رستم وقاتله، فجمع العساكر وسار الى رستم لينزع سجستان منه، فخرج إليه رستم وقاتله، فقتل إسفنديار، قتله رستم.
ومات بشتاسب، وكان ملكه مائة سنة واثنتي عشرة سنة، وقيل: مائة وعشرين سنة، وقيل: مائة وخمسين سنة.
وقيل: إنه جاءه رجل من بني اسرائيل زعم أنه نبيّ أرسل إليه واجتمع به ببلخ، فكان يتكلّم بالعبريّ وزرادشت نبيّ المجوس يعبّر عنه، وجاماسب العالم هو حاضر معهم يترجم أيضاً عن الاسرائيلي، وكان بشتاسب ومن قبله من آبائه وسائر الفرس يدينون بدين الصابئة قبل زرادشت.
ذكر الخبر عن ملوك بلاد اليمن

من أيام كيكاووس الى أيام بهمن بن اسفنديار

قد مضي ذكر الخبر عمّن زعم أنّ كيكاووس كان في عهد سليمان بن داود، وقد ذكرنا من كان في عهد سليمان من ملوك اليمن والخبر عن بلقيس بنت ايلشرح، وصار الملك بعد بلقيس الى ياسر بن عمرو بن يعفر الذي يقال له أنعم الانعامة، قال أهل اليمن: إنّه سار غازياً نحو المغرب حتى بلغ وادياً يقال له وادي الرمل، ولم يبلغه أحد قبله، فلمّا انتهى اليه لم يجد وراءه مجازاً لكثرة الرمل، فبينما هو مقيم عليه إذ انكشف الرمل فأمر رجلاً يقال له عمرو أن يعبر هو وأصحابه، فعبروا، فلم يرجعوا، فلمّا رأى ذلك أمر بنصب صنم نحاس، فصُنع ثمّ نُصب على صخرة على شفير الوادي وكتب على صدره بالمسند: هذا الصنم لياسر أنعم الحميريّ، ليس وراءه مذهب فلا يتكلّفنّ أحد ذلك فيعطب.
وقيل: إنّ وراء ذلك الرمل قوماً من أمّه موسى، وهم الذين عنى الله بقوله: (ومن قوم موسى أمّة يهدون بالحق وبه يعدلون) الاعراف: 951؛ والله أعلم.
ثمّ ملك بعده تُبّع، وهو تُبّان، وهو أسعد، وهو أبو كرب بن ملكيكرب تّبع بن زيد بن عمرو بن تبّع، وهو ذو الأذعار بن أبرهة تبّع ذي المنار بن الرايش بن قيس بن صيفي بن سبأ، وكان يقال له الزايد، وكان تبّع هذا في أيام بشتاسب وأردشير بهمن بن إسفنديار بن بشتاسب، وإنه شخص متوجّهاً من اليمن في الطريق الذي سلكه الرايش حتى خرج على جبلي طيّء، ثمّ سار يريد الأنبار، فلمّا انتهى الى موضع الحيرة تحيّر، وكان ليلاً، فأقام بمكانه، فسمّي ذلك المكان بالحيرة، وخلّف به قوماً من الأزد ولخم وجُذام وعاملة وقُضاعة، فبنوا وأقاموا به، ثمّ انتقل إليهم بعد ذلك ناس من طيّء وكلب والسكون وبلحرث بن كعب وإياد، ثم توجّه الى الموصل، ثم الى أذربيجان، فلقي الترك فهزمهم، فقتل المقاتلة وسبى الذرّيّة، ثم عاد الى اليمن، فهابته الملوك وأهدوا إليه، وقدمت عليه هديّة ملك الهند، وفيها تحف كثيرة من الحرير والمسك والعود وسائر طرف الهند، فرأى ما لم يرَ مثله، فقال للرسول: كلّ هذا في بلدكم؟ فقال: أكثره من بلد الصين، ووصف له بلد الصين، فحلف ليغزونها، فسار بحمير حتى أتى الى الركائك وأصحاب القلانس السود، ووجّه رجلاً من أصحابه يقال له ثابت نحو الصين في جمع عظيم، فأصيب، فسار تبّع حتى دخل الصين، فقتل مقاتلتها واكتسح ما وجد فيها، وكان مسيره ومقامه ورجعته في سبع سنين.
ثمّ إنهّ خلّف بالتّبّت اثني عشر ألف فارس من حمير، فهم أهل التّبّت، ويزعمون أنهم عرب، وألوانهم ألوان العرب وخلقهم.
وهكذا ذكر، وقد خالف هذه الرواية كثير من أصحاب السير والتواريخ، وكل واحد منهم خالف الآخر، وقدّم بعضهم من أخره الآخر، فلم يحصل منهم كثير فائدة، ولكن ننقل ما وجدنا مختصراً.
ذكر خبر أردشير بهمن وابنته خمانيثم ملك بعد بشتاسب ابن ابنه أردشير بهمن بن اسفنديار، وكان مظفراً في مغازيه، وملك أكثر من أبيه، وقيل: إنه ابتنى بالسواد مدينة وسمّاها أياوان أردشير، وهي القرية المعروفة بهمينيا بالزاب الأعلى، وابتنى بكور دجلة الأبلّة، وسار الى سجستان طالباً بثأر أبيه، فقتل رستم وأباه دستان وابنه فرامرز. وبهمن هو أبو دارا الأكبر، وأبو ساسان أبي ملوك الفرس الأحرار أردشير ابن بابك وولده، وأمّ دارا خمانى ابنة بهمن، فهي أخته وأمّه.
وغزا بهمن رومية الداخلة في ألف ألف مقاتل، وكان ملوك الأرض يحملون إليه الإتاوة، وكان أعظم ملوك الفرس شأناً وأفضلهم تدبيراً. وكانت أمّ بهمن من نسل بنيامين بن يعقوب، وأم ابنه ساسان من نسل سليمان بن داود، وكان ملك بهمن مائة وعشرين سنة، وقيل: صمانين سنة، وكان متواضعاً مرضيّاً فيهم، وكانت كتبه تخرج: من عبد الله خادم الله السائس لأموركم.
ثمّ ملكت بعده ابنته خمانى، ملكوها حبّاً لأبيها ولعقلها وفروسيتها، وكانت تلقّب بشهرزاد، وقيل: إنما ملكت لأنها حين حملت منه دارا الأكبر سألته أن يعقد التاج له في بطنها ويؤثره بالملك، ففعل بهمن وعقد التاج عليه حملاً في بطنها، وساسان بن بهمن رجل يتصنع للملك، فلمّا رأى فعل أبيه لحق باصطخر وتزهّد ولحق برؤوس الجبال واتخذ غنماً، وكان يتولاها بنفسه، فاستبشعت العامّة ذلك منه.
وهلك بهمن وابنه دارا في بطن أمه، فملكوها، ووضعته بعد أشهر من ملكها، فأنفت من إظهار ذلك وجعلته في تابوت وجعلت معه جواهر وأجرته في نهر الكرّ من اصطخر، وقيل: بنهر بلخ، وسار التابوت الى طحّان من أهل اصطخر، ففرح لما فيه من الجوهر، فحضنته امرأته، ثم ظهر أمره حين شبّ، فأقرّت خمانى بإساءتها، فلما تكامل امتحن فوجد على غاية ما يكون أبناء الملوك، فحوّلت التاج إليه وسارت الى فارس وبنت مدينة اصطخر، وكانت قد أوتيت ظفراً وزغزت الروم وشغلت الأعداء عن تطرّق بلادها، وخفّفت عن رعيّتها الخراج؛ وكان ملكها ثلاثين سنة.
وقيل: إنّ خمانى أم دارا حضنته حتى كبر فسلّمت إليه وعزلت نفسها، فضبط الملك بشجاعة وحزم.
ونرجع إلى ذكر بني اسرائيل ومقابلة تاريخ أيّامهم إلى حين تصرّمها ومدّة من كان في أيامهم من ملوك الفرس.
قد ذكرنا فيما مضي سبب انصراف من انصرف الى بيت المقدس من سبايا بني اسرائيل الذي كان بخت نصّر سباهم، وكان ذلك في أيّام كيرش بن اخشويرش، وملكه ببابل من قبل بهمن وأربع سنين بعد وفاته في ملك ابنته خُمانى، وكانت مدّة خراب بيت المقدس من لدن خرّبّه بخت نصّر مائة سنة، كلّ ذلك في أيّام بهمن بعضه وفي أيّام ابنته خُمانى بعضه، وقيل غير ذلك، وقد تقدّم ذكر الاختلاف.
وقد زعم بعضهم أنّ كيرش هو بشتاسب، وأنكر عليه قوله ولم يملك كيرش منفرداً قطّ.
ولما عمر بيت المقدس ورجع إليه أهله كان فيهم عزير، وكان الملك عليهم بعد ذلك من قبل الفرس إما رجل منهم وإما رجل من بني اسرائيل، إلى أن صار الملك بناحيتهم لليونانية والروم لسبب غلبة الإسكندر على الناحية حين قتل داراً بن دارا، وكان جملة مدّة ذلك فيما قيل ثمانياً وثمانين سنة.
ذكر خبر دارا الأكبر وابنه دارا الأصغر وكيف كان هلاكه مع خبر ذي القرنينوملك دارا بن بهمن بن إسفنديار، وكان يلقّب جهرازاد، يعني كريم الطبع، فنزل ببابل، وكان ضابطاً لملكه قاهراً لمن حوله من الملوك، يؤدّون إليه الخراج، وبنى بفارس مدينة سمّاها دارابجرد، وحذّف دوابّ البرد ورتّبها، وكان معجباً بابنه دارا ومن حبّه له سمّاه باسم نفسه وصيّر له الملك بعده. وكان ملكه اثنتين وعشرين سنة.
ثم ملك بعده ابنه دارا وبنى بأرض الجزيرة بالقرب من نصيبين مدينة دارا، وهي مشهورة إلى الآن، واستوزر إنساناً لا يصلح لها، فأفسد قلبه على أصحابه، فقتل رؤساء عسكره واستوحش منه الخاصّة والعامّة، وكان شابّاً غرّاً جميلاً حقوداً سيّء السيرة في رعيّته.
وكان ملكه أربع عشرة سنة.
ذكر الإسكندر ذي القرنين

كان فيلفوس أبو الاسكندر اليونانيّ من أهل بلدة يقال لها مقدونية، كان ملكاً عليها وعلى بلاد أخرى، فصالح دارا على خراج يحمله إليه في كلّ سنة، فلما هلك فيلفوس ملك بعده ابنه الاسكندر واستولى على بلاد الروم أجمع، فقوي على دارا فلم يحمل إليه من الخراج شيئاً، وكان الخراج الذي يحمله بيضاً من ذهب، فسخط عليه دارا وكتب إليه يؤنّبه بسوء صنيعه في ترك حمل الخراج، وبعث إليه بصولجان والرة ويترك الملك، وإن لم يفعل ذلك واستعصى عليه بعث إليه من يأتيه به في وثاق، وإنّ عدّة جنوده كعدّة حبّ السمسم الذي بعث به إليه.
فكتب إليه الاسكندر: إنه قد فهم ما كتب به، وقد نظر الى ما ذكر في كتابه إليه من إرساله الصولجان والكرة وتيمّن به لإلقاء الملقي الكرة الى الصولجان واحترازه إيّاها؛ وشبّه الأرض بالكرة، وأنّه يجرّ ملك دارا إلى ملكه، وتيمّنه بالسمسم الذي بعث كتيمّنه بالصولجان والكرة لدسمه وبعده من المرارة والحرافة، وبعث إليه بصرّة فيها خردل، وزعلمه في ذلك أنّ ما بعث به إليه قليل ولكنّه مرّ حرّيف، وأنّ جنوده مثله، فلمّا وصل كتباه إلى دارا تأهّب لمحاربته.
وقد زعم بعض العلماء بأخبار الأوّلين أنّ الإسكندر الذي حارب دارا بن دارا هو أخو دارا الأصغر الذي حربه، وأنّ أباه دارا الأكبر كان تزّوج أمّ الإسكندر، وهي ابنة ملك الروم، فلمّا حُملت إليه وجد نتن ريحها وسهكها، فأمر أن يحتال لذلك منها؛ فاجتمع رأي أهل المعرفة في مداواتها على شجرة يقال لها بالفارسيّة سندر، فغسلت بمائها فأذهب ذلك كثيراً من نتنها ولم يذهب كلّه، وانتهت نفسه عنها، فردّها الى أهلها، وقد علقت منه فولدت في أهلها غلاماً فسمّته باسم الشجرة التي غُسلت بمائها مضافاً إلى اسمها، وقد هلك أبوها وملك الإسكندر بعده، فمنع الخراج الذي كان يؤديه جدّه، إلى دارا، فأرسل يطلبه، وكان بيضاً من ذهب، فأجابه: إنّي قد ذبحت الدجاجة التي كانت تبيض ذلك البيض وأكلت لحمها، فإن زحببت وادعناك، وإن أحببت ناجزناك.
ثم خاف الإسكندر من الحرب فطلب الصلح، فاستشار دارا أصحابه، فأشاروا عليه بالحرب لفساد قلوبهم عليه، فعند ذلك ناجزه دارا القتال، فكتب الإسكندر إلى حاجبي دارا وحكّمهما على الفتك بدارا، فاحتكما شيئاً، ولم يشترطا أنفسهما، فلمّا التقيا للحرب طعن دارا حاجباه في الوقعة، وكان الحرب بينهما سنة، فانهزم أصحاب دارا ولحقه الاسكندر وهو بآخر رمق.
وقيل: بل فتك به رجلان من حرسه من أهل همذان حبّاً للراحة من ظلمه، وكان فتكهما به لما رأيا عسكره قد انهزم عنه، ولم يكن ذلك بأمر الإسكندر، وكان قد أمر الإسكندر منادياً ينادي عند هزيمة عسكر دارا أن يؤسر دارا ولا يُقتل، فأخبر بقتله، فنزل إليه ومسح التراب عن وجهه وجعل رأسه في حجره وقال له: إنما قتلك أصحابك وإنني لم أهمّ بقتلك قطّ، ولقد كنتُ أرغب بك يا شريف الأشراف ويا ملك الملوك وحُرّ الأحرار عن هذا المصرع، فأوص بما أحببت، فأوصاه دارا أن يتزوّج ابنته روشنك ويرعى حقها ويعظّم قدرها ويستبقي أحرار فارس ويأخذ له بثزره ممّن قتله، ففعل الاسكندر ذلك أجمع وقتل حاجبي دارا، وقال لهما: إنكما لم تشترطا نفوسكما، فقتلهما بعد أن وفى لهما بما ضمن لهما، وقال: ليس ينبغي أن يُستبقى قاتل الملوك إلا بذمّة لا تخفر، وكان التقاؤهما بناحية خراسان مما يلي الخزر، وقيل: ببلاد الجزيرة عند دارا.
وكان ملك الرّوم قبل الإسكندر متفرّقاً فاجتمع، وملك فارس مجتمعاً فتفرّق، حمل الإسكندر كتباً وعلوماً لأهل فارس من علوم ونجوم وحكمة ونقله الى الرومية.
وقذ ذكرنا قول من قال إنّ الإسكندر أخو دارا لأبيه، وأمّا الروم وكثير من أهل الأنساب فيزعمون أنّه الإسكندر بن فيلفوس، وقيل فيلبوس بن مطريوس، وقيل: ابن مصريم بن هرمس بن هردس بن ميطون بن رومي بن ليطي بن يونان بن يافث بن ثوبة بن سرحون بن روميط بن زنط بن توقيل بن رومي بن الأصفر بن اليفز بن العيص بن اسحاق بن ابراهيم.

فجمع بعد هلك دارا مُلك دارا فملك العراق والشام والروم ومصر والجزيرة، وعرض جنده فوجدهم على ما قيل ألف ألف وأربعماذة ألف رجل، منهم من جنده ثمانمائة ألف رجل، ومن جند دارا ستّمائة ألف رجل، وتقدّم بهدم حصون فارس وبيوت النيران وقتل الهرابذة، وأحرق كتبهم، واستعمل على مملكة فارس رجالاً، وسار قدماً الى أرض الهند فقتل ملكها وفتح مدنها وخرّب بيوت الأصنام وأحرق كتب علومهم، ثم سار منها الى الصين، فلمّا وصل إليها أتاه حاجبه في الليل وقال: هذا رسول ملك الصين، فزحضره فسلّم وطلب الخلوة، ففّتّشوه فلم يروا معه شيئاً، فخرج من كان عند الإسكندر، فقال: أنا ملك الصين جئت أسألك عن الذي تريده، فإن كان مما يمكن عمله عملته وتركت الحرب، فقال له الاسكندر: ما الذي آمنك مني؟ قال: علمت أنك عاقل حكيم ولم يكن بيني وبينك عداوة ولا دخل، وأنت تعلم أنك إن قتلتني لم يكن قتلي سبباً لتسليم أهل الصين مُلكي إليك، ثم إنّك تنسب إلى الغدر.
فعلم أنه عاقل فقال له: أريد منك ارتفاع ملكك لثلاث سنين عاجلاً ونصف الارتفاع لكل سنة، قال: قد أجبتك ولكن أسألني كيف حالي، قال: قل كيف حالك؟ قال: أكون أوّل قتيل لمحارب وأول أكلة لمفترس، قال: فإن قنعت منك بارتفاع سنتين؟ قال: يكون حالي أصلح قليلاً، قال: فإن قنعت منك بارتفاع سنة؟ قال: يبقى ملكي وتذهب لذّاتي، قال: وأنا أترك لك ما مضى وآخذ الثلث لكلّ سنة فكيف يكون حالك؟ قال: يكون السدس للفقراء والمساكين ومصالح البلاد، والسدس لي، والثلث للعسكر، والثالث لك، قال: قد قنعتُ منك بذلك، فشكره وعاد، وسمع العسكر بذلك ففرحوا بالصلح.
فلمّا كان الغد خرج ملك الصين بعسكر عظيم أحاط بعسكر الإسكندر، فركب الإسكندر والناس، فظهر ملك الصين على الفيل وعلى رأسه التاج، فقال له الإسكندر: أغدرت؟ قال: لا ولكنّي أردت أن تعلم أني لم أطعك من ضعف ولكني لما رأيت العالم العلويّ مقبلاً عليك أردت طاعته بطاعتك والقرب منه بالقرب منك، فقال له الإسكندر: لايسأم مثلك الجزية، فما رأيت بيني وبينك من يستحق الفضل والوصف بالعقل غيرك، وقد زعفيتك من جميع ما أردته منك وأنا منصرف عنك، فقال له ملك الصين: فلست تخسر، وبعث إليه بضعف ما كان قرّره معه، وسار الإسكندر عنه من يومه ودانت له عامّة الأرضين في الشرق والغرب وملك التّبّت وغيرها.
فلمّا فرغ من بلاد المغرب والمشرق وما بينهما قصد بلاد الشمال، وملك تلك البلاد ودان له من بها من الأمم المختلفة إلى أن اتّصل بديار يأجوج ومأجوج، وقد اختلفت الأقوال فيهم، والصحيح أنهم نوع من الترك لهم شوكة وفيهم شرّ، وهم كثيرون، وكانوا يفسدون فيما يجاورهم من الأرض ويخربون ما قدروا عليه من البلاد ويؤذون من يقرب منهم، فلمّا رأى أهلُ تلك البلاد الإسكندر شكوا إليه من شرّهم، كما أخبر اللّه عنهم في قوله: (ثمَّ زتبع سبباً حتى إذا بلغ بين السدّين) الكهف: 93 وهما جبلان متقابلان لا يرتقى فيهما وليس لهما مخرج إلا من الفرجة التي بينهما فلما بلغ إلى تلك وقارب السدين - (وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولاً؛ قالوا ياذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سدّاً؟ قال ما مكّنّي فيه ربيّ خيرٌ فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردماً) الكهف: 93 - 95، يقول: ما مكّنّي فيه ربيّ خير من خرجكم، ولكن أعينوني بالقوّة، والقوّة الفعلة والصُّناع والآلة التي يبنى بها، فقال: (آتوني زبر الحديد) الكهف: 96، أي قطع الحديد، فأتوه بها، فحفر الأساس حتى بلغ الماء، ثمّ جعل الحديد والحطب صفوفاً بعضها فوق بعض (حتى إذا ساوى بين الصّدفين)، وهما جبلان، أشعل النار في الحطب فحمي الحديد وأفرغ عليه القطر، وهو النحاس المذاب، فصار موضع الحطب وبين قطع الحديد، فبقي كأنّه برد محبّر من حمرة النحاس وسواد الحديد، وجعل أعلاه شرفاً من الحديد، فامتنعت يأجوج ومأجوج من الخروج الى البلاد المجاورة لهم، قال الله تعالى: (فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً) الكهف: 97.

فلمّا فرغ من أمر السدّ دخل الظلمات مما يلي القطب الشمالي، والشمس جنوبية، فلهذا كانت ظلمة، وإلا فليس في الأرض موضع إلا تطلع الشمس عليه أبداً، فلمّا دخل الظلمات أخذ معه زربعمائة من أصحابه يطلب عين الخلد، فسار فيها ثمانية عشر يوماً، ثم خرج ولم يظفر بها، وكان الخضر على مقدّمته، فظفر بها وسبح فيها وشرب منها، والله أعلم.
ورجع إلى العراق فمات في طريقه بشهر زور بعلّة الخوانيق، وكان عمره ستّاً وثلاثين سنة في قول، ودفن في تابوت من ذهب مرصّع بالجوهر وطلي بالصبر لئلا يتغيّر وحمل إلى أمه بالاسكندرية.
وكان ملكه أربع عشرة سنة، وقتل دارا في السنة الثالثة من ملكه، وبنى اثني عشرة مدينة، منها: أصبهان، وهي التي يقال لها جَبّي، ومدينة هراة، ومرو، وسمرقند، وبنى بالسواد مدينة لروشنك ابنة دارا، وبأرض اليونان مدينة، وبمصر الاسكندرية.
فلمّا مات الإسكندر أطاف به من معه من الحكماء اليونانيين والفرس والهند وغيرهم، فكان يجمعهم ويستريح إلى كلامهم، فوقفوا عليه، فقال كبيرهم: ليتكلم كلّ واحد منكم بكلام يكون للخاصّة معزّياً وللعامّة واعظاً، ووضع يده على التابوت وقال: أصبح آسر الأسراء أسيراً، وقال آخر: هذا الملك كان يخبأ الذهب فقد صار الذهب يخبأه، وقال آخر: ما أزهد النّاس في هذا الجسد وما أرغبهم في التابوت، وقال آخر: من أعجب العجب أنّ القويّ قد غلب والضعفاء لا هون مغترّون، وقال آخر: هذا الذي جعل أجله ضماراً وجعل أمله عياناً، هلاّ باعدت من أجلك لتبلغ بعض أملك، بل هلاّ حقّقت من أملك بالامتناع من وفور أجلك، وقال آخر: أيّها الساعي المنتصب جمعت ما خذلك عند الاحتياج إليه فغودرت عليه أوزاره وقارفت آثامه فجمعت لغيرك وإثمه عليك، وقال آخر: قد كنت لنا واعظاً فما وعظتنا موعظة أبلغ من وفاتك فمن كان له معقول فليعقل، ومن كان معتبراً فليعتبر، وقال آخر: رُبّ هائب لك يخافك من ورائك وهو اليوم بحضرتك ولا يخافك، وقال آخر: رُبّ حريص على سكوتك إذ لا تسكت، وهو اليوم حريص على كلامك إذ لا تتكلّم، وقال آخر: كم أماتت هذه النفس لئلاّ تموت وقد ماتت، وقال آخر، وكان صاحب كتب الحكمة: قد كنت تزمرني أن لا أبعد عنك فاليوم لا أقدر على الدنّو منك، وقال آخر: هذا يوم عظيم أقبل من شرّه ما كان مدبراً، وأدبر من خيره ما كان مقبلاً، فمن كان باكياً على مَنْ زال ملكه فليبك، وقال آخر: يا عظيم السلطان اضمحل سلطانك كما اضمحلّ ظلّ السحاب، وعفت آثار مملكتك كما عفت آثار الذباب، وقال آخر: يا من ضاقت عليه الأرض طولاً وعرضاً ليت شعري كيف حالك بما احتوى عليك منها وقال آخر: اعجبوا مّمن كان هذا سبيله كيف شهر نفسه بجمع الأموال الحطام البائد والهشيم النافد، وقال آخر: أيّها الجمع الحافل والملقى الفاضل لا ترغبوا فيما لا يدوم سروره وتنقطع لذّته، فقد بان لكم الصلاح والرشاد من الغيّ والفساد، وقال آخر: يا من كان غضبُه الموت هلاّ غضبت على الموت وقال آخر: قد رأيتم هذا الملك الماضي فليتعظ به هذا الملك الباقي، وقال آخر: إن الذي كانت الآذان تنصت له قد سكت فليتكلّم الآن كلّ ساكت، وقال آخر: سيلحق بك مَنْ سرّه موتك كما لحقت بمن سرّك موته، وقال آخر: ما لك لا تقلّ عضواً من أعضائك وقد كنت تستقلّ بملك الأرض بل ما لك لا ترغب عن ضيق المكان الذي أنت فيه وقد كنت ترغب عن رحب البلاد وقال آخر: إنّ دنيا يكون هذا في آخرها فالزهد أولى أن يكون في أولها.
وقال صاحب مائدته: قد فرشتُ النمارق ونضدت النضائد ولا أرى عميد القوم، وقال صاحب بيت ماله: قد كنت تأمرني بالادّخار فإلى من أدفع ذخائرك؟.
وقال آخر: هذه الدنيا الطويلة العريضة قد طويت منها في سبعة أشبار ولو كنت بذلك موقناً لم تحمل على نفسك في الطلب.
وقالت زوجته روشنك: ما كنتُ أحسب أنّ غلاب دارا يُغلب، فإنّ الكلام الذي سمعت منكم فيه شماتة، فقد خلف الكأس الذي شرب به ليشربه الجماعة، وقالت أمّه حين بلغها موته: لئن فقدت من ابني أمرَه لم يُفقد من قلبي ذكره.
فهذا كلام الحكماء فيه مواعظ وحكم حسنة فلهذا أثبتّها.

ومن حيل الإسكندر في حروبه أنه لما حارب دارا خرج الى بين الصفّين وأمر منادياً فنادى: يا معشر الفرس قد علمتم ما كتبتم إلينا وما كتبنا إليكم من الأمان، فمن كان منكم على الوفاء فليعتزل فإنّه يرى منّا الوفاء، فاتّهمت الفرس بعضها بعضاً واضطربوا.
ومن حيله أنّه تلقّاه ملك الهند بالفيلة، فنفرت خيلُ أصحابه عنها، فعاد عنه وأمر باتخاذ فيلة من نحاس وألبسها السلاح وجعلها مع الخيل حتى ألفتها، ثمّ عاد الى الهند، فخرج إليهم ملك الهند، فأمر الإسكندر بتلك الفيلة فملئت بطونها من النفط والكبريت وجرّت على العجل إلى وسط المعركة ومعها جمع من أصحابه، فلما نشبت الحرب أمر بإشعال النار في تلك الفيلة، فلمّا حميت انكشف أصحابه عنها وغشيتها فيلة الهند، فضربتها بخراطيمها فاحترقت وولّت هاربة راجعة على الهند، فانهزموا بين يديها.
ومن حيله أنّه نزل على مدينة حصينة وكان بها كثير من الأقوات وبها عيون ماء، فعاد عنها فأرسل إليها قوماً على هيئة التجّار ومعهم أمتعة يبيعونها وأمرهم بمشترى الطعام والمغالاة في ثمنها، فإذا صار عندهم أحرقوه وهربوا، ففعلوا ذلك وهربوا إليه فأنفذ السرايا إلى سواد تلك المدينة وأمرهم بالغارة مرّة بعد أخرى، فهربوا ودخلوا البلد ليحتموا به، فسار الإسكندر إليهم، فلم يمتنعوا عليه.
وكتب إلى أرسطاطاليس يذكر له أنّ من خاصّة الروم جماعة لهم همم بعيدة ونفوس كبيرة وشجاعة، وأنّه يخافهم على نفسه ويكره قتلهم بالظنّة، فكتب إليه أرسطاطاليس: فهمتُ كتابك، فإنّ ما ذكرت من بعد هممهم فإنّ الوفاء من بعد الهمّة وكبر النفس، والغدر من دناءة النفس وخسّتها، وأما شجاعتهم ونقص عقولهم فمن كانت هذه حاله فرفّهه في معيشتته واخصصه بحسان النساء، فإنّ رفاهية العيش تميت الشجاعة وتحبّب السلامة، وإيّاك والقتل فإنّه زلّة لا تستقال وذنب لا يغفر، وعاقب بدون القتل تكن قادراً على العفو، فما أحسن العفو من القادر، وليحسن خلقك تخلص لك النيّات بالمحبة، ولا تؤثر نفسك على أصحابك، فليس مع الاستئثار محبّة، ولا مع المؤاساة بغضة.
وكتب إلى أرسطاطاليس أيضاً لما ملك بلاد فارس يذكر له أنّه رأى بإيران شهر رجلاً ذوي رأي وصرامة وشجاعة وجمال وأنساب رفيعة، وأنّه إنّما ملكهم بالحظّ والإنفاق، وأنّه لا يأمن، إ سافر عنهم فأفرغهم، وثوبهم، وأنّه لا يُكفى شرّهم إلاّ ببوارهم، فكتب إليه: قد فهمت كتابك في رجال فارس، فأمّا قتلهم فهو من الفساد والبغي الذي لا يؤمن عاقبته، ولو قتلتهم لأثبت أهل البلد أمثالهم وصار جميع أهل البلد أعداءك بالطبع وأعداء عقبك لزنّك تكون قد وترتهم في غير حرب، وأمّا إخراجك إيّاهم من عسكرك فمخاطرة بنفسك وأصحابك، ولكنّي أشير عليك برأي هو أبلغ من القتل، وهو أن تستدعي منهم أولاد الملوك ومن يصلح للملك فتقلّدهم البلدان وتجعل كلّ واحد منهم ملكاً برأسه فتتفرّق كلمتهم ويقع بأسهم بينهم ويجتمعون على الطاعة والمحبّة لك ويرون أنفسهم صنيعتك، ففعل الإسكندر ذلك، فهم ملوك الطوائف، وقيل في ملوك الطوائف غير هذا السبب، ونحن نذكره إن شاء الله.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohammed.mansy@yahoo.com
محمد منسى
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 19288
العمر : 39
الموقع : منتديات ابو ريوف
تاريخ التسجيل : 26/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الأحد 25 نوفمبر 2018 - 18:00


ذكر من ملك من قومه بعد الاسكندرلما مات الاسكندر عُرض الملك على ابنه الإسكندروس، فأبى واختار العبادة، فملكت اليونان فيما قيل بطلميوس بن لاغوس، وكان ملكه ثمانياً وثلاثين سنة، ثمّ ملك بعده بطلميوس فيلوذفوس، وكان ملكه أربعين سنة، ثمّ ملك بعده بطلميوس أوراغاطس أربعاً وعشرين سنة، ثمّ ملك بعده بطلميوس فيلافطر إحدى وعشرين سنة، ثمّ ملك بعده بطلميوش افيفانس اثنتين وعشرين سنة، ثمّ ملك بعده بطلميوس الاخشندر إحدى عشرة سنة، ثمّ ملك بعده بطلميوس الذي اختفى عن ملكه ثماني سنين، ثمّ ملكت بعده قالو بطرى سبع عشرة سنة، وكانت من الحكماء؛ وهؤلاء كلّهم من اليونان، وكلّ من كان بعد الإسكندر كان يدعى بطلميوس كما كانت تدعى ملوك الفرس أكاسرة وملوك الروم قياصرة.
وقد ذكر بعض العلماء أنّ بطلميوس صاحب المجسطي وغيره من الكتب لم يكن من هؤلاء الملوك، وإنّما كان أيّام ملوك الروم على ما نذكره إن شاء الله تعالى.

ثمّ ملك الشام فيما بعد قالوبطرى ملوك الروم، فكان أوّل من ملك منهم جايوس يولوس خمس سنين، ثمّ ملك بعده أغسطوس ستّاً وخسمين سنة، فلمّا مضى من ملكه اثنتان وأربعون سنة وُلد عيسى بن مريم، عليه السلام، وقيل: كان بين مولده وقيام الإسكندر ثلاثمائة وثلاث سنين.
ذكر أخبار ملوك الفرس بعد الاسكندر

وهم ملوك الطوائف

لما مات الإسكندر ملك بلاد الفرس بعده ملوك الطوائف، وقد تقدّم ذكر السبب في تمليكهم، وقيل: كان السبب في ذلك أنّ الإسكندر لما ملك بلاد الفرس ووصل الى ما أراد كتب إلى أرسطاطاليس الحكيم: إنّي قد وترت جميع من في بلاد المشرق وقد خشيت أن يتّفقوا بعدي على قصد بلادنا وإيذاء قومنا، وقد هممتُ أن أقتل أولاد من قتلت من الملوك وألحقهم بآبائهم، فما ترى؟.
فكتب إليه: إنّك إن قتلت أبناء الملوك أفضى الملك إلى السفل والأنذال، والسّفل إذا ملكوا قذروا وإذا قدروا طغوا وبغوا وظلموا، وما يخشى من معرّتهم أكثر، والرأي أن تجمع أبناء الملوك فتملّك كلّ واحد منهم بلداً واحداً وكورة واحدة، فإنّ كلّ واحد منهم يقوم في وجه الآخر يمنعه عن بلوغ غرضه خوفاً على ما بيده فتتولّد العداوة بينهم فيشتغل بعضهم ببعض فلا يتفرّغون إلى من بعد عنهم.
فعندها قسّم الإسكندر بلاد المشرق على ملوك الطوائف ونقل عن بلدانهم النجوم والحكمة، وكان من حالهم بعد الإسكندر ما ذكره أرسطاطاليس، واشتغلوا عن قصد اليونان.
وكان أرسطاطاليس من أفضل الحكماء وأعلمهم، وكان الإسكندر يصدر عن رأيه، وأخذ الحكمة عن أفلاطون تلميذ سقراط، وسقراط تلميذ أوسيلاوس في الطبيعيات دون غيرها، ومعناه رأس السباع، وكان أوسيلاوس تلميذ انكساغورس، إلاّ أن أرسطاطاليس خالف أستاذه في عدّة مسائل، فلمّا قيل له في ذلك قال: أفلاطون صديق والحقّ صديق، إلاّ أنّ الحقّ أولى بالصداقة منه.
وقد اختلف العلماء في الملك الذي كان بسواد العراق بعد الاسكندر وعدد ملوك الطوائف الذين ملكوا إقليم بابل، فقال هشام بن الكلبيّ وغيره: ملك بعد الاسكندر بلاقس سلبقس، ثمّ أنطيخس، وهو الذي بنى مدينة أنطاكية، وكان في أيدي هؤلاء الملوك سواد الكوفة أربعاً وخمسين سنة، وكانوا يتطرّقون الجبال وناحية الأهواز وفارس.
ذكر ملك أشك بن أشكانثمّ خرج رجل يقال له أشك، وهو من ولد دارا الأكبر، وكان مولده ومنشأه بالريّ، فجمع جمعاً كبيراً وسار يريد أنطيخس، وزحف رليه أنطيخس والتقيا ببلاد الموصل، فقتل أنطيخس وملك أشك السواد وصار بيده من الموصل إلى الريّ أصبهان، وعظّمته سائر ملوك الطوائف لسنّه وشرفه وفعله، وبدأوا به كتبهم، وسمّوه ملكاً من غير أن يعزل أحداً منهم، ثمّ ملك بعده ابنه سابور بن أشك.
ذكر ملك جوذرزثم ملك بعد سابور جودرز بن أشكان، وهو الذي غزا بني اسرائيل في المرّة الثانية.
وسبب تسليط اللّه إيّاه عليهم قتلهم يحيى بن زكريّاء، فأكثر القتل فيهم، فلم يعد لهم جماعة كجماعتهم الأولى، ورفع الله منهم النبوة ونزل بهم الذّلّ، وقيل: إنّ الذي غزا بني إسرائيل طيطوس بن اسفيانوس ملك الروم، فقتلهم وسباهم وخرّب بيت المقدس، وقد كانت الروم غزت بلاد فارس يطلبون ثأر أنطيخس، وملك بابل حينئذٍ بلاش أبو أردوان الذي قتله أردشير بن بابك، فكتب بلاش إلى ملوك الطوائف يعلمهم ما أجمعت عليه الروم من غزو بلادهم وما حشدوا وجمعوا وأنّه إن عجز عنهم ظفروا بهم جميعاً.
فوجّه كلّ ملك من ملوك الطوائف الى بلاش من الرجال والسلاح والمال بقدر قوّته، فاجتمع عنده أربعمائة ألف رجل، فولّى عليهم صاحب الحضر، وكان له ما بين السواد والجزيرة، فلقي الروم وقتل ملكهم واستباح عسكرهم، وذلك الذي هيّج الروم على بناء القسطنطينيّة ونقل الملك من رومية إليها، وكان الذي أنشأها قسطنطين الملك، وهو أوّل من تنصّر من ملوك الرّوم وأجلى من بقي من بني اسرائيل عن فلسطين والشام لقتلهم عيسى بزعمهم، وأخذ الخشبة التي يزعمون أنّهم صلبوا المسيح عليها، فظّمها الروم وأدخلوها خزائنهم وهي عندهم إلى اليوم، ولم يزل مُلك فارس متفرّقاً حتى ملك أردشير بن بابك، ولم يبيّن هشام مدّة ملكهم.
وقال غيره من أهل العلم بأخبار فارس: ملك بلادهم بعد الإسكندر ملوك من غير الفرس كانوا يطيعون كلّ من ملك بلاد الجبل، وهم الأشغانيّون الذين يُدعون ملوك الطوائف، وكان ملكهم مائتي سنة، وقيل: كان ملكهم ثلاثمائة وأربعين سنة، ملك من هذه السنين أشك بن أشكان عشرين سنة، ثمّ ابنه سابور ستين سنة، وفي إحدى وأربعين سنة من ملكه ظهر المسيح عيسى بن مريم، عليه السلام، وإنّ تيطوس بن اسفيانوس ملك رومية غزا بيت المقدس بعد ارتفاع المسيح بنحو من أربعين سنة فملك المدينة وقتل وسبى وأخرب المدينة، ثمّ ملك جودرز بن أشغانان الأكبر عشر سنين، ثمّ ملك بيرن الأشغانيّ اربعين سنة ثم ملك هرمز الأشغاني سبع عشرة سنة، ثمّ ملك أردوان الأشغانيّ اثنتين وعشرين سنة، ثمّ ملك كسرى الأشغانيّ أربعين سنة ثمّ ملك بلاش الأشغاني أربعاً وعشرين سنة، ثمّ ملك أردوان الأصغر ثلاث عشرة سنة، ثمّ ملك أردشير بن بابك.
وقال بعضهم: ملك بلاد الفرس بعد الإسكندر ملوك الطوائف الذين فرّق الإسكندر المملكة بينهم، وتفرّد بكلّ ناحية من ملك عليها من حين ملّكه عليها ما خلا السواد، فإنّّ كان أربعاً وخسمين سنة بعد هلاك الإسكندر في يد الروم، وكان في ملوك الطوائف رجل من نسل الملوك قد ملك الجبال وأصبهان، ثمّ غلب ولده بعد ذلك على السواد، وكانوا ملوكاً عليها، وعلى الماهات والجبال، وأصبهان كالرئيس على سائر ملوك الطوائف، لأنّ العادة جرت بتقديمه وتقديم ولده، ولذلك قُصد لذكرهم في كتب سير الملوك، فاقتصرنا على ذكرهم دون غيرهم، فكانت مدة ملوك الطوائف مائتّي سنة وستين سنة، وقيل: ثلاثمائة وأربعاً وأربعين سنة، وقيل: خمسمائة وثلاثاً وعشرين سنة، والله أعلم.
فمن الملوك الذين ملكوا الجبال ثم تهيأت بعد أولادهم الغلبة على السواد أشك بن جزه، وهو من ولد إسفنديار بن بشتاسب في قول، وبعض الفرس زعم أنّ أشك بن دارا، قال بعضهم: أشك بن أشكان الكبير، هو من ولد كيكاووس، وكان ملكه عشرين سنة، ثمّ ملك بعده أشك ابنه إحدى وعشرين سنة، ثمّ ملك ابنه سابور ثلاثين سنة، ثمّ ملك ابنه جودرز عشر سنين، ثمّ ملك ابنه بيرن إحدى وعشرين سنة، ثم ملك ابنه جودرز الأصغر تسع عشرة سنة، ثم ابنه نرسي أربعين سنة، ثم هرمز بن بلاش بن أشكان سبع عشرة سنة، ثمّ أردوان الأكبر بن أشكان اثنتي عشرة سنة، ثمّ كسرى ابن أشكان أربعين سنة، ثم أردوان الأصغر بن بلاش ثلاث عشرة سنة، وكان أعظم ملوك الأشكانيّة وأظهرهم وأعزّهم قهراً للملوك، ثمّ ملك أردشير بن بابك وجمع مملكة الفرس على ما نذكره إن شاء الله.
وقد عدّ بعضهم في أسماء الملوك غير ما ذكرنا لا حاجة الى إلى الإطالة بذكره، وقد ذكرنا بعض ما قيل عند ملك أردشير بن بابك.
ذكر الأحداث أيام ملوك الطوائف

فمن ذلك ذكر المسيح عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا عليهم السلام

إنّما جمعنا هذين الأمرين العظيمين في هذه الترجمة لتعلّق أحدهما بالآخر، فنقول: كان عمران بن ماثان من ولد سليمان بن داود، وكان آل ماثان رؤوس بني اسرائيل وأحبارهم، وكان متزوجاً بحنة بنت فاقوراء، وكان زكريّاء بن برخيا متزوّجاً بأختها إيشاع، وقيل: كانت إيشاع أخت مريم بنت عمران، وكانت حنّة قد كبرت وعجزت ولم تلد ولداً، فبينما هي في ظلّ شجرة أبصرت طائراً يزقّ فرخاً له فاشتهت الولد فدعت الله أن يهب لها ولداً، ونذرت إن يرزقها ولداً أن تجعله من سدنة بيت المقدس وخدمه، فحرّرت ما في بطنها، ولم تعلم ما هو، وكان النذر المحرّر عندهم أن يجعل للكنيسة يقوم بخدمتها ولا يبرح منها حتى يبلغ الحلم، فإذا بلغ خُيّر، فإن أحبّ أن يقيم فيها أقام، وإن أحبّ أن يذهب ذهب حيث شاء، ولم يكن يحرر إلاّ الغلمان، لأن الإناث لا يصلحن لذلك لما يصيبهنّ من الحيض والأذى.
ثمّ هلك عمران وحنّة حامل بمريم، فلمّا وضعتها إذا هي أنثى فقالت عند ذلك: (ربّ إني وضعتها أنثى، والله أعلم بما وضعت، وليس الذكر كالأنثى) آل عمران: 36 في خدمة الكنيسة والعباد الذين فيها، (وإني سميّتها مريم)، وهي بلغتهم العبادة، ثمّ لفّتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون، وهم يلون من بيت المقدس ما يلي بنو شيبة من الكعبة، فقالت: دونكم هذه المنذورة، فتنافسوا فيها لأنها بنت إمامهم وصاحب قربانهم، فقال زكريّاء: أنا أحقّ بها لأنّ خالتها عندي، فقالوا: لكنّا نقترع عليها، فألقوا أقلامهم في نهر جار، قيل هو نهر الأدن، فألقوا فيه أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة، فارتفع قلمُ زكريّاء فوق الماء ورسبت أقلامهم، فأخذها وكفلها وضمّها إلى خالتها أمّ يحيى واسترضع لها حتى كبرت، فبنى لها غرفة في المسجد لا يُرقى إليها إلا بسلّم ولا يصعد إليها غيره، وكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، فيقول: أنّيى لك هذا؟ فتقول: هو من عند الله، فلمّا رأى زكريّاء ذلك منها دعا الله تعالى ورجا الولد حيث رأى فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، فقال: إنّ الذي فعل هذا بمريم قادر على أن يصلح زوجتي حتى تلد، ف (قال: ربّ هب لي من لدنك ذرّيّةً طيبةً إنّك سميع الدعاء) آل عمران: 38.
فبينما هو يصلّي في المذبح الذي لهم إذا هو برجل شابّ، هو جبرائيل، ففزغ زكريّاء منه، فقال له: (إن الله يبشرك بيحيى مصدّقاً بكملة من الله) آل عمران: 39، يعني عيسى بن مريم، عليه السلام، ويحيى أوهل من آمن بعيسى وصدّقه، وذلك أنّ زمّه كانت حاملاً به فاستقبلت مريم وهي حامل بعيسى فقالت لها: يا مريم أحامل أنتِ؟ فقالت: لماذا تسأليني؟ قالت: إنّي أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك، فذلك تصديقه.
وقيل: صدّق المسيح، عليه السلام، وله ثلاث سنين، وسمّاه الله تعالى يحيى ولم يكن قبله من تسمّى هذا الاسم، قال الله تعالى: (لم نجعل له من قبل سميّاً) مريم: 7، وقال تعالى: (وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويمو يبعث حيّاً) مريم: 15، قيل: أوحش ما يكون ابن آدم في هذه الأيام الثلاثة، فسلّمه الله تعالى من وحشتها، وإنّما ولد يحيى قبل المسيح بثلاث سنين، وقيل بستّة أشهر، وكان لا يأتي النساء، ولا يلعب مع الصبيان.
(قال: ربّ أنّى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر) آل عمران: 40 وكان عمره اثنتين وتسعين سنة، وقيل: مائة وعشرين سنة، وكانت امرأته ابنة ثمان وتسعين سنة، فقيل له: (كذلك الله يفعل ما يشاء)، وإنما قال ذلك استخباراً هل يرزق الولد من امرأته العاقر أم غيرها، لا إنكاراً لقدرة الله تعالى، (قال: ربّ اجعل لي آيةً، قال: آيتك ألا تكلّم الناس ثلاثة أيّامٍ إلاّ رمزاً) آل عمران: 41، قال: أمسك الله لسانه عقوبة لسؤاله الآية، والرمز الإشارة.
فلمّا ولد رآه أبوه حسن الصورة، قليل الشعر، قصير الأصابع، مقرون الحاجبين، دقيق الصوت، قويّاً في طاعة الله مذ كان صبيّاً، قال الله تعالى: (وآتيناه الحكم صبيّاً)، قيل: إنه قال له يوماً الصبيان أمثاله: يا يحيى اذهب بنا نلعب، فقال لهم: ما للعب خُلقت، وكان يأكل العشب وأوراق الشجر، وقيل: كان يأكل خبز الشعير، ومرّ به إبليس ومعه رغيف شعير فقال: أنت تزعم أنك زاهد وقد ادخرت رغيف شعير؟ فقال يحيى: يا ملعون هو القوت، فقال إبليس: إنّ الأقلّ من القوت يكفي لمن يموت، فأوحى الله الله إليه: اعقل ما يقول لك.

ونبّئ صغيراً فكان يدعو الناس إلى عبادة الله، ولبس الشعر، فلم يكن له دينار ولا درهم ولا مسكن يسكن إليه، أينما جنّه الليل أقام، ولم يكن له عبد ولا أمَة، واجتهد في العبادة، فنظر يوماً إلى بدنه وقد نحل فبكى، فأوحى الله إليه: يا يحيى أتبكي لما نحل من جسمك؟ وعزّتي وجلالي لو اطلعت في النار اطلاعة لتدرّعت الحديد عوض الشعر فبكى حتى أكلت الدموع لحم خدّيه وبدت أضراسه للناظرين، فبلغ ذلك أمه فدخلت عليه وأقبل زكرياء ومعه الأحبار فقال: يا بنيّ ما يدعوك إلى هذا؟ قال: أنت أمرتني بذلك حيث قلت: إنّ بين الجنة والنار عقبة لا يجوزها إلا الباكون من خشية الله، فقال: فابكِ واجتهد إذن، فصنعت له أمه قطعتي لبد على خدّيه تواريان أضراسه، فكان يبكي حتى يبلّهما، وكان زكريّاء إذا أراد يعظ أن الناس نظر فإن كان يحيى حاضراً لم يذكر جنّة ولاناراً.
وبعث الله عيسى رسولاً نسخ بعض أحكام التوراة، فكان ممّا نسخ أنه حرّم نكاح بنت الأخ، وكان لملكهم، واسمه هيرودس، بنت أخ تعجبه يريد أن يتزوجها، فنهاه يحيّى عنها، وكان لها كلّ يوم حاجة يقضيها لها، فلما بلغ ذلك أمها قالت لها: إذا سألك الملك ما حاجتك فقولي أن تذبح يحيى بن زكرياء، فلمّا دخلت عليه وسألها ما حاجتك قالت: أريد أن تذبح يحيى بن زكرياء، فقال: اسألي غير هذا، قالت: ما أسألك غيره، فلمّا أبت دعا بيحيى ودعا بطست فذبحه، فلما رأت الرأس قالت: اليوم قرّت عيني فصعدت الى سطح قصرها فسقطت منه إلى الأرض ولها كلاب ضارية تحته، فوثبت الكلاب عليها فأكلتها وهي تنظر، وكان آخر ما أُكل منها عيناها لتعتبر، فلمّا قتل بذرت قطرة من دمه على الأرض، فلم تزل تغلي حتى بعث الله بخت نصّر عليهم، فجاءته امرأة فدلته على ذلك الدم، فألقى الله في قلبه أن يقتل منهم على ذلك الدم حتى يسكن، فقتل منهم سبعين ألفاً حتى سكن الدّم.
وقال السّدّيّ نحو هذا، غير أنّّ قال: أراد الملك أن يتزوّج بنت امرأة له، فنهاه يحيى عن ذلك، فطلبت المرأة من الملك قتل يحيى، فأرسل إليه فقتله وأحضر رأسه في طست وهو يقول له: لا تحلّ لك، فبقي دمه يغلي، فطرح عليه تراب حتى بلغ سور المدينة، فلم يسكن الدم، فسلّط الله عليهم بخت نصّر في جمع عظيم فحصرهم فلم يظفر بهم، فأراد الرجوع فأتته امرأة من بني اسرائيل فقالت: بلغني أنك تريد العود قال: نعم، قد طال المقام وجاع الناس وقلّت الميرة بهم وضاف عليهم، فقالت: إن فتحتُ لك المدينة أتقتل من آمرك بقتله وتكف إذا أمرتك؟ قال: نعم، قالت: اقسم جندك أربعة أقسام على نواحي المدينة، ثم ارفعوا أيديكم إلى السماء وقولوا: اللهمّ إنّا نستفتحك على دم يحيى بن زكرياء، ففعلوا، فخرب سور المدينة، فدخلوها، فأمرتهم العجوز أن يقتلوا علي دم يحيى بن زكرياء حتى يسكن، فلم يزل يقتل حتى قتل سبعين ألفاً وسكن الدم، فأمرته بالكفّ، وكفّ.
وخرّب بيت المقدس، وزمر أن تُلقى فيه الجيف، وعاد ومعه دانيال وغيره من وجوه بني اسرائيل، منهم عزريا وميشائيل ورأس الجالوت، فكان دانيال أكرم النّاس عليه، فحسدهم المجوس وسعوا بهم الى بخت نصّر، وذكر نحو ما تقدّم من إلقائهم إلى السبع ونزول الملك عليهم ومسخ بخت نصّر ومقامه في الوحش سبع سنين.
وهذا القول وما لم نذكره من الروايات من أنّ بخت نصّر هو الذي خرّب بيت المقدس وقتل بني اسرائيل عدن قتلهم يحيى بن زكرياء باطل عند أهل السّير والتاريخ وأهل العلم بأمور الماضين، وذلك أنهم أجمعين مجمعون على أنّ بخت نصّر غزا بني اسرائيل عند قتلهم نبيّهم شعيا في عهد إرميا بن حلقيا، وبين عهد إرميا وقتل يحيى أربعمائة سنة وإحدى وستّون سنة عند اليهود والنصارى، ويذكرون أن ذلك في كتبهم وأسفارهم مبين، وتوافقهم المجوس في مدّة غزو بخت نصّر بني اسرائيل الى موت الإسكندر، وتخالفهم في مدّة ما بين موت الاسكندر ومولد يحيى، فيزعمون أنّ مدّة ذلك كانت إحدى وخمسين سنة.

وأما ابن اسحاق فإنّه قال: الحقّ أن بني اسرائيل عمروا بيت المقدس بعد مرجعهم من بابل وكثروا ثمّ عادوا يحدثون الأحداث ويعود الله سبحانه عليهم ويبعث فيهم الرسل، ففريقاً يكذبّون وفريقاً يقتلون، حتى كان آخر من بعث الله فيهم زكرياء وابنه يحيى وعيسى بن مريم، عليهم السلام، فتلوا يحيى وزكرياء، فابتعث الله عليهم ملكاً من ملوك بابل يقال له جودرس، فسار إليهم حتى دخل عليهم الشام، فلمّا دخل عليهم بيت المقدس قال لقائد عظيم من عسكره اسمه نبوزاذان، وهو صاحب الفيل: إني كنت حلفت لئن أنا ظفرت ببني إسرائيل لأقتلنّهم حتى يسيل دماؤهم في وسط عسكري إلى أن لا أجد من أقتله؛ وأمره أن يدخل المدينة ويقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم، فدخل نبوزاذان المدينة فأقام في المدينة التي يقربون فيها فربانهم، فوجد فيها دماً يغلي، فقال: يا بني اسرائيل ما شأن هذا الدم يغلي؟ فقالوا: هذا دم قربان لنا لم يُقبل فلذلك هو يغلي.
فقال: ما صدقتموني الخبر فقالوا: إنه قد انقطع منّا الملك والنبوة فلذلك لم يقبل منا، فذبح منهم على ذلك الدم سبعمائة وسبعين رجلاً من رؤوسهم، فلم يهدأ، فأمر بسبعمائة من علمائهم فذُبحوا على الدم، فلم يهدأ، فلمّا رأى الدّم لا يبرد قال لهم: يا بني اسرائيل اصدقوني واصبروا على أمر ربّكم، فقد طال ما ملكتم في الأرض تفعلون ما شئتم، قبل أن لا أدع منكم نافخ نار أنثى ولا ذكراً إلا قتلته.
فلمّا رأوا الجهد وشدّة القتل صدقوه الخبر وقالوا: هذا دم نبي كان ينهانا عن كثير مما يسخط الله ويخبرنا بخبركم، فلم نصدّقه وقتلناه فهذا دمه، فقال: ما كان اسمه؟ قالوا: يحيى بن زكرياء، قال: الآن صدقتموني، لمثل هذا انتقم ربّكم منكم، وخرّ ساجداً وقال لمن حوله: أغلقوا أبواب المدينة وأخرجوا من ها هنا من جيش جودرس، ففعلوا، وخلا في بني اسرائيل ثمّ قال للدّم: يا يحيى قد علم ربيّ وربّك ما قد أصاب قومك من زجلك وما قُتل منهم، فاهدأ بإذن الله قبل أن لا يبقى من قومك أحد، فسكن الدمُ، ورفع نبوزاذان القتل، وقال: آمنتُ بما آمنت به بنو اسرائيل وصدّقت به وأيقنت أنّه لا ربّ غيره، ثمّ قال لبني اسرائيل: إنّ جودرس أمرني أن أقتل فيكم حتى تسيل دماؤكم في عسكره، ولست أستطيع أن أعصيه، قالوا: افعل، فأمرهم أن يحفروا حفيرة، وأمر بالخيل والبغال والحمير والبقر والغنم والإبل فذبحها حتى كثر الدّم وأجرى عليه ماء، فسال الدّم في العسكر، فأمر الدم بالقتلى الذين كان قتلهم، فألقوا فوق المواشي، فلمّا نظر جودرس إلى الدم قد بغل عسكره أرسل إلى نبوزاذان: أن ارفع القتل عنهم فقد انتقمت منهم بما فعلوا.
وهي الوقعة الأخيرة التي أنزل الله ببني اسرائيل، يقول الله تعالى لنبيّه محمد، صلى الله عليه وسلم: (وقضينا الى بني اسرائيل في الكتاب لتفسدنّ في الأرض مرتين ولتعلنّ علوّاً كبيراً، فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار، وكان وعداً مفعولاً، ثمَّ رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيراً، إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها، فإذا جاء وعد الآخرة ليسؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرةٍ وليتبروا ما علوا تتبيراً، عسى ربكم أن يرحمكم، وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنّم للكافرين حصيراً) الاسراء: 4 - 8، و: (عسى) وعدٌ من الله حقّ.
وكانت الوقعة الأولى بخت نصّر وجنوده، ثم ردّ الله سبحانه لهم الكرّة، ثم كانت الوقعة الأخيرة جودرس وجنوده، وكانت أعظم الوقعتين، فيها كان خراب بلادهم وقتل رجالهم وسبْي ذراريهم ونسائهم، يقول الله تعالى: (وليتبِّروا ما علوا تتبيراً).
وزعم بعضُ أهل العلم أنّ قتل يحيى كان أيّام أردشير بن بابك، وقيل: كان قتله قبل رفع المسيح، عليه السلام، بسنة ونصف؛ والله أعلم.
ذكر قتل زكريا

لما قُتل يحيى وسمع أبوه بقتله فرّ هارباً فدخل بستاناً عند بيت المقدس فيه أشجار، فأرسل الملك في طلبه، فمرّ زكرياء بالشجرة، فنادته: هلمّ إليّ يا نبيّ الله فلمّا أتاها انشقّت فدخلها، فانطبقت عليه وبقي في وسطها، فأتى عدوّا الله إبليس فأخذ هدب ردائه فأخرجه من الشجرة ليصدّقوه إذا أخبرهم، ثمّ لقي الطلب فأخبرهم، فقال لهم: ما تريدون؟ فقالوا: نلتمس زكرياء، فقال: إنّه سحر هذه الشجرة فانشقت له فدخلها، قالوا: لا نصدّقك قال: فإنّ لي علامة تصدّقوني بها؛ فأراهم طرف ردائه، فزخذوا الفؤوس وقطعوا الشجرة باثنتين وشقّوها بالمنشار، فمات زكرياء فيها، فسلّط الله عليهم أخبث أهل الأرض فانتقم به منهم.
وقيل: إنّ السبب في قتله أنّ إبليس جاء إلى مجالس بني اسرائيل فقذف زكريّاء بمريم وقال لهم: ما أحبلها غيره، وهو الذي كان يدخل عليها، فطلبوه فهرب، وذكر من دخوله الشجرة نحو ما تقدّم.
ذكر ولادة المسيح عليه السلام

ونبوته إلى آخر أمره

كانت ولادة المسيح أيّام ملوك الطوائف، قالت المجوس: كان ذلك بعد خمس وستّين سنة من غلبة الإسكندر على أرض بابل، وبعد إحدى وخمسين سنة مضت من ملك الأشكانيّين، وقالت النصارى: إنّ ولادته كانت لمضيّ ثلاثمائة وثلاث وستّين سنة من وقت غلبة الإسكندر على أرض بابل، وزعموا أنّ مولد يحيى كان قبل مولد المسيح بستّة أشهر، وأنّ مريم، عليها السلام، حملت بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة، وقيل: خمس عشرة، وقيل: عشرون، وأن عيسى عاش إلى أن رفع اثنتين وثلاثين سنة وأياماً، وأن مريم عشات بعده ستّ سنين، فكان جميع عمرها إحدى وخمسين سنة، وأن يحيى قُتل قبل أن يرفع المسيح، وأتت المسيح النبوّة والرسالة وعمره ثلاثون سنة.
وقد ذكرنا حال مريم في خدمة الكنيسة، وكانت هي وابن عمّها يوسف بن يعقوب بن ماثان النجّار يليان خدمة الكنيسة، وكان يوسف حكيماً نجّاراً يعمل بيديه ويتصدّق بذلك، وقالت النصارى: إنّ مريم كان قد تزوّجها يوسف ابن عمّها إلا أنّه لم يقربها إلاّ بعد رفع المسيح، والله أعلم.
وكانت مريم إذا نفد ماؤها وماء يوسف ابن عمّها أخذ كلّ واحد منهما قُلّته وانطلق إلى المغارة التي فيها الماء يستعذبان منه ثمّ يرجعان الى الكنيسة، فلمّا كان اليوم الذي لقيها فيه جبرائيل نفد ماؤها فقالت ليوسف ليذهب معها إلى الماء، فقال: عندي من الماء ما يكفيني إلى غد، فأخذت قلّتها وانطلقت وحدها حتى دخلت المغارة، فوجدت جبرائيل قد مثله الله (لها بشراً سويّاً) مريم: 17، فقال لها: يا مريم إنّ الله قد بعثني إليك (لأهب لك غُلاماً زكيّاً) مريم: 19، (قالت: إني أعوذ بالرّحمن منك إن كنت تقيّاً) مريم: 18 أي مطيعاً لله، وقيل: هو اسم رجل بعينه، وتحسبه رجلاً، (قال: إنما أنا رسول ربّك لأهب لك غلاماً زكيّاً، قالت: أنّى يكون لي غلامٌ ولم يمسسني بشرٌ ولم أك بغيّاً - أي زانية - قال: كذلك قال ربّك)، إلى قوله: (أمراً مقضياً) مريم: 19 - 21.
فلمّا قال ذلك استسلمت لقضاء الله، فنفخ في جيب درعها ثمّ انصرف عنها وقد حملت بالمسيح، وملأت قلّتها وعادت، وكان لا يُعلم في أهل زمانها أعبد منها ومن ابن عمّها يوسف النجّار، وكان معها، وهو أوّل من أنكر حملها، فلمّا رأى الذي بها استعظمه ولم يدرِ على ماذا يضع ذلك منها، فإذا أراد يتّهمها ذكر صلاحها وأنّها لم تغبْ عنه ساعة قطّ، وإذا أراد يبرئها رأى الذي بها، فلمّا اشتدّ ذلك عليه كلّمها فكان أوّل كلامه لها أن قال لها: إنّه قد وقع من أمرك شيء قد حرصتُ على أن أميته وأكتمه فغلبني، فقالت: قلْ قولاً جميلاً، فقال: حدّثيني هل ينبت زرع بغير بذر؟ قالت: نعم، قال: فهل ينبت شجر بغير غيث يصيبه؟ قالت: نعم، قال: فهل يكون ولد بغير ذكر؟ قالت له: نعم، ألم تعلم أنّ الله أنبت الزّرع يوم خلقه بغير بذر ألم تعلم أن الله خلق الشجر من غير مطر وأنّّه جعل بتلك القدرة الغيث حياة للشجر بعدما خلق كلّ واحد منهما وحده أو تقول لن يقدر الله على أن ينبت حتى يستعين بالبذر والمطر قال يوسف: لا أقول هكذا ولكنّي أقول إنّ الله يقدر على ما يشاء، إنّما يقول لذلك كن فيكون، قالت له: ألم تعلم أنّ الله خلق آدم وحوّاء من غير ذكر ولا أنثى قال: بلى، فلمّا قالت له ذلك وقع في نفسه أنّ الذي بها شيء من الله لا يسعه أن يسألها عنه لما رأى من كتمانها له.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohammed.mansy@yahoo.com
محمد منسى
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 19288
العمر : 39
الموقع : منتديات ابو ريوف
تاريخ التسجيل : 26/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الأحد 25 نوفمبر 2018 - 18:04


وقيل: إنها خرجت إلى جانب الحجرات لحيض أصابها فاتخذت من دونهم حجاباً من الجدران، فلمّا طهرت إذا برجل معها، وذكر الآيات، فلمّا حملت أتتها خالتُها امرأة زكرياء ليلة تزورها، فلمّا فتحت لها الباب التزمتها، فقالت امرأة زكرياء: إني حبلى، فقالت لها مريم: وأنا أيضاً حبلى، قالت امرأة زكرياء: فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك.
وولدت امرأة زكرياء يحيى، وقد اختلف في مدّة حملها، فقيل: تسعة أشهر، وهو قول النصارى، وقيل: ثمانية أشهر، فكان ذلك آية أخرى لأنّه لم يعش مولود لثمانية أشهر غيره، وقيل: ستة أشهر، وقيل: ثلاث ساعات، وقيل: ساعة واحدة، وهو أشبه بظاهر القرآن العزيز لقوله تعالى: (فحملته فانتبذت به مكاناً قصيّاً) مريم: 22؛ عقبه بالفاء.
فلمّا أحست مريم خرجت الي جانب المحراب الشرقيّ فأتت أقصاه (فاجاءها المخاض إلى جذع النخلة، قالت) وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس - (يا ليتني متّ قبل هذا، وكنت نسياً منسياً)، مريم: 23 يعني نسي ذكري وأثري فلا يرى لي أثر ولا عين، قالت مريم: كنت إذا خلوت حدّثني عيسى وحدّثته، فإذا كان عندنا إنسان سمعت تسبيحه في بطني، (فناداها) جبرائيل (من تحتها) - أي من أسفل الجبل - (ألا تحزني قد جعل ربّك تحتك سريّاً) مريم: 24، وهو النهر الصغير، أجراه تحتها، فمن قرأ: من تحتها، بكسر الميم، جعل المنادي جبرائيل، ومن فتحها قال إنّه عيسى، أنطقه الله، (وهزّي إليك بجذع النخلة) مريم: 25، كان جذعاً مقطوعاً فهزّته فإذا هو نخلة، وقيل: كان مقطوعاً فلمّا أجهدها الطلق احتضنته فاستقام واخضرّ وأرطب، فقيل لها: (وهزي إليك بجذع النخلة)، فهزّته فتساقط الرطب فقال لها: (فكلي واشربي وقرّي عيناً، فإمّا ترينّ من البشر أحداً فقولي: إني نذرت للرّحمن صوماً فلن أكلّم اليوم إنسيّاً) مريم: 26، وكان من صام في ذلك الزمان لا يتكلم حتى يمسي.
فلمّا ولدته ذهب إبليس فأخبر بني إسرائيل أنّ مريم قد ولدت، فأقبلوا يشتدون بدعوتها، (فأتت به قومها تحمله) مريم: 27.
وقيل: إنّ يوسف النجّار تركها في مغارة أربعين يوماً ثمّ جاء بها الى أهلها، فلمّا رأوها قالوا لها: (يا مريم لقد جئت شيئاً فريّاً، يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيّاً) مريم: 27 - 28 فما بالك أنت؟ وكانت من نسل هارون أخي موسى، كذا قيل.
قلت: إنها ليست من نسل هارون إنما هي من سبط يهوذا بن يعقوب من نسل سليمان بن داود، وإنما كانوا يدعون بالصالحين، وهارون من ولد لاوي بن يعقوب.

قالت لهم ما زمرها الله به، فلمّا أرادوها بعد ذلك على الكلام (أشارت إليه)، فغضبوا وقالوا: لسخريّتها بنا أشدّ علينا من زنائها، (قالوا: كيف نكلّم من كان في المهد صبياً) مريم: 29، فتكلّم عيسى فقال: (إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصاة والزكاة ما دمت حيّاً) مريم: 30 - 31، فكان أول ما تكلّم به العبودية ليكون أبلغ في الحجة على من يعتقد أنه إله.
وكان قومها قد أخذوا الحجارة ليرجموها، فلما تكلّم ابنها تركوها، ثمّ لم يتكلّم بعدها حتى كان بمنزلة غيره من الصبيان، وقال بنو اسرائيل: ما زحبلها غير زكريّاء فإنّه هو الذي كان يدخل عليها ويخرج من عندها، فطلبوه ليقتلوه، ففرّ منه، ثمّ أدركوه فقتلوه.
وقيل في سبب قتله غير ذلك، وقد تقدّم ذكره.
وقيل: إنّه لما دنا نفاسها أوحى الله إليها: أن اخرجي من أرض قومك فإنهم إن ظفروا بك عيّروك وقتلوك وولدك، فاحتملها يوسف النجّار وسار بها إلى أرض مصر، فلمّا وصلا إلى تخوم مصر أدركها المخاض، فلمّا وعضت وهي محزونة قيل لها: (لا تحزني)، الآية إلى (إنسيّاً) فكان الرطب يتساقط عليها، وذلك في الشتاء، وأصبحت الأصنام منكوسة على رؤوسها، فوزعت الشياطين فجاؤوا إلى إبليس، فلمّا رأى جماعتهم سألهم فأخبروه، فقال: قد حدث في الأرض حادث، فطار عند ذلك وغاب عنهم فمرّ بالمكان الذي ولد فيه عيسى فرأى الملائكة محدقين به، فعلم أنّ الحدث فيه، ولم تمكنه الملائكة من الدنّو من عيسى، فعاد الى أصحابه وأعلمهم بذلك وقال لهم: ما ولدت امرأة إلاّ وأنا حاضر، وإنّي لأرجو أن أُضلّ به أكثر ممّن يهتدي.
واحتملته مريم الي أرض مصر فمكثت اثنتي عشرة سنة تكتمه من النّاس، فكانت تلتقط السنبل والمهد في منكبيها.
قلتُ: والقول الأوّل في ولادته بأرض قومها للقرآن أصحّ لقول الله تعالى: (فأتت به قومها تحمله) مريم: 27، وقوله: (كيف نكلّم من كان في المهد صبيّاً) مريم: 29.
وقيل إن مريم حملت المسيح الى مصر بعد ولادته ومعها يوسف النجّار، وهي الربوة التي ذكرها الله تعالى، وقيل: الربوة دمشق، وقيل: بيت المقدس، وقيل غير ذلك، فكان سبب ذلك الخوف من ملك بني اسرائيل، وكان من الروم، واسمه هيرودس، فإنّ اليهود أغروه بقتله، فساروا الى مصر وأقاموا بها اثنتي عشرة سنة الى أن مات ذلك الملك، وعادوا الى الشام، وقيل: إنّ هيرودس لم يرد قتله ولم يسمع به إلاّ بعد رفعه، وإنما خافوا اليهود عليه، والله أعمل.
ذكر نبوّة المسيح وبعض معجزاته
لما كانت مريم بمصر نزلت على دهقان، وكانت داره يزوي إليها الفقراء والمساكين، فسرق له مال، فلم يتهم المساكين، فحزنت مريم، فلمّا رأى عيسى حزن أمّه قال: أتريدين أن أدلّه على ماله؟ قالت: نعم، قال: إنّه أخذه الأعمى والمقعد، اشتركا فيه، حمل الأعمى المقعد فأخذه، فقيل للأعمى ليحمل المقعد، فأظهر العجز، فقال له المسيح: كيف قويت على حمله البارحة لما أخذتما المال؟ فاعترفا وأعاداه.
ونزل بالدهقان أضياف ولم يكن عندهم شراب، فاهتمّ لذلك، فلمّا رآه عيسى دخل بيتاً للدهقان فيه صفّان من جرار فأمرّ عيسى يده على أفواهها وهو يمشي، فامتلأت شراباً، وعمره حينئذٍ اثنتا عشرة سنة.
وكان في الكتّاب يحدّث الصبيان بما يصنع أهلوهم وبما كانوا يأكلون.
قال وهب: بينما عيسى يلعب مع الصبيان إذ وثب غلام على صبّي فضربه برجله فقتله فألقاه بين رجلي المسيح متلطّخاً بالدم، فانطلقوا به الى الحاكم في ذلك البلد فقالوا: قتل صبيّاً، فسأله الحاكم، فقال: ما قتلته، فأرادوا أن يبطشوا به، فقال: إيتوني بالصبيّ حتى أسأله من قتله، فتعجبوا من قوله وأحضروا عنده القتيل، فدعا الله فأحياه، فقال: من قتلك؟ فقال: قتلني فلان، يعني الذي قتله، فقال بنو اسرائيل للقتيل: من هذا؟ قال: هذا عيسى بن مريم، ثمّ مات الغلام من ساعته.

وقال عطاء: سلّمت مريم الى صبّاغ يتعلّم عنده، فاجتمع عند الصبّاغ ثياب وعرض له حاجة، فقال المسيح: هذه ثياب مختلفة الألوان وقد جعلتُ في كلّ ثوب منها خيطاً على اللّون الذي يُصبغ به فاصبغها حتى أعود من حاجتي هذه، فأخذها المسيحُ وألقاها في حُبّ واحد، فلمّا عاد الصبّاغ سأله عن الثياب فقال: صبغتها، فقال: أين هي؟ قال: في هذا الحُبّ، قال: كلّها؟ قال: نعم، قال: لقد أفسدتها على أصحابها وتغيّظ عليه، فقال له المسيح: لا تعجل وانظر إليها، وقام وأخرجها كلّ ثوب منها على اللّون الذي أراد صاحبه فتعجّب الصبّاغُ منه وعلم أن ذلك من الله تعالى.
ولما عاد عيسى وأمّه الى الشام نزلا بقرية يقال لها ناصرة، وبها سميت النصارى، فأقام إلى أن بلغ ثلاثين سنة، فأوحى الله إليه أن يبرز للناس ويدعوهم إلى الله تعالى ويداوي المرضى والزمنى والأكمه والأبرص وغيرهم من المرضى، ففعل ما أمر به، وأحبّه الناس، وكثر أتباعه، وعلا ذكره.
وحضر يوماً طعام بعض الملوك كان دعا الناس إليه، فقعد على قصعة يزكل منها ولا تنقص، فقال الملك: من أنت؟ قال: أنا عيسى بن مريم، فنزل الملك عن ملكه وابتعه في نفر من أصحابه فكانوا الحواريّين.
وقيل: إنّ الحواريّين هم الصبّآغ الذي تقدّم ذكره وأصحابٌ له، وقيل: كانوا صيّادين، وقيل: قصّارين، وقيل: ملاّحين، والله أعلم، وكانت عدّتهم اثني عشر رجلاً، وكانوا إذا جاعوا أو عطشوا قالوا: يا روح الله قد جعنا وعطشنا، فيضرب يده إلى الأرض فيخرج لكل إنسان منهم رغيفين وما يشربون، فقالوا: من أفضل منّا، إذا شئنا أطعمتنا وسقيتنا فقال: أفضل منكم من يأكل من كسب يده، فصاروا يغسلون الثياب بالأجرة.
ولما أرسله الله أظهر من المعجزات أنهّه صوّر من الطين صورة طائر ثمّ نفخ فيه فيصير طائراً بإذن الله، قيل هو الخفّاش.
وكان غالباً على زمانه الطبّ فأتاهم بما أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى تعجيزاً لهم، فممّن أحياه عازر، وكان صديقاً لعيسى، فمرض، فأرسلت أختُه إلى عيسى أنّ عازر يموت، فسار إليه وبينهما ثلاثة أيّام، فوصل إليه وقد مات منذ ثلاثة أيام، فأتى قبره فدعا له فعاش، وبقي حتى ولد له، وأحيا امرأةً وعاشت وولد لها، وأحيا سام بن نوح، كان يوماً مع الحواريّين يذكر نوحاً والغرق والسفينة فقالوا: لوبعثت لنا من شهد ذلك فأتى تلاً وقال: هذا قبر سام بن نوح، ثمّ دعا الله فعاش، وقال: قد قامت القيامة؟ فقال المسيح: لا ولكن دعوت الله فأحياك، فسألوه فأخبرهم، ثمّ عاد ميتاً، وأحيا عزيراً النبيّ، قال له بنو اسرائيل، احي لنا عزيراً وإلاّ أحرقناك، فدعا الله فعاش، فقالوا: ما تشهد لهذا الرجل؟ قال: أشهد أنه عبد الله ورسوله، وأحيا يحيى بن زكرياء.
ذكر نزول المائدةوكان من المعجزات العظيمة نزول المائدة. وسبب ذلك: أنّ الحواريين قالوا له: يا عيسى (هل يستطيع ربك أن ينزّل علينا مائدةً من السماء؟) المائدة: 112 فدعا عيسى فقال: (اللهمّ ربّنا أنزل علينا مائدةً من السماء تكون لنا عيداً لأوّلنا وآخرنا) المائدة: 114، فأنزل الله المائدة عليها خبز ولحم يأكلون منها ولا تنفد، فقال لهم: إنّها مقيمة ما لم تذخروا منها، فما مضي يومهم حتى اذّخروا، وقيل: أقبلت الملائكة تحمل المائدة عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات حتى وضعوها بين أيديهم، فأكل منها آخر النّاس كما أكل أوّلهم؛ وقيل: كان عليها منثمار الجنّة، وقيل: كانت تمدّ بكلّ طعام إلاّ اللّحم، وقيل: كانت سمكة فيها طعم كلّ شيء، فلمّا زكلوا منها، وهم خمسة آلاف، وزادت حتى بلغ الطعام ركبهم، قالوا: نشهد أنك رسول الله، ثمّ تفرّقوا فتحدّثوا بذلك، فكذَّب به من لم يشهده، وقالوا: سحر أعينكم، فافتتن بعضهم وكفر، فمسخوا خنازير ليس فيهم امرأة ولا صبيّ، فبقوا ثلاثة أيام ثمّ هلكوا ولم يتوالدوا.

وقيل: كانت المائدة سفرة حمراء تحتها غمامة وفوقها غمامة وهم ينظرون إليها تنزل حتى سقطت بين أيديهم، فبكى عيسى وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين اللهمّ اجعلها رحمةً ولا تجعلها مُثلة ولا عقوبة واليهود ينطرون إلى شيء لم يروا مثله ولم يجدوا ريحاً أطيب من ريحها، فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الجنّة؟ فقال المسيح: لا من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة، إنّما هو شيء خلقه الله بقدرته، فقال لهم: كُلوا مما سألتم، فقالوا له: كل أنت يا روح الله، فقال: معاذ الله أن آكل منها فلم يأكل ولم يأكلوا منها، فدعا المرضى والزمنى والفقراء، فأكلوا منها، وهم ألف وثلاثمائة، فشبعوا، وهي بحالها لم تنقص، فصحّ المرضى والزمنى، واستغنى الفقراء، ثمّ صعدت وهم ينظرون إليها حتى توارت، وندم الحواريّون حيث يأكلوا منها.
وقيل: إنّها نزلت أربعين يوماً، كانت تنزل يوماً وتنقطع يوماً، وأمر الله عيسى أن يعدو إليها الفقراء دون الأغنياء، ففعل ذلك، فاشتدّ على الأغنياء وجحدوا نزولها وشكّوا في ذلك وشكّكوا غيرهم فيها، فأوحى الله إلى عيسى: إنّي شرطت أن أعذّب المكذّبين عذاباً لا أعذّب به أحداً من العالمين، فمسخ منهم ثلاثمائة وثلاثة وثلاثين رجلاً فأصبحوا خنازير، فلمّا رأى الناس ذلك فزعوا الى عيسى وبكوا وبكى عيسى على الممسوخين، فلما أبصرت الخنازير عيسى بكوا وطافوا به وهو يعدوهم بأسمائهم ويشيرون برؤوسهم ولا يقدرون على الكلام، فعاشوا ثلاثة أيام ثم هلكوا.
ذكر رفع المسيح إلى السماءونزوله إلى أمّه وعوده إلى السماء
قيل: إنّ عيسى استقبله ناسٌ من اليهود، فلمّا رأوه قالوا: قد جاء الساحر ابن الساح الفاعل ابن الفاعلة وقذفوه وأمّه، فسمع ذلك ودعا عليهم، فاستجاب الله دعاءه ومسخهم خنازير، فلمّا رأى ذلك رأى بني اسرائيل فزع وخاف وجمع كلمة اليهود على قتله، فاجتمعوا عليه، فسألوه، فقال: يا معشر اليهود إنّ الله يبغضكم، فغضبوا من مقالته وثاروا إليه ليقتلوه، فبعث إليه جبرائيل فأدخله في خوخة إلى بيت فيها روزنة في سقفها فرعه إلى السماء من تلك الروزنة، فأمر رأس اليهود رجلاً من أصحابه اسمه قطيبانوس أن يدخل إليه فيقتله، فدخل فلم ير أحداً، وألقى الله عليه شبه المسيح، فخرج إليم فظنّوه عيسى، فقتلوه وصلبوه.
وقيل: إن عيسى قال لأصحابه: أيّكم يحبّ أن يُلقى عليه شبهي وهو مقتول؟ فقال رجل منهم: زنا يا روح الله، فألقي عليه شبهه، فقتل وصلب.
وقيل: إنّ الذي شبّه بعيسى وصلب رجل اسرائيلي اسمه يوشع أيضاً.
وقيل لما أعلم الله المسيح أنه خارج من الدنيا جزع منالموت فدعا الحواريّين فصنع لم طعاماً فقال: احضروني اللّيلة فإنّ لي إليكم حاجة، فلمّا اجتمعوا عشّاهم وقام يخدمهم، فلما فرغوا أخذ يغسل أيديهم بيده ويمسحها بثيابه، فتعاظموا ذلك وكرهوه، فقال: من يردّ عليّ الليّلة شيئاً مما أصنع فليس مني، فأقرّوه حتى فرغ من ذلك، ثمّ قال: أمّا ما خدمتكم على الطعام وغسلت أيديكم بيدي فليكن لكم بي أسوة فلا يتعاظم بعضكم على بعض، وأمّا حاجتي التي أستغيثكم عليها فتدعون الله لي وتجتهدون في الدعاء أن يؤخّر أجلي، فلمّا نصبوا أنفسهم للدّعاء أخذهم النومُ حتى ما يستطيعون الدعاء، فجعل يوقظهم ويقول: سبحان الله ما تصبرون لي ليلة قالوا: والله ما ندري ما لنا، لقد كنّا نسمر فنكثر السمر ومانقدر عليه اللّيلة، وكلّما أردنا الدعاء حيل بيننا وبينه، فقال: يذهب بالراعي ويتفرّق الغنم؛ وجعل ينعى نفسه، ثمّ قال: ليكفرنّ بي أحدكم قبل أن يصيح الديكُ ثلاث مرات، وليبيعني أحدكم بدراهم يسيرة وليأكلنّ ثمني.
فخرجوا وتفرّقوا، وكانت اليهود تطلبه، فزخذوا شمعون، أحد الحواريين، وقالوا: هذا صاحبه.

واختلف العلماء في موته قبل رفعه إلى السماء، فقيل: رُفع ولم يمت، وقيل: توفّاه الله ثلاث ساعات وقيل سبع ساعات، ثمّ أحياه ورفعه، ولما رُفع إلى السماء قال الله له: انزل: فلمّا قالوا لشمعون عن المسيح جحد وقال: ما أنا صاحبه فتركوه، فعلوا ذلك ثلاثاً، فلما سمع صياح الديك بكى وأحزنه ذلك، وأتى أحد الحواريين الى اليهود فدّلّهم على المسيح وأعطوه ثلاثين درهماً فأتى معهم إلى البيت الذي فيه المسيح، فدخله، فرفع الله المسيح وألقى شبهه على الذي دلهم عليه، فأخذوه وأوثقوه وقادوه وهم يقولون له: أنت كنت تحيي الموتى وتفعل كذا وكذا فهلاّ تنجي نفسك؟ وهو يقول: أنا الذي دلّكم عليه، فلم يصغوا إلى قوله ووصلوا به إلى الخشبة وصلبوه عليها.
وقيل: إنّ اليهود لما دلّهم عليه الحواريّ اتّبعوه وأخذوه من البيت الذي كان فيه ليصلبوه، فأظلمت الأرض، وأرسل الله ملائكة فحالوا بينهم وبينه، وألقى شبه المسيح على الذي دلّهم عليه، فأخذوه ليصلبوه، فقال: أنا الذي دلّكم عليه، فلم يلفتوا إليه فقتلوه وصلبوه عليها، ورفع الله المسيح إليه بعد أن توفّاه ثلاث ساعات، وقيل: سبع ساعات، ثمّ أحياه ورفعه، ثمّ قال له: انزل إلى مريم، فإنّه لم يبكِ عليك أحد بكاءها ولم يحزن أحد حزنها، فنزل عليها بعد سبعة أيام، فاشتعل الجبل حين هبط نوراً، وهي عند المصلوب تبكي ومعها امرأة كان أبرأها من الجنون، فقال: ما شأنكما تبكيان؟ قالتا: عليك قال: إني رفعني الله إليه ولم يصبني إلا خير، وإنّ هذا شيء شُبّه لهم، وأمرها فجمعت له الحواريّين، فبثّهم في الأرض رسلاً عن الله وأمرهم أن يبلغوا عنه ما أمره الله به، ثمّ رفعه الله إليه وكساه الريش وألبسه النّور وقطع عنه لذّة المطعم والمشرب، وطار مع الملائكة، فهو معهم، فصار إنسيّاً ملكيّاً أرضيّاً، فتفرّق الحواريّون حيث أمرهم، فتلك الليلة التي أهبطه الله فيها هي التي تدخن فيها النصارى، وتعدّى اليهود على بقيّة الحواريّين يعذّبونهم ويشتمونهم، فسمع بذلك ملك الروم، واسمه هيرودس، وكانوا تحت يده، وكان صاحب وثن، فقيل: له: إنّ رجلاً كان في بني اسرائيل وكان يفعل الآيات من إحياء الموتى وخلق الطير من الطين والإخبار عن الغيوب فعدوا عليه فقتلوه، وكان يخبرهم أنّه رسول الله، فقال الملك: ويحكم ما منعكم أن تذكروا هذا من زمره، فوالله لو علمتُ ما خلّيتُ بينهم وبينه ثم بعث إلى الحواريين فانتزعهم من أيدي اليهود وسألهم عن دين عيسى، فزخبروه، وتابعهم على دينهم واستنزل المصلوب الذي شُبّه لهم فغيّبه، وأخذ الخشبة التي صُلب عليها فأكرمها وصانها، وعدا على بني اسرائيل فقتل منهم قتلى كثيرة، فمن هناك كان أصل النصرانيّة في الروم.
وقيل: كان هذا الملك هيرودس ينوب عن ملك الروم الأعظم الملقّب قيصر، واسمه طيباريوس، وكان هذا أيضاً يسمّى ملكاً، وكان ملك طيباريوس ثلاثاً وعشرين سنة، منها إلى ارتفاع المسيح ثماني عشرة سنة وأيام.
ذكر من ملك من الروم بعد رفع المسيحإلى عهد نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم

زعموا أن ملك الشام جميعه صار بعد طيباريوس إلى ولده جايوس، وكان ملكه أربع سنين، ثمّ ملك بعده ابن له آخر اسمه قلوديوس أربع عشرة سنة، ثمّ ملك بعده نيرون الذي قتل بطرس وبولس فصلبهما منكّسين أربع عشرة سنة، ثمّ ملك بعده بوطلايس أربعة أشهر، ثمّ ملك اسفسيانوس، وهذا الذي وجّه ابنه طيطوس الى البيت المقدس فهدمه وقتل من بني اسرائيل غضباً للمسيح، ثم ملك ابنه طيطوس، ثمّ ملك أخوه دومطيانوس ستّ عشرة سنة، ثم ملك بعده نارواس ستّ سنين، ثم ملك من بعده طرايانوس تسع عشرة سنة، ثم ملك بعده هدريانوس إحدى وعشرين سنة، ثمّ ملك من بعده أنطونينوس بن بطيانوس اثنتين وعشرين سنة، ثمّ ملك مرقوس وأولاده تسع عشرة سنة، ثمّ ملك بعده قومودوس ثلاث عشرة سنة، ثمّ ملك من بعده فرطيناجوس ستّة أشهر، ثمّ ملك بعده سيواروش أربع عشرة سنة، ثمّ ملك بعده انطينانوس سبع سنين، ثم ملك من بعده مرقيانوس ستّ سنين، ثمّ ملك من بعده انطينانوس أربع سنين، وفي ملكه مات جالينوس الطبيب، ثمّ ملك الخسندروس ثلاث عشرة سنة، ثم ملك مكسيمانوس ثلاث سنين، ثمّ ملك جورديانوس ستّ سنين، ثمّ فيلفوس سبع سنين، ثم ملك داقيوس ستّ سنين، ثمّ ملك قالوس ستّ سنين، ثمّ ملك والرييانوس وقالينوس خمس عشرة سنة، ثمّ ملك قلوديوس سنة، ثمّ ملك قريطاليوس شهرين، ثمّ ملك أورليانوس خمس سنين، ثمّ ملك طيقطوس ستة أشهر، ثمّ ملك فولورنوس خمسة وعشرين يوماً، ثمّ ملك فروبوس ستّ سنين ثم قوروس وابناه سنتين، ثم ملك دقلطيانوس ستّ سنين، ثم ملك مخسيميانوس عشرين سنة، ثمّ قسطنطين ثلاثين سنة، ثمّ ملك يليانوس سنتين، ثم ملك يويانوس سنة، ثم ملك والنطيانوس وغرطيانوس عشر سنين، ثمّ ملك خرطيانوس ووالنطيانوس الصغير سنة، ثمّ ملك تيداسيس الأكبر سبع عشرة سنة، ثمّ ارقاديوس وانورويوس عشرين سنة، ثمّ ملك تياداسيس الأصغر ووالنطيانوس ستّ عشرة سنة، ثم ملك مرقيانوس سبع سنين، ثم لاو ستّ عشرة سنة، ثمّ ملك زانون ثماني عشرة سنة، ثمّ ملك انسطاس سبعاً وعشرين سنة، ثمّ ملك يوسطينانوس تسع سنين، ثم ملك يوسطينانوس الشيخ عشرين سنة، ثمّ ملك يوسطينس اثنتي عشرة سنة، ثمّ ملك طيباريوس ستّ سنين، ثمّ مريقيش وتاداسيس ابنه عشرين سنة، ثمّ ملك فوقا الذي قتل سبع سنين وستّة أشهر، ثمّ هرقل الذي كتب إليه النبيّ، صلى الله عليه وسلم، ثلاث سنين.
فمن لدن عُمر البيت المقدس بعد زن أخربه بخت نصّر إلى الهجرة، علي قولهم، ألف سنة ونيف، ومن ملك الإسكندر رليها تسعمائة ونيف وعشرون سنة، فمن ذلك من وقت ظهوره الى مولد عيسى، عليه السلام، ثلاثمائة سنة وثلاث سنين، ومن مولده الى ارتفاعه اثنتان وثلاثون سنة، ومن وقت ارتفاعه الى الهجرة خمسمائة وخسم وثمانون سنة وأشهر.
هذا الذي ذكره أبو جعفر من عدد ملوك الروم، وقد زخلى ذكرهم عن شيء من الحوادث التي كانت في أيّامهم، وقد سطرها غيره من العلماء بالتاريخ وخالفه في كثير منها ووافقه في الباقي مع مخالفة الاسم وضاف الى أسمائهم ذكر شيء من الحوادث في أيّامهم، وأنا أذكره مختصراً، إن شاء الله.
ذكر ملوك الروم وهم ثلاث طبقات

فالطبقة الأولى الصابئون

ذكر غير واحد من علماء التاريخ أن الروم غلبت الوينان، وهم ولد صوفير، والاسرائيليون يدعون أن صوفير، هو الأصفر بن نفر بن عيص بن اسحاق بن ابراهيم، وكانوا ينزلون رومية قبل غلبتهم على اليونان، وكانوا يدينون قبل النصرانيّة بمذهب الصابئين، ولهم أصنام يعبدونها على عادة الصابئين، فكان أول ملوكهم برومية غاليوس، وكان ملكه ثماني عشرة سنة، وقيل: كان ملك قبله روملس وارمانوس، وهما بنياها، وإليهما نُسبت، وأضيف الروم إليها، وإنما غاليوس أوّل من يعدّ في التاريخ لشهرته، ثمّ ملك بعده يوليوس أربع سنين وأربعة أشهر، ثم ملك أوغسطس، ومعناه الصباء، وهو أوّل من سمي قيصر، وتفسير ذلك أنّه شُقّ عنه بطن أمّه لأنّها ماتت وهي حامل به، فزخرج من بطنها، ثم صار ذلك لقباً لملوكهم، وكان ملكه ستّاً وخمسين سنة وخمسة أشهر، وأكثر المؤرخين يبتدئون باسمه لأنه أول من خرج من رومية وسيّر الجنود براً وبحراً، وغزا اليونانيين، واستولى على ملكهم، وقتل قلوبطرة آخر ملوكهم، واستولى على الاسكندرية ونقل ما فيها الى رومية، وملك الشام، واضمحلّ ملك اليونانيين، ودخلوا في الروم، واستخلف على البيت المقدس هيرودس بن أنطيقوس؛ ولاثنتين وأربعين سنة من ملكه كانت والدة المسيح، وهو الذي بنى قيصارية.
ثمّ ملك بعده طيباريوس ثلاثاً وعشرين سنة، وهو الذي بنى مدينة طبرية، فأضيفت إليه، وعرّبها العرب؛ وفي ملكه رفع المسيح، عليه السلام، وملك بعد رفعه ثلاث سنين.
ثم ملك بعده ابنه غايوس أبرع سنين، وهو الذي قتل اصطفنوس رئيس الشمامسة عند النصارى ويعقوب أخا يوحنّا بن زبدي، وهما من الحواريّين، وقتل خلقاً من النصارى، وهو أوّل الملوك من عبّاد الأصنام قتل النصارى.
ثم ملك قلوديوس بن طيباريوس أربع عشرة سنة، وفي ملكه حبس شمعون الصفا، ثم خلص شمعون من الحبس وسار الى انطاكية، فدعا الى النصرانية، ثم سار الى رومية فدعا أهلها أيضاً، فأجابته زوجة الملك وسارت إلى البيت المقدس وأخرجت الخشبة التي تزعم النصارى أن المسيح صلب عليها، وكانت في أيدي اليهود، فأخذتها وردتها الى النصارى.
ثمّ ملك نيرون ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر، وفي آخر ملكه قتل بطرس وبولس بمدينة رومية وصلبهما منكّسين، وفي أيّامه ظفرت اليهود بيعقوب بن يوسف، وهو أول الاساقفة بالبيت المقدس، فقتلوه وأخذوا خشبة الصليب فدفنوها، وفي أيّامه كان مارينوس الحكيم صاحب كتاب الجغرافيا في صورة الأرض.
ثمّ ملك بعده غلباس سبعة أشهر؛ ثم ملك أوثون ثلاثة أشهر؛ ثم ملك بيطاليس أحد عشر شهراً، ثمّ ملك اسباسيانوس سبع سنين وسبعة أشهر، وفي أيامه خالف أهل البيت المقدس قيصر فحصرهم وافتتح المدينة عنوةً وقتل كثيراً من زهلها من اليهود والنصارى وعمّهم الأذى في أيّامه.
ثمّ ملك بانه طيطوس سنتين وثلاثة أشهر، وفي أيّامه أظهر مرقيون مقالته بالاثنين، وهما: الخير والشرّ، وبعد ثالث بينهما، وإليه تنسب المرقونية؛ وهو من أهل حرّان.
ثمّ ملك ذومطيانش بن اسباسيانوس خمس عشرة سنة وعشرة أشهر، ولتسع سنين من ملكه بمدينة أفسيس، ثمّ ملك إيليا اندريانوس عشرين سنة، وقتل من اليهود والنصارى خلقاً كثيراً لخلاف كان منهم عليه، وأخرب البيت المقدس، وهو آخر خرابه، فلمّا مضى من ملكه ثماني سنين عمره أيضاً وسمّاه إيليا، فبقي الاسم عليه، فكان قبل ذلك يسمّى أورشلم، وأسكن المدينة جماعةً من الروم واليونان، وبنى هيكلاً عظيماً للزّهرة، وكان علاي البنيان، فهدم من أعلاه كثير، وهو باق الى يومنا هذا، وهو سنة ثلاث وستّمائة، وقد رأيته، وهو محكم البناء، ولا أدري كيف نُسب الى داود وقد بني بعده بدهر طويل، على أنني سمعت بالبيت المقدّس من جماعة يذكرون أنّ داود بناه وكان يتفرّغ فيه لعبادته.
وفي أيّام هذا الملك كان ساقيدس الفيلسوف الصامت.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohammed.mansy@yahoo.com
محمد منسى
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 19288
العمر : 39
الموقع : منتديات ابو ريوف
تاريخ التسجيل : 26/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الأحد 25 نوفمبر 2018 - 18:16


ثمّ ملك أنطنينس بيوس اثنتين وعشرين سنة، وفي أيّامه كان بطلميوس صاحب المجسطي والجغرفايا وغيرهما؛ وقيل: إنّه من ولد قلوديوس، ولهذا قيل له القلوديّ نسبة إليه، وهو السادس من ملوك الروم، ودليل كونه في هذا الزمان وليس من ملوك اليونان أنّه ذكر في كتاب المجسطي أنه رصد الشمس بالإسكندرية سنة ثمانمائة وثمانين لبخت نصّر، وكان من ملك بخت نصّر الى قتل دارا أربعمائة وتسع وعشرون سنة وثلاثمائة وستّة عشر يوماً، ومن قتل دارا الى زوال ملك قلوبطرة لملكة آخر ملوك اليونان على يد أوغسطس مائتا سنة وستّ وثمانون سنة، ومذ غلبة أوغسطس الى انطنينوس مائة وسبع وستّون سنة، فمذ ملك بخت نصّر الى أدريانوس ثمانمائة وثلاث وثمانون سنة تقريباً، وهذا موافق لما حكاه بطلميوس.
قال: ومن زعم أنّ ابن قلوبطرة آخر ملوك اليونانيين فقد أبطل ذكر هذا بعض العلماء بالتاريخ وعدّ موك اليونان وذكر مدّة ملكهم على ما قال، وأمّا أبو جعفر الطبريّ فإنّه ذكر في مدّة مُلكهم ماذتي سنة وسبعاً وعشرين سنة، على ما تقدّم ذكره.
ثمّ ملك بعده مرقس، ويسمّي أورليوس، تسع عشرة سنة، وفي ملكه أظهر ابنُ ديصان مقالته، وكان أسقفاً بالرّهاء، وهو من القائلين بالاثنين، ونسب الى نهر على باب الرّهاء يسمى ديصان وجد عليه منبوذاً، وبنى على هذا النهر كنيسة.
ثم ملك فومودوس اثنتي عشرة سنة، وفي أيّامه كان جالينوس قد أردك بطلميوس القلودي، وكان دين النصرانيّة قد ظهر في أيّامه وذكرهم في كتابه في : جوامع كتاب أفلاطون في السياسة.
ثمّ ملك برطينقش ثلاثة أشهر؛ ثمّ ملك يوليانوس شهرين، ثمّ ملك سيوارس سبع شعرة سنة، وشمل اليهود في أيّامه القتل والتشريد، وبنى بالاسكندرية هيكلاً عظيماً سمّاه هيكل الآلهة.
ثمّ ملك انطونيوس ستّ سنين، ثمّ ملك مقرونيوس سنة وشهرين، ثمّ ملك أنطونيوس الثاني زربع سنين، ثمّ ملك الاكصندروس، ويلقّب مامياس، ثلاث عشرة سنة، ثم مل مقسميانوس ثلاث سنين، ثم ملك مقسموس ثلاثة أشهر، ثم ملك غرديانوس ستّ سنين، ثم ملك فيلبوس ستّ سنين، وتنصّر وترك دين الصابئين وتبعه كثيرٌ من زهل مملكته واختلفوا لذلك، وكان فيمن خالفه بطريق يقال له داقيوس، قتل فيلبوس واستولى على الملك، ثم ملك بعد فيلبوس داقيوس ينتين وتتبّع النصارى، فهرب منه أصحاب الكهف الى غار في جبل شرقيّ مدينة أفسيس، وقد خربت المدينة، وكان لبثهم فيه مائة وخمسين سنة.
وهذا باطل لأنّه علي هذا السياق من حين رفع المسيح الى الآن نحو مائتي سنة وخمس عشرة سنة، وكان لبث أصحاب الكهف علي ما نطق به القرآن المجيد (ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً) الكهف: 25 فذلك خمسمائة سنة وأربع وعشرون سنة، فعلى هذا يكون ظهورهم قبل الإسلام بنحو ستّين سنة، وقد ذكرنا من لدن ظهورهم الى الهجرة زيادة على مائتي سنة، فهذه الجملة أكثر من الفترة بين المسيح والنبيّ، عليهما الصلاة والسلام، إلا أنّ هذا الناقل قد ذكر أن غيبتهم كانت ماذة وخمسين سنة على ما نراه مذكوراً، وفيه مخالفة للقرآن، ولولا نصّ القرآن لكان استقام له ما يريد.
ثمّ ملك بعده غاليوس سنتين، وكان شريكه في الملك يوليانوس، ملك خمس عشرة سنة، ثم ملك قلوديوس، ثم ملك ابنه اورليانوس ستّ سنين، ثم ملك طافسطوس وأخوه فورس تسعة أشهر، ثمّ بروبس تسع سنين، ثمّ ملك قاروس سنتين وخمسة أشهر، ثمّ ملك دقلطيانوس سبع عشرة سنة، ثمّ ملك مقسيمانوس وشاركه مقسنطيوس، ثمّ اقتتلا فاقتسما الملك، فملك الأب علي الاشم وبلاد الجزيرة وبعض الروم، وملك الابن رومية وما اتصل بها من أرض الفرنج، وملكا تسع سنين، وتملك معهما قسطنس أبو قسطنطين بلاد بورنطيا وما يليها، وهي نواحي القسطنطينيّة، ولم تكن بنيت حينئذٍ، ثمّ مات قسطنس وملك بعده ابنه قسطنطين المعروف بزمّه هيلاني، وهو الذي تنصّر.

قال: ومن أول ملوك الروم الى ها هنا كانوا شبيهاً بملوك الطوائُ لا ينضبط عددهم، وقد اختلف الناس فيهم كاختلافهم في ملوك الطوائف، وإنّما الذي يعوَّل عليه من قسطنطين الى هرقل الذي بعث محمد، صلى الله عليه وسلم، في أيامه، ولقد صدق قائل هذا فإنّ فيه من الاختلاف والتناقض ما ذكرنا بعضه عند ذكر دقيوس وأصحاب الكهف، ولهذه العلّة لم يذكر الطبريّ أصحاب الكهف في زمان أيّ الملوك كانوا، وإنّما ذكرناه نحن لما في أيّام الملوك من الحوادث.
الطبقة الثانية من ملوك الروم المتنصّرة
ثم ملك قسطنطين المعروف بزمّه هيلانى في جميع بلاد الروم، وجرى بينهوبين مقسيمانوس وابنه حروب كثيرة، فلمّا ماتا استولى على الملك وتفرّد به، وكان ملكه ثلاثاً وثلاثين سنة وثلاثة أشهر، وهو الذي تنصّر من مولك الروم وقاتل عليها حتى قبلها النّاس ودانوا بها الى هذا الوقت.
وقد اختلفوا في سبب تنصّره، فقيل: إنّه كان به برص وأرادوا نزعه فأشار عليه بعض وزرائه ممن كان يكتم النصرانيّة بإحداث دين يقاتل عليه ثمّ حسن له النصرانيّة ليساعده من دان به، ففعل ذلك، فتبعه النصارى من الروم مع أصحابه وخاصّته، فقوي بهم وقفهر من خالفه، وقيل: إنّه سيّر عساكر على أسماء أصنامهم، فانهزمت العساكر، وكان لهم سبعة أصنام على أسماء الكواكب السبعة، على عادة الصابئين، فقال له وزير له يكتم النصرانيّة في هذا وأزرى بالأصنام وأشار عليه بالنصرانيّة، فأجابه، فظفر، ودام ملكه؛ وقيل غير ذلك.
ولعشرين سنة مضت من ملكه كان السنهودس الأول بمدينة نيقية من بلاد الروم، ومعناه الاجتماع، فيه ألفان وثمانية وأربعون أسقفاً فاختار منهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفاً متّفقين غير مختلفين، فحرموا آريوس الإسكندراني الذي يضاف إليه الآريوسيّة من النصارى، ووضع شرائع النصرانيّة عبد أن لم تكن، وكان رئيس هذا المجمع بطرق الإسكندرية.
وفي السنة السابعة من ملكه سارت أمّه هيلانى الرُّهاوية، كان أبوه سباها من الرُّهاء، فأولدها هذا الملك، فسارت الى البيت المقدس وأخرجت الخشبة التي تزعم النصارى أنّ المسيح صلب عليها؛ وجعلت ذلك اليوم عيداً، فهو عيد الصليب، وبنت الكنيسة المعروفة بقمامة، وتسمّى القيامة، وهي الي وقتنا هذا يحجّها أنواع النصارى، وقيل: كان مسيرها بعد ذلك لأن ابنها دان بالنصرانية في قول بعضهم بعد عشرين سنة من ملكه، وفي النسة الحادية والعشرين من ملكه طبق جميع ممالكه بالبيع هو وأمّه، منها: كنيسة حمص، وكنيسة الرّهاء، وهي من العجائب.
ثم ملك بعده قسطنطين أنطاكية أربعاً وعشرين سنة بعهد من أبيه إليه وسلّم إليه القسطنطينيّة، والى أخيه قسطنس أنطاكية والشام ومصر والجزيرة، والى أخيه قسطوس رومية وما يليها من بلاد الفرنج والصقالبة، وأخذ عليهما المواثيق بالانقياد لأخيهما قسطنطين.
ثمّ ملك بعده يوليانوس ابن أخيه سنتين، وكان يدين بمذهب الصابئين ويخفي ذلك، فلمّا ملك أظهرها وخرهب البيع وقتل النصارى، وهو الذي سار الى العراق أيّام سابور بن أردشير فقتل بسهم غرب؛ وقد ذكر أبو جعفر خبر هذا الملك مع سابور ذي الأكتاف وهو بعد سابور بن أردشير.
ثمّ ملك بعده يونيانوس سنة فأظهر دين النصرانيّة ودان بها وعاد عن العراق.
ثمّ ملك بعده ولنطيوش اثنتي عشرة سنة وخمسة أشهر، ثم ملك والنس ثلاث سنين وثلاثة أشهر، ثمّ ملك والنطيانوس ثلاث سنين، ثمّ ملك تدوس الكبير، ومعناه عطيّة الله، تسع عشرة سنة، وفي ملكه كان السنهودس الثاني بمدينة القسطنطينيّة، اجتمع فيه مائة وخمسون أسقفاً لعنوا مقدونس وأشياعه، وكان فيه بطرق الإسكندرية وبطرق انطاكية وبطرق البيت المقدس، والمدن التي يكون فيها كراسي البطرق أربع: إحداها رومية، وهي لبطرس الحواريّ، والثانية الإسكندريّة، وهي لمرقس أحد أصحاب الأناجيل الأربعة، والثالثة القسطنطينية، والرابعة انطاكية، وهي لبطرس أيضاً، ولثماني سنين من ملكه ظهر أصحاب الكهف.

ثمّ ملك بعده أرقاديوس بن تدوس ثلاث عشرة سنة، ثمّ ملك تدوس الصغير بن تدوس الكبير اثنتين وأربعين سنة، ولإحدي وعشرين سنة من ملكه كان السنهودس الثالث بمدينة أفسس، وحضر هذا المجمع مائتا أسقف، وكان سببه ما ظهر من نسطورس بطرق القسطنطينيّة، وهو رأس النسطورية من النصارى، من مخالفة مذهبهم، فلعنوه ونفوه، فسار الى صعيد مصر فأقام ببلاد إخميم ومات بقرية يقال لها سيصلح، وكثر أتباعه، وصار بسبب ذلك بينهم وبين مخالفيهم حرب وقتال، ثمّ دثرت مقالته إلى أن أحياها برصوما مطران نصيبين قديماً.
ومن العجائب أن الشهرستاني مصنّف كتاب: نهاية الاقدام في الأصول، ومصنّف كتاب: الملل والنحل، في ذكر المذاهب والآراء القديمة والجديدة، ذكر فيه أنّ نسطور كان أيّام المأمون، وهذا تفرّد به، ولا أعلم له في ذلك موافقاً.
ثمّ ملك بعده مرقيان ستّ سنين، وفي أوّل سنة من ملكه كان السنهودس الرابع على قسقرس برطق القسطنطينية، اجتمع فيه ثلاثمائة وثلاثون أسقفاً، وفي هذا المجمع خالفت اليعقوبية سائر النصارى.
ثمّ ملك ليون الكبير ستّ عشرة سنة، ثمّ ملك ليون الصغير سنة، وكان يعقوبيّ المذهب، ثمّ ملك زينون سبع سنين، وكان يعقوبياً، فزهد في الملك فاستخلف ابناً له، فهلك، فعاد الى الملك، ثمّ ملك نسطاس سبعاً وعشرين سنة، وكان يعقوبيّ المذهب، وهو الذي بنى عمّورية، فلمّا حفر أساسها أصاب فيه مالاً وفي بالنفقة على بنائها وفضل منه شيء بنى به بيعاً وأديرة.
ثم ملك يوسطين سبع سنين، واكثر القتل في اليعقوبية.
ثمّ ملك يوسطانوس تسعاً وعشرين سنة، وبنى بالرّهاء كنيسة عجيبة، وفي أيّامه كان السنهودس الخامس بالقسطنطينية، فحرموا أدريحا أسقف منبج لقوله بتناسخ الأرواح في أجساد الحيوان، وإنّ الله يفعل ذلك جزاء لما ارتكبوه، وفي أيّامه كان بين اليعاقبة والملكيّة ببلاد مصر فتن؛ وفي أيّامه ثار اليهود بالبيت المقدس وجبل الخليل على النصارى فقتلوا منهم خلقاً كثيراً؛ وبنى الملك من البيع والأديرة شيئاً كثيراً؛ ثم ملك يوسطينوس ثلاث عشرة سنة وفي أيامه كان كسرى أنوشروان؛ ثمّ ملك طباريوس ثلاث سنين وثمانية أشهر، وكان بينه وبين أنوشروان مراسلات ومهاداة، وكان مغرىً بالبناء وتحسينه وتزويقه.
ثمّ ملك موريق عشرين سنة وأربعة أشهر، وفي أيّامه ظهر رجل من زهل مدينة حماه يُعرف بمارون إليه تنسب المارونيّة من النصارى، وأحدث رأياً يخالف من تقدّمه، وتبعه خلقٌ كثير بالشام، ثمّ إنهم انقرضوا ولم يعرف الآن منهم أحد.
وهذا موريق هو الذي قصده كسرى أبرويز حين انهزم من بهرام جوبين فزوّجه ابنته وأمدّه بعساكره وأعاده الى ملكه، على ما نذكره إن شاء الله.
ثمّ ملك بعده فوقاس، وكان من بطارقة موريق، فوثب به فاغتاله فقتله وملك الروم بعده، وكان ملكه ثماني سنين وأربعة أشهر، ولما ملك تتبّع ولد موريق وحاشيته بالقتل، فلمّا بلغ ذلك أبرويز غضب وسيّر الجنود الى الشام ومصر فاحتوى عليهما وقتلوا من النصارى خلقاً كثيراً، وسيرد ذلك عند ذكر أبرويز.
ثمّ ملك هرقل، وكان سبب ملكه أن عساكر الفرس لما فتكت في الروم ساروا حتى نزلوا على خليج القسطنطينية وحصروها، وكان هرقل يحمل الميرة في البحر الى أهلها، فحسن موقع ذكل من الروم وبانت شهامته وشجاعته وأحبّ الروم فحملهم على الفتك بفوقاس وذكرهم سوء آثاره، ففعلوا ذلك وقتلوه وملّكوا عليهم هرقل.
ذكر الطبقة الثالثة من ملوك الروم بعد الهجرةفأولهم هرقل، قد ذكر سبب ملكه، وكان مدّة ملكه خمساً وعشرين سنة، وقيل: إحدي وثلاثين سنة؛ وفي أيّامه كان النبيّ، صلى الله عليه وسلم، ومنه ملك المسلمون الشام.
ثمّ ملك بعده ابنه قسطنطين، وقيل: هو ابن أخيه قسطنطين، وكان ملكه تسع سنين وستّة أشهر، وسيرد خبره عند ذكر غزاة الصواري، إن شاء الله.
وفي أيّامه كان السنهودس السادس على لعن رجل يقال له قورس الإسكندري خالف الملكية ووافق المارونية.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohammed.mansy@yahoo.com
محمد منسى
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 19288
العمر : 39
الموقع : منتديات ابو ريوف
تاريخ التسجيل : 26/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الأحد 25 نوفمبر 2018 - 18:21



ثمّ ملك بعده ابنه قسطا خمس عشرة سنة في خلافة عليّ، عليه السلام، ومعاوية، ثمّ ملك هرقل الأصغر بن قسطنطين أربع سنين وثلاثة أشهر، ثمّ ملك قسطنطين بن قسطا ثلاث عشرة سنة بعض أيّام معاوية وأيّام يزيد وبانه معاوية ومروان بن الحكم وصدراً من أيّام عبد الملك، ثمّ ملك أسطنان، المعروف بالأخرم، تسع سنين أيّام عبد الملك، ثمّ خلعه الروم وخرموا أنفه وحمل إلى بعض الجزائر، فهرب ولحق بملك الخزر واستنجده فلم ينجده، فانتقل الى ملك برجان؛ ثم ملك بعده لونطش ثلاث سنين أيّام عبد الملك، ثمّ ترك الملك وترّهب؛ ثم ملك ابسمير، المعروف بالطرسوسي، سبع سنين، فقصده أسطينان ومعه برجان وجرى بينهما حروب كثيرة وظفر به أسطنان وخلعه وعاد الى ملكه، فكان ذلك أيّام الوليد بن عبد الملك، واستقرّ أسطينان، وكان قد شرط لملك برجان أن يحمل إليه خراجاً كل سنة، فعسف الروم وقتل بها خلقاً كثيراً، فاجتمعوا عليه وقتلوه، فكان ملكه الثاني سنتين ونصفاً، وكان قتله أول دولة سليمان بن عبد الملك؛ ثم ملك نسطاس بن فيلفوس، وكان في أيّامه اختلاف بين الروم فخلعوه ونفوه.
ثمّ ملك تيدوس المعروف بالأرمنيّ في أيّام سليمان بن عبد الملك أيضاً، وهو الذي حصره مسلمة بن عبد الملك؛ ثمّ ملك بعده اليون بن قسطنطين لضعفه عن الملك، وضمن أليون للروم ردّ المسلمين عن القسطنطينية، فملّكوه، فكان ملكه ستاً وعشرين سنة، ومات في السنة التي بويع فيها الوليد بن يزيد بن عبد الملك.
ثمّ ملك بعده ابنه قسطنطين إحدى وعشرين سنة، وفي أيّامه انقرضت الدولة الزموية، وتوفي لعشر سنين مضت من أيام المنصور، ثم ملك بعده ابنه اليون تسع عشرة سنة وأربعة أشهر بقيّة أيّام المنصور، وتوفي في خلافة المهدي، ثمّ ملك بعده ريني امرأة اليون بن قسطنطين، ومعها ابنها قسطنطين بن اليون، وهي تدبّر الزمر بقية أيام المهديّ والهادي وصدراً من خلافة الرشيد، فلما كبر ابنها أفسد ما بينه وبين الرشيد، وكانت أمّه مهادنة له، فقصده الرشيد وجرى له معه وقعة، فانهزم وكاد يؤخذ، فكحلته أمّه وانفردت بالملك بعده خمس سنين وهادنت الرشيد.
ثمّ ملك بعدها نقفور، أخذ الملك منها، وكان ملكه سبع سنين وثلاثة أشهر، وهو نقفور أبو استبراق، وكنت قد رأيته مضبوطاً بكثير من الكتب بسكون القاف، حتى رأيت رجلاً زعم أن اسمه نقفور، بفتح القاف.
وعهد نقفور الى ابنه استبراق بالملك بعده، وهو أول من فعل ذلك في الروم، ولم يكن يعرف قبله، وكانت ملوك الروم قبل نقفور تحلق لحاها، وكذلك ملوك الفرس، فلم يفعله نقفور، وكانت ملوك الروم قبله تكتب: من فلان ملك النصرانيّة، فكتب نقفور: من فلان ملك الروم، وقال: لست ملك النصرانيّة كلها، وكانت الروم تسمّي العرب سارقيوس، يعني: عبيد سارة، بسبب هاجر أم اسماعيل، فنهاهم عن ذلك وجرى بين نقفور وبين برجان حرب سنة ثالث وتسعين ومائة فقتل فيها.
ثمّ ملك بعده ابنه استبراق بعهد من أبيه إليه، وكان ملكه شهرين، ثمّ ملك بعده ميخائيل بن جرجس، وهو ابن عمّ نقفور، وقيل: ابن استبراق، وكان ملكه سنتين في أيّام الأمين، وقيل أكثر من ذلك، فوثب به اليون المعروف بالبطريق وغلب على الأمر وحبسه، ثم ملك بعده اليون البطريق سبع سنين وثلاثة أشهر، فوثب به أصحابُ ميخائيل في خلاص صاحبهم وقتل اليون ثم فتح لم ذلك وعاد ميخائيل الى الملك، وقيل: إنه كان قد ترهب أيام اليون، وكان لمكه هذه الدفعة الثانية تسع سنين، وقيل أكثر من ذلك.
ثمّ ملك بعده ابنه توفيل بن ميخائيل أربع عشرة سنة، وهو الذي فتح زبطرة، وسار المعتصم بسبب ذلك وفتح عمّورية، وكان موته أيّام الواثق.
ثمّ ملك بعده ابنه ميخائيل ثمانياً وعشرين سنة، وكانت أمّه تدبر الملك معه، وزراد قتلها فترهبت، وخرج عليه رجل من أهل عمّورية من أبناء الملوك السالفة يعرف بابن بقراط، فلقيه ميخائيل فيمن عنده من أسارى المسلمين، فظفر به ميخائيل فمثل به، ثمّ خرج عليه بسيل الصقلبي فاستولى على الملك وقتل ميخائيل سنة ثلاث وخمسين ومائتين.
ثمّ ملك بعده بسيل الصقلبيّ عشرين سنة أيّام المعتزّ والمهتدي وصدراً من أيام المعتمد، وكانت أمّه صقلبية فنسب إليها.

وقد غلط حمزة الأصفهاني فيه فقال عند ذكر ميخائيل: ثم انتقل الملك عن الروم وصار في الصقلب فقتله بسيل الصقلبيّ ظناً منه أنّ أباه كان صقلبياً.
ثمّ ملك بعده ابنه اليون بن بسيل ستاً وعشرين سنة أيّام المعتمد والمعتضد والمكتفي وصدراً من أيّام المقتدر، وقيل: إنّ وفاته كانت سنة سبع وتسعين ومائتين.
ثمّ ملك أخوه الأسكندروس سنة وشهرين ومات بالدبيلة، وقيل: إنه اغتيل لسوء سيرته، ثم ملك بعده قسطنطين بن اليون، وهو صبيّ، وتولى الأمر له بطريق البحر، واسمه ارمانوس، وشرط على نفسه شروطاً، منها أنه لا يطلب الملك ولا يلبس التاج لا هو ولا زحد من أولاده، فلم يمض غير سنتين حتى خوطب هو وأولاده بالملوك وجلس مع قسطنطين على السرير، وكان له ثلاثة من الولد، فخصى أحدهم وجعله بطرقاً ليأمن من المنازعة، فإنّ البطرق يحكم على الملك، فبقي على حاله إلى سنة ثلاثين وثلاثمائة من الهجرة، فاتفق ابناه مع قسطنطين الملك على إزالة أبيهما، فدخلا عليه وقبضاه وسيّراه الى دير له في جزيرة بالقرب من القسطنطينية، وأقام ولداه مع قسطنطين نحو أربعين يوماً وأرادا الفتك به، فسبقهما إلى ذلك وقبض عليهما وسيرهما الى جزيرتين في البحر، فوثب أحدهما بالموكّل به فقتله، وأخذه أهل تلك الجزيرة فقتلوه وأرسلوا رأسه الى قسطنطين الملك، فجزع لقتله.
وأمّا ارمانوس فإنه مات بعد أربع سنين من ترهبّه، ودام ملك قسطنطين بقيّة أيّام المقتدر والقاهر والراضي والمستكفي وبعض أيّام المطيع، ثمّ خرج على قسطنطين هذا قسطنطين بن أندرونقس، وكان أبوه قد توجّه إلى المكتفي سنة أربع وتسعين ومائتين وأسلم على يده وتوفّي، فهرب ابنه هذا علي طريق أرمينية وأذربيجان الى بلاد الروم، فاجمع عليه خلق كثير وكثر أبتاعه، فسار الى القسطنطينية ونازع الملك قسطنطين في ملكه، وذلك سنة إحدى وثلاثمائة، فظفر به الملك فقتله.
وخرج عن طاعته أيضاً صاحب رومية، وهي كرسيّ ملك الإفرنج، وتسمى بالملك، ولبس ثياب الملوك، وكانوا قبل ذلك يطيعون ملوك الروم أصحاب القسطنطينية ويصدرون عن أمرهم، فلمّا كان سنة أربعين وثلاثمائة قوي ملك رومية، فخرج عن طاعته، فأرسل إليه قسنطين العساكر يقاتلونه ومن معه من الفرنج، فالتقوا واقتتلوا، فانهزمت الروم وعادت الى القسطنطينية منكوبة، فكفّ حينئذٍ قسطنطين عن معارضته ورضي بالمسالمة وجرى بينهما مصاهرة، فزوّج قسنطين ابنه أرمانوس بابنة ملك رومية، ولم يزل أمر الإفرنج بعد هذا يقوى ويزداد ويتسع ملكهم كالاستيلاء على بعض بلاد الأندلس، على ما نذكره، وكأخذهم جزيرة صقلية وبلاد ساحل الشام والبيت المقدس، وعلى ما نذكره، وفي آخر الأمر ملكوا القسطنطينيّة سنة إحدي وستمائة، على ما نذكره إن شاء الله.
ومما ينبغي أن يلحق بهاذ أنّ الطوائف من الترك اجتمعت، منهم: البجناك والبختي وغيرهما، وقصدوا مدينة للروم قديمة تسمى وليدر سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة وحصروها، فبلغ خبرهم الى أرمانوس، فسيّر إليهم عسكراً كثيفاً فيهم من المتنصّرة اثنا عشر ألفاً، فاتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم الروم، واستولى الترك على المدينة وخرّبوها بعد أن أكثروا القتل فيها والسبي والنهب، ثمّ ساروا الى القسطنطينية وحصروها أربعين يوماً وأغاروا على بلاد الروم واتّصلت غاراتهم الى بلاد الإفرنج، ثمّ عادوا راجعين.
ذكر وصول قبائل العرب الى العراق

ونزولهم الحيرة

قال ابن الكلبيّ: لما مات بخت نصّرانضمّ الذين أسكنهم الحيرة من العرب إلى أهل الأنبار وبقيت الحيرة خراباً دهراً طويلاً وأهلها بالأنبار لا يطلع عليهم قادم من العرب، فلمّا كثر أولد معدّ بن عدنان ومن كان معهم من قبائل العرب ومزّقتهم الحروب خرجوا يطلبون الريف فيما يليهم من اليمن ومشارف الشام، وأفلت منهم قبائل حتى نزلوا بالبحرين وبها جماعة من الأزد، وكان الذين أقبلوا من تهامة مالك وعمرو ابنا فهم بن تيم بن أسد بن وبرة بن قضاعة، ومالك بن زهير بن عمرو بن فهم في جماعة من قومهم، والحيقاد بن الحنق بن عمير بن قبيص بن معدّ بن عدنان في قبيص كلّها، ولحق بهم غطفان بن عمرو بن الطمثان بن عوذ مناة بن يقدم بن أفصى بن دُعمي بن إياد بن نزار بن معدّ بن عدنان وغيره من إياد، فاجتمع بالبحرين قبائل من العرب وتحالفوا على التنُّوخ، وهو المقام، وتعاقدوا علي التناصر والتساعد، فصاروا يداً واحدةً وضمّهم اسم تنوخ، وتنخ عليهم بطون من نمارة بن لخم، ودعا مالك بن زهير جديمة الأبرش بن مالك بن فهم بن غانم بن دوس الأزدي الى التنوخ معه وزوجه أخته لميس، فتنخ جديمة، وكان اجتماعهم أيام ملوك الطوائف، وإنما سمّوا ملوك الطوائف لأن كل ملك منهم كان ملكه على طائفة قليلة من الأرض.
قال: ثم تطلّعت أنفس من كان بالبحرين إلى ريف العراق فطمعوا في أن يغلبوا الأعاجم في ما يلي بلاد العرب منه أو مشاركتهم فيه لاختلاف بين ملوك الطوائف، فأجمعوا علي المسير الى العراق، فكان أول من يطلع منهم الحيقاد بن الحنق في جماعة من قومه وأخلاط من الناس، فوجدوا الأرمانيين، وهم الذين ملكوا أرض بابل وما يليها الى ناحية الموصل، يقاتلون الأردوانيين، وهم ملوك الطوائف، وهو ما بين نفر، وهي قرية من سواد العراق إلى الأبلّة، فدفعوهم عن بلادهم، والأرمانيّون من بقايا إرم فلهذا سمّوا الأرمانيين، وهم نبط السواد.
ثم طلع مالك وعمرو ابنا فهم بن تيم الله وغيرهما من تنوخ الى الأنبار على ملك الأرمانيين، وطلع نمارة ومن معه الى نفّر على ملك الأردوانيين، وكانوا لاي دينون للأعاجم حتى قدمها تُبّع وهو أسعد أبو كرب بن ملكيكرب في جيوشه، فخلف بها من لم يكن فيه قوّة من عسكره، وسار تُبّع ثم رجع إليهم فأقرّهم على حالهم، ورجع الى اليمن وفيهم من كلّ القبائل، ونزلت تنوخ من الأنبار الى الحيرة في الأخبية لا يسكنون بيوت المدر، وكان أول من ملك منهم مالك بن فهم، وكان منزله مما يلي الأنبار، ثم مات مالك فملك بعده أخوه عمرو بن فهم بن غانم بن دوس الأزديّ، ثمّ مات فملك بعده جديمة الأبرش بن مالك بن فهم، وقيل: إنّ جذيمة من العاربة الأولى من بني دمار بن أميم بن لوذ بن سام بن نوح، عليه السلام؛ والله أعلم.
ذكر جذيمة الأبرشقال: وان جذيمة من أفضل ملوك العرب رأياً، وأبعدهم مغاراً، وأشدّهم نكاية، وأول من استجمع له الملك بأرض العراق، وضمّ إليه العرب، وغزا بالجيوش، وكان به برص فكنت العرب عنه، فقيل: الوضّاح، والأبرش، إعظاماً له، وكانت منازله ما بين الحيرة والأنبار وبقّة وهيت وعين التّمر وأطراف البّر الى العمير وخفية، تجبى إليه الأموال، وتفد إليه الوفود، وكان غزا طسماً وجديساً في منازلهم من اليمامة، فأصاب حسّان بن تبّع أسعد أبي كرب قد زغار عليهم فعاد بمن معه، وأصاب حسّان سريّة لجذيمة فاجتاحها، وكان له صنمان يقال لهما الضيزنان، وكانت إياد بعين أباغ، فذكر لجذيمة غلام من لخم في أخواله من إياد يقال له عديّ بن نصر بن ربيعة له جمال وظرف، فغزاهم جذيمة، فبعثت إياد من سرق صنميه وحملها الى إياد، فأرسلت إليه: إن صنميك أصبحا فينا زهداً فيك ورغبة فينا، فإن أوثقت لنا أن لا تغزونا دفعناهما رليك، قال: وتدفعون معهما عديّ بن نصر، فزجابوه الى ذلك وأرسلوه مع الصنمين، فضمه الى نفسه وولاه شرابه.
فأبصرته رقاض أخت جذيمة فعشقته وراسلته ليخطبها الى جذيمة، فقال: لا أجترئ على ذلك ولا أطمع فيه، قالت: إذا جلس على شرابه فاسقه صرفاً واسق القوم ممزوجاً، فإذا أخذت الخمر فيه فاخطبني إليه فلن يردّك، فإذا زوّجك فأشهد القوم.

ففعل عديّ ما أمرته، فزجابه جذيمة وأملكه إيّاها، فانصرف إليها فأعرس بها من ليلته وأصبح بالخلوق، فقال له جذيمة، وأنكر ما رأى به: ما هذه الآثار يا عديّ؟ قال: اثار العرس، قال: أيّ عسر؟ قال: عرس رقاش، قال: من زوّجكها ويحك قال: الملك، فندم جذيمة وأكبّ على الأرض متفكّراً، وهرب عدّي، فلم ير له أثر ولم يسمع له بذكر، فأرسل إليها جذيمة:
خبّريني وأنت لا تكذبيني ... أبحرّ زنيت أن بهجين
أم بعبد فأنت أهل لعبد ... أم بدون فأنت أهل لدون
فقالت: لا بل أنت زوّجتني أمرأً عربياً حسيباً ولم تستأمرني في نفسي، فكفّ عنها وعذرها، ورجع عديّ إلى إياد فكان فيهم، فخرج يوماً مع فتية متصيدين، فرمى به فتى منهم في ما بن جبلين، فتنكس فمات.
فحملت رقاش فولدت غلاماً فسمته عمراً، فلمّا ترعرع وشبّ ألبسته وعطّرته وأزارته خاله، فلمّا رآه أحبّه وجلعه مع ولده، وخرج جذيمة متبديّاً بأهله وولده في سنة خصيبة، فأقام في روضة ذات زهر وغدر، فخرج ولده وعمرو معهم يجتنون الكمأة، فكانوا إذا أصابوا كمأة جيدة أكلوها، وإذا أصابها عمرو خبأها، فانصرفوا إلى جذيمة يتعادون، وعمرو يقول:
هذا جناي وخياره فيه ... إذ كل جان يده في فيه
فضمّه جذيمة إليه والتزمه وسرّ بقوله وفعله، وأمر فجعل له حلى من فضّة وطوق، فكان أوهل عربيّ ألبس طوقاً.
فبينا هو على أحسن حالة إذ استطارته الجنّ، فطلبه جذيمة في الآفاق زماناً فلم يقدر عليه، ثمّ أقبل رجلان من بلقين قضاعة يقال لهما مالك وعقيل ابنا فارج بن مالك من الشام يريدان جذيمة، وأهديا له طرفاً، فنزلا منزلاً ومعهما قينة لهما تسمى أم عمرو، فقدّمت طعاماً، فبينما هما يزكلان إذا أقبل فتى عريان قد تلبّد شعره وطالت أظفاره وساءت حاله فجلس ناحيةً عنهما ومدّ يده يطلب الطعام، فناولته القينة كراعاً، فزكلها، ثمّ مدّ يده ثانية، فقالت: لا تعط العبد كراعاً فيطمع في الذراع فذهبت مثلاً، ثمّ سقتهما من شراب معها وأوكت زقّها، فقال عمرو بن عدي:
صددت الكأس عنّا أمّ عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا
وما شرّ الثلاثة أمَّ عمرو ... بصاحبك الذي لا تصبحينا
فسألاه عن نفه، قال: إن تنكراني أو تنكرا نسبي، فإنني أنا عمرو بن عدي، بن تنوخيّة، اللخمي، وغداً ما ترياني في نمارة غير معصي.
فنهضا وغسلا رأسه وأصلحا حاله وألبساه ثياباً وقالا: ما كنّا لنهدي لجذيمة أنفس من ابن أخته فخرجا به إلى جذيمة، فسُرّ به سروراً شديداً وقال: لقد رأيته يوم ذهب وعليه طوق، فما ذهب من عيني وقلبي الى الساعة، وأعادوا عليه الطوق، فنظر إليه وقال: شبّ عمرو عن الطوق، وأرسلها مثلاً، وقال لمالك وعقيل: حكمكما، قالا: حكمنا منادمتك ما بقينا وبقيت؛ فهما ندمانا جذيمة اللذان يضربان مثلاً.
وكان ملك العرب بأرض الجزيرة ومشارف الشام عمرو بن الظرب بن حسّان بن أذينة العمليقيّ من عاملة العمالقة، فتحارب هو وجذيمة، فقتل عمرو وانهزمت عساكره، وعاد جذيمة سالماً، وملكت بعد عمرو ابنته الزّبّاء، واسمها نائلة، وكان جنود الزبّاء بقايا العماليق وغيرهم، وكان لها من الفرات إلى تدمر، فلمّا استجمع لها أمرها واستحكم ملكها اجتمعت لغزو جذيمة تطلب بثأر أبيها، فقالت لها زختها ربيبة، وكانت عاقلة: إن غزوت جذيمة فإنّما هو يوم له ما بعده والحرب سجال، وأشارت بترك الحرب وإعمال الحيلة، فأجابتها إلى ذلك وكتبت إلى جذيمة تدعوه الى نفسها وملكها، وكتبت إليه أنها لم تجد ملك النساء إلاّ قبحاً في السماع وضعفاً في السلطان، وأنها لم تجد لملكها ولا لنفسها كفواً غيره.
فلمّا انتهى كتاب الزبّاء إليه استخفّ ما دعته إليه وجمع إليه ثقاته، وهو ببقّة من شاطئ الفرات، فعرض عليهم ما دعته إليه واستشارهم؛ فأجمع رأيهم علي أن يسير إليها ويستولي على ملكها.
وكان فيهم رجلٌ يقال له قصير بن سعد من لخم، وكان سعد تزوّج أمة لجذيمة فولدت له قصيراً، وكان أديباً حازماً ناصحاً لجذيمة قريباً منه، فخالفهم فيما أشاروا به عليه وقال: رأي فاتر، وغدر حاضر؛ فذهبت مثلاً؛ وقال لجذيمة: اكتب إليها فإن كانت صادقة فلتقبل إليك وإلا لم تمكنها من نفسك وقد وترتها وقتلت أباها.

فلم يوافق جذيمة ما أشار به قصير وقال له: لا ولكنّك امرؤ رأيك في الكِنّ لا في الضحّ؛ فذهبت مثلاً.
ودعا جذيمة ابن أخته عمرو بن عديّ فاستشاره، فشجعه على المسير وقال: إنّ نمارة قومي مع الزبّاء فلو رأوك صاروا معك، فأطاعه.
فقال قصير: لا يُطاع لقصير أمر، وقالت العرب: ببقّة أُبرم الأمر؛ فذهبتا مثلاً.
واستخلف جذيمة عمرو بن عديّ على ملكه، وعمرو بن عبد الجنّ على خيوله معه، وسار في وجوه أصحابه، فلمّا نزل الفرضة قال لقصير: ما الرأي؟ قال: ببقّة تركت الرأي؛ فذهبت مثلاً.
واستقبله رسل الزبّاء بالهدايا والألطاف، فقال: يا قصير كيف ترى؟ قال: خطرٌ يسير، وخطب كبير؛ فذهبت مثلاً؛ وستلقاك الخيول، فإن سارت أمامك فإنهّ المرأة صادقة، وإن أخذت جنبيك وأحاطت بك فإنّ القوم غادرون، فاركب العصا، وكانت فرساً لجذيمة لا تُجارى، فإني راكبها ومساريك عليها.
فلقيته الكتائب فحالت بينه وبين العصا، فركبها قصير، ونظر اليه جذيمة مولياً على متنها، فقال: ويل أمّه حزماً على متن العصا فذهبت مثلاً، وقال: ما ضلّ من تجري به العصا؛ فذهبت مثلاً؛ وجرت به الى غروب الشمس، ثمّ نفقت وقد قطعت أرضاً بعيدة، فبنى عليها برجاً يقال له برج العصا، وقالت العرب: خيرٌ ما جاءت به العصا؛ مثل تضربه.
وسار جذيمة وقد أحاطت به الخيول حتى دخل على الزبّاء، فلمّا رأته تكشّفت، فإذا هي مضفورة الاسب بالباء الموحدة هو شعر الاست، وقالت له: يا جذيمة أدأب عروس ترى؟ فذهبت مثلاً، فقال: بلغ المدى، وجفّ الثرى، وأمر غدر أرى؛ فذهبت مثلاً، فقالت له: أما وإلهي ما بنا من عدم مواس، ولا قلّة أواس، ولكنها شيمة من أناس؛ فذهبت مثلاً، وقالت له: أنبئت أنّ دماء الملوك شفاء من الكلب، ثمّ أجلسته على نطع وأمرت بطست من ذهب، فزعدّ له، وسقته الخمر حتى أخذت منه مأخذها ثمّ زمرت براهشيه فقطعا، وقدّمت إليه الطست، وقد قيل لها: إن قطر من دمه شيء في غير الطست طلب بدمه، وكانت الملوك لا تقتل بضرب الرقبة إلاّ في قتال تكرمةً للملك، فلما ضعفت يداه سقطتا، فقطر من دمه في غير الطست، فقالت: لا تضيعوا دم الملك فقال جذيمة: دعوا دماً ضيّعه أهله فذهبت مثلاً.
فهلك جذيمة وخرج قصير من الحيّ الذين هلكت العصا بين أظهرهم حتى قدم على عمرو بن عديّ ، وهو بالحيرة، فوجده قد اختلف هو وعمرو بن عبد الجنّ فأصلح بينهما، وأطاع الناس عمرو بن عديّ، وقال له قصير: تهيّأ واستعدّ ولا تطلَّ دم خالك، فقال: كيف لي بها وهي أمنع من عقاب الجو؟ فذهبت مثلاً.
وكانت الزبّاء سألت كهنةً عن أمرها وهلاكها، فقالوا لها: نرى هلاكك بسبب عمرو بن عديّ، ولكنّ حتفك بيدك، فحذرت عمراً واتخذت نفقاً من مجلسها إلى حصن لها داخل مدينتها، ثمّ قالت: إن فجأني أمر دخلت النفق الى حصني، ودعت رجلاً مصوّراً حاذقاً فأرسلته إلي عمرو بن عديّ متنكرّاً وقالت له: صوّره جالساً وقائماً ومتفضّلاً متنكرّاً ومتسلحاً بهيئته ولبسه ولونه ثم أقبل إليّ، ففعل المصوّر ما أوصته الزباء وعاد إليها، وأرادت أن تعرف عمروبن عديّ فلا تراه على حال إلاّ عرفته وحذرته.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohammed.mansy@yahoo.com
محمد منسى
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 19288
العمر : 39
الموقع : منتديات ابو ريوف
تاريخ التسجيل : 26/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الأحد 25 نوفمبر 2018 - 18:27


وقال قصير لعمرو: اجدع أنفي واضرب ظهري ودعني وإياها، فقال عمرو: ما أنا بفاعل، فقال قصير: خلّ عني إذاً وخلاك ذمّ؛ فذهبت مثلاً، فقال عمرو: فأنت أبصرُ، فجدع قصيرٌ زنفه ودقّ بظهره وخرج كزنه هارب وأظهر أنّ عمراً فعل ذلك به، وسار حتى قدم على الزباء، فقيل لها: إنّ قصيراً بالباب؛ فأمرت به أفدخل عليها، فإذا أنفه قد جدع وظهره قد ضرب، فقالت: لأمر ما جدع قصير أنفه؛ فذهبت مثلاً، قالت: ما الذي أرى بك يا قصير؟ قال: زعم عمرو أني غدرت خاله وزيّنت له المسير إليك ومالأتكِ عليه ففعل بي ما ترين فأقبلت إليك وعرفت أني لا أكون مع أحد هو أثقل عليه منك، فأكرمته، وأصابت عنده بعض ما أرادت من الحزم والرأي والتجربة والمعرفة بأمور الملك.

فلما عرف أنها قد استرسلت إليه ووثقت به، قال لها: إنّ لي بالعراق أموالاً كثيرة، ولي بها طرائف وعطر، فابعثيني لأحمل مالي وأحمل إليكِ من طرائفها وصنوف ما يكون بها من التجارات فتصيبين أرباحاً وبعض ما لا غناء للملوك عنه، فسرّحته ودفعت إليه أموالاً وجهّزت معه عيراً، فسار حتى قدم العراق وأتى عمرو بن عديّ متخفياً وأخبره الخبر وقال: جهزني بالبزّ والطّرف وغير ذلك لعل الله يمكن من الزباء فتصيب ثأرك وتقتل عدوك، فأعطاه حاجته، فرجع بذلك كله إلي الزباء فعرضه عليها، فأعجبها وسرها وازدادات به ثقة، ثم جهزته بعد ذلك بأكثر مماجهزته به في المرة الزولى، فسار حتى قدم العراق وحمل من عند عمرو حاجته ولم يدع طرفةً ولا متاعاً قدر عليه، ثم عاد الثالثة فأخبر عمراً الخبر وقال: اجمع لي ثقات أصحابك وجندك وهيّد لهم الغرائز، وهو أوّل من عملها، واحمل كلّ رجلين على بعير في غرارتين واجعل معقد رؤوسهما من باطنهما، وقال له: إذا دخلت مدينة الزبّاء أقمتك على باب نفقها وخرجت الرجال من الغرائز فصاحوا بأهل المدينة، فمن قاتلهم قاتلوه، وإن أقبلت الزبّاء تريد نفقها قتلتها.
ففعل عمرو ذلك وساروا، فلمّا كانوا قريباً من الزباء تقدّم قصير إليها فبشّرها وأعلمها كثرة ماحمل من الثياب والطرائف وسألها أن تخرج وتنظر إلى الإبل وما عليها، وكان قصير يكمن النهار ويسري الليل، وهو أول من فعل ذلك، فخرجت الزباء فأبصرت الإبل تكاد قوائمها تسوخ في الأرض، فقالت: يا قصير.
ما للجمال مشيها وثيدا ... أندلاً يحملن أم حديدا
أم صرفاناً بارداً شديدا ... أم الرجال جثّماً قعودا
ودخلت الإبلُ المدينة، فلما توسطتها أنيخت وخرج الرجال من الغرائر، ودلّ قصير عمراً على باب النفق وصاحوا بزهل المدينة ووضعوا فيهم السلاح، وقام عمرو علي باب النفق، وأقبلت الزبّاء تريد الخروج من النفق، فلمّا أبصرت عمراً قائماً على باب النفق عرفته بالصورة التي عملها المصور، فمصّت سمّاً كان في خاتمها، فقالت: بيدي لا بيد عمرو فذهبت مثلاً، وتلقاها عمرو بالسيف فقتلها وأصاب ما أصاب من المدينة ثم عاد الى العراق.
وصار الملك بعد جذيمة لابن أخته عمرو بن عديّ بن نصر بن ربيعة بن عمرو بن الحارث ابن سعود بن مالك بن عمرو بن نمارة بن لخم، وهو أول من اتخذ الحيرة منزلاً من ملوك العرب، فلم يزل ملكاً حتى مات، وهو ابن مائة وعشرين سنة، وقيل: مائة وصماني عشرة سنة، منها أيّام ملوك الطوائف خمس وتسعون سنة، وأيام أردشير بن بابك أربع عشرة سنة وأشهر، وأيّام ابنه سابور بن زردشير ثماني سنين وشهران، وكان منفرداً بملكه يغزو المغازي ولا يدين لملوك الطوائف الى أن ملك أردشير بن بابك أهل فارس، ولم يزل الملك في ولده إلى أن كان آخرهم النعمان بن المنذر، الى أيام ملوك كندة، على ما نذكره إن شاء الله.
وقيل في سبب مسير ولد نصر بن ربيعة الى العراق غير ما تقدّم، وهو رؤيا رآها ربيعة، وسيرد ذكرها عند أمر الحبشة، إن شاء الله تعالى.
ذكر طسم وجديس وكانوا أيّام ملوك الطوائف
كان طسم بن لوذ بن أذهر بن سام بن نوح، وجديس بن عامر بن أزهر بن سام ابني عمّ، وكانت مساكنهم موضع اليمامة، وكان اسمها حينئذٍ جوّاً، وكانت من أخصب البلاد وأكثرها خيراً، وكان ملكهم أيّام ملوك الطوائف عمليق، وكان ظالماً قد تمادى في الظلم والغشم والسيرة الكثيرة القبح، وإنّ امرأة من جديس يقال لها هزيلة طلّقها زوجها وأراد أخذ ولدها منها، فخاصمته الى عمليق وقالت: أيّها الملك حملته تسعاً، ووضعته دفعاً، وأرضعته شفعاً؛ حتى إذا تمت أوصاله، ودنا فصاله، أراد أن يأخذه مني كرهاً، ويتركين بعده ورها، فقال زوجها: أيها الملك إنها أعطيت مهرها كاملاً، ولم أصب منها طالاً، إلاّ وليداً خاملاً، فافعل ما كنت فاعلاً، فأمر الملك بالغلام فصار في غلمانه وأن تُباع المرأة وزوجها فيعطى زوجها خمس ثمنها وتعطى المرأة عشر ثمن زوجها، فقالت هزيلة:
أتينا أخا طسم ليحكم بيننا ... فأنفذ حكماً في هزيلة ظالما
لعمري لقد حكمت لا متورعاً ... ولا كنت فيمن يبرم الحكم عالما
ندمت ولم أندم وأنى بعترتي ... وأصبح بعلي في الحكومة نادما

فلمّا سمع عمليق قولها أمر أن لا تزوّج بكرٌ من جديس وتهدى إلى زوجها حتى يفترعها، فلقوا من ذلك بلاء وجهداً وذلاًّ، ولم يزل يفعل ذلك حتى زوّجت الشموس، وهي عفيرة بنت عباد زخت الأسود، فلمّا أرادوا حملها إلى زوجها انطلقوا بها إلى عمليق لينالها قبله، ومعها الفتيان، فلمّا دخلت عليه افترعها وخلّى سبيلها، فخرجت الى قومها في دمائها وقد شقّت درعها من قبل ودبر والدم يبين وهي في أقبح منظر تقول:
لا أحد أذلّ من جديس ... أهكذا يفعل بالعروس
يرضى بذا يا قوم بعل حرّ ... أهدى وقد أعطى وسيق المهر
وقالت أيضاً لتحرض قومها:
أيجمل ما يؤتى إلى فتياتكم، ... وأنتم رجال فيكم عدد النمل
وتصبح تمشي في الدماء عفيرة ... جهاراً وزفّت في النساء الى بعل
ولو أننا كنّا رجالاً وكنتم ... نساءً لكنا لا نقرُّ بذا الفعل
فموتوا كراماً أو أميتوا عدوّكم ... ودبّوا لنار الحرب بالحطب الجزل
وإلاّ فخلّوا بطنها وتحملوا ... إلى بلد قفر وموتوا من الهزل
فللبين خير من مقام على الأذى ... وللموت خير من مقام على الذل
وإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه ... فكونوا نساء لا تعاب من الكحل
ودونكم طيب النساء فإنما ... خلقتم لأثواب العروس وللنسل
فبعداً وسحقاً للذي ليس دافعاً ... ويختال يمشي بيننا مشية الفحل
فلما سمع أخوها الأسود قولها، وكان سيداً مطاعاً، قال لقومه: يا معشر جديس إن هؤلاء القوم ليسوا بأعزّ منكم في داركم إلاّ بملك صاحبهم علينا وعليهم، ولوا عجزنا لما كان له فضل علينا، ولو امتنعنا لانتصفنا منه، فأطيعوني فيما آمركم فإنّه عز الدّهر.
وقد حمي جديس لما سمعوا من قولهم فقالوا: نطيعك ولكنّ القوم أكثر منا قال: فإني أصنع الملك طعاماً وأدعوه وأهله إليه، فإذا جاؤوا يرفلون في الحلل أخذنا سيوفنا وقتلناهم، فقالوا: افعل، فصنع طعاماً فأكثر وجعله بظاهر البلد ودفن هو وقومه سيوفهم ف يالرمل ودعا الملك وقومه، فجاؤوا يرفلون في حللهم، فلمّا أخذوا مجالسهم ومدّوا أيديهم يأكلون، أخذت جديس سيوفهم من الرمل وقتلوهم وقتلوا ملكهم وقتلوا بعد ذلك السفلة.
ثم إنّ بقيّة طسم قصدوا حسّان بن تُبّع ملك اليمن فاستنصروه، فسار الى اليمامة، فلما كان منها على مسيرة ثلاث قال له بعضهم: إنّ لي أختاً متزوجة في جديس يقال لها اليمامة تبصر الراكب من مسيرة ثلاث، وإني أخاف أن تنذر القوم بك، فمر أصحابك فليقطع كلّ رجل منهم شجرة فليجعلها أمامه.
فأمرهم حسان بذلك، فنظرت اليمامة فأبصرتهم فقالت لجديس: لقد سارت إليكم حمير، قالوا: وما ترين؟ قالت: أرى رجلاً في شجرة معه كتف يتعرّقها أو نعل يخصفها؛ وكان كذلك، فكذبوها، فصبحهم حسّان فأبادهم، وأتي حسان باليمامة ففقأ عينها، فإذا فيها عروق سود، فقال: ما هذا؟ قالت: حجر أسود كنت أكتحل به يقال له الإثمد، وكانت زوّل من اكتحل به، وبهذه اليمامة سميت الميامة، وقد أكثر الشعراء ذكرها في أشعارهم.
ولما هلكت جديس هرب الأسود قاتل عمليق الى جبل طيّء فأقام بهما، ذلك قبل أن تنزلهما طيّء، وكانت طيّء تنزل الجرف من اليمن، وهو الآن لمراد وهمدان، وكان يأتي الى طيّء بعير أزمان الخيف عظيم السمن ويعود عنهم، ولم يعلموا من أين يأتي، ثمّ إنّهم اتّبعوه يسيرون بسيره حتي هبط بهم على أجأ وسلمى جبلي طيّء، وهما بقرب فيد، فرأوا فيهما النخل والمراعي الكثيرة ورأوا الأسود بن عفار، فقتلوه، وأقامت طيّء بالجبلين بعده، فهم هناك إلى الآن، وهذا أول مخرجهم إليهما.
ذكر أصحاب الكهف

وكانوا أيام ملوك الطوائف

كان أصحاب الكهف أيّام ملك اسمه دقيوس، ويقال دقيانوس، وكانوا بمدينة للروم اسمها أفسوس، وملكهم يعبد الأصنام، وكانوا فتية آمنوا بربّهم كما ذكر الله تعالى، فقال: (أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً) الكهف: 9؛ والرّقيم خبرهم كتب في لوح وجع على باب الكهف اذي أووا رليه، وقيل: كتبه بعض أهل زمانهم وجعله في البناءوفيه أسماؤهم وفي أيّام من كانوا وسبب وصولهم الى الكهف.
وكانت عدّتهم، فما ذكر ابن عبّاس، سبعة وثامنهم كلبهم، وقال: إنّا من القليل الذين تعلمونهم، وقال ابن اسحاق: كانوا ثمانية، فعلى قوله يكون تاسعهم كلبهم، وكانوا من الروم، وكانوا يعبدون الأوثان، فهداهم الله، وكانت شريعتهم شريعة عيسى، عليه السلام.
وزعم بعضهم أنهم كانوا قبل المسيح، وأنّ المسيح أعلم قومه بهم، وأن الله بعثهم من رقدتهم بعد رفع المسيح، والأول أصح.
وكان سبب إيمانهم أنه جاء حواريّ من أصحاب عيسى إلى مدينتهم فأراد أن يدخلها، فقيل له: إنّ على بابها صنماً لا يدخلها أحد حتى يسجد له، فلم يدخلها وأتى حمّاماً قريباً من المدينة، فكان يعمل فيه، فرأى صاحب الحمّام البركة وعلقه الفتية، فجعل يخبرهم خبر السماءوالأرض وخبر الآخرة حتى آمنوا به وصدّقوه، فكان على ذلك حتى جاء ابن الملك بامرأة فدخل بها الحمّام، فعيّره الحواريّ، فاستحيا، ثمّ رجع مرّة أخرى فعيّره فسبّه وانتهره ودخل الحمّام ومعه المرأة، فماتا في الحمّام، فقيل للملك: إنّ الذي بالحمّام قتلهما، فطلب فلم يوجد، فقيل: من كان يصحبه؟ فذكر الفتية، فطلبوا فهربوا فمرّوا بصاحب لهم على حالهم في زرع له فذكروا له أمرهم، فسار معهم وتبعهم الكلب الذي له حتى آواهم الليل الى الكهف، فقالوا: نبيت ههنا حتى نصبح ثمّ نرى رأينا، فدخلوه فرأوا عنده عين ماء وثماراً، فأكلوا من الثمار وشربوا من الماء، فلمّا جنّهم اللّيلُ ضرب الله على آذانهم ووكّل بهم ملائكة يقلّبّونهم ذات اليمن وذات الشمال لئلاّ تأكل الأرض أجسادهم، وكانت الشمس تطلع عليهم.
وسمع الملك دقيانوس خبرهم فخرج في أصحابه يتبعون أثرهم حتى وجدهم قد دخلوا الكهف، وأمر أصحابه بالدخول إليهم وإخراجهم، فكلّما أراد رجل أن يدخل أرعب فعاد، فقال بعضهم: أليس لو كنت ظفرت بهم قتلتهم؟ قال: بلى، قال: فابن عليهم باب الكهف ودعهم يموتوا جوعاً وعطشاً، ففعل، فبقوا زماناً بعد زمان.
ثمّ إنّ راعياً أدركه المطر فقال: لو فتحت باب هذا الكهف فأدخلت غنمي فيه، ففتحه، فردّ الله إليهم أرواحهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا أحدهم بورق ليشتري لهم طعاماً، واسمه تلميخا، فلّما أتى باب المدينة رأى ما زنكره حتى دخل علي رجل فقال: بعني بهذه الدراهم طعاماً، فقال: فمن أين لك هذه الدراهم؟ قال: خرجت أنا وأصحاب لي أمس ثمّ أصبحوا فأرسلوني، فقال: هذه الدراهم كانت على عهد الملك الفلانيّ، فرفعه إلى الملك، وكان ملكاً صالحاً، فسأله عنها، فأعاد عليه حالهم، فقال الملك: وأين أصحابك؟ قال: انطلقوا معي، فانطلقوا معه حتى أتوا باب الكهف، فقال: دعوني أدخل إلى أصحابي قبلكم لئلا يسمعوا أصواتكم فيخافوا ظنّاً منهم أنّ دقيانوس قد علم بهم، فدخل عليهم وأخبرهم الخبر، فسجدوا شكراً لله وسألوه أن يتوفّاهم، فاستجاب لهم، فضرب على أذنه وآذانهم، وأراد الملك الدخول عليهم فكانوا كلما دخل عليهم رجل أرعب، فلم يقدروا أن يدخلوا عليهم، فعاد عنهم، فبنوا عليهم كنيسة يصلّون فيها.
قال عكرمة: لما بعثهم الله كان الملك حينئذٍ مؤمناً، وكان قد اختلف أهل مملكته في الروح والجسد وبعثهما، فقال قائل: يبعث الله الروح دون الجسد، وقال قائل: يبعثان جميعاً؛ فشقّ ذلك على الملك فلبس المسوح وسأل الله أن يبين له الحقّ، فبعث لله أصحاب الكهف بكرةً، فلمّا بزغت الشمس قال بعضهم لبعض: قد غفلنا هذه الليّلة عن العبادة، فقاموا إلى الماء، وكان عند الكهف عين وشجرة، فإذا العين قد غارت والأشجار قد يبست، فقال بعضهم لبعض: إنّ أمرنا لعبج هذه العين غارت وهذه الأشجار يبست في ليلة واحدة وألقى الله عليهم الجوع، فقالوا: أيّكم يذهب (إلى المدينة فلينظر أيّها أزكى طعاماً فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحداً) الكهف: 19.

فدخل أحدهم يشتري الطعام، فلما رأى السوق عرف وأنكر الوجوه ورأى الإيمان ظاهراً بها، فأتى رجلاً يشتري منه، فأنكر الدراهم، فرفعه الى الملك، فقال الفتى: أليس ملككم فلان؟ فقال الرجل: لا بل فلان فعجب لذلك، فلمّا أحضر عند الملك أخبره بخبر أصحابه، فجمع الملك الناس وقال لهم: إنكم قد اختلفتم في الروح والجسد، وإن الله قد بعث لكم آية هذا الرجل من قوم فلان، يعني الملك الذي مضى، فقال الفتى: انطلقوا بي الى أصحابي، فركب الملك والناس معه، فلما انتهى إلى الكهف قال الفتى للملك: ذروني أسبقكم إلى أصحابي أعرفهم خبركم لئلا يخافوا إذا سمعوا وقع حوافر دوابّكم وأصواتكم فيظنّوكم دقيانوس، فقال: افعل، فسبقهم إلى أصحابه ودخل على أصحابه فأخبرهم الخبر، فعلموا حينئذٍ مقدار لبثهم في الكهف وبكوا فرحاً ودعوا الله أن يميتهم ولا يراهم أحد ممّن جاءهم، فماتوا لساعتهم، فضرب الله على أذنه وآذانهم معه، فلما استبطأوه دخلوا إلي الفتية فإذا أجسادهم لا ينركون منها شيئاً غير أنها لا أرواح فيها، فقال الملك: هذه آية لكم، ورأى الملك تابوتاً من نحاس مختوماً بخاتم، ففتحه، فرأى فيه لوحاً من رصاص مكتوباً فيه أسماء الفتية وأنهم هربوا من دقيانوس الملك مخافة على نفوسهم ودينهم فدخلوا هذا الكهف، فلمّا علم دقيانوس بمكانهم بالكهف سدّه عليهم، فليعلم من قرأ كتابنا هذا شأنهم.
فلمّا قرأوه عجبوا وحمدوا الله تعالى الذي أراهم هذه الآية للبعث ورفعوا أصواتهم بالتحميد والتسبيح.
وقيل: إنّ الملك ومن معه دخلوا على الفتية فرأوهم أحياء مشرقة وجوههم وألوانهم لم تبل ثيابهم، وأخبرهم الفتية بما لقوا من ملكهم دقيانوس، واعتنقهم الملك، وقعدوا معه يسبّحون الله ويذكرونه، ثم قالوا: له: نستودعك الله، ورجعوا الى مضاجعهم كما كانوا، فعمل الملك لكل رجل منهم تابوتاً من الذهب، فلمّا نام رآهم في منامه وقالوا: إننا لم نخلق من الذهب إنّما خلقنا من التراب وإليه نصير، فعمل لهم حينئذٍ توابيت من خشب، فحجبهم الله بالرعب، وبنى الملك على باب الكهف مسجداً وجعل لهم عيداً عظيماً.
وأسماء الفتية: مكسلمينيا ويمليخا ومرطوس ونيرويس وكسطومس ودينموس وريطوفس وقالوس ومخسيلمينيا، وهذه تسعة أسماء، ويه أتمّ الروايات، والله أعلم، وكلبهم قطمير.
ذكر يونس بن متىوكان أمره من الأحداث أيام ملوك الطوائف. قيل: لم ينسب أحد من الأنبياء إلى أمه إلا عيسى بن مريم ويونس بن متى، وهي أمه، وكان من قرية من قرى الموصل يقال لها نينوى، وكان قومه يعبدون الأصنام، فبعثه الله إليهم بالنهي عن عبادتها والأمر بالتوحيد، فأقام فيهم ثلاثاً وثلاثين سنة يدعوهم، فلم يؤمن غير رجلين، فلما أيس من إيمانهم دعا عليهم، فقيل له: ما أسرع ما دعوت على عبادي ! ارجع إليهم فادعهم أربعين يوماً، فدعاهم سبعة وثلاثين يوماً، فلم يجيبوه، فقال لهم: إن العذاب يأتيكم إلى ثلاثة أيام، وآية ذلك أن ألوانكم تتغير، فلما أصبحوا تغيرت ألوانهم، فقالوا: قد نزل بكم ما قال يونس ولم نجرب عليه كذباً فانظروا فإن بات فيكم فأمنوا من العذاب، وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب يصبحكم.
فلما كانت ليلة الأربعين أيقن يونس بنزول العذاب، فخرج من بين أظهرهم. فلما كان الغد تغشاهم العذاب فوق رؤوسهم، خرج عليهم غيم أسود هائل يدخن دخاناً شديداً، ثم نزل إلى المدينة فاسودت منه سطوحهم، فلما رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك، فطلبوا يونس فلم يجدوه، فألهمهم الله التوبة، فأخلصوا النية في ذلك وقصدوا شيخاً وقالوا له: قد نزل بنا ما ترى فما نفعل ؟ فقال: آمنوا بالله وتوبوا وقولوا: يا حي يا قيوم، يا حي حين لا حي، يا حي محيي الموتى، يا حي لا إله إلا أنت. فخرجوا من القرية إلى مكان رفيع في براز من الأرض وفرقوا بين كل دابة وولدها ثم عجوا إلى الله واستقالوه وردوا المظالم جميعاً حتى إن كان أحدهم ليقلع الحجر من بنائه فيرده إلى صاحبه.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohammed.mansy@yahoo.com
محمد منسى
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 19288
العمر : 39
الموقع : منتديات ابو ريوف
تاريخ التسجيل : 26/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الأحد 25 نوفمبر 2018 - 18:33



فكشف الله عنهم العذاب، وكان يوم عاشوراء يوم الأربعاء، وقيل: للنصف من شوال يوم الأربعاء، وانتظر يونس الخبر عن القرية وأهلها حتى مر به مار فقال: ما فعل أهل القرية ؟ فقال: تابوا إلى الله فقبل منهم وأخر عنهم العذاب. فغضب يونس عند ذلك فقال: والله لا أرجع كذاباً ! ولم تكن قرية رد الله عنهم العذاب بعدما غشيهم إلا قوم يونس، ومضى مغاضباً لربه. وكان فيه حدة وعجلة وقلة صبر، ولذلك نهى النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يكون مثله، فقال تعالى: (وَلاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ الحُوتِ) القلم: 48.
ولما مضى ظن أن الله لا يقدر عليه، أي يقضي عليه العقوبة، وقيل: يضيق عليه الحبس، فسار حتى ركب في سفينة فأصاب أهلها عاصف من الريح، وقيل: بل وقفت فلم تسر، فقال من فيها: هذه بخطيئة أحدكم ! فقال يونس: هذه بخطيئتي فألقوني في البحر، فأبوا عليه حتى أفاضوا بسهامهم (فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ المُدْحَضِينَ) الصافات: 141، فلم يلقوه، وفعلوا ذلك ثلاثاً ولم يلقوه، فألقى نفسه في البحر، وذلك تحت الليل، فالتقمه الحوت، فأوحى الله إلى الحوت أن يأخذه ولا يخدش له لحماً ولا يكسر له عظماً، فأخذه وعاد إلى مسكنه من البحر، فلما انتهى إليه سمع يونس حساً فقال في نفسه: ما هذا ؟ فأوحى الله إليه في بطن الحوت: إن هذا تسبيح دواب البحر، فسبح وهو في بطن الحوت، فسمعت الملائكة تسبيحه، فقالوا: ربنا نسمع صوتاً ضعيفاً بأرض غريبة. فقال: ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر. فقالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد له كل يوم عمل صالح ؟ فشفعوا له عند ذلك، (فَنَادَى في الظُّلُمَات) - ظلمة البحر وظلمة بطن الحوت وظلمة الليل - (أنْ لا إلَهَ إلاّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إنّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ) الأنبياء: 87 ! وكان قد سبق له من العمل الصالح، فأنزل الله فيه: (فَلَوْلاَ أَنّهُ كَانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) الصافات: 143، وذلك أن العمل الصالح يرفع صاحبه إذا عثر، (فَنَبَذْنَاهُ بِالعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ) الصافات: 145؛ ألقي على ساحل البحر وهو كالصبي المنفوس، ومكث في بطن الحوت أربعين يوماً، وقيل: عشرين يوماً، وقيل: ثلاثة أيام، وقيل: سبعة أيام، والله أعلم.
وأنبت (الله) عليه شجرة من يقطين، وهو القرع، يتقطر إليه منه اللبن، وقيل: هيأ الله له أروية وحشية، فكانت ترضعه بكرة وعشية حتى رجعت إليه قوته وصار يمشي، فرجع ذات يوم إلى الشجرة فوجدها قد يبست، فحزن وبكى عليها، فعاتبه الله، وقيل له: أتبكي وتحزن على شجرة ولا تحزن على مائة ألف وزيادة أردت أن تهلكهم ! ثم إن الله أمره أن يأتي قومه فيخبرهم أن الله قد تاب عليهم، فعمد إليهم، فلقي راعياً، فسأله عن قوم يونس، فأخبره أنهم على رجاء أن يرجع إليهم رسولهم، قال: فأخبرهم أنك قد لقيت يونس. قال: لا أستطيع إلا بشاهد، فسمى له عنزاً من غنمه والبقعة التي كانا فيها وشجرة هناك، وقال: كل هذه تشهد لك. فرجع الراعي إلى قومه فأخبرهم أنه رأى يونس، فهموا به، فقال: لا تعجلوا حتى أصبح. فلما أصبح غدا بهم إلى البقعة التي لقي فيها يونس فاستنطقها، فشهدت له، وكذلك الشاة والشجرة، وكان يونس قد اختفى هناك. فلما شهدت الشاة قالت لهم: إن أردتم نبي الله فهو بمكان كذا وكذا، فأتوه، فلما رأوه قبلوا يديه ورجليه وأدخلوه المدينة بعد امتناع، فمكث مع أهله وولده أربعين يوماً وخرج سائحاً، وخرج الملك معه يصحبه وسلم الملك إلى الراعي، فأقام يدبر أمرهم أربعين سنة بعد ذلك. ثم إن يونس أتاهم بعد ذلك.

وقال ابن عباس وشهر بن حوشب: كانت رسالة يونس بعدما نبذه الحوت، وقالا: كذلك أخبر الله تعالى في سورة الصافات فإنه قال: (فَنَبَذْنَاهُ بِالعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مَائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) الصافات: 145 - 147. وقال شهر: إن جبرائيل أتى يونس فقال له: انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم العذاب فإنه قد حضرهم. قال: ألتمس دابة. قال: الأمر أعجل من ذلك. قال: ألتمس حذاء. قال: الأمر أعجل من ذلك. قال: فغضب وانطلق إلى السفينة فركب، فلما ركب احتبست، قال: فساهموا، فسهم، فجاءت الحوت، فنودي الحوت: إنا لم نجعل يونس من رزقك إنما جعلناك له حرزاً، فالتقمه الحوت وانطلق به من ذلك المكان حتى مر به على الابلة، ثم انطلق به على دجلة حتى ألقاه بنينوى.
ومما كان من الاحداث أيام ملوك الطوائفإرسال الله تعالى الرسل الثلاثة إلى مدينة إنطاكية. وكانوا من الحواريين أصحاب المسيح، أرسل أولاً اثنين، وقد اختلف في أسمائهما، فقدما إنطاكية فرأيا عندها شيخاً يرعى غنماً، وهو حبيب النجار، فسلما عليه، فقال: من أنتما ؟ قالا: رسولا عيسى ندعوكم إلى عبادة الله تعالى. قال: معكما آية ؟ قالا: نعم، نحن نشفي المرضى ونبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله. قال حبيب: إن لي ابناً مريضاً مذ سنين، وأتى بهما منزله، فمسحا ابنه، فقام في الوقت صحيحاً، ففشا الخبر في المدينة، وشفى الله على أيديهما كثيراً من المرض. وكان لهم ملك اسمه أنطيخس يعبد الأصنام، فبلغ إليه خبرهما، فدعاهما، فقال: من أنتما ؟ قالا: رسل عيسى ندعوك إلى الله تعالى. قال: فما آيتكما ؟ قالا: نبرئ الأكمه والأبرص ونشفي المرضى بإذن الله. فقال: قوما حتى ننظر في أمركما، فقاما، فضربهما العامة.
وقيل: إنهما قدما المدينة فبقيا مدة لا يصلان إلى الملك، فخرج الملك يوماً، فكبرا وذكرا الله، فغضب وحبسهما وجلد كل واحد منهما مائة جلدة، فلما كذبا وضربا بعث المسيح شمعون رأس الحواريين لينصرهما، فدخل البلد متنكراً وعاشر حاشية الملك، فرفعوا خبره إلى الملك، فأحضره ورضي عشرته وأنس به وأكرمه، فقال له يوماً: أيها الملك بلغني أنك حبست رجلين في السجن وضربتهما حين دعواك إلى دينهما فهل كلمتهما وسمعت قولهما ؟ فقال الملك: حال الغضب بيني وبين ذلك. قال: فإن رأى الملك أن يحضرهما حتى نسمع كلامهما، فدعاهما الملك، فقال لهما شمعون: من أرسلكما ؟ قالا: الله الذي خلق كل شيء ولا شريك له. قال: فثفاه وأوجزا. قالا: إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. قال شمعون: فما آيتكما ؟ قالا: ما تتمناه.
فأمر الملك، فجيء بغلام مطموس العينين موضعهما كاللحمة، فما زالا يدعوان ربهما حتى انشق موضع البصر، وأخذ بندقتين من الطين فوضعاهما في حدقتيه فصارتا مقلتين يبصر بهما. فعجب الملك لذلك فقال: إن قدر إلهكما الذي تعبدانه على إحياء ميت آمنا به وبكما. قالا: إن إلهنا قادر على كل شيء. فقال الملك: إن ها هنا ميتاً منذ سبعة أيام فلم ندفنه حتى يرجع أبوه وهو غائب، فأحضر الميت وقد تغيرت ريحه، فدعوا الله تعالى علانياً وشمعون يدعو سراً، فقام الميت فقال لقومه: إني مت مشركاً وأدخلت في أودية من النار وأنا أحذركم ما أنتم فيه. ثم قال: فتحت أبواب السماء فنظرت فرأيت شاباً حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة. فقال الملك: ومن هم ؟ فقال: هذا، وأومأ إلى شمعون، وهذان، وأشار إليهما، فعجب الملك، فحينئذٍ دعا شمعون الملك إلى دينه، فآمن قومه، وكان الملك فيمن آمن وكفر آخرون. وقيل: بل كفر الملك وأجمع هو وقومه على قتل الرسل، فبلغ ذلك حبيباً النجار، وهو على باب المدينة، فجاء يسعى إليهم فيذكرهم ويدعوهم إلى طاعة الله وطاعة المرسلين، فذلك قوله تعالى: (إذْ أَرْسَلْنَا إلَيْهِمُ اثْنَينِ فَكّذَبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بثَالِثٍ) يس: 14، وهو شمعون، فأضاف الله تعالى الإرسال إلى نفسه، وإنما أرسلهم المسيح لأنه أرسلهم بإذن الله تعالى.

فلما كذبهم أهل المدينة، حبس الله عنهم المطر، فقال أهلها للرسل: (إنّا تَطَيّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنّكُمْ) - بالحجارة، وقيل: لنقتلنكم - وَلْيَمَسّنّكُمْ مِنّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) يس: 18، فلما حضر حبيب، وكان مؤمناً يكتم إيمانه، وكان يجمع كسبه كل يوم وينفق على عياله نصفه ويتصدق بنصفه، فقال: (يَا قَوْمِ اتّبِعُوا المُرْسَلِينَ) يس: 20. فقال قومه: وأنت مخال لربنا ومؤمن بإله هؤلاء ؟ فقال: (وَمَا ليَ لا أَعْبُدُ الّذِي فَطَرَني وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ؟) يس: 22، فلما قال ذلك قتلوه، فأوجب الله له الجنة، فذلك قوله تعالى: (قِيلَ ادْخُلِ الجَنّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ رَبيّ وَجَعَلَني مِنَ المُكْرَمِينَ) يس: 27؛ وأرسل الله عليهم صيحة فماتوا.
ومما كان من الأحداث شمسونوكان من قرية من قرى الروم قد آمن، وكانوا يعبدون الأصنام، وكان على أميال من المدينة، وكان يغزوهم وحده ويقاتلهم بلحي جمل. فكان إذا عطش انفجر له من الحجر الذي فيه ماء عذب فيشرب منه، وكان قد أعطي قوة لا يوثقه حديد ولا غيره، وكان على ذلك يجاهدهم ويصيب منهم ولا يقدرون منه على شيء، فجعلوا لامرأته جعلاً لتوثقه لهم، فأجابتهم إلى ذلك، فاعطوها حبلاً وثيقاً، فتركته حتى نام وشدت يديه، فاستيقظ وجذبه، فسقط الحبل من يديه، فأرسلت إليهم فأعلمتهم، فأرسلوا إليها بجامعة من حديد، فتركتها في يديه وعنقه وهو نائم، فاستيقظ وجذبها فسقطت من عنقه ويديه، فقال لها في المرتين: ما حملك على ما صنعت ؟ فقالت: أريد أجرب قوتك وما رأيت مثلك في الدنيا فهل في الأرض شيء يغلبك ؟ قال: نعم بشعر رأسه، وكان كثيراً، فأرسلت إليهم، فجاؤوا فأخذوه فجدعوا أنفه وأذنيه وفقأوا عينيه وأقاموه للناس. وجاء الملك لينظر إليه، وكانت المدينة على أساطين، فدعا الله شمسون أن يسلطه عيهم، فأمر أن يأخذ بعمودين من عمد المدينة فيجذبهما، ورد إليه بصره وما أصابوه من جسده، وجذب العمودين فوقعت المدينة بالملك والناس وهلك من فيها هدماً. وكان شمسون أيام ملوك الطوائف.
ومما كان من الأحداث أيضاً جرجيس
قيل: كان بالموصل ملك يقال له دازانه، وكان جباراً عاتياً، وكان جرجيس رجلاً صالحاً من أهل فلسطين يكتم إيمانه مع أصحاب له صالحين، وكانوا قد أدركوا بقايا من الحواريين فأخذوا عنهم، وكان جرجيس كثير التجارة عظيم الصدقة، وربما نفد ماله في الصدقة ثم يعود يكتسب مثله، ولولا الصدقة لكان الفقر أحب إليه من الغنى، وكان يخاف بالشام أن يفتتن عن دينه، فقصد الموصل ومعه هدية لملكها لئلا يجعل لأحد عليه سبيلاً، فجاءه حين جاءه وقد أحضر عظماء قومه وأوقد ناراً وأعد أصنافاً من العذاب وأمر بصنم له يقال له افلون فنصب، فمن لم يسجد له عذبه وألقي في النار.
فلما رأى جرجيس ما يصنع استعظمه وحدث نفسه بجهاده، فعمد إلى المال الذي معه فقسمه في أهل ملته وأقبل عليه وهو شديد الغضب فقال له: اعلم أنك عبد مملوك لا تملك لنفسك شيئاً ولا لغيرك شيئاً، وأن فوقك رباً هو الذي خلقك ورزقك، فأخذ في ذكر عظمة الله تعالى وعيب صنمه. فأجابه الملك بأن سأله من هو ومن أين هو. فقال جرجيس: أنا عبد الله وابن أمته من التراب خلقت وإليه أعود. فدعاه الملك إلى عبادة صنمه وقال له: لو كان ربك ملك الملكوت لرؤي عليك أثره كما ترى على من حولي من ملوك قومي. فأجابه جرجيس بتعظيم أمر الله وتمجيده وقال له: تعبد افلون الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يغني من رب العالمين، أم تعبد الذي قامت بأمره السموات والأرض، أم تعبد طرقلينا عظيم قومك من الناس، عليه السلام، فإنه كان آدمياً يأكل ويشرب فأكرمه الله بأن جعله إنسياً ملكياً، أم تعبد عظيم قومك مخليطيس أيضاً وما نال بولايتك من عيسى، عليه السلام ! وذكر من معجزاته وما خصه الله من الكرامة.
فقال له الملك: إنك أتيتنا بأشياء لا نعلمها، ثم خيره بين العذاب والسجود للصنم. فقال جرجيس: إن كان صنمك هو الذي رفع السماء، وعدد أشياء من قدرة الله، عز وجل، فقد أصبت ونصحت، وإلا فاخسأ أيها الملعون.

فلما سمع الملك أمر بحبسه ومشط جسده بأمشاط الحديد حتى تقطع لحمه وعروقه، وينضح بالخل والخردل، فلم يمت. فلما رأى ذلك لم يقتله أمر بستة مسامير من حديد فأحميت حتى صارت ناراً ثم سمر بها رأسه، فسال دماغه، فحفظه الله تعالى. فلما رأى ذلك لم يقتله أمر بحوض من نحاس فأوقد عليه حتى جعله ناراً ثم أدخله فيه وأطبق عليه حتى برد. فلما رأى ذلك لم يقتله دعاه وقال له: ألم تجد ألم هذا العذاب ؟ قال: إن إلهي حمل عني عذابك وصبرني ليحتج عليك.
فأيقن الملك بالشر وخافه على نفسه وملكه فأجمع رأيه على أن يخلده في السجن، فقال الملأ من قومه: إنك إن تركته في السجن طليقاً يكلم الناس ويميل بهم عليك، ولكن يعذب بعذاب يمنعه من الكلام. فأمر به فبطح في السجن على وجهه ثم أوتد في يديه ورجليه أوتاداً من حديد، ثم أمر بأسطوان من رخام حمله ثمانية عشر رجلاً فوضع على ظهره، فظل يومه ذلك تحت الحجر، فلما أدركه الليل أرسل الله إليه ملكاً، وذلك أول ما أيد بالملائكة، فأول ما جاءه الوحي قلع عنه الحجر ونزع الأوتاد وأطعمه وسقاه وبره وعزاه، فلما أصبح أخرجه من السجن فقال له: الحق بعدوك فجاهده، فإني قد ابتليتك به سبع سنين يعذبك ويقتلك فيهن أربع مرات في كل ذلك أرد إليك روحك، فإذا كانت القتلة الرابعة تقبلت روحك وأوفيتك أجرك.
فلم يشعر الملك إلا وقد وقف جرجيس على رأسه يدعوه إلى الله، فقال له: أجرجيس ؟ قال: نعم. من أخرجك من السجن ؟ قال: أخرجني من سلطانه فوق سلطانك ! فمليء غيظاً ودعا بأصناف العذاب ومدوه بين خشبتين ووضعوا على رأسه سيفاً ثم وشروه حتى سقط بين رجلييه وصار جزلتين، ثم قطعوهما قطعاً، وكان له سبعة أسد ضارية في جب فألقوا جسده إليها، فلما رأته خضعت برؤوسها وقامت على براثنها لا تألوا أن تقيه الأذى الذي تحتها، فظل يومه تحتها ميتاً، فكانت أول ميتة ذاقها. فلما أدركه الليل جمع الله جسده وسواه ورد فيه روحه وأخرجه من قعر الجب. فلما أصبحوا أقبل جرجيس، وهم في عيد لهم صنعوه فرحاً بموت جرجيس، فلما نظروا إليه مقبلاً قالوا: ما أشبه هذا بجرجيس ! قال الملك: هو هو! قال جرجيس: أنا هو حقاً، بئس القوم أنتم ! قتلتم ومثلتم فرد الله روحي إلي ! هلموا إلى هذا الرب العظيم الذي أراكم قدرته. فقالوا: ساحر سحر أعينكم وأيديكم عنه، فجمعوا من ببلادهم من السحرة، فلما جاؤوا قال الملك لكبيرهم: اعرض علي من سحرك ما يسرى به عني. فدعا بثور فنفخ في أذنيه فإذا هو ثوران، ودعا ببذر فحرث وزرع وحصد ودق وذرى وطحن وخبز وأكل في وطحن وخبز وأكل في ساعته. فقال له الملك: هل تقدر أن تمسخه كلباً ؟ قال: ادع لي بقدح من ماء، فأتي به، فنفث فيه الساحر ثم قال الملك لجرجيس: اشربه، فشربه جرجيس حتى أتى على آخره. فقال له الساحر: ماذا تجد ؟ قال: ما أجد إلا خيراً ! كنت عطشان فلطف الله بي فسقاني. وأقبل الساحر على الملك وقال: لو كنت تقاسي جباراً مثلك لغلته إنما تقاسي جبار السماء والأرض.
وكانت أتت جرجيس امرأةٌ من الشام، وهو في أشد العذاب، فقالت له: إنه لم يكن لي مال إلا ثوراً أعيش به من حرثه فمات، وجئتك لترحمني وتسأل الله أن يحيي ثوري. فأعطاها عصاً وقال: اذهبي إلى ثورك فاضربيه بهذه العصا وقولي له: احي بإذن الله. فأخذت العصا وأتت مصرع الثور فرأت روقيه وشعر وذنبه فجمعتها ثم قرعتها بالعصا وقالت ما أمرها به جرجيس، فعاش ثورها، وجاء الخبر بذلك.

فلما قال الساحر ما قال: قال رجل من أصحاب الملك، وكان أعظمهم بعد الملك: اسمعوا مني. قالوا: نعم. قال: إنكم قد وضعتم أمره على السحر، وإنه لم يعذب ولم يقتل، فهل رأيتم ساحراً قط قدر أن يدفع عن نفسه الموت أو أحيا ميتاً ؟ وذكر الثور وإحياءه. فقالوا له: إن كلامك كلام رجل قد أصغى إليه. فقال: قد آمنت به وأشهد الله أني بريء مما تعبدون ! فقام إليه الملك وأصحابه بالخناجر فقطعوا لسانه بالخناجر، فلم يلبث أن مات. وقيل: أصابه الطاعون فأعجله قبل أن يتكلم، وكتموا شأنه، فكشفه جرجيس للناس، فاتبعه أربعة آلاف وهو ميت، فقتلهم الملك بأنواع العذاب حتى أفناهم، وقال له رجل من عظماء أصحاب الملك: يا جرجيس إنك زعمت أن إلهك يبدأ الخلق ثم يعيده، وإني سائلك أمراً إن فعله إلهك آمنت به وصدقتك وكفيتك قومي. هذا تحتنا أربعة عشر منبراً ومائدة وأقداح وصحاف من خشب يابس وهو من أشجار شتى فادع ربك أن يعيدها خضراً كما بدأها يعرف كل عود بلونه وورقه وزهره وثمره. قال جرجيس: قد سألت أمراً عزيزاً علي وعليك، وإنه على الله يسير، ودعا الله فما برحوا حتى اخضرت وساخت عروقها وتشعبت ونبت ورقها وزهرها حتى عرفوا كل عود باسمه.
فقال الذي سأله هذا: أنا أتولى عذابه. فعمد إلى نحاس فصنع منه صورة ثور مجوف ثم حشاها نفطاً ورصاصاً وكبريتاً وزرنيخاً وأدخل جرجيس في وسطها ثم أوقد تحت الصورة النار حتى التهبت وذاب كل شيء فيها واختلط ومات جرجيس في جوفها. فلما مات أرسل الله ريحاً عاصفاً ورعداً وبرقاً وسحاباً مظلماً وأظلم ما بين السماء والأرض وبقوا أياماً متحيرين، فأرسل الله ميكائيل، فاحتمل تلك الصورة، فلما أقلها ضرب بها الأرض، ففزع من روعتها كل من سمعها وانكسرت وخرج منها جرجيس حياً، فلما وقف وكلمهم انكشفت الظلمة وأسفر ما بين السماء والأرض.
قال له عظيم من عظمائهم: ادع الله بأن يحيي موتانا من هذه القبور. فأمر جرجيس بالقبور فنبشت وهي عظام رفات، ثم دعا فلم يبرحوا حتى نظروا إلى سبعة عشر إنساناً، تسعة رجال وخمسة نسوة وثلاثة صبية وفيهم شيخ كبير. فقال له جرجيس: متى مت ؟ فقال: في زمان كذا وكذا، فإذا هو أربع مائة عام.
فلما رأى ذلك الملك قال: لم يبق من عذابكم شيء إلا وقد عذبتموه وأصحابه به إلا الجوع والعطش، فعذبوه به. فعمدوا إلى بيت عجوز فقيرة، وكان لها ابن أعمى أبكم مقعد، فحصروه فيه، فلا يصل إليه طعام ولا شراب. فلما جاع قال للعجوز: هل عندك طعام أو شراب ؟ قالت: لا والذي يحلف به ما لنا عهد بالطعام من كذا وكذا وسأخرج فألتمس لك شيئاً. فقال لها: هل تعبدين الله ؟ قالت: لا. فدعاها فآمنت، وانطلقت تطلب له شيئاً، وفي بيتها دعامة من خشبة يابسة تحمل خشب البيت، فدعا الله فاخضرت تلك الدعامة وأنبتت كل فاكهة تؤكل وتعرف، فظهر للدعامة فروع من فوق البيت تظله وما حوله، وعادت العجوز وهو يأكل رغداً. فلما رأت الذي حدث في بيتها قالت: آمنت بالذي أطعمك في بيت الجوع، فادع هذا الرب العظيم أن يشفي ابني. قال: أدنيه مني، فأدنته، فبصق في عينيه فأبصر، فنفث في أذنيه فسمع. قالت له: أطلق لسانه ورجليه. قال لها: أخريه فإن له يوماً عظيماً.
ورأى الملك الشجرة فقال: أرى شجرة ما كنت أعهدها ! قالوا: تلك الشجرة الساحر الذي أردت أن تعذبه بالجوع وقد شبع منها وأشبعت العجوز، وشفى لها ابنها.

فأمر بالبيت فهدم، وبالشجرة أن تقطع، فملا هموا بقطعها أيبسها الله وتركوها. وأمر بجرجيس فبطح على وجهه، وأمر بعجل فأوقر أسطواناً وجعل في أسفل العجل خناجر وشفاراً ثم دعا بأربعين ثوراً فنهضت بالعجلٍ نهضة واحدة وجرجيس تحتها، فانقطع ثلاث قطع، ثم أمر بقطعه فأحرقت حتى صارت رمادا، وبعث بالمراد مع رجال فذروه في البحر، فلم يبرحوا حتى سمعوا صوتاً من السماء: يا بحر إن الله يأمرك أن تحفظ ما فيك من هذا الجسد الطيب فإني أريد أن أعيده. فأرسل الرياح فجمعته كما كان قبل أن يذروه، والذين ذروه قيام لم يبرحوا، وخرج جرجيس حياً مغبراً، فرجعوا ورجع معهم وأخبروا الملك خبر الصوت والرياح. فقال له الملك: هل لك فيما هو خير لي ولك ؟ ولولا أن يقال إنك غلبتني لآمنت بك، ولكن اسجد لصنمي سجدة واحدة أو اذبح له شاة واحدة وأنا أفعل ما يسرك. فطمع جرجيس في إهلاك الصنم حين يراه وإيمان الملك عند ذلك، فقال له: أفعل - خديعة منه - وأدخلني على صنمك أسجد له وأذبح.
ففرح الملك بذلك وقبل يديه ورجليه وطلب منه أن يكون يومه وليلته عنده، ففعل، فأخلى له الملك بيتاً ودخله جرجيس، فلما جاء الليل قام يصلي ويقرأ الزبور، وكان حسن الصوت، فلما سمعته امرأة الملك استجابت له وآمنت به وكتمت إيمانها، فلما اصبح غدا به إلى بيت الأصنام ليسجد لها.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohammed.mansy@yahoo.com
محمد منسى
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 19288
العمر : 39
الموقع : منتديات ابو ريوف
تاريخ التسجيل : 26/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الأحد 25 نوفمبر 2018 - 18:42


وقيل للعجوز: إن جرجيس قد افتتن وطمع في الملك بعد الملك. فخرجت تحمل ابنها على عاتقها في أعراضهم توبخ جرجيس، فلما دخل بيت الأصنام نظر فإذا العجوز وابنها أقرب الناس إليه، فدعا ابنها، فأجابه وما تكلم قبل ذلك قط، ثم نزل عن عاتق أمه يمشي على قدميه سويتين وما وطئ الأرض قط، فلما وقف بين يدي جرجيس قال له: ادع لي هذه الأصنام، وهي على منابر من ذهب واحد وسبعون صنماً، وهم يعبدون الشمس والقمر معها، فدعاها، فأقبلت تتدحرج إليه. فلما انتهت إليه ركض برجله الأرض فخسف بها وبمنابرها، فقال له الملك: يا جرجيس خدعتني وأهلكت أصنامي ! فقال له: فعلت ذلك عمداً لتعتبر وتعلم أنها لو كانت آلهة لامتنعت مني. فلما قال هذا قالت امرأة الملك وأظهرت إسلامها وعدت عليهم أفعال جرجيس وقالت: ما تنتظرون من هذا الرجل إلا دعوة فتهلكون كما هلكت أصنامكم. فقال الملك: ما أسرع ما أضلك هذا الساحر ! ثم أمر بها فعلقت على خشبة، ثم مشط لحمها بمشاط الحديد، فلما آلمها العذاب قالت لجرجيس: ادع الله أن يخفف عني الألم. فقال: انظري فوقك. فنظرت فضحكت. فقال لها الملك: ما يضحكك ؟ قالت: أرى على رأسي ملكين معهما تاج من حلي الجنة ينتظران خروج روحي ليزيناني به ويصعدا بها إلى الجنة. فلما مات أقبل جرجيس على الدعاء وقال: اللهم أكرمتني بهذا البلاء لتعطيني أفضل منازل الشهداء، وهذا آخر أيامي فأسألك أن تنزل بهؤلاء المنكرين من سطواتك وعقوبتك ما لا بل لهم به، فأمطر الله عليهم النار فأحرقتهم. فلما احترقوا بحرها عمدوا إليه فضربوه بالسيوف فقتلوه، وهي القتلة الرابعة. فلما احترقت المدينة بجميع ما فيها رفعت من الأرض وجعل عاليها سافلها، فلبثت زماناً يخرج من تحتها دخان منتن.
وكان جميع من آمن به وقتل معه أربعة وثلاثين ألفاً وامرأة الملك.
ذكر خالد بن سنان العبسيوممن كان في الفترة خالد بن سنان العبسي، قيل: كان نبياً، وكان من معجزاته أن ناراً ظهرت بأرض العرب فافتتنوا بها وكادوا يتمجسون، فأخذ خالد عصاه ودخلها حتى توسطها ففرقها، وهو يقول: بداً بداً، كل هدى مؤدى، لأدخلنها وهي تلظى ولأخرجن منها وثيابي تندى. ثم إنها طفئت وهو في وسطها.
فلما حضرته الوفاة قال لأهله: إذا دفنت فإنه ستجيء عانة من حمير يقدمها عير أبتر فيضرب قبري بحافره، فإذا رأيتم ذلك فانبشوا عني فإني سأخبركم بجميع ما هو كائن. فلما مات ودفنوه رأوا ما قال، فأرادوا نبشه، فكره ذلك بعضهم قالوا: نخاف إن نبشناه أن تسبنا العرب بأنا نبشنا ميتاً لنا. فتركوه.
فقيل إن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال فيه: ذلك نبي ضيعه قومه، وأتت ابنته النبي، صلى الله عليه وسلم، فآمنت به.
كذا قيل إنه آخر الحوادث أقام ملوك الطوائف، ولا وجه له، فإن من أدركت ابنته النبي، صلى الله عليه وسلم، يكون بعد اجتماع الملك لأردشير بن بابك بدهر طويل.

ونرجع إلى أخبار ملوك الفرس لسياق التاريخ، ونقدم قبل ذكرهم عدد الملوك الأشغانية من ملوك الطوائف وطبقات ملوك الفرس، إن شاء الله تعالى.
ذكر طبقات ملوك الفرس

الطبقة الأولى الفيشداذية

ملوك الأرض بعد جيومرث أوشهنج؛ وملك فيشداذ أربعين سنة، ومعنى فيشداذ أول حاكم. ملك بعده طهمورث بن يوجهان ثلاثية سنة. ثم ملك أخوه جمشيد سبعمائة وست عشرة سنة. ثم ملك بيوراسف بن أرونداسف ألف سنة. ثم ملك أفريدون بن أثفيان خمسمائة سنة. ثم ملك منوجهر مائة وعشرين سنة. ثم ملك أفراسياب التركي اثنتي عشرة سنة. ثم ملك زوبن تهماسف ثلاث سنين. ثم ملك كرشاسب تسع سنين.
الطبقة الثانية الكيانيةثم ملك كيقباذ مائة وستاً وعشرين سنة. ثم ملك كيكاووس مائة وخمسين سنة. ثم ملك كيخسرو ثمانين سنة. ثم ملك كي لهراسب مائة وعشرين سنة. ثم ملك كي بشتاسب مائة وعشرين سنة. ثم ملك كي بهمن مائة واثنتي عشرة سنة. ثم ملك خمانى جهرازاد ثلاثين سنة. ثم ملك أخوها دارا بن بهمن اثنتي عشرة سنة. ثم ملك ابنه دارا بن دارا أربع عشرة سنة، وهو الذي أخذ الإسكندر الملك منه. وكان ملك الإسكندر بعده أربع عشرة سنة.
الطبقة الثالثة الأشغانيةوهم الذين استولوا على العراق والجبال، وكان سائر ملوك الطوائف يعظمونهم. فأول ملوك الأشغانيين أقام ملوك الطوائف أشك، ملك اثنتين وخمسين سنة. ثم ملك ابنه شابور بن أشك أربعاً وعشرين سنة. ثم ملك ابنه جوذرز بن شابور، وهو الذي غزا بني إسرائيل بعد قتل يحيى بن زكرياء، خمسين سنة. ثم ملك ابنه أخيه وبحن بن بلاش إحدى وعشرين سنة. ثم ملك جوذرز بن وبحن تسع عشرة سنة. ثم ملك أخوه نرسي ثلاثين سنة. ثم ملك عمه هرمزان بن بلاش بن شابور تسع عشرة سنة. ثم ملك ابنه فيروز بن هرمزان اثنتي عشرة سنة. ثم ملك ابنه خسرو أربعين سنة. ثم ملك أخوه بلاش بن فيروز أربعاً وعشرين سنة. ثم ملك ابنه أردوان بن بلاش خمساً وخمسين سنة. وقد ذكر بعضهم أنه ملك بعد هرمزان بن بلاش أردوان الأكبر اثنتي عشرة سنة.
وقيل في عدد ملوك الطوائف غير ذلك، والفرس تعترف باضطراب التاريخ عليهم في أيام ملوك الطوائف وملك بيوراسف وملك أفراسياب التركي لأنهم زال الملك عنهم ولم يمكن ضبطه.
الطبقة الرابعة الساسانيةفأولهم أردشير بن بابك.
ذكر أخبار أردشير بن بابك وملوك الفرسقيل: لما مضى من لدن ملك الإسكندر أرض بابل، في قول النصرى وأهل الكتب الأول، خمسمائة سنة وثلاث وعشرون سنة، وفي قول المجوس: مائتان وست وستون، وثب أردشير بن بابك بن ساسان الأصغر بن بابك بن ساسان بن بابك بن مهرمس بن ساسان بن بهمن الملك ابن إسفنديار بن بشتاسب، وقيل في نسبته غير ذلك، يريد الأخذ بثأر الملك دارا بن دارا ورد الملك إلى أهله وإلى ما لم يزل عليه أيام سلفه الذين مضوا قبل ملوك الطوائف وجمعه لرئيس واحد.
وذكر أن ولده كان بقرية من قرى إصطخر يقال لها طيزودة من رستاق إصطخر، وكان جده ساسان شجاعاً مغرىً بالصيد، وتزوج امرأة من نسل ملوك فارس يعرفون بالبادرنجبين، وكان قيما على بيت نار بإصطخر يقال له بيت نار هيد، فولدت له بابك، فلما كبر قام بأمر الناس بعد أبيه، ثم ولد له ابنه أردشير، وكان ملك إصطخر يومئذ رجل من البادرنجيين يقال له جوزهر، وكان له خصي اسمه تيري قد صيره ارجيداً بدارابجرد. فلما أتى لأردشير سبع سنين قدمه أبوه إلى جوزهر وسأله أن يضمه إلى تيرى ليكون ربيباً له وارجيداً بعده في موضعه، فأجابه وأرسله إلى تيري، فقبله وتبناه. فلما هلك تيري تقلد أردشير الأمر وحسن قيماه به، وأعلمه قوم من المنجمين صلاح مولده وأنه يملك البلاد، فازداد في الخير، ورأى في منامه ملكاً جلس عند رأسه فقال له: إن الله يملكك البلاد؛ فقويت نفسه قوةً لم يعهدها؛ وكان أول ما فعل أنه سار إلى موضع من دارابجرد يسمى خوبابان فقتل ملكها، واسمه فاسين، ثم سار إلى موضع يقال له كوسن فقتل ملكها، واسمه منوجهر، ثم إلى موضع يقال له لزويز فقتل ملكها، واسمها دارا، وجعل في هذه المواضع قوماً من قبله، وكتب إلى أبيه بما كان منه، وأمره بالوثوب يجوزهر، وهو بالبيضاء، ففعل ذلك وقتل جوزهر وأخذ تاجه، وكتب إلى أردوان ملك الجبال وما يتصل بها يتضرع إليه ويسأله في تتويج ابنه سابور بتاج جوزهر، فمنعه من ذلك وهدده، فلم يحفل بابك بذلك وهلك في ثلاثة أيام، فتوج سابور بن بابك بالتاج وملك مكان أبيه، وكتب إلى أردشير يستدعيه، فامتنع، فغضب سابور وجمع جموعاً وسار بهم نحوه ليحاربه،وخرج من إصطخر وبها عدة من أصحابه وإخوانه وأقاربه وفيهم من هو أكبر سناً منه، فأخذوا التاج والسرير وسلموهما إلى أردشير، فتتوج وافتتح أمره بجد وقوة وجعل له وزيراً ورتب موبذان موبذ، وأحس من إخوته وقوم كانوا معه بالفتك به، فقتل جماعةً منهم، وعصى عليه أهل دارابجرد فعاد إليه فافتتحها وقتل جماعةً من أهلها، ثم سار إلى كرمان وبها ملك يقال له بلاش فاقتتلا قتالاً شديداً، وقاتل أردشير بنفسه وأسر بلاش، فاستولى على المدينة وجعل فيها ابناً له اسمه أردشير أيضاً.
وكان في سواحل بحر فارس ملك اسمه أسيون يعظم فسار إليه أردشير فقتله وقتل من معه واستخرج له أموالاً عظيمة.
وكتب إلى جماعة من الملوك، منهم: مهرك صاحب ابرساس من أردشير خره، يدعوهم إلى الطاعة، فلم يفعلوا، فسار إليهم فقتل مهرك ثم سار إلى جور فأسسها وبنى الجوسق المعروف بالطربال وبيت نار هناك.
فبينا هو كذلك إذ ورد عليه رسول أردوان بكتاب، فجمع الناس فقرأه عليهم، فإذا فيه: إنك عدوت قدرك واجتلبت حتفك أيها الكردي ! من أذن لك في التاج والبلاد ؟ ومن أمرك ببناء المدينة ؟ وأعلمه أنه قد وجه إليه ملك الأهواز ليأتيه به في وثاق.
فكتب إليه: إن الله حباني بالتاج وملكني البلاد، وأنا أرجو أن يمكنني منك فأبعث برأسك إلى بيت النار الذي أسسته.
وسار أردشير نحو إصطخر وخلف وزيره أبرسام بأردشير خره، فلم يلبث إلا قليلاً حتى ورد عليه كتاب أبرسام بموافاة ملك الأهواز وعوده منكوباً، ثم سار إلى أصبهان فملكها وقتل ملكها، وعاد إلى فارس وتوجه إلى محاربة نيروفر صاحب الأهواز، وسار إلى أرجان وإلى ميسان وطاسار، ثم إلى سرق، فوقف على شاطئ دجيل فظفر بالمدينة وابتنى مدينة سوق الأهواز وعاد إلى فارس بالغنائم، ثم عاد من فارس إلى الأهواز على طريق خرة وكازرون، وقتل ملك ميسان وبنى هناك كرخ ميسان وعاد إلى فارس.
فأرسل إلى أردوان يؤذنه بالحرب ويقول له ليعين موضعاً للقتال. فكتب إليه أردوان: إني أوافيك في صحراء هرمزجان لانسلاخ مهرماه. فوافاه أردشير قبل الوقت وخندق على نفسه واحتوى على الماء، ووافاه أردوان وملك الأرمانيين، وكانا يتحاربان على الملك فاصطلحا على أردشير وحارباه، وهما متساندان يقاتله هذا يوماً وهذا يوماً، فإذا كان يوم بابا ملك الأرمانيين لم يقم له أردشير، وإذا كان يوم أردوان لم يقم لأردشير، فصالح أردشير بابا ملك الأرمانيين على أن يكف ويفرغ أردشير لأردوان، فلم يلبث أن قتله واستولى على ما كان له، وأطاعه بابا وسمي أردشير: شاهنشاه.

ثم سار إلى همذان فافتتحها، وإلى الجبل وأذربيجان وأرمينية والموصل ففتحها عنوةً، وسار إلى السواد من الموصل فملكه وبنى على شاطئ دجلة قبالة طيسفون، وهي المدينة التي في شرق المدائن مدينة غربية، وسماها به أردشير، وعاد من السواد إلى إصطخر، وسار منها إلى سجستان، ثم إلى جرجان، ثم إلى نيسابور ومرو وبرخ وخوارزم، وعاد إلى فارس ونزل جور. فجاءه رسل ملك كوسان وملك طوران وملك مركان بالطاعة.
ثم سار من جور إلى البحرين، فاضطر ملكها إلى أن رمى نفسه من حصنه فهلك. وعاد إلى المدائن فتوج ابنه سابور بتاجه في حياته وبنى ثماني مدن، منها: مدينة الخط بالبحرين، ومدينة بهرسير مقابل المدائن. وكان اسمه به أردشير فعربت به سير، وأردشير خره، هي مدينة فيروزاباذ، سماها عضد الدولة بن بويه كذلك، وبنى بكرمان مدينة أردشير أيضاً فعربت بردشير، وبنى بهمن أردشير على دجلة عند البصرة، والبصريون يسمونها بهمن شير، وفرات ميسان أيضاً، وبنى رامهرمز بخوزستان، وبنى سوق الأهواز، وبالموصل بودر أردشير، وهي حزة.
ولم يزل محمود السيرة مظفراً منصوراً لا ترد له راية، ومدن المدن، وكور الكور، ورتب المراتب وعمر البلاد.
وكان ملكه من قتله أردوان إلى أن هلك أربع عشرة سنة، وقيل: أربع عشرة سنة وعشرة أشهر، ولما استولى أردشير على العراق كره كثير من تنوخ المقام في مملكته فخرج من كان منهم من قضاعة إلى الشام، ودان له أهل الحيرة والأنبار، وقد كانت الحيرة والأنبار بنيتا زمن بخت نصر، فخربت الحيرة لتحول أهلها إلى الأنبار، وعمرت الأنبار خمسمائة سنة وخمسين سنة إلى أن عمرت الحيرة زمن عمرو بن عدي، فعمرت خمسمائة وبضعاً وثلاثين سنة إلى أن وضعت الكوفة ونزلها أهل الإسلام.
ذكر ملك سابور بن أردشير بن بابكولما هلك أردشير بن بابك قام بالملك بعده ابنه سابور، وكان أردشير قد أسرف في قتل الأشكانية حتى أفناهم بسبب ألية آلاها جده ساسان بن أردشير بن بهمن، فإنه أقسم أنه إن ملك يوماً من الدهر لم يستبق من نسل أشك بن جزه أحداً، وأوجب ذلك على عقبه، فكان أول من ملك من عقبه أردشير، فقتلهم جميعاً نساءهم ورجالهم، غير أن جارية وجدها في دار المملكة فأعجبته، وكانت ابنة للملك المقتول، فسألها عن نسبها، فذكرت أنها خادم لبعض نساء الملك. فسألها أبكر أم ثيب، فأخبرته أنها بكر، فاتخذها لنفسه وواقعها، فعلقت منه، فلما أمنت منه بحبلها أخبرته أنها من ولد أشك، فنفر منها ودعا هرجد بن اسام، وكان شيخاً مسناً، فأخبره الخبر، وقال له ليقتلها ليبر قسم جده. فأخذها الشيخ ليقتلها، فأخبرته أنها حبلى، فأتى بالقوابل فشهدن بحبلها، فأودعها سرباً في الأرض ثم قطع مذاكيره ووضعها في حق وختم عليه، وحضر عند الملك فقال: ما فعلت ؟ فقال: استودعتها بطن الأرض، ودفع الحقف إليه، وسأله أن يختمه بخاتمه ويودعه بعض خزائنه، ففعل.
ثم وضعت الجارية غلاماً، فكره الشيخ أن يسمى ابن الملك دونه، وخاف يعلمه به وهو صغير، فأخذ له الطالع وسماه شابور، ومعناه: ابن الملك، فيكون اسماً وصفة، وهو أول من سمي بهذا الاسم.
وبقي أردشير لا يولد له، فدخل عليه الشيخ الذي عنده الصبي يوماً فوجده محزوناً، فقال له: ما يحزن الملك ؟ فقال: ضربت بسيفي ما بين المشرق والمغرب حتى ظفرت وصفا لي ملك آبائي ثم أهلك وليس لي عقب فيه. فقال له الشيخ: سرك الله أيها الملك وعمرك ! لك عندي ولد طيب نفيس، فادع لي بالحق الذي استودعتك أرك برهان ذلك. فدعا أردشير بالحق وفتحه، فوجد فيه مذاكير الشيخ وكتاباً فيه: لما أخبرتني ابنة أشك التي علقت من ملك الملوك حين أمر بقتلها لم أستحل إتلاف زرع الملك الطيب فأودعتها بطن الأرض كما أمر وتبرأنا إليه من أنفسنا لئلا يجد عاضهٌ إلى عضهها سبيلاً.
فأمره أردشير أن يجعل مع سابور مائة غلام، وقيل: ألف غلام من أشباهه في الهيئة والقامة، ثم يدخلهم عليه جميعاً لا يفرق بينهم زي، ففعل الشيخ. فلما نظر إليهم أردشير قبلت نفسه ابنه من بينهم، ثم أعطوا صوالجة وكرة، فلعبوا بالكرة وهو في الإيوان، فدخلت الكرة الإيوان، فهاب الغلمان أن يدخلوه، وأقدم سابور من بينهم ودخل، فاستدل بإقدامه مع ما كان من قبوله له حين رآه أنه ابنه، فقال له أردشير: ما اسمك ؟ قال: شاه بور.

فلما ثبت عنده أنه ابنه شهر أمره وعقد له التاج من بعده، وكان عاقلاً بليغاً فاضلاً، فلما ملك ووضع التاج على رأسه فرق الأموال على الناس من قرب ومن بعد، وأحسن إليهم، فبان فضل سيرته وفاق جميع الملوك، وبنى مدينة نيسابور، ومدينة سابور بفارس، وبنى فيروز سابور، وهي الأنبار، وبنى جنديسابور.
وقيل: إنه حاصر الروم بنصيبين وفيها جمع من الروم مدة ثم أتاه من ناحية خراسان من احتاج إلى مشاهدته، فسار إليها وأحكم أمرها، ثم عاد إلى نصيبين، فزعموا أن سورها تصدع وانفرجت منه فرجة دخل منها وقتل وسبى وغنم وتجاوزها إلى بلاد الشام فافتتح من مدائنها مدناً كثيرة، منها فالوقية وقدوقية، وحاصر ملكاً للروم بإنطاكية فأسره وحمله وجماعةً كثيرة معه فأسكنهم مدينة جنديسابور.
ذكر خبر مدينة الحضركانت بجبال تكريت بين دجلة والفرات مدينة يقال لها الحضر، وكان بها ملك يقال له الساطرون، وكان من الجرامقة، والعرب تسميه الضيزن، وهو من قضاعة، وكان قد ملك الجزيرة وكثر جنده، وإنه تطرق بعض السواد إذ كان سابور بخراسان، فلما عاد سابور أخبر بما كان منه، فسار إليه وحاصره أربع سنين، وقيل: سنتين، لا يقدر على هدم حصنه ولا الوصول إليه.
وكان للضيزن بنت تسمى النضيرة، فحاضت، فأخرجت إلى ربض المدينة، وكذلك كان يفعل بالنساء، وكانت من أجمل النساء، وكان سابور من أجمل النساء، فرأى كل واحد منهما صاحبه فتعاشقا، فأرسلت إليه: ما تجعل لي إن دللتك على ما تهدم به سور المدينة ؟ فقال: أحكمك وأرفعك على نسائي. فقالت: عليك بحمامة ورقاء مطوقة فاكتب على رجلها بحيض جارية بكر زرقاء ثم أرسلها فإنها تقع على سور المدينة فيخرب، وكان ذلك طلسم ذلك البلد. ففعل وتداعت المدينة، فدخلها عنوةً وقتل الضيزن وأصحابه، فلم يبق منهم أحد يعرف اليوم، وأخرب المدينة واحتمل النضيرة فأعرس بها بعين التمر فلم تزل ليلتها تتضور، فالتمس ما يؤذيها فإذا ورقة آس ملتزقة بعكنة من عكن بطنها، فقال لها: ما كان يغذوك به أبوك ؟ قالت: بالزبد والمخ وشهد الأبكار من النحل وصفو الخمر. فقال: وأبيك لأنا أحدث عهداً بك وآثر لك من أبيك ! فأمر رجلاً فرساً جموحاً ثم عصب غدائرها بذنبه ثم استركضها فقطعها قطعاً، وقد أكثر الشعراء ذكر الضيزن في أشعارهم.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohammed.mansy@yahoo.com
محمد منسى
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 19288
العمر : 39
الموقع : منتديات ابو ريوف
تاريخ التسجيل : 26/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الأحد 25 نوفمبر 2018 - 18:48


وفي أيام سابور ظهر ماني الزنديق وادعى النبوة، وتبعه خلقٌ كثير، وهم الذين يسمون المانوية.
وكان ملكه ثلاثين سنة وخمسة عشر يوماًن وقيل: إحدى وثلاثين سنة وستة أشهر وتسعة أيام.
ذكر ملك ابنه هرمز بن سابور بن أردشير بن بابكوكان يشبه في خلقه بأردشير غير لاحق به في تدبيره، وكان في البطش والجرأة على أمر عظيم، وكانت أمه من بنات مهرك الملك الذي قتله أردشير وتتبع نسله فقتلهم، لأن المنجمين أخبروه أنه يكون من نسله من يملك، فهربت أمه إلى البادية وأقامت عند بعض الرعاء، وخرج سابور متصيداً، فاشتد به العطش وارتفعت له الأخبية التي فيها أمر هرمز، فقصدها وطلب الماء، فناولته المرأة، فرأى منها جمالاً فائقاً، فلم يلبث أن حضر الرعاء فسألهم سابور عنها، فقال بعضهم: إنها ابنته، فتزوجها وسار بها إلى منزله، وكسيت ونظفت، فأرادها فامتنعت عليه مدة، فلما طال عليه سألها عن سبب ذلك فأخبرته أنها ابنة مهرك وأنها تفعل ذلك إبقاء عليه من أردشير، فعاهدها على ستر أمرها، ووطئها فولدت له هرمز، فستر أمره حتى صار له سنون.
فركب أردشير يوماً إلى منزل ابنه سابور لشيء أراد ذكره له، فدخل منزله مفاجأة، فلما استقر خرج هرمز وبيده صولجان وهو يصيح في أثر الكرة، فلما رآه أردشير أنكره ووقف على المشابه التي فيه من حسن الوجه وعبالة الخلق وأمور غيرها، فاستدناه أردشير وسأل عنه سابور، فخرج مفكراً على سبيل الإقرار بالخطاء، وأخبر أباه أردشير الخبر، فسر، وأخبره أنه قد تحقق الذي ذكره المنجمون في ولد مهرك، وأن ذلك قد سلى ما كان في نفسه وأذهبه.

فلما ملك سابور ولى هرمز خراسان وسيره إليها، فقهر الأعداء واستقل بالأمر، فوشى به الوشاة إلى سابور أنه على عزم أن يأخذ الملك منه، وسمع هرمز بذلك فقيل إنه قطع يده وأرسلها إلى أبيه، فكتب إليه بما بلغه وأنه فعل ذلك إزالة للتهمة لأن رسمهم أنهم كانوا لا يملكون ذا عاهة، فلما وصلت يده إلى سابور تقطع أسفاً وأرسل إلى هرمز يعلمه ما ناله لذلك وعقد له على الملك وملكه، ولما ملك عدل في رعيته، وكان صادقاً، وسلك سبيل آبائه وكور كورة رامهرمز. وكان ملكه سنة وعشرة أيام.
ذكر ملك ابنه بهرام بن هرمز بن سابوروكان حليماً متأنياً حسن السيرة، وقتل ماني الزنديق وسلخه وحشا جلده تبناً وعلق على باب من أبواب جنديسابور يسمى باب ماني.
وكان ملكه ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام. وكان عامل سابور بن أردشير وابنه هرمز وبهرام بن هرمز - بعد ملك عمرو بن عدي على ربيعة ومضر وسائر من ببادية العراق والحجاز والجزيرة يومئذٍ - ابن لعمرو بن عدي، يقال له امرؤ القيس البدء، وهو أول من تنصر من آل نصر بن ربيعة وعمال الفرس، وعاش مملكاً فيعمله مائة سنة وأربع عشرة سنة، منها في زمن سابور بن أردشير ثلاثاً وعشرين سنة وشهراً، وفي زمن هرمز بن سابور سنة وعشرة أيام، وفي زمن بهرام ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام، وفي زمن بهرام بن بهرام بن هرمز ثماني عشرة سنة.
ذكر ملك ابنه بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشيروكان ملكه حسناً، وكان عالماً بالأمور، فلما عقد له التاج وعدهم بحسن السية، واختلف في سني ملكه، فقيل ثماني عشرة سنة، وقيل سبع عشرة سنة، والله أعلم.
ذكر ملك ابنه بهرام بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابورفلما عقد التاج على رأسه دعا له العظماء فأحسن الرد، وكان قبل أن يفضي إليه الأمر مملكاً على سجستان. وكان ملكه أربع سنين.
ذكر ملك نرسي بن بهراموهو أخو بهرام الثالث، فلما عقد التاج على رأسه دخل عليه الأشراف والعظماء فدعوا له، فوعدهم خيراً وسار فيهم بأعدل السيرة، وقال: لن نضيع شكر ما أنعم الله به علينا. وكان ملكه تسع سنين.
ذكر ملك هرمز بن نرسي بن بهرام بن بهرام بن هرمزوكان الناس قد وجلوا منه لفظاظته، فأعلمهم أنه قد علم بما كانوا يخافون من شدة ولايته، وأن الله قد أبدل ما كان فيه من الفظاظة رقةً ورأفةً، وساسهم أرفق سياسة، وكان حريصاً على انتعاش الضعفاء وعمارة البلاد والعدل، ثم هلك ولا ولد له، فشق ذلك على الناس، فسألوا عن نسائه، فذكر لهم أن بعضهن حبلى، وقيل: عن هرمز كان أوصى بالملك لذلك الحمل.
وولدت المرأة سابور ذا الأكتاف.
وكان ملك هرمز ست سنين وخمسة أشهر، وقيل سبع سنين وخمسة أشهر.
وأسماء الملوك من سابور بن أردشير إلى هنا لم يحذف منها شيء.
ذكر ملك ابنه سابور ذي الأكتافوهو سابور بن هرمز بن نرسي بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير ابن بابك، قيل: ملك بوصية أبيه له، فاستبشر الناس بولادته وبثوا خبره في الآفاق، وتقلدوا الوزراء والكتاب ما كانوا يعملونه في ملك أبيه.
وسمع الملوك أن ملك الفرس صغير في المهد، فطمعت في مملكتهم الترك والعرب والروم، وكانت العرب أقرب إلى بلاد فارس، فسار جمعٌ منهم في البحر من عبد القيس والبحرين إلى بلاد فارس وسواحل أردشير خره وغلبوا أهلها على مواشيهم ومعايشهم وأكثروا الفساد، وغلبت إياد على سواد العراق وأكثروا الفساد فيهم، فمكثوا حيناً لا يغزوهم أحد من الفرس لصغر ملكهم.

فلما ترعرع سابور وكبر كان أول ما عرف من حسن فهمه أنه سمع في البحر ضوضاء وأصواتاً فسأل عن ذلك فقيل: إن الناس يزدحمون في الجسر الذي على دجلة مقبلين ومدبرين، فأمر بعمل جسر آخر يكون أحدهما للمقبلين والآخمر للمدبرين، فاستبشر الناس بذلك. فلما بلغ ست عشرة سنة وقوي على حمل السلاح جمع رؤساء أصحابه فذكر لهم ما اختل من أمرهم وأنه يريد الذب عنهم ويشخص إلى بعض الأعداء. فدعا له الناس وسألوه أن يقيم بموضعه ويوجه القواد والجنود ليكفوه ما يريد، فأبى واختار من عسكره ألف رجل، فسألوه الازدياد، فلم يفعل، وسار بهم ونهاه عن الإبقاء على أحد من العرب، وقصد بلاد فارس فأوقع بالعرب وهم غارون فقتل وأسر وأكثر. ثم قطع البحر إلى الخط فقتل من بالبحرين لم يلتفت إلى غنيمة، وسار إلى هجر وبها ناس من تميم وبكر بن وائل وعبد القيس، فقتل منهم حتى سالت دماؤهم على الأرض، وأباد عبد القيس، وقصد اليمامة وأكثر في أهلها القتل، وغور مياه العرب، وقصد بكراً وتغلب فيما بين مناظر الشام والعراق فقتل وسبى وغور مياههم وسار إلى قرب المدينة ففعل كذلك، وكان ينزع أكتاف رؤسائهم ويقتلهم إلى أن هلك فسموه سابور ذا الأكتاف لهذا، وانتقلت إياد حينئذٍ إلى الجزيرة وصارت تغير على السواد، فجهز سابور إليهم الجيوش، وكان لقيط الإيادي معهم، فكتب إلى إياد:
؟سلامٌ في الصحيفة من لقيطٍ ... إلى من بالجزيرة من إياد
بأنّ اللّيث كسرى قد أتاكم ... فلا يشغلكم سوق النّقاد
أتاكم منهم سبعون ألفاً ... يزجّون لكتائب كالجراد
فلم يقبلوا منه وداموا على الغارة، فكتب إليهم أيضاً:
أبلغ إياداً وطوّل في سراتهم ... أنّي أرى الرّأي إن لم أعص قد نصعا
وهي قصيدة مشهورة من أجود ما قيل في صفة الحرب. فلم يحذروا، وأوقع بهم سابور وأبادهم قتلاً إلا من لحق بأرض الروم. فهذا فعله بالعرب.
وأما الروم فإن سابور كان هادن ملكهم، وهو قسطنطين، وهو أول من تنصر من ملوك الروم، ونحن نذكر سبب تنصره عند الفراغ من ذكر سابور إن شاء الله. ومات قسطنطين وفرق ملكه بين ثلاثة بنين كانوا له، فملكوا، وملكت الروم عليهم رجلاً من أهل بيت قسطنطين يقال له اليانوس، وكان على ملة الروم الأولى ويكتم ذلك، فلما ملك أظهر دينه وأعاد ملة الروم وأخرب البيع وقتل الأساقفة ثم جمع جموعاً من الروم والخزر وسار نحو سابور. واجتمعت العرب للانتقام من سابور، فاجتمع في عسكر اليانوس منهم خلق كثير. وعادت عيون سابور إليه فاختلفوا في الأخبار، فسار سابور بنفسه مع جماعة من ثقاته نحو الروم، فلما قرب من يوسانوس، وهو على مقدمة اليانوس، اختفى وأرسل بعض من معه إلى الروم، فأخذوا، وأقر بعضهم على سابور، فأرسل يوسانوس إليه سراً ينذره فارتحل سابور إلى عسكره وتحارب هو والعرب والروم، فانهزم عسكره وقتل منهم مقتلة عظيمة، وملكت الروم مدينة طيسفون، وهي المدائن الشرقية، وملكوا أيضاً أموال سابور وخزائنه.
وكتب سابور إلى جنوده وقواده يعلمهم ما لقي من الروم والعرب ويستحثهم على المسير إليه، فاجتمعوا إليه، وعاد واستنقذ مدينة طيسفون، ونزل اليانوس مدينة بهرسير، واختلف الرسل بينهما، فبينما اليانوس جالس أصابه سهم لا يعرف راميه فقتله، فسقط في أيدي الروم، ويئسوا من الخلاص من بلاد الفرس، فطلبوا من يوسانوس أن يملك عليهم، فلم يفعل وأبى إلا أن يعودوا إلى النصرانية، فأخبروه أنهم على ملته، وإنما كتموا ذلك خوفاً من اليانوس. فملك عليهم، وأرسل سابور إلى الروم يتهددهم ويطلب الذي ملك عليهم ليجتمع به. فسار إليه يوسانوس في ثمانين رجلاً، فتلقاه سابور وتساجدا وطعما، وقوى سابور أمر يوسانوس بجهده وقال للروم: إنكم أخربتم بلادنا وأفسدتم فيها، فإما أن تعطونا قيما ما أهلكتم وإما أن تعوضونا نصيبين، وكانت قديماً للفرس، فغلبت الروم عليها، فدفعوها إليهم، وتحول أهلها عنها، فحول إليها سابور اثني عشر ألف بيت من أهل إصطخر وأصبهان وغيرهما، وعادت الروم إلى بلادهم، وهلك ملكهم بعد ذلك بيسير.

وقيل: إن سابور سار إلى حد الروم وأعلم أصحابه أنه على قصد الروم مختفياً لمعرفة أحوالهم وأخبار مدنهم، وسار إليهم، فجال فيهم حيناً، وبلغه أن قيصر أولم وجمع الناس فحضر بزي سائل لينظر إلى قيصر على الطعام، ففطن به وأخذ وأدرج في جلد ثور، وسار قيصر بجنوده إلى أرض فارس ومعه سابور على تلك الحال، فقتل وأخرب حتى بلغ جند يسابور، فتحصن أهلها وحاصرها، فبينما هو يحاصرها إذ غفل الموكلون بحراسة سابور، وكان بقربه قوم من سبي الأهواز، فأمرهم أن يلقوا على القد الذي عليه زيتاً كان بقربهم، ففعلوا، ولان الجلد وانسل منه وسار إلى المدينة وأخبر حراسها فأدخلوه، فارتفعت أصوات أهلها، فاستيقظ الروم، وجمع سابور من بها وعباهم وخرج إلى الروم سحر لتك الليلة فقتلهم وأسر قيصر وغنم أمواله ونساءه واثقله بالحديد وأمره بعمارة ما أخرب وألزمه بنقل التراب من بلد الروم ليبني به ما هدم المنجنيق من جنديسابور وأن يغرس الزيتون مكان النخل، ثم قطع عقبه وبعث به إلى الروم على حمار وقال: هذا جزاؤك يبغيك علينا؛ فأقام مدة ثم غزا فقتل وسبى سبايا أسكنهم مدينة بناها بناحية السو سماها إيران شهر سابور، وبنى مدينة نيسابور بخراسان في قول، وبالعراق بزرج سابور.
وكان ملكه اثنتين وسبعين سنة. وهلك في أيامه امرؤ القيس بن عمرو ابن عدي عامله على العرب، فاستعمل ابنه عمرو بن امرئ القيس، فبقي في عمله بقية ملك سابور وجميع أيام أخيه أردشير بن هرمز وبعض أيام سابور بن سابور.
وكانت ولايته ثلاثين سنة.
سبب تنصر قسطنطينوأما سبب تنصر قسطنطين فإنه كان قد كبر سنه وساء خلقه وظهر به وضح كبير، فأرادت الروم خلعه وترك ماله عليه، فشاور نصحاءه، فقالوا له: لا طاقة لك بهم فقد أجمعوا على خلعك وإنما تحتال عليهم بالدين. وكانت النصرانية قد ظهرت، وهي خفية، وقالوا له: استمهلهم حتى تزور البيت المقدس، فإذا زرته دخلت في دين النصرانية وحملت الناس عليه، فإنهم يعترفون، فتقاتل من عصاك بمن أطاعك، وما قاتل قوم على دين إلا نصروا. ففعل ذلك، فأطاعه عالم عظيم وخالفه خلق كثير وأقاموا على دين اليونانية، فقاتلهم وظفر بهم، فقتلهم فأحرق كتبهم وحكمتهم وبنى القسطنطينية ونقل الناس إليها، وكانت رومية دار ملكهم، وبقي ملكه عليه، وغلب على الشام، وكان الأكاسرة قبل سابور ذي الأكتاف ينزلون طيسفون، وهي المدينة الغربية من المدائن، فلما نشأ سابور بنى الإيوان بالمدائن الشرقية وانتقل إيه وصار هو دار الملك، وهو باقٍ إلى الآن، ونحن في سنة خمس وعشرين وستمائة.
ذكر ملك أردشير بن هرمز بن نرسي بن بهرام بن سابور بن أردشير بن بابك أخي سابور
فلما ملك واستقر له الملك عطف على العظماء وذوي الرئاسة فقتل منهم خلقاً كثيراً، فخلعه الناس بعد أربع سنين من ملكه.
ذكر ملك سابور بن سابور ذي الأكتاففلما ملك بعد خلع عمه استبشر الناس بعود ملك أبيه إليه، وكتب إلى العمال بالعدل والرفق بالرعية وأمر بذلك وزراءه وحاشيته، وأطاعه عمه المخلوع وأحبته رعيته، ثم إن العظماء وأهل الشرف قطعوا أطناب خيمة كان فيها فسقطت عليه فقتلته.
وكان ملكه خمس سنين.
ذكر ملك أخيه بهرام بن سابور ذي الأكتافوكان يلقب كرمان شاه، لأن أباه ملكه كرمان في حياته، فكتب إلى القواد كتاباً يحثهم على الطاعة، وكان محموداً في أموره، وبنى بكرمان مدينة. وثار به ناس من الفتاك فقتله أحدهم بنشابة.
وكان ملكه إحدى عشرة سنة.
ذكر ملك يزدجرد الأثيم بن بهرام بن سابور ذي الأكتاف

ومن أهل العلم من يقول إن يزدجرد هذا هو أخو بهرام كرمان شاه بن سابور لا ابنه، وكان فظاً غليظاً ذا عيوب كثيرة يضع الشيء في غير مواضعه، كثير الرؤية في الصغائر، واستعمال كل ما عنده في المواربة والدهاء والمخاتلة مع فطنة بجهات الشر وعجب به، وكان غلقاً سيئ الخلق لا يغفر الصغيرة من الزلات ولا يقبل شفاعة أحد من الناس وإن كان قريباً منه، كثير التهمة، ولا يأتمن أحداً على شيء، ولم يكن يكافئ أحداً على حسن البلاء وإن هو أولى الخسيس من العرف استعظمه، وإذا بلغه أن أحداً من أصحابه صافى أحداً من أهل صناعته نحاه عن خدمته. وكان فيه مع ذلك ذكاء ذهن وحسن أدب، وقد مهر في صنوف من العلم، واستوزر نرسي حكيم زمانه، وكان فاضلاً قد كمل أدبه ولقبه هزار بيده، فأمل الناس أن يصلح نرسي منه، فكان ما أملوه بعيداً.
فلما استوى له الملك واشتدت شوكته هابته الأشراف والعظماء، وحمل على الضعفاء فأكثر من سفك الدماء.
فلما ابتليت الرعية به شكوا ما نزل بهم منه إلى الله تعالى وسألوه تعجيل إنقاذهم منه، فزعموا أنه كان بجرجان فرأى ذات يوم في صره فرساً عائراً لم ير مثله، فأخبر به، فأمر أن يسرج ويلجم ويدخل عليه، فلم يقدر أحد على ذلك، فأعلم بذلك، فخرج إليه بنفسه وألجمه بيده وأسرجه، فلما رفع ذنبه ليثفره رمحه على فؤاده رمحة هلك منها مكانه وملأ الفرس فروجه جرياً ولم يعلم له خبر، وكان ذلك من صنع الله ورأفته بهم.
وكان ملكه اثنتين وعشرين سنة وخمسة أشهر وستة عشر يوماً.
وأما العرب فقيل إنه لما هلك عمرو بن امرئ القيس البدء بن عمرو ابن عدي في عهد سابور استخلف سابور على عمله أوس بن قلام، وهو من العماليق، فملك خمس سنين وقتل في عهد بهرام بن سابور، ساستخلف بعده في عمله امرؤ القيس بن عمرو بن امرئ القيس البدء، فبقي خمساً وعشرين سنة، وهلك أيام يزدجرد الأثيم، فاستخلف بعده في عمله ابنه النعمان وأمه شقيقة ابنة أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، وهو صاحب الخورنق. وسبب بنائه له أن يزدجرد الأثيم كان لا يبقى له ولد، فسأل عن منزل مريء صحيح، فدل على ظاهرة الحيرة، فدفع ابنه بهرام جور إلى النعمان هذا وأمره ببناء الخورنق مسكناً له وأمره بإخراجه إلى بوادي العرب، وكان الذي بنى الخورنق رجلاً اسمه سنمار. فلما فرغ من بنائه تعجبوا منه، فقال: لو علمت أنكم توفونني أجري لعملته يدور مع الشمس. فقال: وإنك لتقدر على ما هو أفضل منه ! ثم أمر به فألقي من رأس الخورنق فهلك، فضربت العرب بجزائه المثل، وهو مذكور في أشعارها.
وغزا النعمان هذا الشام مراراً وأكثر المصائب في أهلها وسبى وغنم وجعل معه ملك فارس كتيبتين يقال لإحداهما دوس وهي لتنوخ، وللأخرى الشهباء وهي لفارس، فكان يغزو بهما الشام ومن لم يطعه من العرب.
ثم إنه جلس يوماً في مجلسه من الخورنق فأشرف منه على النجف وما يليه من البساتين والأنهار في يوم من أيام الربيع، فأعجبه ذلك، فقال لوزيره: هل رأيت مثل هذا المنظر قط ؟ قال: لا لو كان يدوم. قال: فما الذي يدوم ؟ قال: ما عند الله في الآخرة. قال: فبم ينال ذلك ؟ قال: بتركك الدنيا وعبادة الله. فترك ملكه من ليلته ولبس المسوح وخرج هارباً لا يعلم به، فأصبح الناس فلم يروه.
وكان ملكه إلى أن تركه وساح تسعاً وعشرين سنة وأربعة أشهر، من ذلك في أيام يزدجرد خمس عشرة سنة، وفي زمن بهرام جور بن يزدجرد أربع عشرة سنة.
وأما علماء الفرس فإنهم يقولون غير هذا، وسيرد ذكره.
ذكر ملك بهرام بن يزدجرد الأثيم


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohammed.mansy@yahoo.com
محمد منسى
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 19288
العمر : 39
الموقع : منتديات ابو ريوف
تاريخ التسجيل : 26/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الأحد 25 نوفمبر 2018 - 18:51



وفي أيام سابور ظهر ماني الزنديق وادعى النبوة، وتبعه خلقٌ كثير، وهم الذين يسمون المانوية.
وكان ملكه ثلاثين سنة وخمسة عشر يوماًن وقيل: إحدى وثلاثين سنة وستة أشهر وتسعة أيام.
ذكر ملك ابنه هرمز بن سابور بن أردشير بن بابكوكان يشبه في خلقه بأردشير غير لاحق به في تدبيره، وكان في البطش والجرأة على أمر عظيم، وكانت أمه من بنات مهرك الملك الذي قتله أردشير وتتبع نسله فقتلهم، لأن المنجمين أخبروه أنه يكون من نسله من يملك، فهربت أمه إلى البادية وأقامت عند بعض الرعاء، وخرج سابور متصيداً، فاشتد به العطش وارتفعت له الأخبية التي فيها أمر هرمز، فقصدها وطلب الماء، فناولته المرأة، فرأى منها جمالاً فائقاً، فلم يلبث أن حضر الرعاء فسألهم سابور عنها، فقال بعضهم: إنها ابنته، فتزوجها وسار بها إلى منزله، وكسيت ونظفت، فأرادها فامتنعت عليه مدة، فلما طال عليه سألها عن سبب ذلك فأخبرته أنها ابنة مهرك وأنها تفعل ذلك إبقاء عليه من أردشير، فعاهدها على ستر أمرها، ووطئها فولدت له هرمز، فستر أمره حتى صار له سنون.
فركب أردشير يوماً إلى منزل ابنه سابور لشيء أراد ذكره له، فدخل منزله مفاجأة، فلما استقر خرج هرمز وبيده صولجان وهو يصيح في أثر الكرة، فلما رآه أردشير أنكره ووقف على المشابه التي فيه من حسن الوجه وعبالة الخلق وأمور غيرها، فاستدناه أردشير وسأل عنه سابور، فخرج مفكراً على سبيل الإقرار بالخطاء، وأخبر أباه أردشير الخبر، فسر، وأخبره أنه قد تحقق الذي ذكره المنجمون في ولد مهرك، وأن ذلك قد سلى ما كان في نفسه وأذهبه.

فلما ملك سابور ولى هرمز خراسان وسيره إليها، فقهر الأعداء واستقل بالأمر، فوشى به الوشاة إلى سابور أنه على عزم أن يأخذ الملك منه، وسمع هرمز بذلك فقيل إنه قطع يده وأرسلها إلى أبيه، فكتب إليه بما بلغه وأنه فعل ذلك إزالة للتهمة لأن رسمهم أنهم كانوا لا يملكون ذا عاهة، فلما وصلت يده إلى سابور تقطع أسفاً وأرسل إلى هرمز يعلمه ما ناله لذلك وعقد له على الملك وملكه، ولما ملك عدل في رعيته، وكان صادقاً، وسلك سبيل آبائه وكور كورة رامهرمز. وكان ملكه سنة وعشرة أيام.
ذكر ملك ابنه بهرام بن هرمز بن سابوروكان حليماً متأنياً حسن السيرة، وقتل ماني الزنديق وسلخه وحشا جلده تبناً وعلق على باب من أبواب جنديسابور يسمى باب ماني.
وكان ملكه ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام. وكان عامل سابور بن أردشير وابنه هرمز وبهرام بن هرمز - بعد ملك عمرو بن عدي على ربيعة ومضر وسائر من ببادية العراق والحجاز والجزيرة يومئذٍ - ابن لعمرو بن عدي، يقال له امرؤ القيس البدء، وهو أول من تنصر من آل نصر بن ربيعة وعمال الفرس، وعاش مملكاً فيعمله مائة سنة وأربع عشرة سنة، منها في زمن سابور بن أردشير ثلاثاً وعشرين سنة وشهراً، وفي زمن هرمز بن سابور سنة وعشرة أيام، وفي زمن بهرام ثلاث سنين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام، وفي زمن بهرام بن بهرام بن هرمز ثماني عشرة سنة.
ذكر ملك ابنه بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشيروكان ملكه حسناً، وكان عالماً بالأمور، فلما عقد له التاج وعدهم بحسن السية، واختلف في سني ملكه، فقيل ثماني عشرة سنة، وقيل سبع عشرة سنة، والله أعلم.
ذكر ملك ابنه بهرام بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابورفلما عقد التاج على رأسه دعا له العظماء فأحسن الرد، وكان قبل أن يفضي إليه الأمر مملكاً على سجستان. وكان ملكه أربع سنين.
ذكر ملك نرسي بن بهراموهو أخو بهرام الثالث، فلما عقد التاج على رأسه دخل عليه الأشراف والعظماء فدعوا له، فوعدهم خيراً وسار فيهم بأعدل السيرة، وقال: لن نضيع شكر ما أنعم الله به علينا. وكان ملكه تسع سنين.
ذكر ملك هرمز بن نرسي بن بهرام بن بهرام بن هرمزوكان الناس قد وجلوا منه لفظاظته، فأعلمهم أنه قد علم بما كانوا يخافون من شدة ولايته، وأن الله قد أبدل ما كان فيه من الفظاظة رقةً ورأفةً، وساسهم أرفق سياسة، وكان حريصاً على انتعاش الضعفاء وعمارة البلاد والعدل، ثم هلك ولا ولد له، فشق ذلك على الناس، فسألوا عن نسائه، فذكر لهم أن بعضهن حبلى، وقيل: عن هرمز كان أوصى بالملك لذلك الحمل.
وولدت المرأة سابور ذا الأكتاف.
وكان ملك هرمز ست سنين وخمسة أشهر، وقيل سبع سنين وخمسة أشهر.
وأسماء الملوك من سابور بن أردشير إلى هنا لم يحذف منها شيء.
ذكر ملك ابنه سابور ذي الأكتافوهو سابور بن هرمز بن نرسي بن بهرام بن بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير ابن بابك، قيل: ملك بوصية أبيه له، فاستبشر الناس بولادته وبثوا خبره في الآفاق، وتقلدوا الوزراء والكتاب ما كانوا يعملونه في ملك أبيه.
وسمع الملوك أن ملك الفرس صغير في المهد، فطمعت في مملكتهم الترك والعرب والروم، وكانت العرب أقرب إلى بلاد فارس، فسار جمعٌ منهم في البحر من عبد القيس والبحرين إلى بلاد فارس وسواحل أردشير خره وغلبوا أهلها على مواشيهم ومعايشهم وأكثروا الفساد، وغلبت إياد على سواد العراق وأكثروا الفساد فيهم، فمكثوا حيناً لا يغزوهم أحد من الفرس لصغر ملكهم.

فلما ترعرع سابور وكبر كان أول ما عرف من حسن فهمه أنه سمع في البحر ضوضاء وأصواتاً فسأل عن ذلك فقيل: إن الناس يزدحمون في الجسر الذي على دجلة مقبلين ومدبرين، فأمر بعمل جسر آخر يكون أحدهما للمقبلين والآخمر للمدبرين، فاستبشر الناس بذلك. فلما بلغ ست عشرة سنة وقوي على حمل السلاح جمع رؤساء أصحابه فذكر لهم ما اختل من أمرهم وأنه يريد الذب عنهم ويشخص إلى بعض الأعداء. فدعا له الناس وسألوه أن يقيم بموضعه ويوجه القواد والجنود ليكفوه ما يريد، فأبى واختار من عسكره ألف رجل، فسألوه الازدياد، فلم يفعل، وسار بهم ونهاه عن الإبقاء على أحد من العرب، وقصد بلاد فارس فأوقع بالعرب وهم غارون فقتل وأسر وأكثر. ثم قطع البحر إلى الخط فقتل من بالبحرين لم يلتفت إلى غنيمة، وسار إلى هجر وبها ناس من تميم وبكر بن وائل وعبد القيس، فقتل منهم حتى سالت دماؤهم على الأرض، وأباد عبد القيس، وقصد اليمامة وأكثر في أهلها القتل، وغور مياه العرب، وقصد بكراً وتغلب فيما بين مناظر الشام والعراق فقتل وسبى وغور مياههم وسار إلى قرب المدينة ففعل كذلك، وكان ينزع أكتاف رؤسائهم ويقتلهم إلى أن هلك فسموه سابور ذا الأكتاف لهذا، وانتقلت إياد حينئذٍ إلى الجزيرة وصارت تغير على السواد، فجهز سابور إليهم الجيوش، وكان لقيط الإيادي معهم، فكتب إلى إياد:
؟سلامٌ في الصحيفة من لقيطٍ ... إلى من بالجزيرة من إياد
بأنّ اللّيث كسرى قد أتاكم ... فلا يشغلكم سوق النّقاد
أتاكم منهم سبعون ألفاً ... يزجّون لكتائب كالجراد
فلم يقبلوا منه وداموا على الغارة، فكتب إليهم أيضاً:
أبلغ إياداً وطوّل في سراتهم ... أنّي أرى الرّأي إن لم أعص قد نصعا
وهي قصيدة مشهورة من أجود ما قيل في صفة الحرب. فلم يحذروا، وأوقع بهم سابور وأبادهم قتلاً إلا من لحق بأرض الروم. فهذا فعله بالعرب.
وأما الروم فإن سابور كان هادن ملكهم، وهو قسطنطين، وهو أول من تنصر من ملوك الروم، ونحن نذكر سبب تنصره عند الفراغ من ذكر سابور إن شاء الله. ومات قسطنطين وفرق ملكه بين ثلاثة بنين كانوا له، فملكوا، وملكت الروم عليهم رجلاً من أهل بيت قسطنطين يقال له اليانوس، وكان على ملة الروم الأولى ويكتم ذلك، فلما ملك أظهر دينه وأعاد ملة الروم وأخرب البيع وقتل الأساقفة ثم جمع جموعاً من الروم والخزر وسار نحو سابور. واجتمعت العرب للانتقام من سابور، فاجتمع في عسكر اليانوس منهم خلق كثير. وعادت عيون سابور إليه فاختلفوا في الأخبار، فسار سابور بنفسه مع جماعة من ثقاته نحو الروم، فلما قرب من يوسانوس، وهو على مقدمة اليانوس، اختفى وأرسل بعض من معه إلى الروم، فأخذوا، وأقر بعضهم على سابور، فأرسل يوسانوس إليه سراً ينذره فارتحل سابور إلى عسكره وتحارب هو والعرب والروم، فانهزم عسكره وقتل منهم مقتلة عظيمة، وملكت الروم مدينة طيسفون، وهي المدائن الشرقية، وملكوا أيضاً أموال سابور وخزائنه.
وكتب سابور إلى جنوده وقواده يعلمهم ما لقي من الروم والعرب ويستحثهم على المسير إليه، فاجتمعوا إليه، وعاد واستنقذ مدينة طيسفون، ونزل اليانوس مدينة بهرسير، واختلف الرسل بينهما، فبينما اليانوس جالس أصابه سهم لا يعرف راميه فقتله، فسقط في أيدي الروم، ويئسوا من الخلاص من بلاد الفرس، فطلبوا من يوسانوس أن يملك عليهم، فلم يفعل وأبى إلا أن يعودوا إلى النصرانية، فأخبروه أنهم على ملته، وإنما كتموا ذلك خوفاً من اليانوس. فملك عليهم، وأرسل سابور إلى الروم يتهددهم ويطلب الذي ملك عليهم ليجتمع به. فسار إليه يوسانوس في ثمانين رجلاً، فتلقاه سابور وتساجدا وطعما، وقوى سابور أمر يوسانوس بجهده وقال للروم: إنكم أخربتم بلادنا وأفسدتم فيها، فإما أن تعطونا قيما ما أهلكتم وإما أن تعوضونا نصيبين، وكانت قديماً للفرس، فغلبت الروم عليها، فدفعوها إليهم، وتحول أهلها عنها، فحول إليها سابور اثني عشر ألف بيت من أهل إصطخر وأصبهان وغيرهما، وعادت الروم إلى بلادهم، وهلك ملكهم بعد ذلك بيسير.

وقيل: إن سابور سار إلى حد الروم وأعلم أصحابه أنه على قصد الروم مختفياً لمعرفة أحوالهم وأخبار مدنهم، وسار إليهم، فجال فيهم حيناً، وبلغه أن قيصر أولم وجمع الناس فحضر بزي سائل لينظر إلى قيصر على الطعام، ففطن به وأخذ وأدرج في جلد ثور، وسار قيصر بجنوده إلى أرض فارس ومعه سابور على تلك الحال، فقتل وأخرب حتى بلغ جند يسابور، فتحصن أهلها وحاصرها، فبينما هو يحاصرها إذ غفل الموكلون بحراسة سابور، وكان بقربه قوم من سبي الأهواز، فأمرهم أن يلقوا على القد الذي عليه زيتاً كان بقربهم، ففعلوا، ولان الجلد وانسل منه وسار إلى المدينة وأخبر حراسها فأدخلوه، فارتفعت أصوات أهلها، فاستيقظ الروم، وجمع سابور من بها وعباهم وخرج إلى الروم سحر لتك الليلة فقتلهم وأسر قيصر وغنم أمواله ونساءه واثقله بالحديد وأمره بعمارة ما أخرب وألزمه بنقل التراب من بلد الروم ليبني به ما هدم المنجنيق من جنديسابور وأن يغرس الزيتون مكان النخل، ثم قطع عقبه وبعث به إلى الروم على حمار وقال: هذا جزاؤك يبغيك علينا؛ فأقام مدة ثم غزا فقتل وسبى سبايا أسكنهم مدينة بناها بناحية السو سماها إيران شهر سابور، وبنى مدينة نيسابور بخراسان في قول، وبالعراق بزرج سابور.
وكان ملكه اثنتين وسبعين سنة. وهلك في أيامه امرؤ القيس بن عمرو ابن عدي عامله على العرب، فاستعمل ابنه عمرو بن امرئ القيس، فبقي في عمله بقية ملك سابور وجميع أيام أخيه أردشير بن هرمز وبعض أيام سابور بن سابور.
وكانت ولايته ثلاثين سنة.
سبب تنصر قسطنطينوأما سبب تنصر قسطنطين فإنه كان قد كبر سنه وساء خلقه وظهر به وضح كبير، فأرادت الروم خلعه وترك ماله عليه، فشاور نصحاءه، فقالوا له: لا طاقة لك بهم فقد أجمعوا على خلعك وإنما تحتال عليهم بالدين. وكانت النصرانية قد ظهرت، وهي خفية، وقالوا له: استمهلهم حتى تزور البيت المقدس، فإذا زرته دخلت في دين النصرانية وحملت الناس عليه، فإنهم يعترفون، فتقاتل من عصاك بمن أطاعك، وما قاتل قوم على دين إلا نصروا. ففعل ذلك، فأطاعه عالم عظيم وخالفه خلق كثير وأقاموا على دين اليونانية، فقاتلهم وظفر بهم، فقتلهم فأحرق كتبهم وحكمتهم وبنى القسطنطينية ونقل الناس إليها، وكانت رومية دار ملكهم، وبقي ملكه عليه، وغلب على الشام، وكان الأكاسرة قبل سابور ذي الأكتاف ينزلون طيسفون، وهي المدينة الغربية من المدائن، فلما نشأ سابور بنى الإيوان بالمدائن الشرقية وانتقل إيه وصار هو دار الملك، وهو باقٍ إلى الآن، ونحن في سنة خمس وعشرين وستمائة.
ذكر ملك أردشير بن هرمز بن نرسي بن بهرام بن سابور بن أردشير بن بابك أخي سابور
فلما ملك واستقر له الملك عطف على العظماء وذوي الرئاسة فقتل منهم خلقاً كثيراً، فخلعه الناس بعد أربع سنين من ملكه.
ذكر ملك سابور بن سابور ذي الأكتاففلما ملك بعد خلع عمه استبشر الناس بعود ملك أبيه إليه، وكتب إلى العمال بالعدل والرفق بالرعية وأمر بذلك وزراءه وحاشيته، وأطاعه عمه المخلوع وأحبته رعيته، ثم إن العظماء وأهل الشرف قطعوا أطناب خيمة كان فيها فسقطت عليه فقتلته.
وكان ملكه خمس سنين.
ذكر ملك أخيه بهرام بن سابور ذي الأكتافوكان يلقب كرمان شاه، لأن أباه ملكه كرمان في حياته، فكتب إلى القواد كتاباً يحثهم على الطاعة، وكان محموداً في أموره، وبنى بكرمان مدينة. وثار به ناس من الفتاك فقتله أحدهم بنشابة.
وكان ملكه إحدى عشرة سنة.
ذكر ملك يزدجرد الأثيم بن بهرام بن سابور ذي الأكتاف

ومن أهل العلم من يقول إن يزدجرد هذا هو أخو بهرام كرمان شاه بن سابور لا ابنه، وكان فظاً غليظاً ذا عيوب كثيرة يضع الشيء في غير مواضعه، كثير الرؤية في الصغائر، واستعمال كل ما عنده في المواربة والدهاء والمخاتلة مع فطنة بجهات الشر وعجب به، وكان غلقاً سيئ الخلق لا يغفر الصغيرة من الزلات ولا يقبل شفاعة أحد من الناس وإن كان قريباً منه، كثير التهمة، ولا يأتمن أحداً على شيء، ولم يكن يكافئ أحداً على حسن البلاء وإن هو أولى الخسيس من العرف استعظمه، وإذا بلغه أن أحداً من أصحابه صافى أحداً من أهل صناعته نحاه عن خدمته. وكان فيه مع ذلك ذكاء ذهن وحسن أدب، وقد مهر في صنوف من العلم، واستوزر نرسي حكيم زمانه، وكان فاضلاً قد كمل أدبه ولقبه هزار بيده، فأمل الناس أن يصلح نرسي منه، فكان ما أملوه بعيداً.
فلما استوى له الملك واشتدت شوكته هابته الأشراف والعظماء، وحمل على الضعفاء فأكثر من سفك الدماء.
فلما ابتليت الرعية به شكوا ما نزل بهم منه إلى الله تعالى وسألوه تعجيل إنقاذهم منه، فزعموا أنه كان بجرجان فرأى ذات يوم في صره فرساً عائراً لم ير مثله، فأخبر به، فأمر أن يسرج ويلجم ويدخل عليه، فلم يقدر أحد على ذلك، فأعلم بذلك، فخرج إليه بنفسه وألجمه بيده وأسرجه، فلما رفع ذنبه ليثفره رمحه على فؤاده رمحة هلك منها مكانه وملأ الفرس فروجه جرياً ولم يعلم له خبر، وكان ذلك من صنع الله ورأفته بهم.
وكان ملكه اثنتين وعشرين سنة وخمسة أشهر وستة عشر يوماً.
وأما العرب فقيل إنه لما هلك عمرو بن امرئ القيس البدء بن عمرو ابن عدي في عهد سابور استخلف سابور على عمله أوس بن قلام، وهو من العماليق، فملك خمس سنين وقتل في عهد بهرام بن سابور، ساستخلف بعده في عمله امرؤ القيس بن عمرو بن امرئ القيس البدء، فبقي خمساً وعشرين سنة، وهلك أيام يزدجرد الأثيم، فاستخلف بعده في عمله ابنه النعمان وأمه شقيقة ابنة أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، وهو صاحب الخورنق. وسبب بنائه له أن يزدجرد الأثيم كان لا يبقى له ولد، فسأل عن منزل مريء صحيح، فدل على ظاهرة الحيرة، فدفع ابنه بهرام جور إلى النعمان هذا وأمره ببناء الخورنق مسكناً له وأمره بإخراجه إلى بوادي العرب، وكان الذي بنى الخورنق رجلاً اسمه سنمار. فلما فرغ من بنائه تعجبوا منه، فقال: لو علمت أنكم توفونني أجري لعملته يدور مع الشمس. فقال: وإنك لتقدر على ما هو أفضل منه ! ثم أمر به فألقي من رأس الخورنق فهلك، فضربت العرب بجزائه المثل، وهو مذكور في أشعارها.
وغزا النعمان هذا الشام مراراً وأكثر المصائب في أهلها وسبى وغنم وجعل معه ملك فارس كتيبتين يقال لإحداهما دوس وهي لتنوخ، وللأخرى الشهباء وهي لفارس، فكان يغزو بهما الشام ومن لم يطعه من العرب.
ثم إنه جلس يوماً في مجلسه من الخورنق فأشرف منه على النجف وما يليه من البساتين والأنهار في يوم من أيام الربيع، فأعجبه ذلك، فقال لوزيره: هل رأيت مثل هذا المنظر قط ؟ قال: لا لو كان يدوم. قال: فما الذي يدوم ؟ قال: ما عند الله في الآخرة. قال: فبم ينال ذلك ؟ قال: بتركك الدنيا وعبادة الله. فترك ملكه من ليلته ولبس المسوح وخرج هارباً لا يعلم به، فأصبح الناس فلم يروه.
وكان ملكه إلى أن تركه وساح تسعاً وعشرين سنة وأربعة أشهر، من ذلك في أيام يزدجرد خمس عشرة سنة، وفي زمن بهرام جور بن يزدجرد أربع عشرة سنة.
وأما علماء الفرس فإنهم يقولون غير هذا، وسيرد ذكره.
ذكر ملك بهرام بن يزدجرد الأثيم

لما ولد يزدجرد بهرام جور اختار لحضانته العرب، فدعا بالمنذر بن النعمان واستحضنه بهرام وشرفه وكرمه وملكه على العرب، فسار به المنذر واختار لرضاعه ثلاث نسوة ذوات أجسام صحيحة وأذهان ذكية وآداب حسنة من بنات الأشراف، منهن عربيتان وعجمية، فأرضعنه ثلاث سنين. فلما بلغ خمس سنين أحضر له مؤدبين فعلموه الكتابة والرمي والفقه بطلب من بهرام بذلك، وأحضر حكيماً من حماء الفرس بتعلم ووعى كل ما علمه بأدنى تعليم. فلما بلغ اثنتي عشرة سنة تعلم كل ما أفيد وفاق معلميه، فأمرهم المنذر بالانصراف، وأحضر معلمي الفروسية فأخذ عنهم كل ما ينبغي له، ثم صرفهم. ثم أمر فأحضرت خيل العرب للسباق فسبقها فرس أشقر للمنذر، وأقبل باقي الخيل بداد بداد فقرب المنذر الفرس بيده إليه، فقبله وركبه يوماً للصيد، فبصر بعانة حمرٍ وحش، فرمى عليها وقصدها وإذا هو بأسد قد أخذ عيراً منها فتناول ظهره بفيه، فرماه بهرام بسهم فنفذ في الأسد والعير، ووصل إلى الأرض فساخ السهم إلى ثلثه، فرآه من معه فعجبوا منه، ثم أقبل على الصيد واللهو والتلذذ.
فمات أبوه وهو عند المنذر، فتعاهد العظماء وأهل الشرف على أن لا يملكوا أحداً من ذرية يزدجرد لسوء سيرته، فاجتمعت الكلمة على صرف الملك عن بهرام لنشوئه في العرب وتخلقه بأخلاقهم ولأنه من ولد يزدجرد، وملكوا رجلاً من عقب أردشير بن بابك يقال له كسرى. فانتهى هلاك يزدجرد وتمليك كسرى إلى بهرام، فدعا بالمنذر وابنه النعمان وناس من أشراف العرب وعرفهم إحسان والده إليهم وشدته على الفرس، وأخبرهم الخبر. فقال المنذر: لا يهولنك ذلك حتى ألطف الحيلة فيه، وجهز عشرة آلاف فارس ووجههم مع ابنه النعمان إلى طيسفون وبهرسير مدينتي الملك، وأمره أن يعسكر قرباً منهما ويرسل طلائعه إليهما وأن يقاتل من قاتله ويغير على البلاد، ففعل ذلك، وأرسل عظماء فارس حوابى صاحب رسائل يزدجرد إلى المنذر يعلمه أمر النعمان، فلما ورد حوابى قال له: الق الملك بهرام. فدخل عليه، فراعه ما رأى منه، فأغفل السجود دهشا، فعرف بهرام ذلك فكلمه ووعده أحسن الوعد ورده إلى المنذر وقال له: أجبه. فقال له: إ إن الملك بهرام أرسل النعمان إلى ناحيتكم حيث ملكه الله بعد أبيه. فلما سمع حوابى مقالة المنذر وتذكر ما رأى من بهرام علم أن جميع من تشاور في صرف الملك عن بهرام محجوج، فقال للمنذر: سر إلى مدينة الملوك فيجتمع إليك الأشراف والعظماء، وتشاوروا في ذلك فلن يخالفوا ما تشير به.
وسار المنذر بعد عود حوابي من عنده بيوم في ثلاثين ألفاً من فرسان العرب إلى مدينتي الملك بهرام، فجمع الناس، وصعد بهرام على منبر من ذهب مكلل بالجوهر وتكلم عظماء الفرس فذكروا فظاظة يزدجرد أبي بهرام وسوء سيرته وكثرة قتله وإخراب البلاد وأنهم لهذا السبب صرفوا الملك عن ولده.
فقال بهرام: لست أكذبكم وما زلت زارياً عليه ذلك ولم أزل أسأل الله أن يملكني لأصلح ما أفسد ومع هذا فإذا أتى على ملكي سنة ولم اف بما أعد تبرأت من الملك طائعاً وأنا راضٍ بأن تجعلوا التاج وزينة الملك بين أسدين ضاريين فمن تناولهما كان الملك له. فأجابوه إلى ذلك ووضعوا التاج والزينة بين أسدين، وحضر موبذان موبذ، فقال بهرام لكسرى: دونك التاج والزينة. فقال كسرى: أنت أولى لأنك تطلب الملك بوراثة وأنا فيه مغتصب. فحمل بهرام جرزاً وتوجه نحو التاج، فبدر إليه أحد الأسدين فوثب بهرام فعلاً ظهره وعصر جنبي الأسد بفخذيه وجعل يضرب رأسه بالجزر الذي معه، ثم وثب الأسد الآخر عليه، فقبض أذنيه بيده ولم يزل يضرب رأسه برأس الأسد الآخر الذي تحته حتى دمغهما ثم قتلهما بالجزر الذي معه وتناول بعد ذلك التاج والزينة. فكان أول من أطاعه كسرى، وقال جميع من حضر: قد أذعنا لك ورضينا بك ملكاً، وإن العظماء والوزراء والأشراف سألوا المنذر ليكلم بهرام في العفو عنهم. فسأل المنذر الملك بهرام ذلك فأجابه.

وملك بهرام وهو ابن عشرين سنة وأمر أن يلزم رعيته راحة ودعة، وجلس للناس يعدهم بالخير ويأمرهم بتقوى الله، ولم يزل مدة ملكه يؤثر اللهو على ما سواه حتى طمع فيه من حوله من الملوك في بلاده، وكان أول من سبق إلى قصده خاقان ملك الترك، فإنه غزاه في مائتي ألف وخمسين ألفاً من الترك، فعظم ذلك على الفرس، ودخل العظماء على بهرام وحذروه، فتمادى في لهوه ثم تجز وسار إلى أذربيجان ليتنسك في بيت نارها، ويتصيد بأمنيته في سبعة رهط من العظماء وثلاثمائة من ذوي البأس والنجدة، واستخلف أخاه نرسي، فما شك الناس في أنه هرب من عدوه، فاتفق رأي جمهورهم على الانقياد إلى خاقان، وبذل الخراج له خوفاً على نفوسهم وبلادهم.
فبلغ ذلك خاقان فأمن ناحيتهم وسار بهرام من أذربيجان إلى خاقان في تلك العدة، فثبت للقتال وقتل خاقان بيده وقتل جنده وانهزم من سلم من القتل، وأمعن بهرام في طلبهم يقتل ويأسر ويغنم ويسبي، وعاد وجنده سالمين وظفر بتاج خاقان وإكليله وغلب على طرف من بلاده واستعمل عليها مرزباناً، وأتاه رسل الترك خاضعين مطيعين وجعلوا بينهم حداً لا يعدونه، وأرسل إلى ما وراء النهر قائداً من قواده فقتل وسبى وغنم، وعاد بهرام إلى العراق، وولى أخاه نرسي خراسان وأمره أن ينزل مدينة بلخ.
واتصل به أن بعض رؤساء الديلم جمع جمعاً كثيراً وأغار على الري وأعمالها فغنم وسبى وخرب البلاد وقد عجز أصحابه في الثغر عن دفعه، وقد قرروا عليهم إتاوة يدفعونها إليه، فعظم ذلك عليه وسير مرزباناً إلى الري في عسكر كثيف وأمره أن يضع على الديلمي من يطمعه في البلاد ويغريه بقصدها، ففعل ذلك، فجمع الديلمي جموعه وسار إلى الري، فأرسل المرزبان إلى بهرام جور يعلمه خبره، فكتب إليه يأمره بالمسير نحو الديلمي والمقام بموضع سماه له، ثم سار جريدة في نفر من خواصه فأدرك عسكره بذلك المكان والديلمي لا يعلم بوصوله، وهو قد قوي طمعه لذلك، فعبى بهرام أصحابه وسار نحو الديلم، فلقيهم وباشر القتال بنفسه، فأخذ رئيسهم أسيراً، وانهزم عسكره، فأمر بهرام بالنداء فيهم بالأمان لمن عاد إليه، فعاد الديلم جميعهم، فآمنهم ولم يقتل منهم أحداً وأحسن إليهم وعادوا إلى أحسن طاعة، وأبقى على رئيسهم وصار من خواصه.
وقيل: كانت هذه الحادثة قبل حرب الترك، والله أعلم.
ولما ظفر بالديلم أمر ببناء مدينة سماها فيروز بهرام، فبنيت له هي ورستاقها. واستوزر نرسي، فأعلمه أنه ماضٍ إلى الهند متخفياً، فسار إلى الهند وهو لا يعرفه أحد، غير أن الهند يرون شجاعته وقتله السباع. ثم إن فيلاً ظهر وقطع السبيل وقتل خلقاً كثيراً، فاستدل عليه، فسمع الملك خبره فأرسل معه من يأتيه بخبره. فانتهى بهرام والهندي معه إلا الأجمة، فصعد الهندي شجرة ومضى بهرام فاستخرج الفيل وخرج وله صوت شديد، فلما قرب منه رماه بسهم بين عينيه كاد يغيب، ووقذه بالنشاب وأخذ مشفره، ولم يزل يطعنه حتى أمكن من نفسه فاحتز رأسه وأخرجه.
وأعلم الهندي ملكهم بما رأى، فأكرمه وأحسن إليه وسأله عن حاله، فذكر أن ملك فارس سخط عليه فهرب إلى جواره، وكان لهذا الملك عدو فقصده، فاستسلم الملك وأراد أن يطيع ويبذل الخراج، فنهاه بهرام وأشار بمحاربته، فلما التقوا قال لأساورة الهندي: احفظوا لي ظهري، ثم حمل عليهم فجعل يضرب في أعراضهم ويرميهم بالنشاب حتى انهزموا، وغنم أصحاب بهرام ما كان في عسكر عدوه، فأعطى بهرام الدبيل ومكران وأنحكه ابنته، فأمر بتلك البلاد فضمت إلى مملكة الفرس.
وعاد بهرام مسروراً وأغزى نرسي بلاد الروم في أربعين ألفاً وأمره أن يطالب ملك الروم بالإتاوة، فسار إلى القسطنطينية، فهادنه ملك الروم، فانصرف بكل ما أراد إلى بهرام. وقيل: إنه لما فرغ من خاقان والروم سار بنفسه إلى بلاد اليمن ودخل بلاد(السودان فقتل مقاتلتهم وسبى لهم خلقاً كثيراً وعاد إلى مملكته.
ثم إنه في آخر ملكه خرج إلى الصيد فشد على عنز فأمعن في طلبه، فارتطم في جب فغرق، فبلغ والدته ذلك، فسارت إلى ذلك الموضع وأمرت بإخراجه، فنقلوا من الجب طيناً كثيراً حتى صار إكاماً عظاماً ولم يقدروا عليه.
وكان ملكه ثماني عشرة سنة وعشرة أشهر وعشرين يوماً، وقيل: ثلاثاً وعشرين سنة.

هكذا ذكر أبو جعفر في اسم بهرام جور أن أباه أسلمه إلى المنذر بن النعمان، كما تقدم، وذكر عند يزدجرد الأثيم أنه سلم ابنه بهرام إلى النعمان بن امرئ القيس، ولا شك أن بعض العلماء قال هذا وبعضهم قال ذلك، إلا أنه لم ينسب كل قول إلى قائله.
ذكر ملك ابنه يزدجرد بن بهرام جورلما لبس التاج جلس للناس ووعدهم وذكر أباه ومناقبه وأعلمهم أنهم إن فقدوا منه طول جلوسه لهم فإن خلوته في مصالحهم وكيد أعدائهم، وأنه قد استوزر نرسي صاحب أبيه. وعدل في رعيته وقمع أعداءه وأحسن إلى جنده، وكان له ابنان يقال لأحدهما هرمز وللآخر فيروز، وكان لهرمز سجستان، فغلب على الملك بعد هلاك أبيه يزدجرد، فهرب فيروز ولحق ببلاد الهياطلة واستنجد ملكهم، فأمده بعد أن دفع إليه الطالقان، فأقبل بهم فقتل أخاه بالري، وكانا من أم واحدة، وقيل لم يقتله وإنما أسره وأخذ الملك منه.
وكان الروم منعوا الخراج عن يزدجرد، فوجه إليهم نرسي في العدة التي أنفذه أبوه فيها فبلغ إرادته. وكان ملك يزدجرد ثماني عشرة سنة وأربعة أشهر، وقيل تسع عشرة سنة.
ذكر ملك فيروز بن يزدجرد بن بهرام بعد أن قتل أخاه هرمز وثلاثة من أهل بيته
ولما ظفر فيروز بأخيه وملك أظهر العدل وأحسن السيرة، وكان يتدين، إلا أنه كان محدوداً مشؤوماً على رعيته، وقحطت البلاد في زمانه سبع سنين متوالية، وغارت الأنهار والقنى، وقل ماء دجلة، ومحلت الأشجار، وهاجت عام الزروع في السهل والجبل من بلاده، وماتت الطيور والوحوش، وعم أهل البلاد الجوع والجهد الشديد، فكتب إلى جميع رعيته يعلمهم أنه لا خراج عليهم ولا جزية ولا مؤونة، وتقدم إليهم بأن كل من عنده طعام مذخور يواسي به الناس وأن يكون حال الغني والفقير واحداً، وأخبرهم أنه إن بلغه أن إنساناً مات جوعاً بمدينة أو قرية عاقبهم ونكل بهم، وساس الناس سياسةً لم يعطب أحد جوعاً ما خلا رجلاً واحداً من رستاق أردشير خره، وابتهل فيروز إلى الله بالدعاء فأزال ذلك القحط وعادت بلاده إلى ما كانت عليه.
فلما حيي الناس والبلاد وأثخن في أعدائه سار مريداً حرب الهياطلة، فلما سمع إخشنوار ملكهم خافه، فقال له بعض أصحابه: اقطع يدي ورجلي وألقني على الطريق وأحسن إلى عيالي لأحتال على فيروز. ففعل ذلك، واجتاز به فيروز فسأله عن حاله فقال له: إني قلت لإخشنوار لا طاقة لك بفيروز ففعل بي هذا، وإني أدلك على طريق لم يسلكها ملك وهي أقرب. فاغتر فيروز بذلك وتبعه، فسار به وبجنده حتى قطع بهم مفازة بعد مفازة حتى إذا علم أنهم لا يقدرون على الخلاص وأعلمهم حاله. فقال أصحاب فيروز لفيروز: حذرناك فلم تحذر، فليس إلا التقدم على كل حال، فتقدموا أمامهم فوصلوا إلى عدوهم وهم هلكى عطشى وقتل العطش منهم كثيراً. فلما أشرفوا على تلك الحال صالحوا إخشنوار على أن يخلي سبيلهم إلى بلادهم على أن يحلف له فيروز أنه لا يغزو بلاده، فاصطلحا، وكتب فيروز كتاباً بالصلح وعاد.
فلما استقر في مملكته حملته الأنفة على معاودة إخشنوار، فنهاه وزراؤه عن نقض العهد، فلم يقبل وسار نحوه، فلما تقاربا أمر إخشنوار فحفر خلف عسكره خندقاً عرضه عشرة أذرع وعمقه عشرون ذراعاً وغطاه بخشب ضعيف وتراب، ثم عاد وراءه، فلما سمع فيروز بذلك اعتقده هزيمة فتبعه ولا يعلم عسكر فيروز بالخندق فسقط هو وأصحابه فيه فهلكوا، وعاد إخشنوار إلى عسكر فيروز وأخذ كل ما فيه وأسر نساءه وموبذان موبذ ثم استخرج جثة فيروز وجثة كل من سقط معه فجعلها في النواويس.

وقيل: إن فيروز لما انتهى إلى الخندق الذي حفره إخشنوار ولم يكن مغطى عقد عليه قناطر وجعل عليها أعلاماً له ولأصحابه يقصدونها في عودهم وجاء إلى القوم. فلما التقى العسكران احتج عليه إخشنوار بالعهود التي بينهما وحذره عاقبة الغدر، فلم يرجع، فنهاه أصحابه فلم ينته، فضعفت نياتهم في القتال. فلما أبى إلا القتال رفع إخشنوار نسخة العهد على رمح وقال: اللهم خذ بما في هذا الكتاب وقلده بغيه. فقاتله فانهزم فيروز وعسكره فضلوا عن مواضع القناطر فسقطوا في الخندق، فهلك فيروز وأكثر عسكره، وغنم إخشنوار أموالهم ودوابهم وجميع ما معهم، وغلب إخشنوار على عامة خراسان. فسار إليهم رجل من أهل فارس يقال له سوخرا، وكان فيهم عظيماً، وخرج كالمحتسب، وقيل: بل كان فيروز استخلفه على ملكه لما سار، وكان له سجستان، فلقي صاحب الهياطلة فأخرجه من خراسان واستعاد منه كل ما أخذ من عسكر فيروز مما هو في عسكره من السبي وغيره وعاد إلى بلاده، فعظمته الفرس إلى غاية لم يكن فوقه إلا الملك، وكانت مملكة الهياطلة طخارستان، فكان فيروز قد أعطى ملكهم لما ساعده على حرب أخيه الطالقان.
وكان ملك فيروز ستاً وعشرين سنة، وقيل: إحدى وعشرين سنة.
ذكر الأحداث في العرب أيام يزدجرد وفيروزكان يخدم ملوك حمير أبناء الأشراف من حمير وغيرهم، وكان ممن يخدم حسان بن تبع عمرو بن حجر الكندي سيد كندة، فلما قتل عمرة ابن تبع أخاه حسان بن تبع اصطنع عمرة بن حجر وزوجه ابنة أخيه حسان، ولم يطمع في التزوج إلى ذلك البيت أحد من العرب، فولدت الحارث بن عمرو. وملك بعد عمرة بن تبع عبد كلال بن مثوب، وإنما مملكوه لأن أولاد عمرو كانوا صغاراً، وكان الجن قبل ذلك قد استهامت تبع بن حسان، وكان عبد كلال على دين النصرانية الأولى ويكتم ذلك. ورجع تبع بن حسان من استهامته وهو أعلم الناس بما كان قبله، فملك اليمن، وهابته حمير، فبعث ابن أخته الحارث بن عمرو بن حجر في جيش إلى الحيرة، فسار إلى النعمان بن امرئ القيس، وهو ابن الشقيقة، فقاتله فقتل النعمان وعدةً من أهل بيته، وأفلت المنذر بن النعمان الأكبر وأمه ماء السماء امرأة من النمر ابن قاسط، فذهب ملك آل النعمان وملك الحارث بن عمرو الكندي ما كانوا يملكون؛ قاله بعضهم.
وقال ابن الكلبي: ملك بعد النعمان المنذر بن النعمان بن المنذر بن النعمان أربعاً وأربعين سنة، من ذلك في زمن بهرام جور ثماني سنين، وفي زمن يزدجرد ابن بهرام ثماني عشرة سنة، وفي زمن فيروز بن يزدجرد سبع عشرة سنة، ثم ملك بعده الأسود بن المنذر عشرين سنة، منها في زمن فيروز بن يزدجرد عشر سنين، وفي زمن بلاش بن فيروز أربع سنين، وفي زمن قباذ بن فيروز ست سنين.
وهكذا ذكر أبو جعفر ها هنا أن الحارث بن عمرو قتل النعمان بن امرئ القيس وأخذ بلاده وانقرض ملك أهل بيته، وذكر فيما تقدم أن المنذر بن النعمان أو النعمان، على الاختلاف المذكور، هو الذي جمع العساكر وملك بهرام جور على الفرس، ثم ساق فيما بعد ملوك الحيرة من أولاد النعمان هذا إلى آخرهم ولم يقطع ملكهم بالحارث بن عمرو، وسبب هذا أن أخبار العرب لم تكن مضبوطة على الحقيقة، فقال كل واحد ما نقل إليه من غير تحقيق.
وقيل غير ذلك، وسنذكره في مقتل حجر بن عمرو والد امرئ القيس في أيام العرب إن شاء الله.
والصحيح أن ملوك كندة عمرو والحارث كانوا بنجد على العرب، وأما اللخميون ملوك الحيرة المناذرة فلم يزالوا عليها إلى أن ملك قباذ الفرس وأزالهم واستعمل الحارث بن عمرو الكندي على الحيرة. ثم أعاد أنوشروان الحيرة إلى اللخميين، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر ملك بلاش بن فيروز بن يزدجردثم ملك بعد فيروز ابنه بلاش وجرى بينه وبين أخيه قباذ منازعة استظهر فيها قباذ وملك، فلما ملك بلاش أكرم سوخرا وأحسن إليه لما كان منه، ولم يزل حسن السيرة حريصاً على العمارة، وكان لا يبلغه أن بيتاً خرب وجلا أهله إلا عاقب صاحب تلك القرية على تركه سد فاقتهم حتى لا يضطروا إلى مفارقة أوطانهم، وبنى مدينة ساباط بقرب المدائن، وكان ملكه أربع سنين.
ذكر ملك قباذ بن فيروز بن يزدجرد !

وكان قباذ قبل أن يصير الملك إليه قد سار إلى خاقان مستنصراً به على أخيه بلاش، فمر في طريقه بحدود نيسابور ومعه جماعة من أصحابه متنكرين وفيهم زرمهر بن سوخرا، فتاقت نفسه إلى النكاح، فشكا ذلك إلى زرمهر وطلب منه امرأة، فسار إلى امرأة صاحب المنزل، وكان من الأساورة، وكان لها بنت حسناء، فخطبها منها وأطمعها وزوجها، فزوجا فدخل بها من ليلته، فحملت بأنوشروان، وأمر لها بجائزةٍ سنية وردها، وسألتها أمها عن قباذ وحاله. فذكرت أنها لا تعرف من حاله شيئاً غير أن سراويله منسوجة بالذهب، فعلمت أنه من أبناء الملوك. ومضى قباذ إلى خاقان واستنصره على أخيه، فأقام عنده أربع سنين وهو يعده، ثم أرسل معه جيشاً. فلما صار بالقرب من الناحية التي بها زوجته سأل عنها فأحضرت ومعها أنوشروان وأعلمته أنه ابنه. وورد الخبر إليه بذلك المكان أن أخاه بلاش قد هلك، فتيمن بالمولود وحمله وأمه على مراكب نساء الملوك واستوثق له الملك وخص سوخرا وشكر لولده خدمته. وتولى سوخرا الأمر، فمال الناس إليه وتهاونوا بقباذ، فلم يحتمل ذلك. فكتب إلى سابور الرازي، وهو أصبهبذ ديار الجبل، ويقال للبيت الذي هو منه مهران، فاستقدمه ومعه جنده، فتقدم إليه فأعلمه عزمه على قتل سوخرا وأمره بكتمان ذلك، فأتاه يوماً سابور وسوخرا عند قباذ فألقى في عنقه وهقاً وأخذه وحبسه ثم خنقه قباذ وأرسله إلى أهله وقدم عوضه سابور الرازي.
وفي أيامه ظهر مزدك وابتدع ووافق زرادشت في بعض ما جاء به وزاد ونقص، وزعم أنه يدعو إلى شريعة إبراهيم الخليل حسب ما دعا إليه زرادشت، واستحل المحارم والمنكرات، وسوى بين الناس في الأموال والأملاك والنساء والعبيد والإماء حتى لا يكون لأحد على أحد فضل في شيء البتة، فكثر أتباعه من السفلة والأغتام فصاروا عشرات ألوف، فكان مزدك يأخذ امرأة هذا فيسلمها إلى الآخر، وكذا في الأموال والعبيد والإماء وغيرها من الضياع والعقار، فاستولى وعظم شأنه وتبعه الملك قباذ. فقال يوماً لقباذ: اليوم نوبتي من امرأتك أم أنوشروان. فأجابه إلى ذلك، فقام أنوشروان إليه ونزع خفيه بيده وقبل رجليه وشفع إليه حتى لا يتعرض لأمه وله حكمه في سائر ملكه، فتركها.
وحرم ذباحة الحيوان وقال: يكفي في طعام الإنسان ما تنبته الأرض وما يتولد من الحيوان كالبيض واللبن والسمن والجبن، فعظمت البلية به على الناس فصار الرجل لا يعرف ولده والولد لا يعرف أباه.
فلما مضى عشر سنين من ملك قباذ اجتمع موبذان موبذ والعظماء وخلعوه وملكوا عليهم أخاه جامسب وقالوا له: إنك قد أثمت باتباعك مزدك وبما عمل أصحابه بالناس وليس ينجيك إلا إباحة نفسك ونسائك، وأرادوه على أن يسلم نفسه إليهم ليذبحوه ويقربوه إلى النار، فامتنع من ذلك، فحبسوه وتركوه لا يصل إليه أحد. فخرج زرمهر بن سوخرا فقتل من المزدكية خلقاً، وأعاد قباذ إلى ملكه وأزال أخاه جامسب. ثم إن قباذ قتل بعد ذلك زرمهر.
وقيل: لما حبس قباذ وتولى أخوه دخلت أختٌ لقباذ عليه كأنها تزوره ثم لفته في بساط وحمله غلام، فلما خرج من السجن سأله السجان عما معه، فقالت: هو مرحل كنت أحيض فيه، فلم يمس البساط، فمضى الغلام بقباذ، وهرب قباذ فلحق بملك الهياطلة يستجيشه. فلما صار بإيران شهر، وهي نيسابور، نزل برجل من أهلها له ابنة بكر حسنة جميلة فنحكها، وهي أم كسرى أنوشروان، فكان نكاحه إياها في هذه السفرة لا في تلك، في قول بعضهم، وعاد ومعه أنوشروان، فغلب أخاه جامسب على الملك؛ وكان ملك جامسب ست سنين. وغزا قباذ بعد ذلك الروم ففتح مدينة آمد وبنى مدينة أرجان ومدينة حلوان ومات، فملك ابنه كسرى أنوشروان بعده، فكان ملك قباذ مع سني أخيه جامسب ثلاثاً وأربعين سنة، فتولى أنوشروان ما كان أبوه أمر له به.
وفي أيامه خربت الخزر فأغاربت على بلاده فبلغت الدينور، فوجه قباذ قائداً من عظماء قواده في اثني عشر ألفاً، فوطئ بلاد أران وفتح ما بين النهر المعروف بالرس إلى شروان، ثم إن قباذ لحق به فبنى بأران مدينة البيلقان ومدينة برذعة، وهي مدينة الثغر كله، وغيرهما، وبقي الخزر، ثم بنى سداً للآن فيما بين أرض شروان وباب اللان، وبنى على السد مدناً كثيرة خربت بعد بناء الباب والأبواب.
ذكر حوادث العرب أيام قباذ

لما ملك الحارث بن عمرو بن حجر الكندي العرب وقتل النعمان بن المنذر ابن امرئ القيس، كما ذكرناه، بعث إليه قباذ: إنه قد كان بيننا وبين الملك الذي كان قبلك عهد، وأحب لقاءك. وكان قباذ زنديقاً يظهر الخير ويكره الدماء ويداري أعداءه. فخرج إليه الحارث والتقيا واصطلحا على أن لا يجوز الفرات أحدٌ من العرب، فطمع الحارث الكندي فأمر أصحابه أن يقطعوا الفرات ويغيروا على السواد، فسمع قباذ فعلم أنه من تحت يد الحارث، فاستدعاه، فحضر، فقال له: إن لصوصاً من العرب صنعت كذا وكذا، فقال: ما علمت ولا أستطيع ضبط العرب إلا بالمال والجنود. وطلب منه شيئاً من السواد، فأعطاه ستة طساسيج، وأرسل الحارث بن عمرو إلى تبع، وهو باليمن، يطمعه في بلاد العجم، فسار تبع حتى نزل الحيرة، وأرسل ابن أخيه شمراً ذا الجناح إلى قباذ، فحاربه فهزمه شمرٌ حتى لحق بالري، ثم أدركه بها فقتله، ثم وجه تبع شمراً إلى خراسان، ووجه ابنه حسان إلى السغد، وقال: أيكما سبق إلى الصين فهو عليه، وكان كل واحد منهما في جيش عظيم، يقال: كانا في ستمائة ألف وأربعين ألفاً؛ وأرسل ابن أخيه يعفر إلى الروم، فنزل على القسطنطينية، فأعطوه الطاعة والإتاوة، ومضى إلى رومية فحاصرها فأصاب من معه طاعون، فوثب الروم عليهم فقتلوهم ولم يفلت منهم أحد.
وسار شمر ذو الجناح إلى سمرقند فحاصرها، فلم يظفر بها، وسمع أن ملكها أحمق وأن له ابنةً، وهي التي تقضي الأمور، فأرسل إليها هديةً عظيمةً، وقال لها: إنني إنما قدمت لأتزوج بك ومعي أربعة آلاف تابوت مملوءة ذهباً وفضة أنا أدفعها إليك وأمضي إلى الصين، فإن ملكت كنت امرأتي وإن هلكت كان المال لك.
فلما بلغتها الرسالة قالت: قد أجبته فليبعث المال؛ فأرسل أربعة آلاف تابوت في كل تابوت رجلان. ولسمرقند أربعة أبواب، ولكل باب ألفا رجل، وجعل العلامة بينهم أن يضرب بالجرس. فلما دخلوا البلد صاح شمر في الناس وضرب بالجرس، فخرجوا وملكوا الأبواب ودخل المدينة فقتل أهلها وحوى ما فيها وسار إلى الصين فهزم الترك ودخل بلادهم ولقي حسان بن تبع قد سبقه إليها بثلاث سنين، فأقاما بها حتى ماتا؛ وكان مقامهما فيما قيل إحدى وعشرين سنة، وقيل: عادا في طرقهما حتى قدما على تبع بالغنائم والسبي والجواهر، ثم انصرفوا جميعاً إلى بلادهم، ومات تبع باليمن فلم يخرج أحد من اليمن غازياً بعده.
وكان ملكه مائة وإحدى وعشرين سنة؛ وقيل تهودٌ.
قال ابن إسحاق: كان تبع الآخر وهو تبان أسعد أبو كرب حين أقبل من المشرق بعد أن ملك البلاد جعل طريقه على المدينة، وكان حين مر بها في بدايته لم يهج أهلها وخلف عندهم ابناً له فقتل غيلةً فقدمها عازماً على تخريبها واستئصال أهلها، فجمع له الأنصار حين سمعوا ذلك ورئيسهم عمرو ابن الطلة أحد بني عمرو بن مبذول من بني النجار وخرجوا لقتاله، وكانوا يقاتلونه نهاراً ويقرونه ليلاً. فبينما هو على ذلك إذ جاءه حبران من بني قريظة عالمان، فقالا له: قد سمعنا ما تريد أن تفعل، وإنك إن أبيت إلا ذلك حيل بينك وبينه ولم نأمن عليك عاجل العقوبة. فقال: ولم ذلك ؟ فقالا: إنها مهاجر نبي من قريش تكون داره. فانتهى عما كان يريد وأعجبه ما سمع منهما فاتبعهما على دينهما، واسمهما كعب وأسد، وكان تبع وقومه أصحاب أوثان. وسار من المدينة إلى مكة، وهي طريقه، فكسا الكعبة الوصائل والملاء، وكان أول من كساها، وجعل لها باباً ومفتاحاً، وخرج متوجهاً إلى اليمن فدعا قومه إلى اليهودية فأبوا عليه حتى حاكموه إلى النار، وكانت لهم نار تحكم بينهم فيما يزعمون تأكل الظالم ولا تضر المظلوم. فقال لقومه: أنصفتم. فخرج قومه بأوثانهم وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما حتى قعدوا عند مخرج النار، فخرجت النار فغشيتهم وأكلت الأوثان وما قربوا معها ومن حمل ذلك من رجال حمير، وخرج الحبران تعرق جباههما لم تضرهما، فأصفقت حمير على ديته.

وكان قدم على تبع قبل ذلك شافع بن كليب الصدفي، وكان كاهناً، فقال له تبع: هل تجد لقومٍ ملكاً يوازي ملكي ؟ قال: لا إلا لملك غسان. قال: فهل تجد ملكاً يزيد عليه ؟ قال: أجد لبار مبرور، أيد بالقهور، ووصف في الزبور، وفضلت أمته في السفور، يفرج الظلم بالنور، أحمد النبي، طوبى لأمته حين يجي، أحد بني لؤي، ثم أحد بني قصي ! فنظر تبع في الزبور فإذا هو يجد صفة النبي، صلى الله عليه وسلم.
ثم ملك بعد تبع هذا، وهو تبان أسعد أبو كرب بن ملكيكرب، ربيعة بن نصر اللخمي، فلما هلك ربيعة رجع الملك باليمن إلى حسان بن تبان أسعد.
فلما ملك ربيعة رأى رؤيا هالته فلم يدع كاهناً ولا ساحراً ولا عائفاً إلا أحضره وقال لهم: رأيت رؤيا هالتني فأخبروني بتأويلها. فقالوا: اقصصها علينا. فقال: إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم بتأويلها، فلما قال ذلك قال له رجلٌ منهم: إن كان الملك يريد ذلك فليبعث إلى سطيح وشق فهما يخبرانك عما سألت. واسم سطيح ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن غسان، وكان يقال له الذئبي نسبةً إلى ذئب بن عدي، وشق بن مصعب بن يشكر بن أنمار.
فبعث إليهما، فقدم عليه سطيح قبل شق، فلما قدم عليه سطيح سأله عن رؤياه وتأويلها. فقال: رأيت جمجمة، خرجت من ظلمة، فوقعت بأرض بهمة، فأكلت منها كل ذات جمجمة ؟ قال له الملك: ما أخطأت منها شيئاً، فما عندك في تأويلها ؟ فقال: أحلف بما بين الحرتين من حنش ليهبطن أرضكم الحبش فليملكن ما بين أبين إلى جرش. قال الملك: وأبيك يا سطيح إن هذا لغائظ موجع، فمتى يكون أفي زماني أم بعده ؟ قال: بل بعده بحين ستين سنة أو سبعين يمضين من السنين. قال: هل يدوم ذلك من ملكهم أو ينقطع ؟ قال: بل ينقطع لبضع وسبعين يمضين من السنين، ثم يقتلون بها أجمعون ويخرجون منها هاربين. قال الملك: ومن الذي يلي ذلك ؟ قال: يليه إرم ذي يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك أحداً منهم باليمن. قال: فيدوم ذلك من سلطانهن أو ينقطع ؟ قال: بل ينقطع، يقطعه نبي زكي، يأتيه الوحي من العلي، وهو رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر. قال: وهل للدهر من آخر ؟ قال: نعم، يوم يجمع فيه الأولون والآخرون، ويسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون. قال: أحق ما تخبرنا يا سطيح ؟ قال: نعم والشفق، والغسق، والفلق إذا اتسق، إن ما أنبأتك به لحق.
ثم قدم عليه شق فقال: يا شق إني رأيت رؤيا هالتني فأخبرني عنها وعن تأويلها ! وكتمه ما قال سطيح لينظر هل يتفقان أم يختلفان. قال: نعم، رأيت جمجمة، خرجت من ظلمة، فوقعت بين روضة وأكمة، فأكلت منها كل ذات نسمة.
فلما سمع الملك ذلك قال: ما أخطأت شيئاً، فما تأويلها ؟ قال: أحلف بما بين الحرتين من إنسان، لينزلن أرضكم السودان، وليملكن ما بين أبين إلى نجران. قال الملك: وأبيك يا شق ! إن هذا لغائظ، فمتى هو كائن ؟ قال: بعدك بزمان، ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شان، ويذيقهم أشد الهوان، وهو غلام ليس بدنيً ولا مزن، يخرج من بيت ذي يزن. فلا يترك أحداً منهم باليمن قال: فهل يدوم سلطانه أم ينقطع ؟ قال: بل ينقطع برسول مرسل، يأتي بالحق والعدل، بين أهل الدين والفضل، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل. قال: وما يوم الفصل ؟ قال: يوم تجزى فيه الولاة، ويدعى من السماء بدعوات، ويسمع منها الأحياء والأموات، ويجتمع فيه الناس للميقات.
فلما فرغ من مسألتهما جهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم، فمن بقية ربيعة بن نصر كان النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وهو النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر ذلك الملك.
فلما هلك ربيعة بن نصر واجتمع ملك اليمن إلى حسان بن تبان بن أبي كرب بن ملكيكرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار، كان مما هيج أمر الحبشة وتحول الملك عن حمير أن حسان سار بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم أرض العرب والعجم، كما كانت التبابعة تفعل. فلما كان بالعراق كرهت قبائل العرب من اليمن المسير معه فكلموا أخاه عمراً في قتل حسان وتمليكه، فأجابهم إلى ذلك إلا ما كان من ذي رعين الحميري، فإنه نهاه عن ذلك، فلم يقبل منه، فعمد ذو رعين إلى صحيفة فكتب فيها.
ألا من يشتري سهراً بنومٍ ؟ ... سعيدٌ من يبيت قرير عينٍ

فإمّا حميرٌ غدرت وخانت ... فمعذرة الإله لذي رعين
ثم ختمها وأتى بها عمراً فقال: ضع هذه عندك، ففعل. فلما بلغ حسان ما أجمع عليه أخوه وقبائل اليمن قال لعمرو:
يا عمرو لا تعجل عليّ منيتي ... فالملك تأخذه بغير حشود
فأبى إلا قتله، فقتله بموضع رحبة مالك، فكانت تسمى فرضة نعم فيما قيل، ثم عاد إلى اليمن فمنع النوم منه، فسأل الأطباء وغيرهم عما به وشكا إليهم السهر، فقال له قائل منهم: ما قتل أحدٌ أخاه أو ذا رحم بغياً إلا منع منه النوم. فلما سمع ذلك قتل كل من أشار عليه بقتل أخيه حتى خلص إلى ذي رعين، فلما أراد قتله قال: إن لي عندك براءة. قال: وما هي ؟ قال: أخرج الكتاب الذي استودعتك. فأخرجه فإذا فيه البيتان، فكف عن قتله، ولم يلبث عمرو أن هلك، فتفرقت حمير عند ذلك.
قلت: هذا الذي ذكره أبو جعفر من قتل قباذ بالري وملك تبع البلاد من بعد قتله من النقل القبيح والغلط الفاحش، وفساده أشهر من أن يذكر، فلولا أننا شرطنا أن لا نترك ترجمة من تاريخه إلا ونأتي بمعناها من غير إخلال بشيء لكان الإعراض عنه أولى. ووجه الغلط فيه أنه ذكر أن قباذ قتل بالري، ولا خلاف بين أهل النقل من الفرس وغيرهم أن قباذ مات حتف أنفه في زمان معلوم، وكان ملكه مدة معلومة، كما ذكرناه قبل، ولم ينقل أحد أنه قتل إلا في هذه الرواية. ولما مات ملك ابنه كسرى أنوشروان بعده، وهذا أشهر من: قفا نبك، ولو كان ملك الفرس انتقل بعد قباذ إلى حمير، كيف كان ملك ابنه بعده وتمكن في الملك حتى أطاعه ملوك الأمم وحملت الروم إليه الخراج ! ثم ذكر أيضاً أن تبعاً وجه ابنه حسان إلى الصين وشمراً إلى سمرقند وابن أخيه إلى الروم وأنه ملك القسطنطينية وسار إلى رومية فحاصرها، فيا ليت شعري ! ما هو اليمن وحضرموت حتى يكون بهما من الجنود ما يكون بعضهم في بلادهم لحفظها، وجيش مع تبع، وجيش مع حسان يسر بهم إلى مثل الصين في كثرة عساكره ومقاتلته، وجيش مع ابن أخيه تبع يلقى به مثل كسرى ويهزمه ويملك بلاده ويحاصر به مثل سمرقند في كبرها وعظمها وكثرة أهلها، وجيش مع يعفر يسير بهم إلى ملك الروم ويملك القسطنطينية ! والمسلمون مع كثرة ممالكهم واتساعها وكثرة عددهم قد اجتهدوا ليأخذوا القسطنطينية أو ما يجاورها واليمن من أقل بلادهم عدداً وجنوداً فلم يقدروا على ذلك، فكيف يقدر عليه بعض عساكر اليمن مع تبع ؟ هذا مما تأباه العقول، وتمجه الأسماع.
ثم إنه قال: إن ملك تبع بلاد الفرس والروم والصين وغيرها كان بعد قتل قباذ، يعني أيام ابنه أنوشروان، ولا خلاف أن مولد النبي، صلى الله عليه وسلم، كان في زمن أنوشروان، وكان ملكه سبعاً وأربعين سنة، ولا خلاف أيضاً أن الحبشة لما ملكت اليمن انقرض ملك حمير منه، وكان آخر ملوكهم ذا نواس. وكان ملك حمير قد اختل قبل ذي نواس، وانقطع نظامهم حتى طمعت الحبشة فيه وملكته، وكان ملكهم اليمن أيام قباذ، وكيف يمكن أن يكون ملك الحبشة الذي هو مقطوع به أيام قباذ ويكون تبع هو الذي ملك اليمن قد قتل قباذ وملك بلاده قبل أن تملك الحبشة اليمن ؟ هذا مردود محال وقوعه، وكان ملك الحبشة اليمن سبعين سنة، وقيل أكثر من ذلك، وكان انقراض ملكهم في آخر ملك أنوشروان، والخبر في ذلك مشهور، وحديث سيف ذي يزن في ذلك ظاهر، ولم يزل اليمن بعد الحبشة في يد الفرس إلى أن ملكه المسلمون، فكيف يستقيم أن ينقضي ملك تبع الذي هو ملك بلاد فارس ومن بعده من ملوك حمير وملك الحبشة وهو سبعون سنة في ملك أنوشروان وكان ملكه نيفاً وأربعين سنة ؟ وهذا أعجب أن مدة بعضها سبعون سنة تنقضي قبل مضي نيف وأربعين سنة، ولو فكر أبو جعفر في ذلك لاستحيا من نقله.
وأعجب من هذا أنه قال: ثم ملك بعد تبع هذا ربيعة بن نصر اللخمي، وهذا ربيعة هو جد عمرو بن عدي ابن أخت جذيمة، وكان ملك عمرو والحيرة بعد خاله جذيمة أيام ملوك الطوائف قبل ملك أردشير بن بابك بخمس وتسعين سنة، وبين أردشير وقباذ ما يقارب عشرين ملكاً، وكيف يكون جد عمرو وقد ملك بعد قباذ وهو قبله بهذا الدهر الطويل ؟ ولو لم يترجم أبو جعفر على هذه الحادثة بقوله: ذكر الحوادث أيام قباذ، لكان يحتمل تأويلاً فيه، ثم ما قنع بذلك حتى قال، بعد أن قص مسير تبع: وقتل قباذ وملك البلاد.

وأما ابن إسحاق فإنه قال: إن الذي سار إلى المشرق من التبابعة هو تبع الأخير، ويعني بقوله تبع الأخير أنه آخر من سار إلى المشرق وملك البلاد، فإن ابن إسحاق وغيره يقولون إن الذي ملك البلاد المشرقية لما توفي ملك بعده عدة تبابعة ثم اختل أمرهم زماناً طويلاً حتى طمعت الحبشة فيهم وخرجت إلى اليمن. فليت شعري إذا كان هذا تبع في أيام قباذ فلا شك أن تبعاً الأخير الذي أخذ منه اليمن يكون في زمن بني أمية ويكون ملك الحبشة اليمن بعد مدة من ملك بني العباس، ويكون أول الإسلام من ثلاثمائة سنة من ملكهم أيضاً مما بعدها حتى يستقيم هذا القول.
ثم إنه قال: إن عمر بن طلحة الأنصاري خرج إلى تبع، وعمر هذا قيل إنه أدرك النبي، صلى الله عليه وسلم، شيخاً كبيراً ومات عند مرجعه من غزوة بدر. ومن الدليل على بطلانه أيضاً أن المسلمين لما قصدوا بلاد الفرس ما زالت الفرس تقول لهم عند مراسلاتهم ومحاوراتهم في حروبهم: كنتم أقل الأمم وأذلها وأحقرها والعرب تقر لهم بذلك، فلو كان ملك تبع قريب العهد لقالت العرب: إننا بالأمس قتلنا ملككم وملكنا بلادكم واستبحنا حريمكم وأموالكم، فسكوت العرب عن ذلك وإقرارها للفرس دليل على بعد عهده أو عدمه، على أن الفرس لا تقر بذلك لا في قديم الزمان ولا في حديثه، فإنهم يزعمون أن ملكهم لم ينقطع من عهد جيومرث، الذي هو آدم في قول بعضهم، إلى أن جاء الإسلام، إلا أيام ملوك الطوائف، وكان لملوك الفرس طرف من البلاد في ذلك الزمان لم ينقطع انقطاعاً كلياً، على أن أصحاب السير قد اختلفوا في تبع الذي سار وملك البلاد اختلافاً كثيراً، شمر بن غش، وقيل: تبع أسعد، وإنه بعث إلى سمرقند شمراً ذا الجناح، إلى غير ذلك من الاختلافات التي لا طائل فيها. وهذا القدر كافٍ في كشف الخطأ فيه.
ذكر ملك لختيعةفلما هلك عمرو وتفرقت حمير وثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت المملكة يقال له لختيعة تنوف ذو شناتر فملكهم، في قول ابن إسحاق، فقتل خيارهم وعبث ببيوت أهل المملكة منهم، وكان امرأ فاسقاً يزعمون أنه كان يعمل عمل قوط لوط، فكان إذا سمع بغلام من أبناء الملوك أنه قد بلغ أرسل إليه فوقع عليه في مشربة لئلا يملك بعد ذلك، ثم يطلع إلى حرسه وجنده قد أخذ سواكاً في فيه يعلمهم أنه قد فرغ منه، ثم يخلي سبيله فيفضحه.
ذكر ملك ذي نواس وقصة أصحاب الأخدودكان من أبناء الملوك زرعة ذو نواس بن تبان أسعد بن كرب، وكان صغيراً حين أصيب أخوه حسان، فشب غلاماً جميلاً ذا هيئة، فبعث إليه لختيعة ليفعل به ما كان يفعل بغيره، فأخذ سكيناً لطيفاً فجعله بين نعله وقدمه، ثم انطلق إليه مع رسوله، فلما خلا به في المشربة قتله ذو نواس بالسكين ثم احتز رأسه فجعله في كوة مشربته التي يطلع منها، ثم أخذ سواكه فجعله في فيه، ثم خرج، فقالوا: ذو نواس أرطب أم يباس؟ فقال: سل يحماس، استرطبان ذو نواس لا بأس.
فذهبوا ينظرون حين قال لهم ما قال، فإذا رأس لختيعة مقطوع، فخرجت حمير والحرس في أثر ذي نواس حتى أدركوه فملكوه حيث أراحهم من لختيعة، واجتمعوا عليه، وكان يهودياً، وبنجران بقايا من أهل دين عيسى ابن مريم على استقامة لهم رئيس يقال له عبد الله بن الثامر، وكان أصل النصرانية بنجران.



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohammed.mansy@yahoo.com
محمد منسى
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 19288
العمر : 39
الموقع : منتديات ابو ريوف
تاريخ التسجيل : 26/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الأحد 25 نوفمبر 2018 - 18:59


لما ولد يزدجرد بهرام جور اختار لحضانته العرب، فدعا بالمنذر بن النعمان واستحضنه بهرام وشرفه وكرمه وملكه على العرب، فسار به المنذر واختار لرضاعه ثلاث نسوة ذوات أجسام صحيحة وأذهان ذكية وآداب حسنة من بنات الأشراف، منهن عربيتان وعجمية، فأرضعنه ثلاث سنين. فلما بلغ خمس سنين أحضر له مؤدبين فعلموه الكتابة والرمي والفقه بطلب من بهرام بذلك، وأحضر حكيماً من حماء الفرس بتعلم ووعى كل ما علمه بأدنى تعليم. فلما بلغ اثنتي عشرة سنة تعلم كل ما أفيد وفاق معلميه، فأمرهم المنذر بالانصراف، وأحضر معلمي الفروسية فأخذ عنهم كل ما ينبغي له، ثم صرفهم. ثم أمر فأحضرت خيل العرب للسباق فسبقها فرس أشقر للمنذر، وأقبل باقي الخيل بداد بداد فقرب المنذر الفرس بيده إليه، فقبله وركبه يوماً للصيد، فبصر بعانة حمرٍ وحش، فرمى عليها وقصدها وإذا هو بأسد قد أخذ عيراً منها فتناول ظهره بفيه، فرماه بهرام بسهم فنفذ في الأسد والعير، ووصل إلى الأرض فساخ السهم إلى ثلثه، فرآه من معه فعجبوا منه، ثم أقبل على الصيد واللهو والتلذذ.
فمات أبوه وهو عند المنذر، فتعاهد العظماء وأهل الشرف على أن لا يملكوا أحداً من ذرية يزدجرد لسوء سيرته، فاجتمعت الكلمة على صرف الملك عن بهرام لنشوئه في العرب وتخلقه بأخلاقهم ولأنه من ولد يزدجرد، وملكوا رجلاً من عقب أردشير بن بابك يقال له كسرى. فانتهى هلاك يزدجرد وتمليك كسرى إلى بهرام، فدعا بالمنذر وابنه النعمان وناس من أشراف العرب وعرفهم إحسان والده إليهم وشدته على الفرس، وأخبرهم الخبر. فقال المنذر: لا يهولنك ذلك حتى ألطف الحيلة فيه، وجهز عشرة آلاف فارس ووجههم مع ابنه النعمان إلى طيسفون وبهرسير مدينتي الملك، وأمره أن يعسكر قرباً منهما ويرسل طلائعه إليهما وأن يقاتل من قاتله ويغير على البلاد، ففعل ذلك، وأرسل عظماء فارس حوابى صاحب رسائل يزدجرد إلى المنذر يعلمه أمر النعمان، فلما ورد حوابى قال له: الق الملك بهرام. فدخل عليه، فراعه ما رأى منه، فأغفل السجود دهشا، فعرف بهرام ذلك فكلمه ووعده أحسن الوعد ورده إلى المنذر وقال له: أجبه. فقال له: إ إن الملك بهرام أرسل النعمان إلى ناحيتكم حيث ملكه الله بعد أبيه. فلما سمع حوابى مقالة المنذر وتذكر ما رأى من بهرام علم أن جميع من تشاور في صرف الملك عن بهرام محجوج، فقال للمنذر: سر إلى مدينة الملوك فيجتمع إليك الأشراف والعظماء، وتشاوروا في ذلك فلن يخالفوا ما تشير به.
وسار المنذر بعد عود حوابي من عنده بيوم في ثلاثين ألفاً من فرسان العرب إلى مدينتي الملك بهرام، فجمع الناس، وصعد بهرام على منبر من ذهب مكلل بالجوهر وتكلم عظماء الفرس فذكروا فظاظة يزدجرد أبي بهرام وسوء سيرته وكثرة قتله وإخراب البلاد وأنهم لهذا السبب صرفوا الملك عن ولده.
فقال بهرام: لست أكذبكم وما زلت زارياً عليه ذلك ولم أزل أسأل الله أن يملكني لأصلح ما أفسد ومع هذا فإذا أتى على ملكي سنة ولم اف بما أعد تبرأت من الملك طائعاً وأنا راضٍ بأن تجعلوا التاج وزينة الملك بين أسدين ضاريين فمن تناولهما كان الملك له. فأجابوه إلى ذلك ووضعوا التاج والزينة بين أسدين، وحضر موبذان موبذ، فقال بهرام لكسرى: دونك التاج والزينة. فقال كسرى: أنت أولى لأنك تطلب الملك بوراثة وأنا فيه مغتصب. فحمل بهرام جرزاً وتوجه نحو التاج، فبدر إليه أحد الأسدين فوثب بهرام فعلاً ظهره وعصر جنبي الأسد بفخذيه وجعل يضرب رأسه بالجزر الذي معه، ثم وثب الأسد الآخر عليه، فقبض أذنيه بيده ولم يزل يضرب رأسه برأس الأسد الآخر الذي تحته حتى دمغهما ثم قتلهما بالجزر الذي معه وتناول بعد ذلك التاج والزينة. فكان أول من أطاعه كسرى، وقال جميع من حضر: قد أذعنا لك ورضينا بك ملكاً، وإن العظماء والوزراء والأشراف سألوا المنذر ليكلم بهرام في العفو عنهم. فسأل المنذر الملك بهرام ذلك فأجابه.

وملك بهرام وهو ابن عشرين سنة وأمر أن يلزم رعيته راحة ودعة، وجلس للناس يعدهم بالخير ويأمرهم بتقوى الله، ولم يزل مدة ملكه يؤثر اللهو على ما سواه حتى طمع فيه من حوله من الملوك في بلاده، وكان أول من سبق إلى قصده خاقان ملك الترك، فإنه غزاه في مائتي ألف وخمسين ألفاً من الترك، فعظم ذلك على الفرس، ودخل العظماء على بهرام وحذروه، فتمادى في لهوه ثم تجز وسار إلى أذربيجان ليتنسك في بيت نارها، ويتصيد بأمنيته في سبعة رهط من العظماء وثلاثمائة من ذوي البأس والنجدة، واستخلف أخاه نرسي، فما شك الناس في أنه هرب من عدوه، فاتفق رأي جمهورهم على الانقياد إلى خاقان، وبذل الخراج له خوفاً على نفوسهم وبلادهم.
فبلغ ذلك خاقان فأمن ناحيتهم وسار بهرام من أذربيجان إلى خاقان في تلك العدة، فثبت للقتال وقتل خاقان بيده وقتل جنده وانهزم من سلم من القتل، وأمعن بهرام في طلبهم يقتل ويأسر ويغنم ويسبي، وعاد وجنده سالمين وظفر بتاج خاقان وإكليله وغلب على طرف من بلاده واستعمل عليها مرزباناً، وأتاه رسل الترك خاضعين مطيعين وجعلوا بينهم حداً لا يعدونه، وأرسل إلى ما وراء النهر قائداً من قواده فقتل وسبى وغنم، وعاد بهرام إلى العراق، وولى أخاه نرسي خراسان وأمره أن ينزل مدينة بلخ.
واتصل به أن بعض رؤساء الديلم جمع جمعاً كثيراً وأغار على الري وأعمالها فغنم وسبى وخرب البلاد وقد عجز أصحابه في الثغر عن دفعه، وقد قرروا عليهم إتاوة يدفعونها إليه، فعظم ذلك عليه وسير مرزباناً إلى الري في عسكر كثيف وأمره أن يضع على الديلمي من يطمعه في البلاد ويغريه بقصدها، ففعل ذلك، فجمع الديلمي جموعه وسار إلى الري، فأرسل المرزبان إلى بهرام جور يعلمه خبره، فكتب إليه يأمره بالمسير نحو الديلمي والمقام بموضع سماه له، ثم سار جريدة في نفر من خواصه فأدرك عسكره بذلك المكان والديلمي لا يعلم بوصوله، وهو قد قوي طمعه لذلك، فعبى بهرام أصحابه وسار نحو الديلم، فلقيهم وباشر القتال بنفسه، فأخذ رئيسهم أسيراً، وانهزم عسكره، فأمر بهرام بالنداء فيهم بالأمان لمن عاد إليه، فعاد الديلم جميعهم، فآمنهم ولم يقتل منهم أحداً وأحسن إليهم وعادوا إلى أحسن طاعة، وأبقى على رئيسهم وصار من خواصه.
وقيل: كانت هذه الحادثة قبل حرب الترك، والله أعلم.
ولما ظفر بالديلم أمر ببناء مدينة سماها فيروز بهرام، فبنيت له هي ورستاقها. واستوزر نرسي، فأعلمه أنه ماضٍ إلى الهند متخفياً، فسار إلى الهند وهو لا يعرفه أحد، غير أن الهند يرون شجاعته وقتله السباع. ثم إن فيلاً ظهر وقطع السبيل وقتل خلقاً كثيراً، فاستدل عليه، فسمع الملك خبره فأرسل معه من يأتيه بخبره. فانتهى بهرام والهندي معه إلا الأجمة، فصعد الهندي شجرة ومضى بهرام فاستخرج الفيل وخرج وله صوت شديد، فلما قرب منه رماه بسهم بين عينيه كاد يغيب، ووقذه بالنشاب وأخذ مشفره، ولم يزل يطعنه حتى أمكن من نفسه فاحتز رأسه وأخرجه.
وأعلم الهندي ملكهم بما رأى، فأكرمه وأحسن إليه وسأله عن حاله، فذكر أن ملك فارس سخط عليه فهرب إلى جواره، وكان لهذا الملك عدو فقصده، فاستسلم الملك وأراد أن يطيع ويبذل الخراج، فنهاه بهرام وأشار بمحاربته، فلما التقوا قال لأساورة الهندي: احفظوا لي ظهري، ثم حمل عليهم فجعل يضرب في أعراضهم ويرميهم بالنشاب حتى انهزموا، وغنم أصحاب بهرام ما كان في عسكر عدوه، فأعطى بهرام الدبيل ومكران وأنحكه ابنته، فأمر بتلك البلاد فضمت إلى مملكة الفرس.
وعاد بهرام مسروراً وأغزى نرسي بلاد الروم في أربعين ألفاً وأمره أن يطالب ملك الروم بالإتاوة، فسار إلى القسطنطينية، فهادنه ملك الروم، فانصرف بكل ما أراد إلى بهرام. وقيل: إنه لما فرغ من خاقان والروم سار بنفسه إلى بلاد اليمن ودخل بلاد(السودان فقتل مقاتلتهم وسبى لهم خلقاً كثيراً وعاد إلى مملكته.
ثم إنه في آخر ملكه خرج إلى الصيد فشد على عنز فأمعن في طلبه، فارتطم في جب فغرق، فبلغ والدته ذلك، فسارت إلى ذلك الموضع وأمرت بإخراجه، فنقلوا من الجب طيناً كثيراً حتى صار إكاماً عظاماً ولم يقدروا عليه.
وكان ملكه ثماني عشرة سنة وعشرة أشهر وعشرين يوماً، وقيل: ثلاثاً وعشرين سنة.

هكذا ذكر أبو جعفر في اسم بهرام جور أن أباه أسلمه إلى المنذر بن النعمان، كما تقدم، وذكر عند يزدجرد الأثيم أنه سلم ابنه بهرام إلى النعمان بن امرئ القيس، ولا شك أن بعض العلماء قال هذا وبعضهم قال ذلك، إلا أنه لم ينسب كل قول إلى قائله.
ذكر ملك ابنه يزدجرد بن بهرام جورلما لبس التاج جلس للناس ووعدهم وذكر أباه ومناقبه وأعلمهم أنهم إن فقدوا منه طول جلوسه لهم فإن خلوته في مصالحهم وكيد أعدائهم، وأنه قد استوزر نرسي صاحب أبيه. وعدل في رعيته وقمع أعداءه وأحسن إلى جنده، وكان له ابنان يقال لأحدهما هرمز وللآخر فيروز، وكان لهرمز سجستان، فغلب على الملك بعد هلاك أبيه يزدجرد، فهرب فيروز ولحق ببلاد الهياطلة واستنجد ملكهم، فأمده بعد أن دفع إليه الطالقان، فأقبل بهم فقتل أخاه بالري، وكانا من أم واحدة، وقيل لم يقتله وإنما أسره وأخذ الملك منه.
وكان الروم منعوا الخراج عن يزدجرد، فوجه إليهم نرسي في العدة التي أنفذه أبوه فيها فبلغ إرادته. وكان ملك يزدجرد ثماني عشرة سنة وأربعة أشهر، وقيل تسع عشرة سنة.
ذكر ملك فيروز بن يزدجرد بن بهرام بعد أن قتل أخاه هرمز وثلاثة من أهل بيته
ولما ظفر فيروز بأخيه وملك أظهر العدل وأحسن السيرة، وكان يتدين، إلا أنه كان محدوداً مشؤوماً على رعيته، وقحطت البلاد في زمانه سبع سنين متوالية، وغارت الأنهار والقنى، وقل ماء دجلة، ومحلت الأشجار، وهاجت عام الزروع في السهل والجبل من بلاده، وماتت الطيور والوحوش، وعم أهل البلاد الجوع والجهد الشديد، فكتب إلى جميع رعيته يعلمهم أنه لا خراج عليهم ولا جزية ولا مؤونة، وتقدم إليهم بأن كل من عنده طعام مذخور يواسي به الناس وأن يكون حال الغني والفقير واحداً، وأخبرهم أنه إن بلغه أن إنساناً مات جوعاً بمدينة أو قرية عاقبهم ونكل بهم، وساس الناس سياسةً لم يعطب أحد جوعاً ما خلا رجلاً واحداً من رستاق أردشير خره، وابتهل فيروز إلى الله بالدعاء فأزال ذلك القحط وعادت بلاده إلى ما كانت عليه.
فلما حيي الناس والبلاد وأثخن في أعدائه سار مريداً حرب الهياطلة، فلما سمع إخشنوار ملكهم خافه، فقال له بعض أصحابه: اقطع يدي ورجلي وألقني على الطريق وأحسن إلى عيالي لأحتال على فيروز. ففعل ذلك، واجتاز به فيروز فسأله عن حاله فقال له: إني قلت لإخشنوار لا طاقة لك بفيروز ففعل بي هذا، وإني أدلك على طريق لم يسلكها ملك وهي أقرب. فاغتر فيروز بذلك وتبعه، فسار به وبجنده حتى قطع بهم مفازة بعد مفازة حتى إذا علم أنهم لا يقدرون على الخلاص وأعلمهم حاله. فقال أصحاب فيروز لفيروز: حذرناك فلم تحذر، فليس إلا التقدم على كل حال، فتقدموا أمامهم فوصلوا إلى عدوهم وهم هلكى عطشى وقتل العطش منهم كثيراً. فلما أشرفوا على تلك الحال صالحوا إخشنوار على أن يخلي سبيلهم إلى بلادهم على أن يحلف له فيروز أنه لا يغزو بلاده، فاصطلحا، وكتب فيروز كتاباً بالصلح وعاد.
فلما استقر في مملكته حملته الأنفة على معاودة إخشنوار، فنهاه وزراؤه عن نقض العهد، فلم يقبل وسار نحوه، فلما تقاربا أمر إخشنوار فحفر خلف عسكره خندقاً عرضه عشرة أذرع وعمقه عشرون ذراعاً وغطاه بخشب ضعيف وتراب، ثم عاد وراءه، فلما سمع فيروز بذلك اعتقده هزيمة فتبعه ولا يعلم عسكر فيروز بالخندق فسقط هو وأصحابه فيه فهلكوا، وعاد إخشنوار إلى عسكر فيروز وأخذ كل ما فيه وأسر نساءه وموبذان موبذ ثم استخرج جثة فيروز وجثة كل من سقط معه فجعلها في النواويس.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohammed.mansy@yahoo.com
محمد منسى
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 19288
العمر : 39
الموقع : منتديات ابو ريوف
تاريخ التسجيل : 26/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الأحد 25 نوفمبر 2018 - 19:02




وقيل: إن فيروز لما انتهى إلى الخندق الذي حفره إخشنوار ولم يكن مغطى عقد عليه قناطر وجعل عليها أعلاماً له ولأصحابه يقصدونها في عودهم وجاء إلى القوم. فلما التقى العسكران احتج عليه إخشنوار بالعهود التي بينهما وحذره عاقبة الغدر، فلم يرجع، فنهاه أصحابه فلم ينته، فضعفت نياتهم في القتال. فلما أبى إلا القتال رفع إخشنوار نسخة العهد على رمح وقال: اللهم خذ بما في هذا الكتاب وقلده بغيه. فقاتله فانهزم فيروز وعسكره فضلوا عن مواضع القناطر فسقطوا في الخندق، فهلك فيروز وأكثر عسكره، وغنم إخشنوار أموالهم ودوابهم وجميع ما معهم، وغلب إخشنوار على عامة خراسان. فسار إليهم رجل من أهل فارس يقال له سوخرا، وكان فيهم عظيماً، وخرج كالمحتسب، وقيل: بل كان فيروز استخلفه على ملكه لما سار، وكان له سجستان، فلقي صاحب الهياطلة فأخرجه من خراسان واستعاد منه كل ما أخذ من عسكر فيروز مما هو في عسكره من السبي وغيره وعاد إلى بلاده، فعظمته الفرس إلى غاية لم يكن فوقه إلا الملك، وكانت مملكة الهياطلة طخارستان، فكان فيروز قد أعطى ملكهم لما ساعده على حرب أخيه الطالقان.
وكان ملك فيروز ستاً وعشرين سنة، وقيل: إحدى وعشرين سنة.
ذكر الأحداث في العرب أيام يزدجرد وفيروزكان يخدم ملوك حمير أبناء الأشراف من حمير وغيرهم، وكان ممن يخدم حسان بن تبع عمرو بن حجر الكندي سيد كندة، فلما قتل عمرة ابن تبع أخاه حسان بن تبع اصطنع عمرة بن حجر وزوجه ابنة أخيه حسان، ولم يطمع في التزوج إلى ذلك البيت أحد من العرب، فولدت الحارث بن عمرو. وملك بعد عمرة بن تبع عبد كلال بن مثوب، وإنما مملكوه لأن أولاد عمرو كانوا صغاراً، وكان الجن قبل ذلك قد استهامت تبع بن حسان، وكان عبد كلال على دين النصرانية الأولى ويكتم ذلك. ورجع تبع بن حسان من استهامته وهو أعلم الناس بما كان قبله، فملك اليمن، وهابته حمير، فبعث ابن أخته الحارث بن عمرو بن حجر في جيش إلى الحيرة، فسار إلى النعمان بن امرئ القيس، وهو ابن الشقيقة، فقاتله فقتل النعمان وعدةً من أهل بيته، وأفلت المنذر بن النعمان الأكبر وأمه ماء السماء امرأة من النمر ابن قاسط، فذهب ملك آل النعمان وملك الحارث بن عمرو الكندي ما كانوا يملكون؛ قاله بعضهم.
وقال ابن الكلبي: ملك بعد النعمان المنذر بن النعمان بن المنذر بن النعمان أربعاً وأربعين سنة، من ذلك في زمن بهرام جور ثماني سنين، وفي زمن يزدجرد ابن بهرام ثماني عشرة سنة، وفي زمن فيروز بن يزدجرد سبع عشرة سنة، ثم ملك بعده الأسود بن المنذر عشرين سنة، منها في زمن فيروز بن يزدجرد عشر سنين، وفي زمن بلاش بن فيروز أربع سنين، وفي زمن قباذ بن فيروز ست سنين.
وهكذا ذكر أبو جعفر ها هنا أن الحارث بن عمرو قتل النعمان بن امرئ القيس وأخذ بلاده وانقرض ملك أهل بيته، وذكر فيما تقدم أن المنذر بن النعمان أو النعمان، على الاختلاف المذكور، هو الذي جمع العساكر وملك بهرام جور على الفرس، ثم ساق فيما بعد ملوك الحيرة من أولاد النعمان هذا إلى آخرهم ولم يقطع ملكهم بالحارث بن عمرو، وسبب هذا أن أخبار العرب لم تكن مضبوطة على الحقيقة، فقال كل واحد ما نقل إليه من غير تحقيق.
وقيل غير ذلك، وسنذكره في مقتل حجر بن عمرو والد امرئ القيس في أيام العرب إن شاء الله.
والصحيح أن ملوك كندة عمرو والحارث كانوا بنجد على العرب، وأما اللخميون ملوك الحيرة المناذرة فلم يزالوا عليها إلى أن ملك قباذ الفرس وأزالهم واستعمل الحارث بن عمرو الكندي على الحيرة. ثم أعاد أنوشروان الحيرة إلى اللخميين، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر ملك بلاش بن فيروز بن يزدجردثم ملك بعد فيروز ابنه بلاش وجرى بينه وبين أخيه قباذ منازعة استظهر فيها قباذ وملك، فلما ملك بلاش أكرم سوخرا وأحسن إليه لما كان منه، ولم يزل حسن السيرة حريصاً على العمارة، وكان لا يبلغه أن بيتاً خرب وجلا أهله إلا عاقب صاحب تلك القرية على تركه سد فاقتهم حتى لا يضطروا إلى مفارقة أوطانهم، وبنى مدينة ساباط بقرب المدائن، وكان ملكه أربع سنين.
ذكر ملك قباذ بن فيروز بن يزدجرد !

وكان قباذ قبل أن يصير الملك إليه قد سار إلى خاقان مستنصراً به على أخيه بلاش، فمر في طريقه بحدود نيسابور ومعه جماعة من أصحابه متنكرين وفيهم زرمهر بن سوخرا، فتاقت نفسه إلى النكاح، فشكا ذلك إلى زرمهر وطلب منه امرأة، فسار إلى امرأة صاحب المنزل، وكان من الأساورة، وكان لها بنت حسناء، فخطبها منها وأطمعها وزوجها، فزوجا فدخل بها من ليلته، فحملت بأنوشروان، وأمر لها بجائزةٍ سنية وردها، وسألتها أمها عن قباذ وحاله. فذكرت أنها لا تعرف من حاله شيئاً غير أن سراويله منسوجة بالذهب، فعلمت أنه من أبناء الملوك. ومضى قباذ إلى خاقان واستنصره على أخيه، فأقام عنده أربع سنين وهو يعده، ثم أرسل معه جيشاً. فلما صار بالقرب من الناحية التي بها زوجته سأل عنها فأحضرت ومعها أنوشروان وأعلمته أنه ابنه. وورد الخبر إليه بذلك المكان أن أخاه بلاش قد هلك، فتيمن بالمولود وحمله وأمه على مراكب نساء الملوك واستوثق له الملك وخص سوخرا وشكر لولده خدمته. وتولى سوخرا الأمر، فمال الناس إليه وتهاونوا بقباذ، فلم يحتمل ذلك. فكتب إلى سابور الرازي، وهو أصبهبذ ديار الجبل، ويقال للبيت الذي هو منه مهران، فاستقدمه ومعه جنده، فتقدم إليه فأعلمه عزمه على قتل سوخرا وأمره بكتمان ذلك، فأتاه يوماً سابور وسوخرا عند قباذ فألقى في عنقه وهقاً وأخذه وحبسه ثم خنقه قباذ وأرسله إلى أهله وقدم عوضه سابور الرازي.
وفي أيامه ظهر مزدك وابتدع ووافق زرادشت في بعض ما جاء به وزاد ونقص، وزعم أنه يدعو إلى شريعة إبراهيم الخليل حسب ما دعا إليه زرادشت، واستحل المحارم والمنكرات، وسوى بين الناس في الأموال والأملاك والنساء والعبيد والإماء حتى لا يكون لأحد على أحد فضل في شيء البتة، فكثر أتباعه من السفلة والأغتام فصاروا عشرات ألوف، فكان مزدك يأخذ امرأة هذا فيسلمها إلى الآخر، وكذا في الأموال والعبيد والإماء وغيرها من الضياع والعقار، فاستولى وعظم شأنه وتبعه الملك قباذ. فقال يوماً لقباذ: اليوم نوبتي من امرأتك أم أنوشروان. فأجابه إلى ذلك، فقام أنوشروان إليه ونزع خفيه بيده وقبل رجليه وشفع إليه حتى لا يتعرض لأمه وله حكمه في سائر ملكه، فتركها.
وحرم ذباحة الحيوان وقال: يكفي في طعام الإنسان ما تنبته الأرض وما يتولد من الحيوان كالبيض واللبن والسمن والجبن، فعظمت البلية به على الناس فصار الرجل لا يعرف ولده والولد لا يعرف أباه.
فلما مضى عشر سنين من ملك قباذ اجتمع موبذان موبذ والعظماء وخلعوه وملكوا عليهم أخاه جامسب وقالوا له: إنك قد أثمت باتباعك مزدك وبما عمل أصحابه بالناس وليس ينجيك إلا إباحة نفسك ونسائك، وأرادوه على أن يسلم نفسه إليهم ليذبحوه ويقربوه إلى النار، فامتنع من ذلك، فحبسوه وتركوه لا يصل إليه أحد. فخرج زرمهر بن سوخرا فقتل من المزدكية خلقاً، وأعاد قباذ إلى ملكه وأزال أخاه جامسب. ثم إن قباذ قتل بعد ذلك زرمهر.
وقيل: لما حبس قباذ وتولى أخوه دخلت أختٌ لقباذ عليه كأنها تزوره ثم لفته في بساط وحمله غلام، فلما خرج من السجن سأله السجان عما معه، فقالت: هو مرحل كنت أحيض فيه، فلم يمس البساط، فمضى الغلام بقباذ، وهرب قباذ فلحق بملك الهياطلة يستجيشه. فلما صار بإيران شهر، وهي نيسابور، نزل برجل من أهلها له ابنة بكر حسنة جميلة فنحكها، وهي أم كسرى أنوشروان، فكان نكاحه إياها في هذه السفرة لا في تلك، في قول بعضهم، وعاد ومعه أنوشروان، فغلب أخاه جامسب على الملك؛ وكان ملك جامسب ست سنين. وغزا قباذ بعد ذلك الروم ففتح مدينة آمد وبنى مدينة أرجان ومدينة حلوان ومات، فملك ابنه كسرى أنوشروان بعده، فكان ملك قباذ مع سني أخيه جامسب ثلاثاً وأربعين سنة، فتولى أنوشروان ما كان أبوه أمر له به.
وفي أيامه خربت الخزر فأغاربت على بلاده فبلغت الدينور، فوجه قباذ قائداً من عظماء قواده في اثني عشر ألفاً، فوطئ بلاد أران وفتح ما بين النهر المعروف بالرس إلى شروان، ثم إن قباذ لحق به فبنى بأران مدينة البيلقان ومدينة برذعة، وهي مدينة الثغر كله، وغيرهما، وبقي الخزر، ثم بنى سداً للآن فيما بين أرض شروان وباب اللان، وبنى على السد مدناً كثيرة خربت بعد بناء الباب والأبواب.
ذكر حوادث العرب أيام قباذ

لما ملك الحارث بن عمرو بن حجر الكندي العرب وقتل النعمان بن المنذر ابن امرئ القيس، كما ذكرناه، بعث إليه قباذ: إنه قد كان بيننا وبين الملك الذي كان قبلك عهد، وأحب لقاءك. وكان قباذ زنديقاً يظهر الخير ويكره الدماء ويداري أعداءه. فخرج إليه الحارث والتقيا واصطلحا على أن لا يجوز الفرات أحدٌ من العرب، فطمع الحارث الكندي فأمر أصحابه أن يقطعوا الفرات ويغيروا على السواد، فسمع قباذ فعلم أنه من تحت يد الحارث، فاستدعاه، فحضر، فقال له: إن لصوصاً من العرب صنعت كذا وكذا، فقال: ما علمت ولا أستطيع ضبط العرب إلا بالمال والجنود. وطلب منه شيئاً من السواد، فأعطاه ستة طساسيج، وأرسل الحارث بن عمرو إلى تبع، وهو باليمن، يطمعه في بلاد العجم، فسار تبع حتى نزل الحيرة، وأرسل ابن أخيه شمراً ذا الجناح إلى قباذ، فحاربه فهزمه شمرٌ حتى لحق بالري، ثم أدركه بها فقتله، ثم وجه تبع شمراً إلى خراسان، ووجه ابنه حسان إلى السغد، وقال: أيكما سبق إلى الصين فهو عليه، وكان كل واحد منهما في جيش عظيم، يقال: كانا في ستمائة ألف وأربعين ألفاً؛ وأرسل ابن أخيه يعفر إلى الروم، فنزل على القسطنطينية، فأعطوه الطاعة والإتاوة، ومضى إلى رومية فحاصرها فأصاب من معه طاعون، فوثب الروم عليهم فقتلوهم ولم يفلت منهم أحد.
وسار شمر ذو الجناح إلى سمرقند فحاصرها، فلم يظفر بها، وسمع أن ملكها أحمق وأن له ابنةً، وهي التي تقضي الأمور، فأرسل إليها هديةً عظيمةً، وقال لها: إنني إنما قدمت لأتزوج بك ومعي أربعة آلاف تابوت مملوءة ذهباً وفضة أنا أدفعها إليك وأمضي إلى الصين، فإن ملكت كنت امرأتي وإن هلكت كان المال لك.
فلما بلغتها الرسالة قالت: قد أجبته فليبعث المال؛ فأرسل أربعة آلاف تابوت في كل تابوت رجلان. ولسمرقند أربعة أبواب، ولكل باب ألفا رجل، وجعل العلامة بينهم أن يضرب بالجرس. فلما دخلوا البلد صاح شمر في الناس وضرب بالجرس، فخرجوا وملكوا الأبواب ودخل المدينة فقتل أهلها وحوى ما فيها وسار إلى الصين فهزم الترك ودخل بلادهم ولقي حسان بن تبع قد سبقه إليها بثلاث سنين، فأقاما بها حتى ماتا؛ وكان مقامهما فيما قيل إحدى وعشرين سنة، وقيل: عادا في طرقهما حتى قدما على تبع بالغنائم والسبي والجواهر، ثم انصرفوا جميعاً إلى بلادهم، ومات تبع باليمن فلم يخرج أحد من اليمن غازياً بعده.
وكان ملكه مائة وإحدى وعشرين سنة؛ وقيل تهودٌ.
قال ابن إسحاق: كان تبع الآخر وهو تبان أسعد أبو كرب حين أقبل من المشرق بعد أن ملك البلاد جعل طريقه على المدينة، وكان حين مر بها في بدايته لم يهج أهلها وخلف عندهم ابناً له فقتل غيلةً فقدمها عازماً على تخريبها واستئصال أهلها، فجمع له الأنصار حين سمعوا ذلك ورئيسهم عمرو ابن الطلة أحد بني عمرو بن مبذول من بني النجار وخرجوا لقتاله، وكانوا يقاتلونه نهاراً ويقرونه ليلاً. فبينما هو على ذلك إذ جاءه حبران من بني قريظة عالمان، فقالا له: قد سمعنا ما تريد أن تفعل، وإنك إن أبيت إلا ذلك حيل بينك وبينه ولم نأمن عليك عاجل العقوبة. فقال: ولم ذلك ؟ فقالا: إنها مهاجر نبي من قريش تكون داره. فانتهى عما كان يريد وأعجبه ما سمع منهما فاتبعهما على دينهما، واسمهما كعب وأسد، وكان تبع وقومه أصحاب أوثان. وسار من المدينة إلى مكة، وهي طريقه، فكسا الكعبة الوصائل والملاء، وكان أول من كساها، وجعل لها باباً ومفتاحاً، وخرج متوجهاً إلى اليمن فدعا قومه إلى اليهودية فأبوا عليه حتى حاكموه إلى النار، وكانت لهم نار تحكم بينهم فيما يزعمون تأكل الظالم ولا تضر المظلوم. فقال لقومه: أنصفتم. فخرج قومه بأوثانهم وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما حتى قعدوا عند مخرج النار، فخرجت النار فغشيتهم وأكلت الأوثان وما قربوا معها ومن حمل ذلك من رجال حمير، وخرج الحبران تعرق جباههما لم تضرهما، فأصفقت حمير على ديته.

وكان قدم على تبع قبل ذلك شافع بن كليب الصدفي، وكان كاهناً، فقال له تبع: هل تجد لقومٍ ملكاً يوازي ملكي ؟ قال: لا إلا لملك غسان. قال: فهل تجد ملكاً يزيد عليه ؟ قال: أجد لبار مبرور، أيد بالقهور، ووصف في الزبور، وفضلت أمته في السفور، يفرج الظلم بالنور، أحمد النبي، طوبى لأمته حين يجي، أحد بني لؤي، ثم أحد بني قصي ! فنظر تبع في الزبور فإذا هو يجد صفة النبي، صلى الله عليه وسلم.
ثم ملك بعد تبع هذا، وهو تبان أسعد أبو كرب بن ملكيكرب، ربيعة بن نصر اللخمي، فلما هلك ربيعة رجع الملك باليمن إلى حسان بن تبان أسعد.
فلما ملك ربيعة رأى رؤيا هالته فلم يدع كاهناً ولا ساحراً ولا عائفاً إلا أحضره وقال لهم: رأيت رؤيا هالتني فأخبروني بتأويلها. فقالوا: اقصصها علينا. فقال: إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم بتأويلها، فلما قال ذلك قال له رجلٌ منهم: إن كان الملك يريد ذلك فليبعث إلى سطيح وشق فهما يخبرانك عما سألت. واسم سطيح ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن غسان، وكان يقال له الذئبي نسبةً إلى ذئب بن عدي، وشق بن مصعب بن يشكر بن أنمار.
فبعث إليهما، فقدم عليه سطيح قبل شق، فلما قدم عليه سطيح سأله عن رؤياه وتأويلها. فقال: رأيت جمجمة، خرجت من ظلمة، فوقعت بأرض بهمة، فأكلت منها كل ذات جمجمة ؟ قال له الملك: ما أخطأت منها شيئاً، فما عندك في تأويلها ؟ فقال: أحلف بما بين الحرتين من حنش ليهبطن أرضكم الحبش فليملكن ما بين أبين إلى جرش. قال الملك: وأبيك يا سطيح إن هذا لغائظ موجع، فمتى يكون أفي زماني أم بعده ؟ قال: بل بعده بحين ستين سنة أو سبعين يمضين من السنين. قال: هل يدوم ذلك من ملكهم أو ينقطع ؟ قال: بل ينقطع لبضع وسبعين يمضين من السنين، ثم يقتلون بها أجمعون ويخرجون منها هاربين. قال الملك: ومن الذي يلي ذلك ؟ قال: يليه إرم ذي يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك أحداً منهم باليمن. قال: فيدوم ذلك من سلطانهن أو ينقطع ؟ قال: بل ينقطع، يقطعه نبي زكي، يأتيه الوحي من العلي، وهو رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر. قال: وهل للدهر من آخر ؟ قال: نعم، يوم يجمع فيه الأولون والآخرون، ويسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون. قال: أحق ما تخبرنا يا سطيح ؟ قال: نعم والشفق، والغسق، والفلق إذا اتسق، إن ما أنبأتك به لحق.
ثم قدم عليه شق فقال: يا شق إني رأيت رؤيا هالتني فأخبرني عنها وعن تأويلها ! وكتمه ما قال سطيح لينظر هل يتفقان أم يختلفان. قال: نعم، رأيت جمجمة، خرجت من ظلمة، فوقعت بين روضة وأكمة، فأكلت منها كل ذات نسمة.
فلما سمع الملك ذلك قال: ما أخطأت شيئاً، فما تأويلها ؟ قال: أحلف بما بين الحرتين من إنسان، لينزلن أرضكم السودان، وليملكن ما بين أبين إلى نجران. قال الملك: وأبيك يا شق ! إن هذا لغائظ، فمتى هو كائن ؟ قال: بعدك بزمان، ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شان، ويذيقهم أشد الهوان، وهو غلام ليس بدنيً ولا مزن، يخرج من بيت ذي يزن. فلا يترك أحداً منهم باليمن قال: فهل يدوم سلطانه أم ينقطع ؟ قال: بل ينقطع برسول مرسل، يأتي بالحق والعدل، بين أهل الدين والفضل، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل. قال: وما يوم الفصل ؟ قال: يوم تجزى فيه الولاة، ويدعى من السماء بدعوات، ويسمع منها الأحياء والأموات، ويجتمع فيه الناس للميقات.
فلما فرغ من مسألتهما جهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم، فمن بقية ربيعة بن نصر كان النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وهو النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر ذلك الملك.
فلما هلك ربيعة بن نصر واجتمع ملك اليمن إلى حسان بن تبان بن أبي كرب بن ملكيكرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار، كان مما هيج أمر الحبشة وتحول الملك عن حمير أن حسان سار بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم أرض العرب والعجم، كما كانت التبابعة تفعل. فلما كان بالعراق كرهت قبائل العرب من اليمن المسير معه فكلموا أخاه عمراً في قتل حسان وتمليكه، فأجابهم إلى ذلك إلا ما كان من ذي رعين الحميري، فإنه نهاه عن ذلك، فلم يقبل منه، فعمد ذو رعين إلى صحيفة فكتب فيها.
ألا من يشتري سهراً بنومٍ ؟ ... سعيدٌ من يبيت قرير عينٍ

فإمّا حميرٌ غدرت وخانت ... فمعذرة الإله لذي رعين
ثم ختمها وأتى بها عمراً فقال: ضع هذه عندك، ففعل. فلما بلغ حسان ما أجمع عليه أخوه وقبائل اليمن قال لعمرو:
يا عمرو لا تعجل عليّ منيتي ... فالملك تأخذه بغير حشود
فأبى إلا قتله، فقتله بموضع رحبة مالك، فكانت تسمى فرضة نعم فيما قيل، ثم عاد إلى اليمن فمنع النوم منه، فسأل الأطباء وغيرهم عما به وشكا إليهم السهر، فقال له قائل منهم: ما قتل أحدٌ أخاه أو ذا رحم بغياً إلا منع منه النوم. فلما سمع ذلك قتل كل من أشار عليه بقتل أخيه حتى خلص إلى ذي رعين، فلما أراد قتله قال: إن لي عندك براءة. قال: وما هي ؟ قال: أخرج الكتاب الذي استودعتك. فأخرجه فإذا فيه البيتان، فكف عن قتله، ولم يلبث عمرو أن هلك، فتفرقت حمير عند ذلك.
قلت: هذا الذي ذكره أبو جعفر من قتل قباذ بالري وملك تبع البلاد من بعد قتله من النقل القبيح والغلط الفاحش، وفساده أشهر من أن يذكر، فلولا أننا شرطنا أن لا نترك ترجمة من تاريخه إلا ونأتي بمعناها من غير إخلال بشيء لكان الإعراض عنه أولى. ووجه الغلط فيه أنه ذكر أن قباذ قتل بالري، ولا خلاف بين أهل النقل من الفرس وغيرهم أن قباذ مات حتف أنفه في زمان معلوم، وكان ملكه مدة معلومة، كما ذكرناه قبل، ولم ينقل أحد أنه قتل إلا في هذه الرواية. ولما مات ملك ابنه كسرى أنوشروان بعده، وهذا أشهر من: قفا نبك، ولو كان ملك الفرس انتقل بعد قباذ إلى حمير، كيف كان ملك ابنه بعده وتمكن في الملك حتى أطاعه ملوك الأمم وحملت الروم إليه الخراج ! ثم ذكر أيضاً أن تبعاً وجه ابنه حسان إلى الصين وشمراً إلى سمرقند وابن أخيه إلى الروم وأنه ملك القسطنطينية وسار إلى رومية فحاصرها، فيا ليت شعري ! ما هو اليمن وحضرموت حتى يكون بهما من الجنود ما يكون بعضهم في بلادهم لحفظها، وجيش مع تبع، وجيش مع حسان يسر بهم إلى مثل الصين في كثرة عساكره ومقاتلته، وجيش مع ابن أخيه تبع يلقى به مثل كسرى ويهزمه ويملك بلاده ويحاصر به مثل سمرقند في كبرها وعظمها وكثرة أهلها، وجيش مع يعفر يسير بهم إلى ملك الروم ويملك القسطنطينية ! والمسلمون مع كثرة ممالكهم واتساعها وكثرة عددهم قد اجتهدوا ليأخذوا القسطنطينية أو ما يجاورها واليمن من أقل بلادهم عدداً وجنوداً فلم يقدروا على ذلك، فكيف يقدر عليه بعض عساكر اليمن مع تبع ؟ هذا مما تأباه العقول، وتمجه الأسماع.
ثم إنه قال: إن ملك تبع بلاد الفرس والروم والصين وغيرها كان بعد قتل قباذ، يعني أيام ابنه أنوشروان، ولا خلاف أن مولد النبي، صلى الله عليه وسلم، كان في زمن أنوشروان، وكان ملكه سبعاً وأربعين سنة، ولا خلاف أيضاً أن الحبشة لما ملكت اليمن انقرض ملك حمير منه، وكان آخر ملوكهم ذا نواس. وكان ملك حمير قد اختل قبل ذي نواس، وانقطع نظامهم حتى طمعت الحبشة فيه وملكته، وكان ملكهم اليمن أيام قباذ، وكيف يمكن أن يكون ملك الحبشة الذي هو مقطوع به أيام قباذ ويكون تبع هو الذي ملك اليمن قد قتل قباذ وملك بلاده قبل أن تملك الحبشة اليمن ؟ هذا مردود محال وقوعه، وكان ملك الحبشة اليمن سبعين سنة، وقيل أكثر من ذلك، وكان انقراض ملكهم في آخر ملك أنوشروان، والخبر في ذلك مشهور، وحديث سيف ذي يزن في ذلك ظاهر، ولم يزل اليمن بعد الحبشة في يد الفرس إلى أن ملكه المسلمون، فكيف يستقيم أن ينقضي ملك تبع الذي هو ملك بلاد فارس ومن بعده من ملوك حمير وملك الحبشة وهو سبعون سنة في ملك أنوشروان وكان ملكه نيفاً وأربعين سنة ؟ وهذا أعجب أن مدة بعضها سبعون سنة تنقضي قبل مضي نيف وأربعين سنة، ولو فكر أبو جعفر في ذلك لاستحيا من نقله.
وأعجب من هذا أنه قال: ثم ملك بعد تبع هذا ربيعة بن نصر اللخمي، وهذا ربيعة هو جد عمرو بن عدي ابن أخت جذيمة، وكان ملك عمرو والحيرة بعد خاله جذيمة أيام ملوك الطوائف قبل ملك أردشير بن بابك بخمس وتسعين سنة، وبين أردشير وقباذ ما يقارب عشرين ملكاً، وكيف يكون جد عمرو وقد ملك بعد قباذ وهو قبله بهذا الدهر الطويل ؟ ولو لم يترجم أبو جعفر على هذه الحادثة بقوله: ذكر الحوادث أيام قباذ، لكان يحتمل تأويلاً فيه، ثم ما قنع بذلك حتى قال، بعد أن قص مسير تبع: وقتل قباذ وملك البلاد.

وأما ابن إسحاق فإنه قال: إن الذي سار إلى المشرق من التبابعة هو تبع الأخير، ويعني بقوله تبع الأخير أنه آخر من سار إلى المشرق وملك البلاد، فإن ابن إسحاق وغيره يقولون إن الذي ملك البلاد المشرقية لما توفي ملك بعده عدة تبابعة ثم اختل أمرهم زماناً طويلاً حتى طمعت الحبشة فيهم وخرجت إلى اليمن. فليت شعري إذا كان هذا تبع في أيام قباذ فلا شك أن تبعاً الأخير الذي أخذ منه اليمن يكون في زمن بني أمية ويكون ملك الحبشة اليمن بعد مدة من ملك بني العباس، ويكون أول الإسلام من ثلاثمائة سنة من ملكهم أيضاً مما بعدها حتى يستقيم هذا القول.
ثم إنه قال: إن عمر بن طلحة الأنصاري خرج إلى تبع، وعمر هذا قيل إنه أدرك النبي، صلى الله عليه وسلم، شيخاً كبيراً ومات عند مرجعه من غزوة بدر. ومن الدليل على بطلانه أيضاً أن المسلمين لما قصدوا بلاد الفرس ما زالت الفرس تقول لهم عند مراسلاتهم ومحاوراتهم في حروبهم: كنتم أقل الأمم وأذلها وأحقرها والعرب تقر لهم بذلك، فلو كان ملك تبع قريب العهد لقالت العرب: إننا بالأمس قتلنا ملككم وملكنا بلادكم واستبحنا حريمكم وأموالكم، فسكوت العرب عن ذلك وإقرارها للفرس دليل على بعد عهده أو عدمه، على أن الفرس لا تقر بذلك لا في قديم الزمان ولا في حديثه، فإنهم يزعمون أن ملكهم لم ينقطع من عهد جيومرث، الذي هو آدم في قول بعضهم، إلى أن جاء الإسلام، إلا أيام ملوك الطوائف، وكان لملوك الفرس طرف من البلاد في ذلك الزمان لم ينقطع انقطاعاً كلياً، على أن أصحاب السير قد اختلفوا في تبع الذي سار وملك البلاد اختلافاً كثيراً، شمر بن غش، وقيل: تبع أسعد، وإنه بعث إلى سمرقند شمراً ذا الجناح، إلى غير ذلك من الاختلافات التي لا طائل فيها. وهذا القدر كافٍ في كشف الخطأ فيه.
ذكر ملك لختيعةفلما هلك عمرو وتفرقت حمير وثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت المملكة يقال له لختيعة تنوف ذو شناتر فملكهم، في قول ابن إسحاق، فقتل خيارهم وعبث ببيوت أهل المملكة منهم، وكان امرأ فاسقاً يزعمون أنه كان يعمل عمل قوط لوط، فكان إذا سمع بغلام من أبناء الملوك أنه قد بلغ أرسل إليه فوقع عليه في مشربة لئلا يملك بعد ذلك، ثم يطلع إلى حرسه وجنده قد أخذ سواكاً في فيه يعلمهم أنه قد فرغ منه، ثم يخلي سبيله فيفضحه.
ذكر ملك ذي نواس وقصة أصحاب الأخدودكان من أبناء الملوك زرعة ذو نواس بن تبان أسعد بن كرب، وكان صغيراً حين أصيب أخوه حسان، فشب غلاماً جميلاً ذا هيئة، فبعث إليه لختيعة ليفعل به ما كان يفعل بغيره، فأخذ سكيناً لطيفاً فجعله بين نعله وقدمه، ثم انطلق إليه مع رسوله، فلما خلا به في المشربة قتله ذو نواس بالسكين ثم احتز رأسه فجعله في كوة مشربته التي يطلع منها، ثم أخذ سواكه فجعله في فيه، ثم خرج، فقالوا: ذو نواس أرطب أم يباس؟ فقال: سل يحماس، استرطبان ذو نواس لا بأس.
فذهبوا ينظرون حين قال لهم ما قال، فإذا رأس لختيعة مقطوع، فخرجت حمير والحرس في أثر ذي نواس حتى أدركوه فملكوه حيث أراحهم من لختيعة، واجتمعوا عليه، وكان يهودياً، وبنجران بقايا من أهل دين عيسى ابن مريم على استقامة لهم رئيس يقال له عبد الله بن الثامر، وكان أصل النصرانية بنجران.

a


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohammed.mansy@yahoo.com
محمد منسى
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 19288
العمر : 39
الموقع : منتديات ابو ريوف
تاريخ التسجيل : 26/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الإثنين 26 نوفمبر 2018 - 13:05

قال وهب بن منبه: إن رجلاً من بقايا أهل دين عيسى يقال له فيميون، وكان رجلاً صالحاً مجتهداً زاهداً في الدنيا مجاب الدعوة، وكان سائحاً لا يعرف بقرية إلا خرج منها إلى غيرها، وكان لا يأكل إلا من كسب يده، وكان يعمل الطين ويعظم الأحد لا يعمل فيه شيئاً ويخرج إلى الصحراء يصلي جميع نهاره، فنزل قرية من قرى الشام يعمل عمله ذلك مستخفياً، ففطن به رجل اسمه صالح فأحبه حباً شديداً، وكان يتبعه حيث ذهب لا يفطن به فيميون، حتى خرج مرة يوم الأحد إلى الصحراء واتبعه صالح وفيميمون لا يعلم. فجلس صالح منه منظر العين مستخفياً، وقام فيميون يصلي، فبينما هو يصلي إذ أقبل نحوه تنين، فلما رآه فيميون دعا عليه فمات، ورآه صالح ولم يدر ما أصاهب فخاف على فيميون، فصاح: يا فيميون التنين قد أقبل نحوك ! فلم يلتفت إليه وأقبل على صلاته حتى أمسى، وعرف أن صالحاً عرفه، فكلمه صالح وقال له: يعلم الله أنني ما أحببت شيئاً حبك قط وقد أردت صحبتك حيثما كنت. قال: افعل. فلزمه صالح، وكان إذا ما جاءه العبد به ضرٌ شفي إذا دعا له، وإذا دعي إلس أحد به ضر لم يأته. وكان لرجل من أهل القرية ابن ضرير فجعل ابنه في حجرة ألقى عليه ثوباً ثم قال لفيميون: قد أردت أن تعمل في بيتي عملاً، فانطلق إليه لأشارطك عليه؛ فانطلق معه، فلما دخل الحجرة ألقى الرجل الثوب عن ابنه وطلب إليه أن يدعو له، فدعا له فأبصر.
وعرف فيميون أنه قد عرف بالقرية فخرج هو وصالح ومر بشجرة عظيمة بالشام. فناداه رجل وقال: ما زلت أنتظرك، لا تبرح حتى تقوم علي فإني ميت، قال: فمات، فواراه فيميمون وانصرف ومعه صالح حتى وطئا بعض أرض العرب، وأخذهما بعض العرب فباعوهما بنجران، وأهل نجران على دين العرب تعبد نخلة طويلة بين أظهرهم، لها عيد كل سنة؛ إذا كان ذلك العيد علقوا عليها كل ثوب حسن وحلي جميل، فعكفوا عليها يوماً، فابتاع رجل من أشرافهم فيميون، وابتاع رجل آخر صالحاً، فكان فيميون إذا قام من الليل يصلي في بيته استسرج له البيت حتى يصبح من غير مصباح. فلما رأى سيده ذلك أعجبه، فسأله عن دينه فأخبره، وعاب دين سيده. وقال له: لو دعوت إلهي الذي أعبد لأهلك النخلة. فقال: افعل فإنك إن فعلت دخلنا في دينك وتركنا ما نحن عليه. فصلى فيميون ودعا الله تعالى، فأرسل الله عليها ريحاً فجففتها وألقتها، فاتبعه عند ذلك أهل نجران على دينه، فحملهم على شريعة من دين عيسى ودخل عليهم بعد ذلك الأحداث التي دخلت على أهل دينهم بكل أرض. فمن هنالك كان أصل النصرانية بنجران.
وقال محمد بن كعب القرظي: كان أهل نجران يعبدون الأوثان، وكان في قرية من قراها ساحر كان أهل نجران يرسلون أولادهم إليه يعلمهم السحر. فلما نزلها فيميون وهو رجل كان يعبد الله على دين عيسى بن مريم، عليه السلام، فإذا عرف في قرية خرج منها إلى غيرها، وكان مجاب الدعوة يبرئ المرضى، وله كرامات، فوصل نجران فسكن خيمة بين نجران وبين الساحر، فأرسل الثامر ابنه عبد الله مع الغلمان إلى الساحر، فاجتاز بفيميون فرأى ما أعجبه من صلاته، فجعل يجلس إليه ويستمع منه، فأسلم معه ووحد الله تعالى وعبده، وجعل يسأله عن الاسم الأعظم - وكان يعلمه - فكتمه إياه وقال: لن تحتمله، والثامر يعتقد أن ابنه يختلف إلى الساحر مع الغلمان. فلما رأى عبد الله أن صاحبه قد ضن عليه بالاسم الأعظم عمد إلى قداح فكتب عليها أسماء الله جميعها ثم ألقاها في النار واحداً واحداً حتى إذا ألقى القدح الذي عليه الاسم الأعظم وثب منها فلم تضره شيئاً، فأخذه وعاد إلى صاحبه فأخبره الخبر، فقال له: امسك على نفسك، وما أظن أن تفعل، فكان عبد الله لا يلقى أحداً إذا أتى نجران به ضر إلا قال: يا عبد الله أتدخل في ديني حتى أدعو الله فيعافيك مما أنت فيه من البلاء ؟ فيقول: نعم، فيوحد الله ويسلم، ويدعو له عبد الله فيشفى، حتى لم يبق أحد من أهل نجران ممن به ضر إلا أتاه واتبعه ودعا له فعوفي.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohammed.mansy@yahoo.com
محمد منسى
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 19288
العمر : 39
الموقع : منتديات ابو ريوف
تاريخ التسجيل : 26/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الإثنين 26 نوفمبر 2018 - 13:10


فرفع شأنه إلى ملك نجران، فدعاه فقال له: أفسدت علي أهل قريتي وخالفت ديني، لأمثلن بك ! فقال: لا تقدر على ذلك. فجعل يرسله إلى الجبل الطويل فيلقى من رأسه فيقع على الأرض ليس به بأسٌ، فأرسله إلى مياه نجران، وهي بحور لا يقع فيها شيء إلا هلك، فيلقى فيها فيخرج ليس به بأسٌ. فلما غلبه قال عبد الله بن الثامر: إنك لا تقدر على قتلي حتى توحد الله وتؤمن كما آمنت، فإنك إذا فعلت قتلتني. فوحد الله الملك ثم ضربه بعصاً بيده فشجه شجة غير كبيرة فقتله، فهلك الملك مكانه، واجتمع أهل نجران على دين عبد الله بن الثامر.
قال: فسار إليهم ذو نواس بجنوده فجمعهم ثم دعاهم إلى اليهودية وخيرهم بينها وبين القتل، فاختاروا القتل، فخد لهم الأخدود، فحرق بالنار وقتل بالسيف حتى قتل قريباً من عشرين ألفاً. وهم الذين أنزل الله فيهم: (قتل أصحاب الاخدود) البروج: 4.
وقال ابن عباس: كان بنجران ملك من ملوك حمير يقال له ذو نواس واسمه يوسف بن شرحبيل، وكان قبل مولد النبي، صلى الله عليه وسلم، بسبعين سنة، وكان له ساحر حاذق. فلما كبر قال للملك: إني كبرت فابعث إلي غلاماً أعلمه السحر، فبعث إليه غلاماً اسمه عبد الله بن الثامر ليعلمه، فجعل يختلف إلى الساحر، وكان في طريقه راهب حسن القراءة، فقعد إليه الغلام، فأعجبه أمره، فكان إذا جاء إلى المعلم يدخل إلى الراهب فيقعد عنده، فإذا جاء من عنده إلى المعلم ضربه وقال له: ما الذي حبسك ؟ وإذا انقلب إلى أبيه دخل إلى الراهب فيضربه أبوه ويقول: ما الذي أبطأ بك ؟ فشكا الغلام ذلك إلى الراهب، فقال له: إذا أتيت المعلم فقل حبسني أبي، وإذا أتيت أباك فقل حبسني المعلم. وكان في ذلك البلد حية عظيمة قطعت طريق الناس، فمر بها الغلام فرماها بحجر فقتلها، وأتى الراهب فأخبره. فقال له الراهب: إن لك لشأناً، وإنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تدلن علي. وصار الغلام يبرئ الأكمة والأبرص ويشفي الناس. وكان للملك ابن عم أعمى، فسمع بالغلام وقتل الحية فقال: ادع الله أن يرد علي بصري. فقال الغلام: إن رد الله عليك بصرك تؤمن به ؟ قال: نعم. قال: اللهم إن كان صادقاً فأردد عليه بصره، فعاد بصره، ثم دخل على الملك، فلما رآه تعجب منه وسأله، فلم يخبره، وألح عليه فدله على الغلام، فجيء به، فقال له: لقد بلغ من سحرك ما أرى. فقال: أنا لا أشفي أحداً إنما يشفي الله من يشاء، فلم يزل يعذبه حتى دله على الراهب، فجيء به، فقال له: ارجع عن دينك، فأبى، فأمر به فوضع المنشار على رأسه فشق بنصفين، ثم جيء بابن عم الملك، فقال: ارجع عن دينك، فأبى، فشقه قطعتين، ثم قال للغلام: ارجع عن دينك، فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه وقال لهم اذهبوا به إلى جبل كذا فان رجع وإلا فاطرحوه من رأسه، فذهبوا به إلى الجبل فقال اللهم اكفنيهم ! فرجف بهم الجبل وهلكوا، ورجع الغلام إلى الملك، فسأله عن أصحابه، فقال: كفانيهم الله. فغاظه ذلك وأرسله في سفينة إلى البحر ليلقوه فيه، فذهبوا به، فقال: اللهم اكفنيهم ! فغرقوا ونجا، وجاء إلى الملك فقال: اقتلوه بالسيف، فضربوه فنبا عنه. وفشا خبره في اليمن، فأعظمه الناس وعلموا أنه على الحق، فقال الغلام للملك: إنك لن تقدر على قتلي إلا أن تجمع أهل مملكتك وترميني بسهم وتقول: بسم الله رب الغلام. ففعل ذلك فقتله. فقال الناس: آمنا برب الغلام ! فقيل للملك: قد نزل بك ما تحذر. فأغلق أبواب المدينة وخد أخدوداً وملأه ناراً وعرض الناس، فمن رجع عن دينه تركه، ومن لم يرجع ألقاه في الأخدود فأحرقه.
وكانت امرأة مؤمنة، وكان لها ثلاثة بنين، أحدهم رضيع، فقال لها الملك: ارجعي وإلا قتلتك أنت وأولادك، فأبت، فألقى ابنيها الكبيرين، فأبت، ثم أخذ الصغير ليلقيه فهمت بالرجوع. قال لها الصغير: يا أماه لا ترجعي عن دينك، لا بأس عليك ! فألقاه وألقاها في أثره، وهذا الطفل أحد من تكلم صغيراً.
قيل: حفر رجل خربة بنجران في زمن عمر بن الخطاب، فرأى عبد الله ابن الثامر واضعاً يده على ضربة في رأسه، فإذا رفعت عنها يده جرت دماً، وإذا أرسلت يده ردها إليها وهو قاعد، فكتب فيه إلى عمر، فأمر بتركه على حاله.
ذكر ملك الحبشة اليمن

قيل: لما قتل ذو نواس من قتل من أهل اليمن في الأخدود لأجل العود عن النصرانية أفلت منهم رجل يقال له دوس ذو ثعلبان حتى أعجز القوم، فقدم على قيصر فاستنصره على ذي نواس وجنوده وأخبره بما فعل بهم. فقال له قيصر: بعدت بلادك عنا، ولكن سأكتب إلى النجاشي ملك الحبشة وهو على هذا الدين وقريب منكم. فكتب قيصر إلى ملك الحبشة يأمره بنصره، فأرسل معه ملك الحبشة سبعين ألفاً وأمر عليهم رجلاً يقال له أرياط، وفي جنوده أبرهة الأشرم، فساروا في البحر حتى نزلوا بساحل اليمن، وجمع ذو نواس جنوده فاجتمعوا، ولم يكن له حرب غير أنه ناوش شيئاً من قتال ثم انهزموا، وخلها أرياط. فلما رأى ذو نواس ما نزل به وبقومه اقتحم البحر بفرسه فغرق، ووطئ أرياط اليمن فقتل ثلث رجالهم، وبعث إلى النجاشي بثلث سباياهم، ثم أقام بها وأذل أهلها.
وقيل: إن الحبشة لما خرجوا إلى المندب من أرض اليمن كتب ذو نواس إلى أقيال اليمن يدعوهم إلى الاجتماع على عدوهم، فلم يجيبوه وقالوا: يقاتل كل رجل عن بلاده. فصنع مفاتيح وحملها على عدة من الإبل ولقي الحبشة وقال: هذه مفاتيح خزائن الأموال باليمن، فهي لكم ولا تقتلوا الرجال والذرية، فأجابوه إلى ذلك وساروا معه إلى صنعاء، فقال لكبيرهم: وجه أصحابك لقبض الخزائن. فتفرق أصحابه ودفع إليهم المفاتيح، وكتب إلى الأقيال بقتل كل ثور أسود، فقتلت الحبشة ولم ينج منهم إلا الشريد.
فلما سمع النجاشي جهز إليهم سبعين ألفاً مع أرياط والأشرم، فملك البلاد وأقام بها سنين، ونازعه أبرهة الأشرم، وكان في جنده، فمال إليه طائفة منهم، وبقي أرياط في طائفة، وسار أحدهما إلى الآخر، وأرسل أبرهة: إنك لن تصنع بأن تلقي الحبشة بعضها على بعض شيئاً، فيهلكوا، ولكن ابرز إلي فأينا قهر صاحبه استولى على جنده. فتبارزا، فرفع أرياط الحربة فضرب أبرهة، فوقعت على رأسه فشرمت أنفه وعينه، فسمي الأشرم. وحمل غلام لأبرهة يقال له عتودة، كان قد تركه كميناً من خلف أرياط، على أرياط فقتله، واستولى أبرهة على الجند والبلاد وقال لعتودة: احتكم. فقال: لا تدخل عروس على زوجها من اليمن حتى أصيبها قبله، فأجابه إلى ذلك، فبقي يفعل بهم هذا الفعل حيناً، ثم عدا عليه إنسان من اليمن فقتله، فسر أبرهة بقتله وقال: لو علمت أنه يحتكم هكذا لم أحكمه. ولما بلغ النجاشي قتل أرياط غضب غضباً شديداً وحلف ألا يدع أبرهة حتى يطأ أرضه ويجز ناصيته، فبلغ ذلك أبرهة، فأرسل إلى النجاشي من تراب اليمن وجز ناصيته فبلغ ذلك أبرهة، فأرسل إلى النجاشي من تراب اليمن وجز ناصيته وأرسلها أيضاً، وكتب إليه بالطاعة وإرسال شعره وترابه ليبر قسمه بوضع التراب تحت قدميه، فرضي عنه وأقره على عمله. فلما استقر باليمن بعث إلى أبي مرة ذي يزن، فأخذ زوجته ريحانة بنت ذي جدن ونكحها، فولدت له مسروقاً، وكانت قد ولدت لذي يزن ولداً اسمه معدي كرب، وهو سيف، فخرج ذو يزن من اليمن فقدم الحيرة على عمرو بن هند وسأله أن يكتب له إلى كسرى كتاباً يعلمه محله وشرفه وحاجته، فقال: إني أفد إلى الملك كل سنة وهذا وقتها، فأقام عنده حتى وفد معه ودخل إلى كسرى معه، فأكرمه وعظمه وذكر حاجته وشكا ما يلقون من الحبشة، واستنصره عليهم، وأطمعه في اليمن وكثرة مالها، فقال له كسر أنوشروان: إني لأحب أن أسعفك بحاجتك ولكن المسالك إليها صعبة وسأنظر، وأمر بإنزاله، فأقام عنده حتى هلك. ونشأ ابنه معدي كرب بن ذي يزن في حجرة أبرهة، وهو يحسب أنه أبوه، فسبه انب لأبرهة وسب أباه، فسأل أمه عن أبيه، فصدقته، وأقام حتى مات أبرهة وابنه يكسوم وسار عن اليمن، ففعل ما نذكره إن شاء الله.
ذكر ملك كسرى أنوشروان بن قباذابن فيروز بن يزدجرد بن بهرام بن يزدجرد الأثيم لما لبس التاج خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وذكر ما ابتلوا به من فساد أمورهم ودينهم وأولادهم، وأعلمهم أنه يصلح ذلك، ثم أمر برؤوس المزدكية فقتلوا وقسمت أموالهم في أهل الحاجة.

وكان سبب قتلهم أن قباذ كان، كما ذكرنا، قد اتبع مزدك على دينه وما دعاه إليه وأطاعه في كل ما يأمره به من الزندقة وغيرها مما ذكرنا أيام قباذ، وكان المنذر بن ماء السماء يومئذٍ عاملاً على الحيرة ونواحيها، فدعاه قباذ إلى ذلك، فأبى، فدعا الحارث بن عمرو الكندي، فأجابه، فسدد له ملكه وطرد المنذر عن مملكته، وكانت أم أنوشروان يوماً بين يدي قباذ، فدخل عليه مزدك. فلما رأى أم أنوشروان قال لقباذ: ادفعها إلي لأقضي حاجتي منها. فقال: دونكها. فوثب إليه أنوشروان، ولم يزل يسأله ويتضرع إليه أن يهب له أمه حتى قبل رجله، فتركها، فحاك ذلك في نفسه.
فهلك قباذ على تلك الحال وملك أنوشروان، فجلس للملك، ولما بلغ المنذر هلاك قباذ أقبل إلى أنوشروان، وقد علم خلافه على أبيه في مذهبه واتباع مزدك، فإن أنوشروان كان منكراً لهذا المذهب كارهاً له، ثم إن أنوشروان أذن للناس إذناً عاماً، ودخل عليه مزدك، ثم دخل عليه المنذر، فقال أنوشروان: إني كنت تمنيت أمنيتين، أرجو أن يكون الله عز وجل قد جمعهما إلي. فقال مزدك: وما هما أيها الملك ؟ قال: تمنيت أن أملك وأستعمل هذا الرجل الشريف، يعني المنذر، وأن أقتل هذه الزنادقة. فقال مزدك: أوتستطيع أن تقتل الناس كلهم ؟ فقال: وإنك ها هنا يا ابن الزانية ؟! والله ما ذهب نتن ريح جوربك من أنفي منذ قبلت رجلك إلى يومي هذا. وأمر به فقتل وصلب. وقتل منهم ما بين جازر إلى النهروان وإلى المدائن في ضحوة واحدة مائة ألف زنديق وصلبهم، وسمي يومئذٍ أنوشروان.
وطلب أنوشروان الحارث بن عمرو، فبلغه ذلك وهو بالأنبار، فخرج هارباً في صحابته وماله وولده، فمر بالثوية، فتبعه المنذر بالخيل من تغلب وإياد وبهراء، فلحق بأرض كلب ونجا وانتهبوا ماله وهجائنه، وأخذت بنو تغلب ثمانية وأربعين نفساً من بني آكل المرار فقدموا بهم على المنذر، فضرب رقابهم بحفر الأميال في ديار بني مرين العباديين بين دير بني هند والكوفة، فذلك قول عمرو بن كلثوم:
فآبوا بالنّهاب وبالسبّايا ... وأبنا بالملوك مصفّدينا
وفيهم يقول امرؤ القيس:
ملوكٌ من بني حجر بن عمرو ... يساقون العشيّة يقتلونا
فلو في يوم معركةٍ أصيبوا ... ولكن في ديار بني مرينا
ولم تغسل جماجمهم بغسلٍ ... ولكن في الدماء ومرمّلينا
تظلّ الطّير عاطفةً عليهم ... وتنتزع الحواجب والعيونا
ولما قتل أنوشروان مزدك وأصحابه أمر بقتل جماعة ممن دخل على الناس في أموالهم ورد الأموال إلى أهلها، وأمر بكل مولود اختلفوا فيه أن يلحق بمن هو منهم إذا لم يعرف أبوه وأن يعطى نصيباً من ملك الرجل الذي يسند إليه إذا قبله الرجل، وبكل امرأة غلبت على نفسها أن يؤخذ مهرها من الغالب، ثم تخير المرأة بين الإقامة عنده وبين فراقه إلا أن يكون لها زوج فترد إليه.
وأمر بعيال ذوي الأحساب الذين مات قيمهم فأنكح بناتهم الأكفاء، وجهزهن من بيت المال، وأنكح نساءهم من الأشراف، واستعان بأبنائهم في أعماله، وعمر الجسور والقناطر، وأصلح الخراب، وتفقد الأساورة وأعطاهم، وبنى في الطرق القصور والحصون، وتخير الولاة والعمال والحكام، واقتدى بسيرة أردشير، وارتجع بلاداً كانت مملكة الفرس، منها: السند وسندوست والرخج وزابلستان وطخارستان، وأعظم القتل في النازور وأجلى بقيتهم عن بلاده.
واجتمع أبخز وبنجر وبلنجر واللان على قصد بلاده، فقصدوا أرمينية للغارة على أهلها، وكان الطريق سهلاً، فأمهلهم كسرى حتى توغلوا في البلاد وأرسل إليهم جنوداً، فقاتلوهم فأهلكوهم ما خلا عشرة آلاف رجل أسروا فأسكنوا أذربيجان.

وكان لكسرى أنوشروان ولد هو أكبر أولاده اسمه أنوشزاد، فبلغه عنه أنه زنديق، فسيره إلى جنديسابور وجعله معه جماعة يثق بدينهم ليصلحوا دينه وأدبه. فبينما هم عنده غذ بلغه خبر مرض والده لما دخل بلاد الروم، فوثب بمن عنده فقتلهم وأخرج أهل السجون فاستعان بهم وجمع عنده جموعاً من الأشرار، فأرسل إليهم نائب أبيه بالمدائن عسكراً، فحصروه بجنديسابور، وأرسل الخبر إلى كسرى، فكتب إليه يأمره بالجد في أمره وأخذه أسيراً، فاشتد الحصار حينئذٍ عليه ودخل العساكر المدينة عنوةً فقتلوا بها خلقاً كثيراً وأسروا أنوشزاد، فبلغه خبر جده لأمه الداور الرازي، فوثب بعامل سجستان وقاتله، فهزمه العامل، فالتجأ إلى مدينة الرخج وامتنع بها، ثم كتب إلى كسرى يعتذر ويسأله أن ينفذ إليه من يسلم له البلد، ففعل وآمنه.
وكان الملك فيروز قد بنى بناحية صول واللان بناء يحصن به بلاده، وبنى عليه ابنه قباذ زيادة فلما ملك كسرى أنوشروان بنى في ناحية صول وجرجان بناء كثيراً وحصوناً حصن بها بلاده جميعها.
وإن سيجيور خاقان قصد بلاده، وكان أعظم الترك، واستمال الخزر وأبخز وبلنجر، فأطاعوه، فأقبل في عدد كثير وكتب إلى كسرى يطلب منه الإتاوة ويتهدده إن لم يفعل، فلم يجبه كسرى إلى شيء مما طلب لتحصينه بلاده، وإن ثغر أرمينية قد حصنه، فصار يكتفي بالعدد اليسير، فقصده خاقان فلم يقدر على شيء منه، وعاد خائباً، وهذا خاقان هو الذي قتل ورد ملك الهياطلة وأخذ كثيراً من بلادهم.
ذكر ملك كسرى بلاد الرومكان بين كسرى أنوشروان وبين غطيانوس ملك الروم هدنة، فوقع بين رجل من العرب، كان ملكه غطيانوس على عرب الشام يقال له خالد بن جبلة، وبين رجل من لخم كان ملكه كسرى على عمان والبحرين واليمامة إلى الطائف وسائر الحجاز يقال له المنذر بن النعمان، فتنةٌ، فأغار خالد على ابن النعمان فقتل من أصحابه مقتلةً عظيمةً وغنم أمواله، فكتب كسرى إلى غطيانوس يذكره ما بينهما من العهد والصلح ويعلمه ما لقي المنذر من خالد، وسأله أن يأمر خالد برد ما غنم إلى المنذر ويدفع له دية من قتل من أصحابه وينصفه من خالد، وإنه إن لم يفعل ينقض الصلح. ووالى الكتب إلى غطيانوس في إنصاف المنذر، فلم يحفل به.
فاستعد كسرى وغزا بلاد غطيانوس في بضعة وسبعين ألفاً، وكان طريقه على الجزيرة، فأخذ مدينة دارا ومدينة الرهاء وعبر إلى الشام فملك منبج وحلب وإنطاكية، وكانت أفضل مدائن الشام، وفامية وحميص ومدناً كثيرة متاخمة لهذه المدائن عنوةً واحتوى على ما فيها من الموال والعروض، وسبى أهل مدينة إنطاكية ونقلهم إلى أرض السواد، وأمر فبنيت لهم مدينة إلى جانب مدينة طيسفون على بناء مدينة إنطاكية وأسكنهم إياها، وهي التي تسمى الرومية، وكور لها خمسة طساسيج: طسوج النهروان الأعلى، وطسوج النهروان الأوسط، وطسوج النهروان الأسفل، وطسوج بادرايا، وطسوج باكسايا، وأجرى على السبي الذين نقلهم إليها من إنطاكية الأرزاق، وولى القيام بأمرهم رجلاً من نصارى الأهواز ليستأنسوا به لموافقته في الدين؛ وأما سائر مدن الشام ومضر فإن غطيانوس ابتاعها من كسرى بأموال عظيمة حملها إليه وضمن له فدية يحملها إليه كل سنة على أن لا يغزو بلاده، فكانوا يحملونها كل عام.
وسار أنوشروان من الروم إلى الخزر فقتل منهم وغنم وأخذ منهم بثأر رعيته. ثم قصد اليمن فقتل فيها وغنم وعاد إلى المدائن وقد ملك ما دون هرقلة وما بينه وبين البحرين وعمان. وملك النعمان بن المنذر على الحيرة وأكرمه، وسار نحو الهياطلة ليأخذ بثأر جده فيروز، وكان أنوشروان قد صاهر خاقان قبل ذلك، ودخل كسرى بلادهم فقتل ملكهم، واستأصل أهل بيته، وتجاوز بلخ وما وراء النهر وأنزل جنوده فرغانة، ثم عاد إلى المدائن. وغزا البرجان ثم رجع وأرسل جنده إلى اليمن، فقتلوا الحبشة وملكوا البلاد. وكان ملكه ثمانياً وأربعين سنة، وقيل: سبعاً وأربعين سنة.
وكان مولد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في آخر ملكه، وقيل: ولد عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأربع وعشرين سنة مضت من ملك أنوشروان، وولد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سنة اثنتين وأربعين من ملكه.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohammed.mansy@yahoo.com
محمد منسى
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 19288
العمر : 39
الموقع : منتديات ابو ريوف
تاريخ التسجيل : 26/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الإثنين 26 نوفمبر 2018 - 13:16


فرفع شأنه إلى ملك نجران، فدعاه فقال له: أفسدت علي أهل قريتي وخالفت ديني، لأمثلن بك ! فقال: لا تقدر على ذلك. فجعل يرسله إلى الجبل الطويل فيلقى من رأسه فيقع على الأرض ليس به بأسٌ، فأرسله إلى مياه نجران، وهي بحور لا يقع فيها شيء إلا هلك، فيلقى فيها فيخرج ليس به بأسٌ. فلما غلبه قال عبد الله بن الثامر: إنك لا تقدر على قتلي حتى توحد الله وتؤمن كما آمنت، فإنك إذا فعلت قتلتني. فوحد الله الملك ثم ضربه بعصاً بيده فشجه شجة غير كبيرة فقتله، فهلك الملك مكانه، واجتمع أهل نجران على دين عبد الله بن الثامر.
قال: فسار إليهم ذو نواس بجنوده فجمعهم ثم دعاهم إلى اليهودية وخيرهم بينها وبين القتل، فاختاروا القتل، فخد لهم الأخدود، فحرق بالنار وقتل بالسيف حتى قتل قريباً من عشرين ألفاً. وهم الذين أنزل الله فيهم: (قتل أصحاب الاخدود) البروج: 4.
وقال ابن عباس: كان بنجران ملك من ملوك حمير يقال له ذو نواس واسمه يوسف بن شرحبيل، وكان قبل مولد النبي، صلى الله عليه وسلم، بسبعين سنة، وكان له ساحر حاذق. فلما كبر قال للملك: إني كبرت فابعث إلي غلاماً أعلمه السحر، فبعث إليه غلاماً اسمه عبد الله بن الثامر ليعلمه، فجعل يختلف إلى الساحر، وكان في طريقه راهب حسن القراءة، فقعد إليه الغلام، فأعجبه أمره، فكان إذا جاء إلى المعلم يدخل إلى الراهب فيقعد عنده، فإذا جاء من عنده إلى المعلم ضربه وقال له: ما الذي حبسك ؟ وإذا انقلب إلى أبيه دخل إلى الراهب فيضربه أبوه ويقول: ما الذي أبطأ بك ؟ فشكا الغلام ذلك إلى الراهب، فقال له: إذا أتيت المعلم فقل حبسني أبي، وإذا أتيت أباك فقل حبسني المعلم. وكان في ذلك البلد حية عظيمة قطعت طريق الناس، فمر بها الغلام فرماها بحجر فقتلها، وأتى الراهب فأخبره. فقال له الراهب: إن لك لشأناً، وإنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تدلن علي. وصار الغلام يبرئ الأكمة والأبرص ويشفي الناس. وكان للملك ابن عم أعمى، فسمع بالغلام وقتل الحية فقال: ادع الله أن يرد علي بصري. فقال الغلام: إن رد الله عليك بصرك تؤمن به ؟ قال: نعم. قال: اللهم إن كان صادقاً فأردد عليه بصره، فعاد بصره، ثم دخل على الملك، فلما رآه تعجب منه وسأله، فلم يخبره، وألح عليه فدله على الغلام، فجيء به، فقال له: لقد بلغ من سحرك ما أرى. فقال: أنا لا أشفي أحداً إنما يشفي الله من يشاء، فلم يزل يعذبه حتى دله على الراهب، فجيء به، فقال له: ارجع عن دينك، فأبى، فأمر به فوضع المنشار على رأسه فشق بنصفين، ثم جيء بابن عم الملك، فقال: ارجع عن دينك، فأبى، فشقه قطعتين، ثم قال للغلام: ارجع عن دينك، فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه وقال لهم اذهبوا به إلى جبل كذا فان رجع وإلا فاطرحوه من رأسه، فذهبوا به إلى الجبل فقال اللهم اكفنيهم ! فرجف بهم الجبل وهلكوا، ورجع الغلام إلى الملك، فسأله عن أصحابه، فقال: كفانيهم الله. فغاظه ذلك وأرسله في سفينة إلى البحر ليلقوه فيه، فذهبوا به، فقال: اللهم اكفنيهم ! فغرقوا ونجا، وجاء إلى الملك فقال: اقتلوه بالسيف، فضربوه فنبا عنه. وفشا خبره في اليمن، فأعظمه الناس وعلموا أنه على الحق، فقال الغلام للملك: إنك لن تقدر على قتلي إلا أن تجمع أهل مملكتك وترميني بسهم وتقول: بسم الله رب الغلام. ففعل ذلك فقتله. فقال الناس: آمنا برب الغلام ! فقيل للملك: قد نزل بك ما تحذر. فأغلق أبواب المدينة وخد أخدوداً وملأه ناراً وعرض الناس، فمن رجع عن دينه تركه، ومن لم يرجع ألقاه في الأخدود فأحرقه.
وكانت امرأة مؤمنة، وكان لها ثلاثة بنين، أحدهم رضيع، فقال لها الملك: ارجعي وإلا قتلتك أنت وأولادك، فأبت، فألقى ابنيها الكبيرين، فأبت، ثم أخذ الصغير ليلقيه فهمت بالرجوع. قال لها الصغير: يا أماه لا ترجعي عن دينك، لا بأس عليك ! فألقاه وألقاها في أثره، وهذا الطفل أحد من تكلم صغيراً.
قيل: حفر رجل خربة بنجران في زمن عمر بن الخطاب، فرأى عبد الله ابن الثامر واضعاً يده على ضربة في رأسه، فإذا رفعت عنها يده جرت دماً، وإذا أرسلت يده ردها إليها وهو قاعد، فكتب فيه إلى عمر، فأمر بتركه على حاله.
ذكر ملك الحبشة اليمن

قيل: لما قتل ذو نواس من قتل من أهل اليمن في الأخدود لأجل العود عن النصرانية أفلت منهم رجل يقال له دوس ذو ثعلبان حتى أعجز القوم، فقدم على قيصر فاستنصره على ذي نواس وجنوده وأخبره بما فعل بهم. فقال له قيصر: بعدت بلادك عنا، ولكن سأكتب إلى النجاشي ملك الحبشة وهو على هذا الدين وقريب منكم. فكتب قيصر إلى ملك الحبشة يأمره بنصره، فأرسل معه ملك الحبشة سبعين ألفاً وأمر عليهم رجلاً يقال له أرياط، وفي جنوده أبرهة الأشرم، فساروا في البحر حتى نزلوا بساحل اليمن، وجمع ذو نواس جنوده فاجتمعوا، ولم يكن له حرب غير أنه ناوش شيئاً من قتال ثم انهزموا، وخلها أرياط. فلما رأى ذو نواس ما نزل به وبقومه اقتحم البحر بفرسه فغرق، ووطئ أرياط اليمن فقتل ثلث رجالهم، وبعث إلى النجاشي بثلث سباياهم، ثم أقام بها وأذل أهلها.
وقيل: إن الحبشة لما خرجوا إلى المندب من أرض اليمن كتب ذو نواس إلى أقيال اليمن يدعوهم إلى الاجتماع على عدوهم، فلم يجيبوه وقالوا: يقاتل كل رجل عن بلاده. فصنع مفاتيح وحملها على عدة من الإبل ولقي الحبشة وقال: هذه مفاتيح خزائن الأموال باليمن، فهي لكم ولا تقتلوا الرجال والذرية، فأجابوه إلى ذلك وساروا معه إلى صنعاء، فقال لكبيرهم: وجه أصحابك لقبض الخزائن. فتفرق أصحابه ودفع إليهم المفاتيح، وكتب إلى الأقيال بقتل كل ثور أسود، فقتلت الحبشة ولم ينج منهم إلا الشريد.
فلما سمع النجاشي جهز إليهم سبعين ألفاً مع أرياط والأشرم، فملك البلاد وأقام بها سنين، ونازعه أبرهة الأشرم، وكان في جنده، فمال إليه طائفة منهم، وبقي أرياط في طائفة، وسار أحدهما إلى الآخر، وأرسل أبرهة: إنك لن تصنع بأن تلقي الحبشة بعضها على بعض شيئاً، فيهلكوا، ولكن ابرز إلي فأينا قهر صاحبه استولى على جنده. فتبارزا، فرفع أرياط الحربة فضرب أبرهة، فوقعت على رأسه فشرمت أنفه وعينه، فسمي الأشرم. وحمل غلام لأبرهة يقال له عتودة، كان قد تركه كميناً من خلف أرياط، على أرياط فقتله، واستولى أبرهة على الجند والبلاد وقال لعتودة: احتكم. فقال: لا تدخل عروس على زوجها من اليمن حتى أصيبها قبله، فأجابه إلى ذلك، فبقي يفعل بهم هذا الفعل حيناً، ثم عدا عليه إنسان من اليمن فقتله، فسر أبرهة بقتله وقال: لو علمت أنه يحتكم هكذا لم أحكمه. ولما بلغ النجاشي قتل أرياط غضب غضباً شديداً وحلف ألا يدع أبرهة حتى يطأ أرضه ويجز ناصيته، فبلغ ذلك أبرهة، فأرسل إلى النجاشي من تراب اليمن وجز ناصيته فبلغ ذلك أبرهة، فأرسل إلى النجاشي من تراب اليمن وجز ناصيته وأرسلها أيضاً، وكتب إليه بالطاعة وإرسال شعره وترابه ليبر قسمه بوضع التراب تحت قدميه، فرضي عنه وأقره على عمله. فلما استقر باليمن بعث إلى أبي مرة ذي يزن، فأخذ زوجته ريحانة بنت ذي جدن ونكحها، فولدت له مسروقاً، وكانت قد ولدت لذي يزن ولداً اسمه معدي كرب، وهو سيف، فخرج ذو يزن من اليمن فقدم الحيرة على عمرو بن هند وسأله أن يكتب له إلى كسرى كتاباً يعلمه محله وشرفه وحاجته، فقال: إني أفد إلى الملك كل سنة وهذا وقتها، فأقام عنده حتى وفد معه ودخل إلى كسرى معه، فأكرمه وعظمه وذكر حاجته وشكا ما يلقون من الحبشة، واستنصره عليهم، وأطمعه في اليمن وكثرة مالها، فقال له كسر أنوشروان: إني لأحب أن أسعفك بحاجتك ولكن المسالك إليها صعبة وسأنظر، وأمر بإنزاله، فأقام عنده حتى هلك. ونشأ ابنه معدي كرب بن ذي يزن في حجرة أبرهة، وهو يحسب أنه أبوه، فسبه انب لأبرهة وسب أباه، فسأل أمه عن أبيه، فصدقته، وأقام حتى مات أبرهة وابنه يكسوم وسار عن اليمن، ففعل ما نذكره إن شاء الله.
ذكر ملك كسرى أنوشروان بن قباذابن فيروز بن يزدجرد بن بهرام بن يزدجرد الأثيم لما لبس التاج خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وذكر ما ابتلوا به من فساد أمورهم ودينهم وأولادهم، وأعلمهم أنه يصلح ذلك، ثم أمر برؤوس المزدكية فقتلوا وقسمت أموالهم في أهل الحاجة.

وكان سبب قتلهم أن قباذ كان، كما ذكرنا، قد اتبع مزدك على دينه وما دعاه إليه وأطاعه في كل ما يأمره به من الزندقة وغيرها مما ذكرنا أيام قباذ، وكان المنذر بن ماء السماء يومئذٍ عاملاً على الحيرة ونواحيها، فدعاه قباذ إلى ذلك، فأبى، فدعا الحارث بن عمرو الكندي، فأجابه، فسدد له ملكه وطرد المنذر عن مملكته، وكانت أم أنوشروان يوماً بين يدي قباذ، فدخل عليه مزدك. فلما رأى أم أنوشروان قال لقباذ: ادفعها إلي لأقضي حاجتي منها. فقال: دونكها. فوثب إليه أنوشروان، ولم يزل يسأله ويتضرع إليه أن يهب له أمه حتى قبل رجله، فتركها، فحاك ذلك في نفسه.
فهلك قباذ على تلك الحال وملك أنوشروان، فجلس للملك، ولما بلغ المنذر هلاك قباذ أقبل إلى أنوشروان، وقد علم خلافه على أبيه في مذهبه واتباع مزدك، فإن أنوشروان كان منكراً لهذا المذهب كارهاً له، ثم إن أنوشروان أذن للناس إذناً عاماً، ودخل عليه مزدك، ثم دخل عليه المنذر، فقال أنوشروان: إني كنت تمنيت أمنيتين، أرجو أن يكون الله عز وجل قد جمعهما إلي. فقال مزدك: وما هما أيها الملك ؟ قال: تمنيت أن أملك وأستعمل هذا الرجل الشريف، يعني المنذر، وأن أقتل هذه الزنادقة. فقال مزدك: أوتستطيع أن تقتل الناس كلهم ؟ فقال: وإنك ها هنا يا ابن الزانية ؟! والله ما ذهب نتن ريح جوربك من أنفي منذ قبلت رجلك إلى يومي هذا. وأمر به فقتل وصلب. وقتل منهم ما بين جازر إلى النهروان وإلى المدائن في ضحوة واحدة مائة ألف زنديق وصلبهم، وسمي يومئذٍ أنوشروان.
وطلب أنوشروان الحارث بن عمرو، فبلغه ذلك وهو بالأنبار، فخرج هارباً في صحابته وماله وولده، فمر بالثوية، فتبعه المنذر بالخيل من تغلب وإياد وبهراء، فلحق بأرض كلب ونجا وانتهبوا ماله وهجائنه، وأخذت بنو تغلب ثمانية وأربعين نفساً من بني آكل المرار فقدموا بهم على المنذر، فضرب رقابهم بحفر الأميال في ديار بني مرين العباديين بين دير بني هند والكوفة، فذلك قول عمرو بن كلثوم:
فآبوا بالنّهاب وبالسبّايا ... وأبنا بالملوك مصفّدينا
وفيهم يقول امرؤ القيس:
ملوكٌ من بني حجر بن عمرو ... يساقون العشيّة يقتلونا
فلو في يوم معركةٍ أصيبوا ... ولكن في ديار بني مرينا
ولم تغسل جماجمهم بغسلٍ ... ولكن في الدماء ومرمّلينا
تظلّ الطّير عاطفةً عليهم ... وتنتزع الحواجب والعيونا
ولما قتل أنوشروان مزدك وأصحابه أمر بقتل جماعة ممن دخل على الناس في أموالهم ورد الأموال إلى أهلها، وأمر بكل مولود اختلفوا فيه أن يلحق بمن هو منهم إذا لم يعرف أبوه وأن يعطى نصيباً من ملك الرجل الذي يسند إليه إذا قبله الرجل، وبكل امرأة غلبت على نفسها أن يؤخذ مهرها من الغالب، ثم تخير المرأة بين الإقامة عنده وبين فراقه إلا أن يكون لها زوج فترد إليه.
وأمر بعيال ذوي الأحساب الذين مات قيمهم فأنكح بناتهم الأكفاء، وجهزهن من بيت المال، وأنكح نساءهم من الأشراف، واستعان بأبنائهم في أعماله، وعمر الجسور والقناطر، وأصلح الخراب، وتفقد الأساورة وأعطاهم، وبنى في الطرق القصور والحصون، وتخير الولاة والعمال والحكام، واقتدى بسيرة أردشير، وارتجع بلاداً كانت مملكة الفرس، منها: السند وسندوست والرخج وزابلستان وطخارستان، وأعظم القتل في النازور وأجلى بقيتهم عن بلاده.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohammed.mansy@yahoo.com
محمد منسى
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 19288
العمر : 39
الموقع : منتديات ابو ريوف
تاريخ التسجيل : 26/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الإثنين 26 نوفمبر 2018 - 13:33


واجتمع أبخز وبنجر وبلنجر واللان على قصد بلاده، فقصدوا أرمينية للغارة على أهلها، وكان الطريق سهلاً، فأمهلهم كسرى حتى توغلوا في البلاد وأرسل إليهم جنوداً، فقاتلوهم فأهلكوهم ما خلا عشرة آلاف رجل أسروا فأسكنوا أذربيجان.

وكان لكسرى أنوشروان ولد هو أكبر أولاده اسمه أنوشزاد، فبلغه عنه أنه زنديق، فسيره إلى جنديسابور وجعله معه جماعة يثق بدينهم ليصلحوا دينه وأدبه. فبينما هم عنده غذ بلغه خبر مرض والده لما دخل بلاد الروم، فوثب بمن عنده فقتلهم وأخرج أهل السجون فاستعان بهم وجمع عنده جموعاً من الأشرار، فأرسل إليهم نائب أبيه بالمدائن عسكراً، فحصروه بجنديسابور، وأرسل الخبر إلى كسرى، فكتب إليه يأمره بالجد في أمره وأخذه أسيراً، فاشتد الحصار حينئذٍ عليه ودخل العساكر المدينة عنوةً فقتلوا بها خلقاً كثيراً وأسروا أنوشزاد، فبلغه خبر جده لأمه الداور الرازي، فوثب بعامل سجستان وقاتله، فهزمه العامل، فالتجأ إلى مدينة الرخج وامتنع بها، ثم كتب إلى كسرى يعتذر ويسأله أن ينفذ إليه من يسلم له البلد، ففعل وآمنه.
وكان الملك فيروز قد بنى بناحية صول واللان بناء يحصن به بلاده، وبنى عليه ابنه قباذ زيادة فلما ملك كسرى أنوشروان بنى في ناحية صول وجرجان بناء كثيراً وحصوناً حصن بها بلاده جميعها.
وإن سيجيور خاقان قصد بلاده، وكان أعظم الترك، واستمال الخزر وأبخز وبلنجر، فأطاعوه، فأقبل في عدد كثير وكتب إلى كسرى يطلب منه الإتاوة ويتهدده إن لم يفعل، فلم يجبه كسرى إلى شيء مما طلب لتحصينه بلاده، وإن ثغر أرمينية قد حصنه، فصار يكتفي بالعدد اليسير، فقصده خاقان فلم يقدر على شيء منه، وعاد خائباً، وهذا خاقان هو الذي قتل ورد ملك الهياطلة وأخذ كثيراً من بلادهم.
ذكر ملك كسرى بلاد الرومكان بين كسرى أنوشروان وبين غطيانوس ملك الروم هدنة، فوقع بين رجل من العرب، كان ملكه غطيانوس على عرب الشام يقال له خالد بن جبلة، وبين رجل من لخم كان ملكه كسرى على عمان والبحرين واليمامة إلى الطائف وسائر الحجاز يقال له المنذر بن النعمان، فتنةٌ، فأغار خالد على ابن النعمان فقتل من أصحابه مقتلةً عظيمةً وغنم أمواله، فكتب كسرى إلى غطيانوس يذكره ما بينهما من العهد والصلح ويعلمه ما لقي المنذر من خالد، وسأله أن يأمر خالد برد ما غنم إلى المنذر ويدفع له دية من قتل من أصحابه وينصفه من خالد، وإنه إن لم يفعل ينقض الصلح. ووالى الكتب إلى غطيانوس في إنصاف المنذر، فلم يحفل به.
فاستعد كسرى وغزا بلاد غطيانوس في بضعة وسبعين ألفاً، وكان طريقه على الجزيرة، فأخذ مدينة دارا ومدينة الرهاء وعبر إلى الشام فملك منبج وحلب وإنطاكية، وكانت أفضل مدائن الشام، وفامية وحميص ومدناً كثيرة متاخمة لهذه المدائن عنوةً واحتوى على ما فيها من الموال والعروض، وسبى أهل مدينة إنطاكية ونقلهم إلى أرض السواد، وأمر فبنيت لهم مدينة إلى جانب مدينة طيسفون على بناء مدينة إنطاكية وأسكنهم إياها، وهي التي تسمى الرومية، وكور لها خمسة طساسيج: طسوج النهروان الأعلى، وطسوج النهروان الأوسط، وطسوج النهروان الأسفل، وطسوج بادرايا، وطسوج باكسايا، وأجرى على السبي الذين نقلهم إليها من إنطاكية الأرزاق، وولى القيام بأمرهم رجلاً من نصارى الأهواز ليستأنسوا به لموافقته في الدين؛ وأما سائر مدن الشام ومضر فإن غطيانوس ابتاعها من كسرى بأموال عظيمة حملها إليه وضمن له فدية يحملها إليه كل سنة على أن لا يغزو بلاده، فكانوا يحملونها كل عام.
وسار أنوشروان من الروم إلى الخزر فقتل منهم وغنم وأخذ منهم بثأر رعيته. ثم قصد اليمن فقتل فيها وغنم وعاد إلى المدائن وقد ملك ما دون هرقلة وما بينه وبين البحرين وعمان. وملك النعمان بن المنذر على الحيرة وأكرمه، وسار نحو الهياطلة ليأخذ بثأر جده فيروز، وكان أنوشروان قد صاهر خاقان قبل ذلك، ودخل كسرى بلادهم فقتل ملكهم، واستأصل أهل بيته، وتجاوز بلخ وما وراء النهر وأنزل جنوده فرغانة، ثم عاد إلى المدائن. وغزا البرجان ثم رجع وأرسل جنده إلى اليمن، فقتلوا الحبشة وملكوا البلاد. وكان ملكه ثمانياً وأربعين سنة، وقيل: سبعاً وأربعين سنة.
وكان مولد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في آخر ملكه، وقيل: ولد عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأربع وعشرين سنة مضت من ملك أنوشروان، وولد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سنة اثنتين وأربعين من ملكه.

قال هشام بن الكلبي: ملك العرب من قبل ملوك الفرس بعد الأسود بن المنذر أخوه المنذر بن المنذر بن النعمان سبع سنين، ثم ملك بعده النعمان بن الأسود أربع سنين، ثم استخلف أبو يعفر بن علقمة بن مالك بن عدي اللخمي ثلاث سنين، ثم ملك المنذر بن امرئ القيس البدء ولقب ذو القرنين لضفيرتين كانتا له، وأمه ماء السماء، وهي ماوية ابنة عمرو بن جشم ابن النمر بن قاسط، تسعاً وأربعين سنة، ثم ملك ابنه عمرو بن المنذر ست عشرة سنة. قال: ولثماني سنين وثمانية أشهر من ولايته ولد النبي، صلى الله عليه وسلم، وذلك أيام أنوشروان عام الفيل.
فلما دانت لكسرى بلاد اليمن وجه إلى سرنديب من بلاد الهند، وهي أرض الجوهر، قائداً من قواده في جند كثيف، فقاتل ملكها، فقتله واستولى عليها، وحمل إلى كسرى منها أموالاً عظيمة وجواهر كثيرة. ولم يكن ببلاد الفرس بنات اوى، فجاءت إليها من بلاد الترك في ملك كسرى أنوشروان، فشق عليه ذلك وأحضر موبذان موبذ وقال له: قد بلغنا تساقط هذه السباح إلى بلادنا وقد تعاظمنا ذلك، فأخبرنا برأيك فيها. فقال: سمعت فقهاءنا يقولون: متى لم يغلب العدل الجور في البلاد بل جار أهلها غزاهم أعداؤهم وأتاهم ما يكرهون. فلم يلبث كسرى أن أتاه أن فتياناً من الترك قد غزوا أقصى بلاده، فأمر وزراءه وعماله أن لا يتعدوا فيما هم بسبيله العدل ولا يعملوا في شيء منها إلا به، ففعلوا ما أمرهم، فصرف الله ذلك العدو عنهم من غير حرب.
؟

ذكر ما فعله أنوشروان بأرمينية وأذربيجان

كانت أرمينية وأذربيجان بعضها للروح وبعضها للخزر، فبنى قباذ سوراً مما يلي بعض تلك الناحية، فلما توفي وملك ابنه أنوشروان وقوي أمره وغزا فرغانة والبرجان وعاد بنى مدينة الشابران ومدينة مسقط ومدينة الباب والأبواب، وإنما سميت أبواباً لأنها بنيت على طريق في الجبل، وأسكن المدن قوماً سماهم السياسجين، وبنى غير هذه المدن، وبنى لكل باب قصراً من حجارة، وبنى بأرض جرزان مدينة سغدبيل وأنزلها السغد وأبناء فارس، وبنى باب اللان، وفتح جميع ما كان بأيدي الروم من أرمينية، وعمر مدينة أردبيل وعدة حصون، وكتب إلى ملك الترك يسأله الموادعة والاتفاق ويخطب إليه ابنته، ورغب في صهره، وتزوج كل واحد بابنة الآخر.
فأما كسرى فإنه أرسل إلى خاقان ملك الترك بنتاً كانت قد تبنتها بعض نسائه وذكر أنها ابنته، وأرسل ملك الترك ابنته، واجتمعا، فأمر أنوشروان جماعةً من ثقاته أن يكبسوا طرفاً من عسكر الترك ويحرقوا فيه، ففعلوا، فلما أصبحوا شكا ملك الترك ذلك، فأنكر أن يكون له علم به، ثم أمر بمثل ذلك بعد ليال، فضج التركي، فرفق به أنوشروان، فاعتذر إليه، ثم أمر أنوشروان أن تلقى النار في ناحية من عسكره فيها أكواخ من حشيش، فلما اصبح شكا إلى التركي، قال: كافأتني بالتهمة ! فحلف التركي أنه لم يعلم بشيء من ذلك، فقال أنوشروان له: إن جندنا قد كرهوا صلحنا لانقطاع العطاء والغارات، ولا أمن أن يحدثوا حدثاً يفسد قلوبنا فنعود إلى العدواة، والرأي أن تأذن لي في بناء سور يكون بيني وبينك نجعل عليه أبواباً فلا يدخل إليك إلا من تريده ولا يدخل إلينا إلا من نريده. فأجابه إلى ذلك.
وبنى أنوشروان السور من البحر وألحقه برؤوس الجبال، وعمل عليه أبواب الحديد ووكل به من يحرسه. فقيل لملك الترك: إنه خدعك وزوجك غير ابنته وتحصن منك فلم تقدر له على حيلة.
وملك أنوشروان ملوكاً رتبهم على النواحي، فمنهم صاحب السرير وفيلان شاه واللكز ومسقط وغيرها، ولم تزل أرمينية بأيدي الفرس حتى ظهر الإسلام، فرفض كثير من السياسجين حصونهم ومدائنهم حتى خربت واستولى عليها الخزر والروم، وجاء الإسلام وهي كذلك.
ذكر أمر الفيللما دام ملك أبرهة باليمن وتمكن به بنى القليس بصنعاء، وهي كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشيء من الأرض، ثم كتب إلى النجاشي: إني قد بنيت لك كنيسة لم ير مثلها ولست بمنتهٍ حتى أصرف إليها حاج العرب.
فلما تحدثت العرب بذلك غضب رجل من النسأة من بني فقيم، فخرج حتى أتاها فقعد فيها وتغوط، ثم لحق بأهله، فأخبر بذلك أبرهة، وقيل له: إنه فعل رجل من أهل البيت الذي تحجه العرب بمكة غضب لما سمع أنك تريد صرف الحجاج عنه ففعل هذا.
فغضب أبرهة وحلف ليسيرن إلى البيت فيهدمه، وأمر الحبشة فتجهزت، وخرج معه بالفيل واسمه محمود، وقيل: كان معه ثلاثة عشر فيلاً وهي تتبع محموداً، وإنما وحد الله سبحانه الفيل لأنه عنى كبيرها محموداً، وقيل في عددهم غير ذلك.
فلما سار سمعت العرب به فأعظموه ورأوا جهاده حقاً عليهم، فخرج عليه رجل من أشراف اليمن يقال له ذو نفر وقاتله، فهزم ذو نفر وأخذ أسيراً فأراد قتله ثم تركه محبوساً عنده، ثم مضى على وجهه، فخرج عليه نفيل ابن حبيب الجثعمي فقاتله، فانهزم نفيل وأخذ أسيراً، فضمن لأبرهة أن يدله على الطريق، فتركه وسار حتى إذا مر على الطائف بعثت معه ثقيف أبا رغالٍ يدله على الطريق حتى أنزله بالمغمس، فلما نزله مات أبو رغالٍ، فرجمت العرب قبره، فهو القبر الذي يرجم.
وبعث أبرهة الأسود بن مقصود إلى مكة، فساق أموال أهلها وأصاب فيها مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم، ثم أرسل أبرهة حناطة الحميري إلى مكة فقال: سل عن سيد قريش وقل له إني لم آت لحربكم إنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تمنعوا عنه فلا حاجة لي بقتالكم.
فلما بلغ عبد المطلب ما أمره قال له: والله ما نريد حربه، هذا بيت الله وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه فهو يمنع بيته وحرمه وإن يخل بيته وبينه فوالله ما عندنا من دفع، فقال له: انطلق معي إلى الملك. فانطلق معه عبد المطلب حتى أتى العسكر، فسأل عن ذي نفر، وكان له صديقاً، فدل عليه، وهو في محبسه، فقال له: هل عندك غناء فيما نزل بنا ؟ فقال: وما غناء رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله ؟ ولكن أنيس سائس الفيل صديق لي فأوصيه بك وأعظم حقك وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه بما تريد ويشفع لك عنده إن قدر. قال: حسبي. فبعث ذو نفر إلى أنيس، فحضره وأوصاه بعبد المطلب وأعلمه أنه سيد قريش. فكلم أنيس أبرهة وقال: هذا سيد قريش يستأذن، فأذن له.
وكان عبد المطلب رجلاً عظيماً وسيماً، فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه ونزل عن سريره إليه وجلس معه على بساط وأجلسه إلى جنبه وقال لترجمانه: قل له ما حاجتك ؟ فقال له الترجمان ذلك، فقال عبد المطلب: حاجتي أن يرد علي مائتي بعير أصابها لي فلما قال له ذلك فقال أبرهة لترجمانه: قل له قد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في إبلك وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه ؟ قال عبد المطلب: أنا رب الإبل وللبيت رب يمنعه. قال: ما كان ليمنع مني. وأمر برد إبله، فلما أخذها قلدها وجعلها هدياً وبثها في الحرم لكي يصاب منها شيء فيغضب الله. وانصرف عبد المطلب إلى قريش وأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج معه من مكة والتحرز في رؤوس الجبال خوفاً من معرة الجيش، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقه باب الكعبة وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة، فقال عبد المطلب، وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:
يا ربّ لا أرجو لهم سواكا ... يا ربّ فامنع منهم حماكا
إنّ عدوّ البيت من عاداكا ... إمنعهم أن يخربوا فناكا
وقال أيضاً:
لا همّ إنّ العبد يم ... نع رحله فامنع حلالك
لا يغلبنّ صليبهم ... ومحالهم غدراً محالك
ولئن فعلت فإنّه ... أمرٌ تتمّ به فعالك
أنت الذي إن جاء با ... غٍ نرتجيك له كذلك
ولّوا ولم يحووا سوى ... خزيٍ وتهلكهم هنالك
لم أستمع يوماً بأر ... جس منهم يبغوا قتالك
جرّوا جموع بلادهم ... والفيل كي يسبوا عيالك
عمدوا حماك بكيدهم ... جهلاً وما رقبوا جلالك
ثم أرسل عبد المطلب حلقة باب الكعبة وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف والجبال فتحرزوا فيها ينتظرون ما يفعل أبرهة بمكة إذا دخل.

فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وهيأ فيله، وكان اسمه محموداً، وأبرهة مجمعٌ لهدم البيت والعود إلى اليمن، فلما وجهوا الفيل أقبل نفيل بن حبيب الخثعمي فمسك بأذنه وقال: ارجع محمود، ارجع راشداً من حيث جئت فإنك في بلد الله الحرام ؟! ثم أرسل أذنه، فألقى الفيل نفسه إلى الأرض واشتد نفيل فصعد الجبل، فضربوا الفيل، فأبى، فوجهوه راجعاً إلى اليمن، فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل كذلك، ووجهوه راجعاً إلى اليمن، فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل كذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فسقط إلى الأرض. وأرسل الله عليهم طيراً أبابيل من البحر أمثال الخطاطيف مع كل طير منها ثلاثة أحجار تحملها، حجر في منقاره وحجران في رجليه، فقذفتهم بها وهي مثل الحمص والعدس لا تصيب أحداً منهم إلا هلك، ليس كلهم أصابت، وأرسل الله سيلاً ألقاهم في البحر وخرج من سلم مع أبرهة هارباً يبتدرون الطريق الذي جاءوا منه ويسألون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فقال نفير حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته:
أين المفرّ والإله الطّالب ... والأشرم المغلوب غير الغالب
وقال أيضاً:
ألا حيّيت عنّا يا ردينا ... نعمناكم مع الإصباح عينا
أتانا قابسٌ منكم عشاء ... فلم يقدر لقابسكم لدينا
ردينة لو رأيت ولم تريه ... لدى جنب المحصّب ما رأينا
إذا لعذرتني وحمدت رأيي ... ولم تأسي لما قد فات بينا
حمدت الله إذ عاينت طيراً ... وخفت حجارةً تلقى علينا
وكلّ القوم يسأل عن نفيلٍ ... كأنّ عليّ للحبشان دينا
وأصيب أبرهة في جسده فسقطت أعضاؤه عضواً عضواً حتى قدموا به صنعاء وهو مثل الفرخ، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه.
فلما هلك ملك ابنه يكسوم بن أبرهة، وبه كان يكنى، وذلت حمير واليمن له، ونكحت الحبشة نساءهم وقتلوا رجالهم واتخذوا أبناءهم تراجمة بينهم وبين العرب.
ولما أهلك الله الحبشة وعاد ملكهم ومعه من سلم منهم ونزل عبد المطلب من الغد إليهم لينظر ما يصنعون ومعه أبو مسعود الثقفي لم يسمعا حساً، فدخلا معسكرهم فرأيا القوم هلكى، فاحتفر عبد المطلب حفرتين ملأهما ذهباً وجوهراً له ولأبي مسعود ونادى في الناس، فتراجعوا، فأصابوا من فضلهما شيئاً كثيراً، فبقي عبد المطلب في غنىً من ذلك المال حتى مات.
ويبعث الله السيل فألقى الحبشة في البحر وقال كثير من أهل السير إن الحصبة والجدري أول ما رؤيا في العرب بعد الفيل وكذلك قالوا إن العشر والحرمل والشجر لم تعرف بأرض العرب إلا بعد الفيل. وهذا مما لا ينبغي أن يعرض عليه فإن هذه الأمراض والأشجار قبل الفيل مذ خلق الله العالم. ولما رد الله الحبشة عن الكعبة وأصابهم ما أصابهم عظمت العرب قريشاً وقالوا: أهل الله قاتل عنهم. ثم مات يكسوم وملك بعده أخوه مسروق.
ذكر عود اليمن إلى حمير وإخراج الحبشة عنهلما هلك يكسوم ملك اليمن أخوه مسروق بن أبرهة، وهو الذي قتله وهرز، فلما تشد البلاء على أهل اليمن خرج سيف بن ذي يزن، وكنيته أبو مرة، وقيل: كنية ذي يزن أبو مرة، حتى قدم على قيصر، وتنكب كسرى لإبطائه عن نصر أبيه، فإنه كان قصد كسرى أنوشروان لما أخذت زوجته يستنصره على الحبشة، فوعده، فأقام ذو يزن عنده، فمات على بابه. وكان ابنه سيف مع أمه في حجر أبرهة، وهو يحسب أنه ابنه، فسبه ولد لأبرهة وسب أباه، فسأل أمه عن أبيه فأعلمته خبره بعد مراجعة بينهما، فأقام حتى مات أبرهة وابنه يكسوم، ثم سار إلى الروم فلم يجد عند ملكهم ما يحب لموافقته الحبشة في الدين، فعاد إلى كسرى، فاعترضه يوماً وقد ركب فقال له: إن لي عندك ميراثاً، فدعا به كسرى لما نزل فقال له: من أنت وما ميراثك ؟ قال: أنا ابن الشيخ اليماني الذي وعدته النصرة فمات ببابك، فتلك العدة حق لي وميراث. فرق كسرى له وقال له: بعدت بلادك عنا وقل خيرها والمسلك إليها وعرٌ ولست أغرر بجيشي. وأمر له بمال، فخرج وجعل ينثر الدراهم، فانتهبها الناس، فسمع كسرى فسأله ما حمله على ذلك، فقال: لم آتك للمال وإنما جئتك للرجال ولتمنعني من الذل والهوان، وإن جبال بلادنا ذهب وفضة.

فأعجب كسرى بقوله وقال: يظن المسكين أنه أعرف ببلاده مني؛ واستشار وزراءه في توجيه الجند معه، فقال له موبذان موبذ: أيها الملك إن لهذا الغلام حقاً بنزوعه إليك وموت أبيه ببابك وما تقدم من عدته بالنصرة، وفي سجونك رجال ذوو نجدة وبأس فلو أن الملك وجههم معه فإن أصابوا ظفراً كان للملك، وإن هلكوا فقد استراح وأراح أهل مملكته منهم.
فقال كسرى: هذا الرأي. فأمر بمن في السجون، فأحضروا، فكانوا ثمانمائة، فقود عليهم قائداً من أساورته يقال له وهرز، وقيل: بل كان من أهل السجون سخط عليه كسرى لحدث فحبسه، وكان يعدله بألف أسوار، وأمر بحملهم في ثماني سفن، فركبوا البحر، فغرق سفينتان وخرجوا بساحل حضرموت، ولحق بابن ذي يزن بشرٌ كثير، وسار إليهم مسروق في مائة ألف من الحبشة وحمير والأعراب، وجعل وهرز البحر وراء ظهره وأحرق السفن لئلا يطمع أصحابه في النجاة، وأحرق كل ما معهم من زاد وكسوة إلا ما أكلوا وما على أبدانهم، وقال لأصحابه: إنما أحرقت ذلك لئلا يأخذه الحبشة إن ظفروا بكم، وإن نحن ظفرنا بهم فسنأخذ أضعافه، فإن كنتم تقاتلون معي وتصبروني أعلمتموني ذلك، وإن كنتم لا تفعلون اعتمدت على سيفي حتى يخرج من ظهري، فانظروا ما حالكم إذا فعل رئيسكم هذا بنفسه. قالوا: بل نقاتل معك حتى نموت أو نظفر. وقال لسيف بن ذي يزن: ما عندك ؟ قال: ما شئت من رجل عربي وسيف عربي، ثم اجعل رجلي مع رجلك حتى نموت جميعاً أو نظفر جميعاً. قال: أنصفت.
فجمع إليه سيف من استطاع من قومه، فكان أول من لحقه السكاسك من كندة. وسمع بهم مسروق بن أبرهة فجمع إليه جنده، فعبأ وهرز أصحابه وأمرهم أن يوتروا قسيهم، وقال: إذا أمرتكم بالرمي فارموا رشقاً.
وأقبل مسروق في جمع لا يرى طرفاه، وهو على فيل وعلى رأسه تاج وبين عينيه ياقوتة حمراء مثل البيضة لا يرى دون الظفر شيئاً. وكان وهرز كل بصره، فقال: أروني عظيمهم. فقالوا: هذا صاحب الفيل، ثم ركب فرساً، فقالوا: ركب فرساً، ثم انتقل إلى بلغة، فقالوا: ركب بغلة. فقال وهرز: ذل وذل ملكه ! وقال وهرز: ارفعوا لي حاجبي، وكانا قد سقطا على عينيه من الكبر، فرفعوهما له بعصابة، ثم جعل نشابة في كبد قوسه وقال: أشيروا إلى مسروق، فأشاروا إليه، فقال لهم: سأرميه فإن رأيتم أصحابه وقوفاً لم يتحركوا فاثبتوا حتى أوؤذنكم، فإني قد أخطأت الرجل، وإن رأيتموهم قد استداروا ولاثوا به فقد أصبته فاحملوا عليهم. ثم رماه فأصاب السهم بين عينيه، ورمى أصحابه، فقتل مسروق وجماعة من اصحابه، فاستدارت الحبشة بمسروق وقد سقط عن دابته، وحملت الفرس عليهم فلم يكن دون الهزيمة شيء، وغنم الفرس من عسكرهم ما لا يحد ولا يحصى.
وقال وهرز: كفوا عن العرب واقتلوا السودان ولا تبقوا منهم أحداً. وهرب رجل من الأعراب يوماً وليلة ثم التفت فرأى في جعبته نشابة فقال: لأمك الويل ! أبعدٌ أم طول مسير ! وسار وهرز حتى دخل صنعاء وغلب على بلاد اليمن وأرسل عماله في المخاليف.
وكان مدة ملك الحبشة اليمن اثنتين وسبعين سنة، توارث ذلك منهم أربعة ملوك: أرياط ثم أبرهة ثم ابنه يكسوم ثم مسروق بن أبرهة، وقيل: كان ملكهم نحواً من مائتي سنة، وقيل غير ذلك، والأول أصح.

فلما ملك وهرز اليمن أرسل إلى كسرى يعلمه بذلك وبعث إليه بأموال، وكتب إليه كسرى يأمره أن يملك سيف بن ذي يزن، وبعضهم يقول معدي كرب بن سيف بن ذي يزن على اليمن وأرضها، وفرض عليه كسرى جزية وخراجاً معلوماً في كل عام، فملكه وهرز وانصرف إلى كسرى وأقام سيف على اليمن ملكاً يقتل الحبشة ويبقر بطون الحبال عن الحمل، ولم يترك منهم إلا القليل جعلهم خولاً فاتخذ منهم جمازين يسعون بين يديه بالحراب، فمكث غير كثير، ثم إنه خرج يوماً والحبشة يسعون بين يديه بحرابهم فضربوه بالحراب حتى قتلوه، فكان ملكه خمس عشرة سنة، ووثب بهم رجل من الحبشة فقتل باليمن وأفسد، فلما بلغ ذاك كسرى بعث إليهم وهرز في أربعة آلاف فارس وأمره أن لا يترك باليمن أسود ولا ولد عربية من أسود إلا قتله، صغيراً أو كبيراً، ولا يدع رجلاً جعداً قططاً قد شرك فيه السودان إلا قتله، وأقبل حتى دخل اليمن ففعل ما أمره، وكتب إلى كسرى يخبره، فأقره على ملك اليمن، فكان يجيبها لكسرى حتى هلك، وأمر بعده كسرى ابنه المرزبان بن وهرز حتى هلك، ثم أمر بعده كسرى التينجان بن المرزبان، ثم أمر بعده خر خسرة بن التينجان بن المرزبان.
ثم إن كسرى أبرويز غضب عليه فأحضره من اليمن، فلما قدم تلقاه رجل من عظماء الفرس فألقى عليه سيفاً كان لأبي كسرى، فأجاره كسرى بذلك من القتل وعزله عن اليمن، وبعث باذان إلى اليمن، فلم يزل ليها حتى بعث الله نبيه محمداً، صلى الله عليه وسلم.
وقيل: إن أنوشروان استعمل بعد وهرز زرين، وكان مسرفاً، إذا أراد أن يركب قتل قتيلاً ثم سار بين أصواله، فمات أنوشروان وهو على اليمن، فعزله ابنه هرمز. وقد اختلفوا في ولاة اليمن للأكسارة اختلافاً كثيراً لم أر لذكره فائدة.
ذكر ما أحدثه قريش بعد الفيللما كان من أمر أصحاب الفيل ما ذكرناه عظمت قريش عند العرب فقالوا لهم أهل الله وقطنه يحامي عنهم، فاجتمعت قريش بينها وقالوا: نحن بنو إبراهيم، عليه السلام، وأهل الحرم وولاة البيت وقاطنوا مكة، فليس لأحد من العرب مثل منزلتنا، ولا يعرف العرب لأحد مثل ما يعرف لنا، فهلموا فلنتفق على ائتلاف أننا لا نعظم شيئاً من الحل كما يعظم الحرم، فإننا إذا فعلنا ذلك استخفت العرب بنا وبحرمنا وقالوا: قد عظمت قريش من الحل مثل ما عظمت من الحرم، فتركوا الوقوف بعرفة والإفاضة منها، وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم، ويروى سائر العرب أن يقفوا عليها وأن يفيضوا منها، وقالوا: نحن أهل الحرم فلا نعظم غيره، ونحن الحمس، وأصل الحماسة الشدة أنهم تشددوا في دينهم وجعلوا لمن ولد واحدة من نسائهم من العرب ساكني الحل مثل ما لهم بولادتهم، ودخل معهم في ذلك كنانة وخزاعة وعامر لولادة لهم، ثم ابتدعوا فقالوا: لا ينبغي للحمس أن يعملوا الأقط ولا يسلأوا السمن وهم حرم، ولا يدخلوا بيتاً من شعر، ولا يستظلوا إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرماً. وقالوا: ولا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاؤوا به معهم من الحل في الحرم إذا جاؤوا حجاجاً أو عماراً. ولا يطوفون بالبيت طوافهم إذا قدموا إلا في ثياب الحمس، فإن لم يجدوا طافوا بالبيت عراة، فإن أنف أحد من عظمائهم أن يطوف عرياناً إذا لم يجد ثياب الحمس فطاف في ثيابه ألقاها إذا فرغ من الطواف ولا يمسها هو، ولا أحد غيره، وكانوا يسمونها اللقى. فدانت العرب لهم بذلك، فكانوا يطوفون كما شرعوا لهم ويتركون أزوادهم التي جاؤوا بها من الحل ويشترون من طعام الحرم ويأكلونه. هذا في الرجال، وأما النساء فكانت المرأة تضع ثيابها كلها إلا درعها مفرجاً ثم تطوف فيه وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كلّه ... وما بدا منه فلا أحلّه


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohammed.mansy@yahoo.com
محمد منسى
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 19288
العمر : 39
الموقع : منتديات ابو ريوف
تاريخ التسجيل : 26/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الإثنين 26 نوفمبر 2018 - 13:36


فكانوا كذلك حتى بعث الله محمّداً، صلى الله عليه وسلم، فنسخه، فأفاض من عرفاتٍ، وطاف الحجاج بالثياب التي معهم من الحل، وأكلوا من طعام الحل، في الحرم أيام الحج، وأنزل الله تعالى في ذلك: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ أَفَاضَ النّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا الله إنّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ) البقرة: 199؛ أراد بالناس العرب، أمر قريشاً أن يفيضوا من عرفات، وأنزل الله تعالى في اللباس والطعام الذي من الحل وتركهم إياه في الحرم: (يَا بَني آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا، إلى قوله: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)
ذكر حلف المطيبين والأحلافقد ذكرنا ما كان قصي أعطى ولده عبد الدار من الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء، ثم إن هاشماً وعبد شمس والمطلب ونوفلاً بني عبد مناف ابن قصي رأوا أنهم أحق بذلك من بني عبد الدار لشرفهم عليهم ولفضلهم في قومهم، وأرادوا أخذ ذلك منهم، فتفرقت عند ذلك قريش، كانت طائفة مع بني عبد مناف، وطائفة مع بني عبد الدار يرون أنه لا يجوز أن يؤخذ منهم ما كان قصي جعله لهم إذ كان أمر قصي فيهم شرعاً متبعاً معرفة منهم لفضله تيمناً بأمره، وكان صاحب أمر بني عبد مناف بن قصي عبد شمس لأنه كان أكبرهم، وكان صاحب بني عبد الدار الذي قام في المنع عنهم عامر بن هاشم ابن عبد مناف بن عبد الدار، فاجتمع بنو أسد بن عبد العزى بن قصي، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو تيم بن مرة، وبنو الحارث بن فهر بن مالك ابن النضر مع بني عبد مناف، واجتمع بنو مخزوم، وبنو سهم، وبنو جمح، وبنو عدي بن كعب مع بني عبد الدار، وخرجت عامر بن لؤي ومحارب ابن فهر من ذلك، فلم يكونوا مع أحد الفريقين، وعقد كل طائفة بينهم حلفاً مؤكداً على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضاً ما بل بحرٌ صوفةً، فأخرجت بنو عبد مناف بن قصي جفنة مملوءة طيباً، قيل: إن بعض نساء بني عبد مناف أخرجتها لهم، فوضعوها في المسجد وغمسوا أيديهم فيها وتعاهدوا وتعاقدوا ومسحوا الكعبة بأيديهم توكيداً على أنفسهم، فسموا بذلك المطيبين.
وتعاقد بنو عبد الدار ومن معهم من القبائل عند الكعبة على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضاً فسموا لأحلاف، ثم تصافوا للقتال وأجمعوا على الحرب، فبينما هم على ذلك إذ تداعوا للصلح على أن يعطوا بني عبد مناف السقاية والرفادة وأن تكون الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار، فاصطلحوا ورضي كل واحد من الفريقين بذلك وتحاجزوا عن الحرب، وثبت كل قوم مع من حالفوا حتى جاء الإسلام وهم على ذلك، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما كان من حلف في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدةً ولا حلف في الإسلام.
فولي السقاية والرفادة هاشم بن عبد مناف لأن عبد شمس كان كثير الأسفار قليل المال كثير العيال، وكان هاشم موسراً جواداً.
وكان ينبغي أن نذكر هذا قبل الفيل وما أحدثه قريش، وإنما أخرناه للزوم تلك حوادث بعضها ببعض.
ذكر ما فعله كسرى في أمر الخراج والجندكان ملوك الفرس يأخذون من غلات كورهم قبل ملك كسرى أنوشروان في خراجها من بعضها الثلث ومن بعضها الربع، وكذلك الخمس والسدس على قدر شربها وعمارتها، ومن الجزية شيئاً معلوماً، فأمر الملك قباذ بمسح الأرضين ليصح الخراج عليها، فمات قبل الفراغ من ذلك، فلما ملك أنوشروان أمر باستتمام ذلك ووضع الخراج على الحنطة والشعير ون والكرم والرطب والنخل والزيتون والأرز على كل نوع من هذه الأنواع شيئاً معلوماً، ويؤخذ في السنة في ثلاثة أنجم، وهي الوضائع التي اقتدى بها عمر بن الخطاب، وكتب كسرى إلى القضاة في البلاد نسخة بالخراج ليمتنع العمال من الزيادة عليه، وأمر أن يوضع عمن أصابت غلته جائحة بقدر جائحته، وألزموا الناس الجزية ما خلا العظماء وأهل البيوتات والجند والهرابذة والكتاب ومن في خدمة الملك كل إنسان على قدره من اثني عشر درهماً وثمانية دراهم وستة دراهم وأربعة دراهم، وأسقطها عمر عمن لم يبلغ عشرين سنة أو جاوز خمسين سنة.

ثم إن كسرى ولى رجلاً من الكتاب من الكفاة والنبلاء اسمه بابك عرض جيشه، فطلب من كسرى التمكن من شغله إلى ذلك، فتقدم ببناء مصطبة موضع عرض الجيش وفرشها، ثم نادى أن يحضر الجند بسلاحهم وكراعهم للعرض، فحضروا، فحيث لم ير معهم كسرى أمرهم بالانصراف، فعل ذلك يومين، ثم أمر فنودي في اليوم الثالث أن لا يتخلف أحد ولا من أكرم بتاج، فسمع كسرى فحضر وقد لبس التاج والسلاح، ثم أتى بابك ليعرض عليه، فرأى سلاحه تاماً ما عدا وترين للقوس كان عادتهم أن يستظهروا بهما، فلم يرهما بابك معه فلم يجز على اسمه وقال له: هلم كل ما يلزمك. فذكر كسرى الوترين فتعلقهما، ثم نادى منادي بابك وقال: للكمي السيد، سيد الكماة، أربعة آلاف درهم، وأجاز على اسمه. فلما قام عن مجلسه حضر عند كسرى يعتذر إليه من غلظته عليه، وذكر له أن أمره لا يتم إلا بما فعل. فقال كسرى: ما غلظ علينا أمرٌ نريد به إصلاح دولتنا.
ومن كلام كسرى: الشكر والنعمة كفتان ككفتي الميزان أيهما رجح بصاحبه احتاج الأخف إلى أن يزاد فيه حتى يعادل صاحبه، فإذا كانت النعم كثيرة والشكر قليلاً انقطع الحمد، فكثير النعم يحتاج إلى كثير من الشكر، وكلما زيد في الشكر ازدادت النعم وجاوزته، ونظرت في الشكر فوجدت بعضه بالقول وبعضه بالفعل، ونظرت أحب الأعمال إلى الله فوجدته الشيء الذي أقام به السموات والأرض وأرسى به الجبال وأجرى به الأنهار وبرأ به البرية، وهو الحق والعدل، فلزمته، ورأيت ثمرة لحق والعدل عمارة البلدان التي بها قوام الحياة للناس والدواب والطير وجميع الحيوانات. ولما نظرت في ذلك وجدت المقاتلة أجراء لأهل العمارة، وأهل العمارة أجراء للمقاتلة، فأما المقاتلة فإنهم يطلبون أجورهم من أهل الخراج وسكان البلدان لمدافعتهم عنهم ومجاهدتهم من ورائهم، فحق على أهل العمارة أن يوفرهم أجورهم، فإن العمارة والأمن والسلامة في النفس والمال لا يتم إلا بهم، ورأيت أن المقاتلة لا يتم لهم المقام والأكل والشرب وتثمير الأموال والأولاد إلا بأهل الخراج والعمارة، فأخذت للمقاتلة من أهل الخراج ما يقوم بأودهم وتركت على أهل الخراج من مستغلاتهم ما يقوم بمؤونتهم وعمارتهم ولم أجحف بواحد من الجانبين، ورأيت المقاتلة وأهل الخراج كالعينين المبصرتين واليدين المتساعدتين والرجلين على أيهما دخل الضرر تعدى إلى الأخرى.
ونظرنا في سير آبائنا فلم نترك منها شيئاً يقترن بالثواب من الله والذكر الجميل بين الناس والمصلحة الشاملة للجند والرعية إلا اعتمدناه، ولا فساداً إلا أعرضنا عنه، ولم يدعنا إلى حب ما لا خير فيه حب الآبا. ونظرت في سير أهل الهند والروم وأخذنا محمودها، ولم تنازعنا أنفسنا إلى ما تميل إليه أهواؤنا، وكتبنا بذلك إلى جميع أصحابنا ونوابنا في سائر البلدان. فانظر إلى هذا الكلام الذي يدل على زيادة العلم وتوفر العقل والقدرة على منع النفس، ومن كان هذا حاله استحق أن يضرب به المثل في العدل إلى أن تقوم الساعة. وكان لكسرى أولاد متأدبون، فجعل الملك من بعده لابنه هرمز. وكان مولد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عام الفيل، وذلك لمضي اثنتين وأربعين سنة من ملكه، وفي هذا العام كان يوم ذي جبلة، وهو يوم من أيام العرب المذكورة.
ذكر مولد رسول الله صلى الله عليه وسلمقال قيس بن مخرمة وقباث بن أشيم وابن عباس وابن إسحاق: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولد عام الفيل. قال ابن الكلبي: ولد عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأربع وعشرين مضت من سلطان كسرى أنوشروان، وولد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سنة اثنتين وأربعين من سلطانه، وأرسله الله تعالى لمضي اثنتين وعشرين من ملك كسرى أبرويز بن كسرى هرمز بن كسرى أنوشروان، فهاجر لاثنتين وثلاثين سنة مضت من ملك أبرويز.

قال ابن إسحاق: ولد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول، وكان مولده بالدار التي تعرف بدار ابن يوسف. قيل: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهبها عقيل بن أبي طالب، فلم تزل في يده حتى توفي، فباعها ولده من محمد بن يوسف أخي الحجاج، فبنى داره التي يقال لها دار ابن يوسف وأدخل ذلك البيت في الدار حتى أخرجته الخيزران فجعلته مسجداً يصلي فيه. وقي: ولد لعشر خلون منه، وقيل: لليلتين خلتا منه.
قال ابن إسحاق: إن آمنة ابنة وهب أم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كانت تحدث أنها أتيت في منامها لما حملت برسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقيل لها: إنك حملت بسيد هذه الأمة فإذا وقع بالأرض قولي أعيده بالواحد، من شر كل حاسد، ثم سميه محمداً. ورأت حين حملت به أنه خرج منها نورٌ رأت به قصور بصرى من أرض الشام. فلما وضعته أرسلت إلى جده عبد المطلب: إنه قد ولد لك غلام فأته فانظر إليه؛ فنظر إليه، وحدثته بما رأت حين حملت به وما قيل لها فيه وما أمرت أن تسميه.
وقال عثمان بن أبي العاص: حدثتني أمي أنها شهدت ولادة آمنة ابنة وهب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فما شيء أن أنظر إليه من البيت إلا نور وإني لأنظر إلى النجوم تدنو حتى إني لأقول لتقعن علي.
وأول من أرضع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثويبة مولاة أبي لهب بلبن ابن له يقال له مسروح، وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي، فكانت ثويبة تأتي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمكة قبل أن يهاجر فيكرمها وتكريمها خديجة، فأرسلت إلى أبي لهب أن يبيعها إياها لتعتقها، فأبى، فلما هاجر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة أعقتها أبو لهب، فكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يبعث إليها بالصلة إلى أن بلغه خبر وفاتها منصرفه من خيبر، فسأل عن ابنها مسروح، فقيل: توفي قبلها، فسأل: هل لها من قرابة ؟ فقيل: لم يبق لها أحد.
ثم أرضعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعد ثويبة حليمة بنت أي ذؤيب، واسمه عبد الله بن الحارث بن شجنة من بني سعد بن بكر بن هوازن، واسم زوجها الذي أرضعته بلبنه الحارث بن عبد العزى، واسم إخوته من الرضاعة عبد الله وأنيسة وجذامة، وهي الشيماء، عرفت بذلك، وكانت الشيماء تحضنه مع أمها حليمة.
وقدمت حليمة على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعد أن تزوج خديجة، فأكرمها ووصلها، وتوفيت قبل فتح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مكة، فلما فتح مكة قدمت عليه أختٌ لها فسألها عنها، فأخبرته بموتها، فذرفت عيناه، فسألها عمن خلفت، فأخبرته، فسألته نحلةً وحاجةً فوصلها.

وقال عبد الله بن جعفر بن أبي طالب: كانت حليمة السعدية تحدث أنها خرجت من بلدها مع نسوة يلتمسن الرضعاء، وذلك في سنة شهباء لم تبق شيئاً. قالت: فخرجت على أتان لنا قمراء معنا شارفٌ لنا والله ما تبض بقطرة وما ننام ليلتنا أجمع من صبينا الذي معي من بكائه من الجوع وما في ثديي ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغذوه، ولكنا نرجو الغيث والفرج، فلقد أذمت أتاني بالركب حتى شق عليهم ضعفاً وعجفاً، حتى قدمنا مكة فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فتأباه إذا قيل لها إنه يتيم، وذلك أنا إنما نرجو المعروف من أبي الصبي. فكنا نقول: يتيم فما عسى أن تصنع أمه وجده ! فما بقيت امرأة معي إلا أخذت رضيعاً غيري، فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي، وكان معي: إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعاً، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه ! قال: افعلي فعسى أن الله يجعل لنا فيه بركة. قالت: فذهبت فأخذته، فلما أخذته ووضعته في حجري أقبل عليه ثدياي مما شاء من لبن، فشرب حتى روى وشرب معه أخوه حتى روي ثم ناما، وما كان ابني ينام قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك فإذا أنها حافل، فحلب منها ثم شرب حتى روي، ثم سقاني فشربت حتى شبعنا. قالت: يقول لي صاحبي: تعلمين والله يا حليمة لقد أخذت نسمةً مباركة ! قلت: والله لأرجو ذلك. قالت: ثم خرجنا، فركبت أتاني وحملته عليها فلم يلحقني شيء من حمرهم حتى إن صواحبي ليقلن لي: يا ابنة أبي ذؤيب اربعي علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها ؟ فأقول: بلى والله لهي هي، فيقلن: إن لها شأناً، ثم قدمنا منازلنا من بني سعد، وما أعلم أرضاً من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح علي حين قدمنا شباعاً لبناً فنحلب ونشرب وما يحلب إنسان قطرة ولا يجدها في ضرع حتى إن كان الحاضر من قومنا ليقولون لرعيانهم: ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي ابنة أبي ذؤيب ! فتروح أغنامهم جياعاً ما تبض بقطرة من لبن، وتروح غنمي شباعاً لبناً.
فلم نزل نتعرف البركة من الله والزيادة في الخير حتى مضت سنتان وفصلته، وكان يشب شباباً لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاماً جفراً، فقدمنا به على أمه ونحن أحرص شيء على مكثه عندنا لما كنا نرى من بركته، فكلمنا أمه في تركه عندنا، فأجابت. قالت: فرجعنا به، فوالله إنه بعد مقدمنا به بأشهر مر مع أخيه في بهم لنا خلف بيوتنا إذ أتانا أخوه يشتد فقال لي ولأبيه: ذلك أخي القرشي قد جاءه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه وشقا بطنه وهما يسوطانه ! قالت: فخرجنا نشتد فوجدناه قائماً منتقعاً وجهه. قالت: فالتزمته أنا وأبوه وقلنا له: مالك يا بني ؟ قال: جاءني رجلان فأضجعاني فشقا بطني فالتمسا به شيئاً لا أدري ما هو. قالت: فرجعنا إلى خبائنا، وقال لي أبوه: والله لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك.
قالت: فاحتملناه فقدمنا به على أمه. فقالت: ما أقدمك يا ظئر به وقد كنت حريصة على مكثه عندك ؟ قالت: قلت: قد بلغ الله بابن وقضيت الذي علي وتخوفت عليه الأحداث فأديته إليك كما تحبين. قالت: ما هذا بشأنك فاصدقيني ! ولم تدعني حتى أخبرتها. قالت: فتخوفت عليه الشيطان ؟ قلت: نعم. قالت: كلا والله ما للشيطان عليه سبيل، وإن لابني لشأناً، أفلا أخبرك ؟ قلت: بلى. قالت: رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء لي قصور بصرى من الشام، ثم حملت به فوالله ما رأيت من حمل قط كان أخف منه ولا أيسر، ثم وقع حين وضعته وإنه لواضع يديه بالأرض رافع رأسه إلى السماء. دعيه عنك وانطلقي راشدة.
وكانت مدة رضاع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سنتين، وردته حليمة إلى أمه وجده عبد المطلب وهو ابن خمس سنين في قول.
وقال شداد بن أوس: بينما نحن عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إذ أقبل شيخ من بني عامر وهو ملك قومه وسيدهم شيخ كبير متوكئاً على عصاً فمثل قائماً وقال: يا ابن عبد المطلب إني أنبئت أنك تزعم أنك رسول الله، أرسلك بما أرسل به إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء، ألا وإنك فهت بعظيم، ألا وقد كانت الأنبياء من بني إسرائيل وأنت ممن يعبد هذه الحجارة والأوثان وما لك وللنبوة، وإن لكل قول حقيقة، فما حقيقة قولك وبدء شأنك ؟


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohammed.mansy@yahoo.com
محمد منسى
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 19288
العمر : 39
الموقع : منتديات ابو ريوف
تاريخ التسجيل : 26/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الإثنين 26 نوفمبر 2018 - 13:41

=

فأعجب النبي؛ صلى الله عليه وسلم، بمساءلته ثم قال: يا أخا بني عامر اجلس. فجلس، فقال له النبي، صلى الله عليه وسلم: إن حقيقة قولي وبدء شأني أني دعوة أبي إبراهيم وبشرى أخي عيسى، وكنت بكر أمي، وحملتني كأثقل ما تحمل النساء، ثم رأت في منامها أن الذي في بطنها نور، قالت: فجعلت أتبع بصري النور وهو يسبق بصري حتى أضاءت لي مشارق الأرض ومغاربها؛ ثم إنها ولدتني فنشأت، فلما نشأت بغضت إلي الأوثان والشعر، فكنت مستضعفاً في بني سعد بن بكر، فبينا أنا ذات يوم منتبذاً من أهلي مع أتراب من الصبيان إذ أتانا ثلاثة رهط معهم طست من ذهب مملوء ثلجاً فأخذوني من بين أصحابي، فخرج أصحابي هراباً حتى انتهوا إلى شفير الوادي ثم أقبلوا على الرهط فقالوا: ما أربكم إلى هذا الغلام فإنه ليس له أب وما يرد عليكم قتله ؟ فلما رأى الصبيان الرهط لا يردون جواباً انطلقوا مسرعين إلى الحي يؤذنونهم بي ويستصرخونهم على القوم، فعمد أحدهم فأضجعني على الأرض إضجاعاً لطيفاً، ثم شق ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي، فأنا أنظر إليه لم أجد لذلك مساً، ثم أخرج أحشاء بطني فغسلها بالثلج فأنعم غسلها، ثم أخرج قلبي فصدعه ثم أخرج منه مضغةً سوداء فرمى بها، قال بيده يمنة منه وكأنه يتناول شيئاً، فإذا أنا بخاتم في يده من نور يحار الناظرون دونه، فختم به قلبي، فامتلأ نوراً، وذلك نور النبوة والحكمة، ثم أعاده مكانه، فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهراً، ثم قال الثالث لصاحبه: تنح، فتنحى عني، فأمر يده ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي فالتأم ذلك الشق بإذن الله تعالى، ثم أخذ بيدي فأنهضني إنهاضاً لطيفاً ثم قال للأول الذي شق بطني زنه عشرة من أمته. فوزنوني بهم فرجحتهم. ثم قال: زنه مائة من أمته. فوزنوني بهم فرجحتهم. ثم قال زنه بألف من أمته. فوزنوني بهم فرجحتهم. فقال: دعوه فلو وزنته بأمته كلهم لرجح بهم. ثم ضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني ثم قالوا: يا حبيب، لم ترع؛ إنك لو تدري ما يراد بكن من الخير لقرت عينك.
قال: فبينا نحن كذلك إذ أنا بالحي قد جاؤوا بحذافيرهم، وإذ ظئري أمام الحي تهتف بأعلى صوتها وهي تقول: يا ضعيفاه ؟! قال: فانكبوا علي وقبلوا رأسي وما بين عيني وقالوا: حبذا أنت من ضعيف ! ثم قالت ظئري: يا وحيداه ! فانكبوا علي فضموني إلى صدورهم وقبلوا ما بين عيني وقالوا: حبذا أنت من وحيد وما أنت بوحيد ! إن الله معك ! ثم قالت ظئري: يا يتيماه استضعفت من بين أصحابك فقتلت لضعفك ! فانكبوا علي وضموني إلى صدورهم وقبلوا ما بين عيني وقالوا: حبذا أنت من يتيم ! ما أكرمك على الله ! لو تعلم ما يراد بك من الخير ! قال: فوصلوا بي إلى شفير الوادي. فلما بصرت بي ظئري قالت: يا بني ألا أراك حياً بعد ! فجاءت حتى انكبت علي وضمتني إلى صدرها، فوالذي نفسي بيده إني لفي حجرها وقد ضمتني إليها، وإن بدي في يد بعضهم، فجعلت ألتفت إليهم، وظننت أن القوم يبصرونهم، يقول بعض القوم: إن هذا الغلام أصابه لممٌ أو طائف من الجن، انطلقوا به إلى كاهننا حتى ينظر إليه ويداويه. فقلت: ما هذا ! ليس بي شيء مما يذكر، إن إرادتي سليمة، وفؤادي صحيح ليس في قلبةٌ. فقال أبي من الرضاع: ألا ترون كلامه صحيحاً ؟ إني لأرجو أن لا يكون بابني بأس. فاتفقوا على أن يذهبوا بي إلى الكاهن، فذهبوا بي إليه. فلما قصوا عليه قصتي قال: اسكتوا حتى أسمع من الغلام فإنه أعلم بأمره منكم. فقصصت عليه أمري من أوله إلى آخره، فلما سمع قولي وثب إلي وضمني إلى صدره، ثم نادى بأعلى صوته: يا للعرب اقتلوا هذا الغلام واقتلوني معه! فواللات والعزى لئن تركتموه فأدرك ليبدلن دينكم وليخالفن أمركم وليأتينكم بدين لم تسمعوا بمثله قط.
فانتزعتني ظئري منه وقالت: لأنت أجن وأعته من ابني هذا، فاطلب لنفسك من يقتلك، فإنا غير قاتليه ! ثم ردوني إلى أهلي فأصبحت مفزعاً مما فعل بي وأثر الشق مما بين صدري إلى عانتي كأنه الشراك، فذلك حقيقة قولي وبدء شأني يا أخا بني عامر.

فقال العامري: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو أن أمرك حق، فأنبئني بأشياء أسألك عنها. قال: سل. قال: أخبرني ما يزيد في العلم ؟ قال: التعلم. قال: فما يدل على العلم ؟ قال النبي، صلى الله عليه وسلم: السؤال. قال: فأخبرني ماذا يزيد في الشيء ؟ قال: التمادي. قال: فأخبرني هل ينفع البر مع الفجور ؟ قال: نعم، التوبة تغسل الحوبة، والحسنات يذهبن السيئات، وإذا ذكر العبد الله عند الرخاء أعانه عند البلاء. فقال العامري: فكيف ذلك ؟ قال: ذلك بأن الله، عز وجل، يقول: وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا أجمع له خوفين، إن خافني في الدنيا أمنته يوم أجمع عبادي في حظيرة القدس فيدوم له أمنه ولا أمحقه فيمن أمحق، وإن هو أمنني في الدنيا خافني يوم أجمع عبادي لميقات يوم معلوم فيدوم له خوفه.
قال: يا ابن عبد المطلب أخبرني إلى م تدعو ؟ قال: أدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له وأن تخلع الأنداد وتكفر بالات والعزى وتقر بما جاء من عند الله من كتاب ورسول، وتصلي الصلوات الخمس بحقائقهن، وتصوم شهراً من السنة، وتؤدي زكاة مالك يطهرك الله تعالى بها ويطيب لك مالك، وتحج البيت إذا وجدت إليه سبيلاً، وتغتسل من الجنابة، وتؤمن بالموت والبعث بعد الموت، وبالجنة والنار. قال: يا ابن عبد المطلب فإذا فعلت ذلك فما لي ؟ فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: (جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فيهَا، وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكّى) طه: 76.
فقال: هل مع هذا من الدنيا شيء ؟ فإنه يعجبني الوطأة من العيش. قال النبي: صلى الله عليه وسلم: نعم النصر والتمكين في البلاد. فأجاب وأناب.
قال ابن إسحاق: هلك عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، آمنة بنت وهب ابن عبد مناف بن زهرة حامل به.
قال هشام بن محمد: توفي عبد الله أبو رسول الله بعدما أتى على رسول الله ثمانية وعشرون يوماً.
وقال الواقدي: الثبت عندنا أن عبد الله بن عبد المطلب أقبل من الشام في عير لقريش ونزل بالمدينة وهو مريض فأقام بها حتى توفي ودفن بدار النابغة، الدار الصغرى.
قال ابن إسحاق: وتوفيت أمه آمنة وله ست سنين بالأبواء بين مكة والمدينة، كانت قدمت به المدينة على أخواله من بني النجار تزيره إياهم. فماتت وهي راجعة، وقيل: إنها أتت المدينة تزور قبر زوجها عبد الله ومعها رسول الله وأم أيمن حاضنة رسول الله، فلما عادت ماتت بالأبواء. وقيل: إن عبد المطلب زار أخواله من بني النجار وحمل معه آمنة ورسول الله، فلما رجع توفيت بمكة ودفنت في شعب أبي ذر؛ والأول أصح.
ولما سارت قريش إلى أحد هموا باستخراجها من قبرها، فقال بعضهم: إن النساء عورة وربما أصاب محمد من نسائكم، فكفهم الله بهذا القوم إكراماً لأم النبي، صلى الله عليه وسلم.
قال ابن إسحاق: وتوفي عبد المطلب ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، ابن ثماني سنين، وقيل: ابن عشر سنين، ولما مات عبد المطلب صار رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في حجر عمه أبي طالب بوصية من عبد المطلب إليه بذلك لما كان يرى من بره به وشفقته وحنوه عليه، فيصبح ولد أبي طالب غمصاً رمصاً، ويصبح رسول الله صقيلاً دهيناً.
ذكر قتل تميم بالمشقر

قال هشام: أرسل وهرز بأموال وطرف من اليمن إلى كسرى، فلما كانت ببلاد تميم دعا صعصعة بن ناجية المجاشعي، جد الفرزدق الشاعر، بنى تميم إلى الوثوب عليها، فأبوا، فقال: كأني ببني بكر بن وائل وقد انتهبوا فاستعانوا بها على حربكم، فلما سمعوا ذلك وثبوا عليها وأخذوها، وأخذ رجل من بني سليط يقال له النطف خرجاً فيه جوهر، فكان يقال: أصاب كنز النطف، فصار مثلاً، وصار أصحاب العي إلى هوذة بن علي الحنفي باليمامة، فكساهم وحملهم وسار معهم حتى دخل على كسرى، فأعجب به كسرى ودعا بعقد من در فعقد على رأسه، فمن ثم سمي هوذة ذا التاج، وسأله كسرى عن تميم هل من قومه أو بينه وبينهم سلم، فقال: لا بيننا إلا الموت. قال: قد أدركت ثأرك، وأراد إرسال الجنود إلى تيم، فقيل له: إن ماءهم قليل وبلادهم بلاد سوء، وأشير عليه أن يرسل إلى عامله بالبحرين، وهو ازاد فيروز بن جشيش الذي سمته العرب المكعبر، وإنما سمي بذلك لأنه كان يقطع الأيدي والأرجل، فأمره بقتل بني تميم، ففعل، ووجه إليه رسولاً، ودعا هوذة وجدد له كرامة وصلة وأمره بالمسير مع رسوله، فأقبلا إلى المكعبرة أيام اللقاط، وكانت تيمم تصير إلى هجر للميرة واللقاط، فأمر المكعبر منادياً ينادي: ليحضر من كان ها هنا من بني تميم فإن الملك قد أمر لهم بميرة وطعام. فحضروا ودخلوا المشقر، وهو حصن، فلما دخلوا قتل المكعبر رجالهم واستبقى غلمانهم، وقتل يومئذ قعنب الرياحي، وكان فارس يربوع، وجعل الغلمان في السفن وعبر بهم إلى فارس.
قال هبيرة بن حدير العدوي: رجع إلينا بعدما فتحت إصطخر عدة منهم، وشد رجل من بني تميم يقال له عبيد بن وهب على سلسلة الباب فقطعها وخرج، واستوهب هوذة من المكعبر مائة أسير منهم فأطلقهم.
حدير بضم الحاء المهملة، وفتح الدال.
ذكر ملك ابنه هرمز بن أنوشروانوكانت أمه ابنة خاقان الأكبر، وكان هرمز بن كسرى أديباً ذا نية في الإحسان إلى الضعفاء والحمل على الأشراف، فعادوه وأبغضوه، وكان في نفسه مثل ذلك، وكان عادلاً بلغ من عدله أنه ركب ذات يوم إلى ساباط المدائن فاجتاز بكروم، فاطلع أسوار من أساورته في كرم وأخذ منه عناقيد حصرم، فلزمه حافظ الكروم وصنع، فبلغ من خوف الأسوار من عقوبة كسرى هرمز أن دفع إلى حافظ الكرم منطقة محلاة بذهب عوضاً من الحصرم فتركه.
وقيل: كان مظفراً منصوراً لا يمد يده إلى شيء إلا ناله، وكان داهياً ردي النية قد نزع إلى أخواله الترك، وإنه قتل من العلماء وأهل البيوتات والشرف ثلاثة عشر ألف رجل وستمائة رجل، ولم يكن له رأي إلا في تالف السفلة. وحبس كثيراً من العظماء وأسقهم وحط مراتبهم وحرم الجنود، ففسد عليه كثير ممن كان حوله، وخرج عليه شاية ملك الترك في ثلاثمائة ألف مقاتل في سنة ست عشرة من ملكه، فوصل هراة وباذغيس، وأرسل إلى هرمز والفرس يأمرهم بإصلاح الطرق ليجوز إلى بلاد الروم. ووصل ملك الروم في ثمانين ألفاً إلى الضواحي قاصداً له، ووصل ملك الخزر إلى الباب والأبواب في جمع عظيم، فإن جمعاً من العرب شنوا الغارة على السواد. فأرسل هرمز بهرام خشنش، ويعرف بجوبين، في اثني عشر ألفاً من المقاتلة اختارهم من عسكره، فسار مجداً وواقع شايه ملك الترك فقتله برمية رماها واستباح عسكره، ثم وافاه برموده بن شايه فهزمه أيضاً وحصره في بعض الحصون حتى استسلم، فأرسله إلى هرمز أسيراً وغنم ما في الحصن، فكان عظيماً.
ثم خاف بهرام ومن معه هرمز فخلعوه وساروا نحو المدائن وأظهروا أن ابنه أبرويز أصلح للملك منه، وساعدهم على ذلك بعض من كان بحضرة هرمز، وكان غرض بهرام أن يستوحش هرمز من ابنه أبرويز ويستوحش ابنه منه فيختلفا، فإن ظفر أبرويز بأبيه كان أمره على بهرام سهلاً، وإن ظفر أبوه نجا بهرام والكلمة مختلفة فينال من هرمز غرضه، وكان يحدث نفسه بالاستقلال بالملك. فلما علم أبرويز ذلك خاف أباه فهرب إلى أذربيجان، فاجتمع عليه عدة من المرازبة والأصبهبذين، ووثب العظماء بالمدائن، وفيهم بندويه وبسطام خالا أبرويز، فخلعوا هرمز وسلموا عينيه وتركوه تحرجاً من قتله، وبلغ أبرويز الخبر فأقبل من أذربيجان إلى دار الملك.
وكان ملك هرمز إحدى عشرة سنة وتسعة أشهر، وقيل: اثنتي عشرة سنة، ولم يسلم من ملوك الفرس غيره لا قبله ولا بعده.

ومن محاسن السير ما حكي عنه أنه لما فرغ من بناء داره التي تشرف على دجلة مقابلة المدائن عمل وليمة عظيمة وأحضر الناس من الأطراف، فأكلوا، ثم قال لهم: هل رأيتم في هذه الدار عيباً ؟ فكلهم قال: لا عيب فيها. فقام رجل وقال: فيها ثلاثة عيوب فاحشة، أحدها: أن الناس يجعلون دورهم في الدنيا وأنت جعلت الدنيا في دارك، فقد أفرطت في توسيع صحونها وبيوتها فتتمكن الشمس في الصيف والسموم فيؤذي ذلك أهلها ويكثر فيها في الشتاء البرد، والثاني أن الملوك يتوصلون في البناء على الأنهار لتزول همومهم وأفكارهم بالنظر إلى المياه ويترطب الهواء وتضيء أبصارهم، وأنت قد تركت دجلة وبنيتها في القفر، والثالث أنك جعلت حجرة النساء مما يلي الشمال من مساكن الرجال، وهو أدوم هبوباً، فلا يزال الهواء يجيء بأصوات النساء وريح طيبهن، وهذا ما تمنعه الغيرة والحمية.
فقال هرمز: أما سعة الصحون والمجالس فخير المساكن ما سافر فيه البصر، وشدة الحر والبرد يدفعان بالخيش والملابس والنيران، وأما مجاورة الماء فكنت عند أبي وهو يشرف على دجلة فغرقت سفينة تحته فاستغاث من بها إليه وأبي يتأسف عليهم ويصيح بالسفن التي تحت داره ليلحقوهم، فإلى أن لحقهم غرق جميعهم، فجعلت في نفسي أنني لا أجاور سلطاناً هو أقوى مني، وأما عمل حجرة النساء في جهة الشمال فقصدنا به أن الشمال أرق هواء وأقل وخامة، والنساء يلازمن البيوت، فعمل لذلك، وأما الغيرة فإن الرجال لا يخلون بالنساء، وكل من يدخل هذه الدار إنما هو مملوك وعبد لقيم، وأما أنت فما أخرج هذا منك إلا بغض لي، فأخبرني عن سببه.
فقال الرجل: لي قرية ملك كنت أنفق حاصلها على عيالي فغلبني المرزبان فأخذها مني فقصدتك أتظلم منذ سنتين فلم أصل إليك، فقصدت وزيرك وتظلمت إليه فلم ينصفني، وأنا أؤدي خراج القرية حتى لا يزول اسمي عنها، وهذا غاية الظلم أن يكون غيري يأخذ دخلها وأنا أؤدي خراجها.
فسأل هرمز وزيره فصدقه وقال: خفت أعلمك فيؤذيني المرزبان. فأمر هرمز أن يؤخذ من المرزبان ضعف ما أخذ وأن يستخدمه صاحب القرية في أي شغل شاء سنتين، وعزل وزيره، وقال في نفسه: إذا كان الوزير يراقب الظالم فالأحرى أن غيره يراقبه، فأمر باتخاذ صندوق، وكان يقفله ويختمه بخاتم ويترك على باب داره وفيه خرقٌ يلقى فيه رقاع المتظلمين، وكان يفتحه كل أسبوع ويكشف المظالم، فأفكر وقال: أريد أعرف ظلم الرعية ساعة فساعة، فاتخذ سلسلة طرفها في مجلسه في السقف والطرف الآخر خارج الدار في روزنة وفيها جرس، وكان المتظلم يحرك السلسلة فيحرك الجرس فيحضره ويكشف ظلامته.
ذكر ملك كسرى أبرويز بن هرمزوكان من أشد ملوكهم بطشاً وأنفذهم رأياً، وبلغ من البأس والنجدة وجمع الأموال ومساعدة الأقدار ما يبلغه ملك قبله، ولذلك لقب أبرويز، ومعناه المظفر، وكان في حياة أبيه قد سعى به بهرام جوبين إلى أبيه أنه يريد الملك لنفسه، فلما علم ذلك سار إلى أذربيجان سراً، وقيل غير ذلك، وقد تقدم، فلما وصلها بايعه من كان بها من العظماء واجتمع من بالمدائن على خلع أبيه، فلما سمع أبرويز بادر الوصول إلى المدائن قبل بهرام جوبين فدخلها قبله ولبس التاج وجلس على السرير، ثم دخل على أبيه، وكان قد سلم، فأعلمه أنه بريء مما فعل به، وإنما كان هربه للخوف منه، فصدقه وسأله أن يرسل إليه كل يوم من يؤنسه وأن ينتقم ممن خلعه وسلم عينيه، فاعتذر بقرب بهرام منه في العساكر وأنه لا يقدر على أن ينتقم ممن فعل به ذلك إلا بعد الظفر ببهرام.

وسار بهرام إلى النهروان وسار أبرويز إليه، فالتقيا هناك، ورأى أبرويز من أصحابه فتوراً في القتال فانهزم ودخل على أبيه وعرفه الحال فاستشاره، فأشار عليه بقصد موريق ملك الروم، وجهز ثانياً وسار في عدة يسير فيهم خالاه بندويه وبسطام وكردي أخو بهرام، فلما خرجوا من المدائن خاف من معه أن بهرام يرد هرمز إلى الملك ويرسل إلى ملك الروم في ردهم فيردهم إليه، فاستأذنوا أبرويز في قتل أبيه هرمز فلم يحر جواباً، فانصرف بندويه وبسطام وبعض من معهم إلى هرمز فقتلوه خنقاً، ثم رجعوا إلى أبرويز وساروا مجدين إلى أن جاوزوا الفرات ودخلوا ديراً يستريحون فيه، فلما دخلوا غشيتهم خيل بهرام جوبين ومقدمها رجل اسمه بهرام بن سياوش، فقال بندويه لأبرويز: احتل لنفسك. قال: ما عندي حيلة ! قال بنديوه: أنا أبذل نفسي دونك، وطلب منه بزته فلبسها، وخرج أبرويز ومن معه من الدير وتواروا بالجبل، ووافى بهرام الدير فرأى بندويه فوق الدير عليه بزة أبرويز، فاعتقده هو وسأله أن ينظره إلى غد ليصير إليه سلماً، ففعل، ثم ظهر من الغد على حيلته فحمله إلى بهرام جوبين فحبسه. ودخل بهرام جوبين دار الملك وقعد على السرير ولبس التاج، فانصرفت الوجوه عنه، ولكن الناس أطاعوه خوفاً، وواطأ بهرام بن سياوش بندويه على الفتك ببهرام جوبين، فعلم بهرام جوبين بذلك فقتل بهرام وأفلت بندويه فلحق بأذربيجان. وسار أبرويز إلى إنطاكية وأرسل أصحابه إلى الملك، فوعده النصرة وتزوج أبرويز ابنة الملك موريق، واسمها مريم، وجهز معه العساكر الكثيرة، فبلغت عدتهم سبعين ألفاً فيهم رجل يعد بألف مقاتل، فرتبهم أبرويز وسار بهم إلى أذربيجان، فوافاه بندويه وغيره من المقدمين والأساورة في أربعين ألف فارس من أصبهان وفارس وخراسان، وسار إلى المدائن. وخرج بهرام جوبين نحوه، فجرى بينهما حرب شديدة، فقتل فيها الفارس الرومي الذي يعد بألف فارس، ثم انهزم بهرام جوبين وسار إلى الترك، وسار أبرويز من المعركة ودخل المدائن وفرق الأموال في الروم، فبلغت جملتها عشرين ألف ألف فأعادهم إلى بلادهم.
وأقام بهرام جوبين عند الترك مكرماً، فأرسل أبرويز إلى زوجة الملك وأجزل لها الهدية من الجواهر وغيرها، وطلب منها قتل بهرام، فوضعت عليه من قتله، فاشتد قتله على ملك الترك، ثم علم أن زوجته قتلته فطلقها. ثم إن أبرويز قتل بندويه، وأراد قتل بسطام فهرب منه إلى طبرستان لحصانتها، فوضع أبرويز عليه فقتله.
وأما الروم فإنهم خلعوا ملكهم موريق بعد أربع عشرة سنة من ملك أبرويز وقتلوه وملكوا عليهم بطريقاً اسمه فوقاس، فأباد ذرية موريق سوى ابن له هرب إلى كسرى أبرويز، فأرسل معه العساكر وتوجه وملكه على الروم وجعل على عساكره ثلاثة نفر من قواده وأساورته، وأما أحدهم فكان يقال له بوران، وجهه في جيش منها إلى الشام، فدخلها حتى انتهى إلى البيت المقدس فأخذ خشبة الصليب التي تزعم النصارى أن المسيح، عليه السلام، صلب عليها فأرسلها إلى كسرى أبرويز، وأما القائد الثاني فكان يقال له شاهين، فسيره في جيش آخر إلى مصر، فافتتحها وأرسل مفاتيح الإسكندرية إلى أبرويز، وأما القائد الثالث، وهو أعظمهم، فكان يقال له فرخان، وتدعى مرتبته شهربراز، وجعل مرجع القائدين الأولين إليه، وكانت والدته منجبة لا تلد إلا نجيباً، فأحضرها أبرويز وقال لها: إني أريد أن أوجه جيشاً إلى الروم استعمل عليه بعض بنيك فأشيري علي أيهم أستعمل. فقالت: أما فلان فأروغ من ثعلب وأحذر من صقر، وأما فرخان فهو أنفذ من سنان، وأما شهربراز فهو أحلم من كذا. فقال: قد استعملت الحليم، فولاه أمر الجيش، فسار إلى الروم فقتلهم وخرب مدائنهم وقطع أشجارهم وسار في بلادهم إلى القسطنطينية حتى نزل على خليجها القريب منها ينهب ويغير ويخرب، فلم يخضع لابن موريق أحد ولا أطاعه، غير أن الروم قتلوا فوقاس لفساده وملكوا عليهم بعده هرقل، وهو الذي أخذ المسلمون الشام منه.

فلما رأى هرقل ما أهم الروم من النهب والقتل والبلاء تضرع إلى الله تعالى ودعاه، فرأى في منامه رجلاً كث اللحية رفيع المجلس عليه بزة حسنة، فدخل عليهما داخل فألقى ذلك الرجل عن مجلسه وقال لهرقل: إني قد أسلمته في يدك؛ فاستيقظ، فلم يقص رؤياه، فرأى في الليلة الثانية ذلك الرجل جالساً في مجلسه وقد دخل الرجل الثالث وبيده سلسلة، فألقاها في عنق ذلك الرجل وسلمه إلى هرقل وقال: قد دفعت إليك كسرى برمته فاغزه فإنك دمالٌ عليه وبالغ أمنيتك في أدعائك. فقص حينئذٍ هذه الرؤيا على عظماء الروم، فأشاروا عليه أن يغزوه، فاستعد هرقل واستخلف ابناً له على القسطنطينية وسلك غير الطريق الذي عليه شهربراز وسار حتى أوغل في بلاد أرمينية وقصد الجزيرة فنزل نصيبين، فأرسل إليه كسرى جنداً وأمرهم بالمقام بالموصل، وأرسل إلى شهربراز يستحثه على القدوم ليتضافرا على قتال هرقل.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohammed.mansy@yahoo.com
محمد منسى
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 19288
العمر : 39
الموقع : منتديات ابو ريوف
تاريخ التسجيل : 26/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الإثنين 26 نوفمبر 2018 - 13:44


وقيل في مسيره غير هذا، وهو أن شهربراز سار إلى بلاد الروم فوطئ الشام حتى وصل إلى أذرعات ولقي جيوش الروم فهزمها وظفر بها وسبى وغنم وعظم شأنه.
ثم إن فرخان أخا شهربراز شرب الخمر يوماً وقال: لقد رأيت في المنام كأني جالس في سرير كسرى، فبلغ الخبر كسرى فكتب إلى أخيه شهربراز يأمره بقتله، فعاوده وأعلمه شجاعته ونكايته في العدو، فعاد كسرى وكتب إليه بقتله، فراجعه، فكتب إليه الثالثة، فلم يفعل، فكتب كسرى بعزل شهربراز وولاية فرخان العسكر، فأطاع شهربراز فلما جلس على سرير الإمارة ألقى إليه القاصد بولايته كتاباً صغيراً من كسرى يأمره بقتل شهربراز فعزم على قتله، فقال له شهربراز: أمهلني حتى أكتب وصيتي، فأمهله، فأحضر درجاً وأخرج منه كتب كسرى الثلاثة وأطلعه عليها وقال: أنا راجعت فيك ثلاث مرات ولم أقتلك، وأنت تقتلني في مرة واحدة، فاعتذر أخوه إليه وأعاده إلى الإمارة واتفقا على موافقة ملك الروم على كسرى، فأرسل شهربراز إلى هرقل: إن لي إليك حاجةً لا يبلغها البريد ولا تسعها الصحف، فالقني في خمسين رومياً، فإني ألقاك في خمسين فارسياً. فأقبل قيصر في جيوشه جميعها ووضع عيونه تأتيه بخبر شهربراز، وخاف أن يكون مكيدة، فأتته عيونه فأخبروه أنه في خمسين فارسياً، فحضر عنده في مثلها واجتمعا وبينهما ترجمان فقال له: أنا وأخي خربنا بلادك وفعلنا ما علمت وقد حسدنا كسرى وأراد قتلنا وقد خلعناه ونحن نقاتل معك. ففرح هرقل بذلك واتفقا عليه وقتلا الترجمان لئلا يفشي سرهما، وسار هرقل في جيشه إلى نصيبين.
وبلغ كسرى أبرويز الخبر وأرسل هرقل قائداً من قواده اسمه راهزار في اثني عشر ألفاً، وأمره أن يقيم بنينوى من أرض الموصل على دجلة يمنع هرقل من أن يجوزها، وأقام هو بدسكرة الملك، فأرسل راهزار العيون، فأخبروه أن هرقل في سبعين ألف مقاتل، فأرسل إلى كسرى يعرفه ذلك وأنه يعجز عن قتال هذا الجمع الكثير، فلم يعذره وأمره بقتاله، فأطاع وعبى جنده، وسار هرقل نحو جنود كسرى وقطع دجلة من غير الموضع الذي فيه راهزرا، فقصده راهزار ولقيه فاقتتلوا راهزار وستة آلاف من أصحابه وانهزم الباقون.
وبلغ الخبر أبرويز وهو بدسكرة الملك، فهده ذلك وعاد إلى المدائن وتحصن بها لعجزه عن محاربة هرقل، وكتب إلى قواد الجند الذين انهزموا يتهددهم بالعقوبة فأحوجهم إلى الخلاف عليه، على ما نذكره إن شاء الله. وسار هرقل حتى قارب المدائن ثم عاد إلى بلاده.

وكان سبب عوده أن كسرى لما عجز عن هرقل أعمل الحيلة فكتب كتاباً إلى شهربراز يشكره ويثني عليه ويقول له: أحسنت في فعل ما أمرتك به من مواصلة ملك الروم وتمكينه من البلاد، والآن فقد أوغل وأمكن من نفسه فتجيء أنت من خلفه وأنا من بين يديه ويكون اجتماعنا عليه يوم كذا فلا يفلت منهم أحد. ثم جعل الكتاب في عكاز ابنوس وأحضر راهباً كان في دير عند المدائن وقال له: لي إليك حاجة. فقال الراهب: الملك أكبر من أن يكون له إلي حاجة ولكنني عبده. قال: إن الروم قد نزلوا قريباً منا وقد حفظوا الطرق عنا، ولي إلي أصحابي الذين بالشام حاجة وأنت نصراني إذا جزت على الروم لا ينكرونك، وقد كتبت كتاباً وهو في هذه العكازة فتوصله إلى شهربراز، وأعطاه مائتي دينار. فأخذ الكتاب وفتحه وقرأه ثم أعاده وسار، فلما صار بالعسكر ورأى الروم والرهبان والنواقيس رق قلبه وقال: أنا شر الناس إن أهلكت النصرانية ! فأقبل إلى سرادق الملك وأنهى حاله وأوصل الكتاب إليه. فقرأه ثم أحضر أصحابه رجلاً قد أخذوه من طريق الشام قد واطأه كسرى ومعه كتاب قد افتعله على لسان شهربراز إلى كسرى يقول: إنني ما زلت أخادع ملك الروم حتى اطمأن إلي وجاز إلى البلاد كما أمرتني فيعرفني الملك في أي يوم يكون لقاؤه حتى أهجم أنا عليه من ورائه والملك من بين يديه فلا يسلم هو ولا أصحابه، وآمره أن يتعمد طريقاً يؤخذ فيها.
فلما قرأ ملك الروم الكتاب الثاني تحقق الخبر فعاد شبه المنهزم مبادراً إلى بلاده، ووصل خبر عودة ملك الروم إلى شهربراز فأراد أن يستدرك ما فرط منه فعارض الروم فقتل منهم قتلاً ذريعاً وكتب إلى كسرى: إنني عملت الحيلة على الروم حتى صاروا في العراق، وأنفذ من رؤوسهم شيئاً كثيراً. وفي هذه الحادثة أنزل الله تعالى: (آلم غُلِبَتِ الرُّومُ في آَدْنى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) الروم: 1 - 3؛ يعني بأدنى الأرض أذرعات، وهي أدنى أرض الروم إلى العرب، وكانت الروم قد هزمت بها في بعض حروبها، وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، والمسلمون قد ساءهم ظفر الفرس أولاً بالروم لأن الروم أهل كتاب، وفرح الكفار لأن المجوس أميون مثلهم، فلما نزلت هذه الآيات راهن أبو بكر الصديق أبي بن خلف على أن الظفر يكون للروم إلى تسع سنين، والرهن مائة بعير، فغلبه أبو بكر، ولم يكن الرهن ذلك الوقت حراماً، فلما ظفرت الروم أتى الخبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم الحديبية.
ذكر ما رأى كسرى من الآيات

بسبب رسول الله صلى الله عليه وسلم

فمن ذلك أن كسرى أبرويز سكر دجلة العوراء وأنفق عليها من الأموال ما لا يحصى كثرةً، وكان طاق مجلسه قد بني بنياناً لم ير مثله، وكان عنده ثلاثمائة وستون رجلا من الحزاة من بين كاهن وساحر ومنجم، وكان فيهم رجل من العرب اسمه السايب، بعث به باذان من اليمن، وكان كسرى إذا أحزنه أمر جمعهم فقال: انظروا في هذا الأمر ما هو.
فلما بعث الله محمداً، صلى الله عليه وسلم، أصبح كسرى وقد انقصم طاق ملكه من غير ثقل، وانخرقت عليه دجلة العوراء، فلما رأى ذلك أحزنه فقال: انقصم طاق ملكي من غير ثقل، وانخرقت دجلة العوراء شاه بشكست، يقول: الملك انكسر. ثم دعا كهانه وسحاره ومنجميه، وفيهم السايب، فقال لهم: انظروا في هذا الأمر. فنظروا في أمره فأخذت عليهم أقطار السماء وأظلمت الأرض، فلم يمض لهم ما راموه، وبات السايب في ليلة ظلماء على ربوة من الأرض ينظر، فرأى برقاً من قبل الحجاز استطار فبلغ المشرق، فلما أصبح رأى تحت قدميه روضة خضراء، فقال فيما يعتاف: إن صدق ما أرى ليخرجن من الحجاز سلطان يبلغ المشرق تخصب عليه الأرض كأفضل ما أخصبت على ملك.
فلما خلص الكهان والمنجمون والسحار بعضهم إلى بعض ورأوا ما أصابهم، ورأى السايب ما رأى، قال بعضهم لبعض: والله ما حيل بينكم وبين علمكم إلا لأمرٍ جاء من السماء، وإنه لنبي بعث أو هو مبعوث يسلب هذا الملك ويكسره، ولئن نعيتم لكسرى ملكه ليقتلنكم، فاتفقوا على أن يكتموه الأمر وقالوا له: قد نظرنا فوجدنا أن وضع دجلة العوراء وطاق الملك قد وضع على النحوس، فلما اختلف الليل والنهار وقعت النحوس مواقعها فزال كل ما وضع عليها، وإنا نحسب لك حساباً تضع عليه بنيانك فلا يزول، فحسبوا وأمروه بالبناء، فبنى دجلة العوراء في ثمانية أشهر فأنفق عليها أموالاً جليلة حتى إذا فرغ منها قال لهم: اجلس على سورها ؟ قالوا: نعم، فجلس في أساورته، فبينما هو هنالك انتسفت دجلة البنيان من تحته فلم يخرج إلا بآخر رمق. فلما أخرجوه جمع كهانه وسحاره ومنجميه فقتل منهم قريباً من مائة وقال: قربتكم وأجريت عليكم الأرزاق ثم أنتم تلعبون بي ! فقالوا: أيها الملك أخطأنا كما أخطأ من قبلنا. ثم حسبوا له وبناه وفرغ منه وأمروه بالجلوس عليه، فخاف فركب فرساً وسار على البناء، فبينما هو يسير انتسفته دجلة فلم يدرك إلا بآخر رمق، فدعاهم وقال: لأقتلنكم أجمعين أو لتصدقونني. فصدقوه الأمر، فقال: ويحكم هلا بينتم لي فأرى فيه رأيي ؟ قالوا: منعنا الخوف. فتركهم ولها عن دجلة حين غلبته، وكان ذلك سبب البطائح، ولم تكن قبل ذلك، وكانت الأرض كلها عامرة.
فلما كانت سنة ست من الهجرة أرسل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى، فزادت الفرات والدجلة زيادة عظيمة لم ير قبلها ولا بعدها مثلها، فانبثقت البثوق وانتسفت ما كان بناه كسرى، واجتهد أن يسكرها فغلبه الماء، كما بينا، ومال إلى موضع البطائح فطما الماء على الزروع وغرق عدة طساسيج، ثم دخلت العرب أرض الفرس وشغلتهم عن عملها بالحروب واتسع الخرق. فلما كان زمن الحجاج تفجرت بثوق أخر فلم يسدها مضارة للدهاقين لأنه اتهمهم بممالأة ابن الأشعث، فعظم الخطب فيها وعجز الناس عن عملها، فبقيت على ذلك إلى الآن.
وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف: بعث الله إلى كسرى ملكاً وهو في بيت إيوانه الذي لا يدخل عليه فلم يرعه إلا به قائماً على رأسه في يده عصاً بالهاجرة في ساعته التي يقيل فيها، فقال: يا كسرى أتسلم أو أكسر هذه العصا ؟ فقال: بهل بهل ! وانصرف عنه، فدعا بحراسه وحجابه فتغيظ عليهم وقال: من أدخل هذا الرجل ؟ فقالوا: ما دخل علينا أحد ولا رأيناه ! حتى إذا كان العام المقبل أتاه في تلك الساعة وقال له: أتسلم أو أكسر العصا ؟ فقال: بهل بهل ! وتغيظ على حجابه وحراسه. فلما كان العام الثالث أتاه فقال: أتسلم أو أكسر العصا؟ فقال: بهل بهل ! فكسر العصا ثم خرج. فلم يكن إلا تهور ملكه وانبعاث ابنه والفرس حتى قتوله.
وقال الحسن البصري: قال أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يا رسول الله ما حجة الله على كسرى فيك ؟ قال: بعث إليه ملكاً فأخرج يده إليه من جدار تلألأ نوراً، فلما رآها فزع فقال له: لا ترع يا كسرى ! إن الله قد بعث رسولاً وأنزل عليه كتاباً فاتبعه تسلم دنياك وآخرتك. قال: سأنظر.
ذكر وقعة ذي قار وسببهاذكروا عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال لما بلغه ما كان من ظفر ربيعة بجيش كسرى: هذا أول يوم انتصف العرب فيه من العجو وبي نصروا. فحفظ ذلك منه، وكان يوم الوقعة.
قال هشام بن محمد: كان عدي بن زيد التميمي وأخواه عمار، وهو أبي، وعمرو، وهو سمي، يكونون مع الأكاسرة ولهم إليهم انقطاع، وكان المنذر ابن المنذر لما ملك جعل ابنه النعمان في حجر عدي بن زيد، وكان له غير النعمان أحد عشر ولداً، وكانوا يسمون الأشاهب لجمالهم. فلما مات المنذر بن المنذر وخلف أولاده أراد كسرى بن هرمز أن يملك على العرب من يختاره، فأحضر عدي بن زيد وسأله عن أولاد المنذر، فقال: هم رجال، فأمره بإحضارهم. فكتب عدي فأحضرهم وأنزلهم، وكان يفضل إخوة النعمان عليه ويريهم أنه لا يرجو النعمان ويخلو بواحد واحد ويقول له: إذا سألك الملك أتكفونني العرب ؟ فقولوا: نكفيكهم إلا النعمان. وقال للنعمان: إذا سألك الملك عن إخوتك فقل له: إذا عجزت عن إخوتي فأنا عن غيرهم أعجز.

وكان من بنيمرينا رجل يقال له عدي بن أوس بن مرينا، وكان داهياً شاعراً، وكان يقول للأسود بن المنذر: قد عرفت أني أرجوك وعيني إليك، وإنني أريد أن تخالف عدي بن زيد، فإنه والله لا ينصح لك أبداً ! فلم يلتفت إلى قوله.
فلما أمر كسرى عدي بنزيد أن يحضرهم، أحضرهم رجلاً رجلاً وسألهم كسرى: أتكفونني العرب ؟ فقالوا: نعم إلا النعمان. فلما دخل عليه النعمان رأى رجلاً دميماً أحمر أبرش قصيراً فقال له: أتكفيني إخوتك والعرب ؟ قال: نعم، وإن عجزت عن إخوتي فأنا عن غيرهم أعجز. فملكه وكساه وألبسه تاجاً قيمته ستون ألف درهم، فقال عدي بن مرينا للأسود: دونك فقد خالفت الرأي.
ثم صنع عدي بن زيد طعاماً ودعا عدي بن مرينا إليه وقال: إني عرفت أن صاحبك الأسود كان أحب إليك أن يملك من صاحبي النعمان، فلا تلمني على شيء كنت على مثله، وإني أحب أن لا تحقد علي وإن نصيبي من هذا الأمر ليس بأوفر من نصيبك، وحلف لابن مرينا أن لا يهجوه ولا يبغيه غائلة أبداً، فقام ابن مرينا وحلف أنه لا يزال يهجوه ويبغيه الغوائل. وسار النعمان حتى نزل الحيرة، وقال ابن مرينا للأسود: إذا فاتك الملك فلا تعجز أن تطلب بثأرك من عدي فإن معداً لا ينام مكرهاً، وأمرتك بمعصيته فخالفتني، وأريد أن لا يأتيك من مالك شيء إلا عرضته علي. ففعل.
وكان ابن مرينا كثير المال، وكان لا يخلي النعمان يوماً من هدية وطرفة، فصار من أكرم الناس عليه، وكان إذا ذكر عدي بن زيد وصفه وقال: إلا أنه في مكر وخديعة، واستمال أصحاب النعمال، فمالوا إليه، وواضعهم على أن قالوا للنعمان: إن عدي بن زيد يقول إنك عامله، ولم يزالوا بالنعمان حتى اضغنوه عليه، فأرسل إلى عدي يستزيره، فاستأذن عدي كسرى في ذلك، فأذن له، فلما أتاه لم ينظر إليه حتى حبسه ومنع من الدخول عليه، فجعل عدي يقول الشعر وهو في السجن، وبلغ النعمان قوله فندم على حبسه إياه وخاف منه إذا أطلقه.
فكتب عدي إلى أخيه أبي أبياتاً يعلمه بحاله، فلما قرأ أبياته وكتابه كلم كسرى فيه، فكتب إلى النعمان وأرسل رجلاً في إطلاق عدي، وتقدم أخو عدي إلى الرسول بالدخول إلى عدي قبل النعمان، ففعل ودخل على عدي وأعلمه أنه أرسل لإطلاقه، فقال له عدي: لا تخرج من عندي وأعطني الكتاب حتى أرسله، فإنك إن خرجت من عندي قتلني، فلم يفعل، ودخل أعداء عدي على النعمان فأعلموه الحال وخوفوه من إطلاقه، فأرسلهم إليه فخنقوه ثم دفنوه.
وجاء الرسول فدخل على النعمان بالكتاب فقال: نعم وكرامةً، وبعث إليه بأربعة آلاف مثقال وجارية وقال: إذا أصبحت ادخل إليه فخذه. فلما أصبح الرسول غدا إلى السجن فلم ير عدياً، وقال له الحرس: إنه مات منذ أيام. فرجع إلى النعمان وأخبره أنه رآه بالأمس ولم يره اليوم، فقال: كذبت ! وزاده رشوة واستوثق منه أن لا يخبر كسرى، إلا أنه مات قبل وصوله إلى النعمان. قال: وندم النعمان على قتله، واجترأ أعداء عدي على النعمان وهابهم هيبة شديدة. فخرج النعمان في بعض صيده، فرأى ابناً لعدي يقال له زيد فكلمه وفرح به فرحاً شديداً واعتذر إليه من أمر أبيه وسيره إلى كسرى ووصفه له وطلب إليه أن يجعله مكان أبيه، ففعل كسرى، وكان يلي ما يكتب إلى العرب خاصة، وسأله كسرى عن النعمان فأحسن الثناء عليه وأقام عند الملك سنوات بمنزلة أبيه، وكان يكثر الدخول على كسرى.
وكان لملوك الأعاجم صفة للنساء مكتوبة عندهم، وكان يبعثون في طلب من يكون على هذه الصفة من النساء ولا يقصدون العرب، فقال له زيد بن عدي: إني أعرف عند عبدك النعمان من بناته وبنات عمه أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة. قال: فتكتب فيهن. قال: أيها الملك إن شر شيء في العرب وفي النعمان أنهم يتكرمون بأنفسهم عن العجم، فأنا أكره أن تعنتهن، وإن قدمت أنا عليه لم يقدر على ذلك، فابعثني وابعث معي رجلاً يفقه العربية، فبعث معه رجلاً جلداً، فخرجا حتى بلغا الحيرة ودخلا على النعمان. قال له زيدك إن الملك احتاج إلى نساء لأهله وولده وأراد كرامتك فبعث إليك. قال: وما هؤلاء النسوة ؟ قال: هذه صفتهن قد جئنا بها.

وكانت الصفة أن المنذر أهدى إلى أنوشروان جارية أصابها عند الغارة على الحارث بن أبي شمر الغساني، وكتب يصفها أنها معتدلة الخلق، نقية اللون والثغر، بيضاء، وطفاء، قمراء، دعجاء، حوراء، عيناء، قنواء، شماء، شمراء، زجاء، برجاء، أسيلة الخد، شهية القد، جثيلة الشعر، بعيدة مهوى القرط، عيطاء، عريضة الصدر، كاعب الثدي، ضخمة مشاشة المنكب والعضد، حسنة المعصم، لطيفة الكف، سبطة البنان، لطيفة طي البطن، خميصة الخصر، غرثى الوشاح، رداح القبل، رابية الكفل، لفاء الفخذين، ريا الروادف، ضخمة المنكبين، عظيمة الركبة، مفعمة الساق، مشبعة الخلخال، لطيفة الكعب والقدم، قطوف المشي، مكسال الضحى، بضة المتجرد، سموع للسيد، ليست بحلساء ولا سفعاء، ذليلة الأنف، عزيزة النفر، لم تغذ في بؤس، حييه، رزينة، زكية، كريمة الخال، تقتصر بنسب أبيها دون فصيلتها، وبفصيلتها دون جماع قبيلتها، قد أحكمتها الأمور في الأدب، فرأيها رأي أهل الشرف، وعملها عمل أهل الحاجة، صنا الكفيين، قطيعة اللسان، رهوة الصوت، تزين البيت وتشين العدو، إن أردتها اشتهت، وإن تركتها انتهت، تحملق عيناها، ويحمر خداها، وتذبذب شفتاها، وتبادرك الوثبة.
فقبلها كسرى وأمر بإثبات هذه الصفة، فبقيت إلى أيام كسرى بن هرمز. فقرأ زيد هذه الصفة على النعمان، فشق ذلك عليه وقال لزيد، والرسول يسمع: أما في عين السواد وفارس ما تبلغون حاجتكم ؟! قال الرسول لزيد: ما العين ؟ قال: البقر.
وأنزلهما يومين وكتب إلى كسرى: إن الذي طلب الملك ليس عندي. وقال لزيد: اعذرني عنده.
فلما عاد إلى كسرى قال لزيد: أين ما كنت أخبرتني ؟ قال: قد قلت للملك وعرفته بخلهم بنسائهم على غيرهم وأن ذلك لشقائهم وسوء اختيارهم، وسل هذا الرسول عن الذي قال، فإني أكرم الملك عن ذلك. فسأل الرسول، فقال: إنه قال: أما في بقر السواد ما يكفيه حتى يطلب ما عندنا ؟ فعرف الغضب في وجهه ووقع في قلبه وقال: رب عبدٍ أراد ما هو أشد من هذا فصار مره إلى التباب.
وبلغ هذا الكلام النعمان، وسكت كسرى على ذلك أشهراً والنعمان يستعد، حتى أتاه كتاب كسرى يستدعيه. فحين وصل الكتاب أخذ سلاحه وما قوي عليه ثم لحق بجبلي طيء، وكان متزوجاً إليهم، وطلب منهم أن يمنعوه. فأبوا عليه خوفاً من كسرى، فأقبل وليس أحد من العرب يقبله حتى نزل في ذي قار في بني شيبان سراً، فلقي هانئ بن مسعود بن عامر بن عمرو الشيباني وكان سيداً منيعاً، والبيت من ربيعة في آل ذي الجدين لقيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن ذي الجدين، وكان كسرى قد أطعمه الأبلة، فكره النعمان أن يدفع إليه أهله لذلك، وعلم أن هانئاً يمنعه مما يمنع منه أهله، فأودعه أهله وماله، وفيه أربعمائة درع، وقيل ثمانمائة درع.
وتوجه النعمان إلى كسرى فلقي زيد بن عدي على قنطرة ساباط، فقال: انج نعيم. فقال: أنت يا زيد فعلت هذا ! أما والله لئن انفلت لأفعلن بك ما فعلت بأبيك. فقال به زيدك امض نعيم فقد والله وضعت لك عنده أخية لا يقطعها المهر الأرن.
فلما بلغ كسرى أنه بالباب بعث إليه فقيده وبعث به إلى خانقين حتى وقع الطاعون فمات فيه، قال: والناس يظنون أنه مات بساباط ببيت الأعشى وهو يقول:
فذاك وما أنجى من الموت ربّه ... بساباط حتى مات وهو محرزق
وكان موته قبل الإسلام.

فلما مات استعمل كسرى إياس بن قبيصة الطائي على الحيرة وما كان عليه النعمان، وكان كسرى اجتاز به لماء سار إلى ملك الروم فأهدى له هدية، فشكر ذلك له وأرسل إليه، فبعث كسرى بأن يجمع ما خلفه النعمان ويرسله إليه، فبعث إياس إلى هانئ بن مسعود الشيباني يأمره بإرساله ما استودعه النعمان، فأبى هانئ أن يسلم ما عنده. فلما أبى هانئ غضب كسرى، وعنده النعمان بن زرعة التغلبي، وهو يحب هلاك بكر بن وائل، فقال لكسرى: أمهلهم حتى يقيظوا ويتساقطوا على ذي قار تساقط الفراش في النار فتأخذهم كيف شئت. فصبر كسرى حتى جاؤوا حنو ذي قار، فأرسل إليهم كسرى النعمان بن زرعة يخيرهم واحدة من ثلاث: إما أن يعطوا بأيديهم، وإما أن يتركوا ديارهم، وإما أن يحاربوا. فولوا أمرهم حنظلة بن ثعلبة العجلي، فاشار بالحرب، فآذنوا الملك بالحرب، فأرسل كسرى إياس بن قبيصة الطائي أمير الجيش ومعه مرازبة الفرس والهامرز النسوي وغيره من العرب تغلب وإياد وقيس بن مسعود بن قيس بن ذي الجدين، وكان على طف سفوان، فأرسل الفيول، وكان قد بعث النبي، صلى الله عليه وسلم، فقسم هانئ ابن مسعود دروع النعمان وسلاحه.
فلما دنت الفرس من بني شيبان قال هانئ بن مسعود: يا معشر بكر، إنه لا طاقة لكم في قتال كسرى فاركنوا إلى الفلاة، فسارع الناس إلى ذلك، فوثب حنظلة بن ثعلبة العجلي وقال: يا هانئ أردت نجاءنا فألقيتنا في الهلكة، ورد الناس وقطع وضن الهوادج، وهي الحزم للرحال، فسمي مقطع الوضن، وضرب على نفسه قبة، وأقسم أن لا يفر حتى تقر القبة، فرجع الناس واستقوا ماء لنصف شهر. فأتتهم العجم فقاتلتهم بالحنو، فانهزمت العجم خوفاً من العطش إلى الجبابات، فتبعتهم بكرٌ وعجلٌ وأبلت يومئذٍ بلاء حسناً، واضطمت عليهم جنود العجم، فقال الناس: هلكت عجل، ثم حملت بكر فوجدت عجلاً تقاتل وامرأة منهم تقول:
إن يظفروا يحرّزوا فينا الغرل ... إيهاً فداءٌ لكم بني عجل
فقاتلوهم ذلك اليوم، ومالت العجم إلى بطحاء ذي قار خوفاً من العطش، فأرسلت إياد إلى بكر، وكانوا مع الفرس، وقالوا لهم: إن شئتم هربنا الليلة وإن شئتم أقمنا ونفر حين تلاقون الناس. فقالوا: بل تقيمون وتنهزمون إذا التقينا. وقال زيد بن حسان السكوني، وكان حليفاً لبني شيبان: أطيعوني واكنوا لهم، ففعلوا ثم تقاتلوا وحرض بعضهم بعضاً، وقالت ابنة القرين الشيبانية:
ويهاً بني شيبان صفّاً بعد صفّ ... إن تهزموا يصبّغوا فينا القلف
فقطع سبعمائة من بني شيبان أيدي أقبيتهم من مناكبهم لتخف أيديهم لضرب السيوف، فجالدوهم وبارز الهامرز، فبرز إليه برد بن حارثة اليشكري فقتله برد، ثم حملت مسيرة بكر وميمنتها وخرج الكمين فشدوا على قلب الجيش وفيهم إياس بن قبيصة الطائي، وولت إياد منهزمة كما وعدتهم، فانهزمت الفرس واتبعتهم بكر تقتل ولا تلتفت إلى سلب وغنيمة. وقال الشعراء في وقعة ذي قار فأكثروا.
ذكر ملوك الحيرة بعد عمرو بن هندقد ذكرنا من ملك من آل نصر بن ربيعة إلا هلاك عمرة بن هند. فلما هلك عمرو ملك موضعه أخوه قابوس بن المنذر أربع سنين، من ذلك أيام أنوشروان ثمانية أشهر، وفي أيام هرمز ثلاث سنين وأربعة أشهر، ثم ولي بعد قابوس السهرب، ثم ملك بعده المنذر بن النعمان أربع سنين، ثم ولي بعده النعمان بن المنذر أبو قابوس اثنتين وعشرين سنة، من ذلك في زمان هرمز سبع سنين وثمانين أشهر، وفي زمانه ابنه أبرويز أربع عشرة سنة وأربعة أشهر، ثم ولي إياس بن قبيصة الطائي ومعه النخيرخان في زمان كسرى بن هرمز أربع عشرة سنة، ولثمانية أشهر من ولاية إياس بعث النبي صلى الله عليه وسلم ثم ولي ازادبه بن مابيان الهمداني سبع عشرة سنة، من ذلك في زمان كسرى بن هرمز أربع عشرة سنة وثمانية أشهر، وفي زمن بوران دخت ابنة كسرى شهراً.
ثم ولي المنذر بن النعمان بن المنذر، وهو الذي يسميه العرب المغرور الذي قتل بالبحرين يوم جواثاء. وكانت ولايته إلى أن قدم عليه خالد بن الوليد الحيرة ثمانية أشهر، وكان آخر من بقي من آل نصر وانقرض ملكهم مع انقراض ملك فارس؛ فجميع ملوك آل نصر فيما زعم هشام عشرون ملكاً، ملكوا خمسمائة سنة واثنتين وعشرين سنة وثمانية أشهر.
ذكر المروزان وولايته اليمن من قبل هرمز

قال هشام: استعمل كسرى هرمز المروزان بعد عزل زرين عن اليمن، وأقام باليمن حتى ولد له فيها، ثم إن أهل جبل يقال له المضايع منعوه الخراج، فقصدهم فرأس جبلهم لا يقدر عليه لحصانته وله طريق واحد يحميه رجل واحد، وكان يحاذي ذلك الجبل جبل آخر، وقد قارب هذا الجبل، فأجرى فرسه فعبر به ذلك المضيق، فلما رأته حمير قالوا: هذا شيطان ! وملك حصنهم وأدوا الخراج، وأرسل إلى كسرى يعلمه، فاستدعاه إليه فاستخلف ابنه خرخسره على اليمن وسار إليه فمات في الطريق، وعزل كسرى خرخسره عن اليمن وولى باذان، وهو آخر من قدم اليمن من ولاة العجم.
ذكر قتل كسرى أبرويزكان كسرى قد طغى لكثرة ماله وما فتحه من بلاد العدو ومساعدة الأقدار وشره على أموال الناس، ففسدت قلوبهم، وقيل: كانت له اثنا عشر ألف امرأة، وقيل ثلاثة آلاف امرأة، يطؤهن، وألوف جوارٍ، وكان له خمسون ألف دابة، وكان أرغب الناس في الجوهر والأواني وغير ذلك، وقيل: إنه أمر أن يحصي ما جبي من خراج بلاده في سنة ثماني عشرة من ملكه، فكان من الورقة مائة ألف ألف مثقال وعشرون ألف ألف مثقال، وإنه احتقر الناس وأمر رجلاً اسمه زاذان بقتل كل مقيد في سجونه، فبلغوا ستة وثلاثين ألفاً، فلم يقدم زاذان على قتلهم، فصاروا أعداءه له، وكان أمر بقتل المنهزمين من الروم فصاروا أيضاً أعداء له، واستعمل رجلاً على استخلاص بواقي الخراج، فعسف الناس وظلمهم، ففسدت نياتهم، ومضى ناس من العظماء إلى بابل، فأحضروا ولده شيرويه بن أبرويز، فإن كسرى كان قد ترك أولاده بها ومنعهم من التصرف وجعل عندهم من يؤدبهم، فوصل إلى بهرسير فدخلها ليلاً فأخرج من كان في سجونها، واجتمع إليه أيضاً الذين كان كسرى أمر بقتلهم، فنادوا قباذ شاهنشاه وساروا حين أصبحوا إلى رحبة كسرى، فهرب حرسه، وخرج كسرى إلى بستان قريب من قصره هارباً فأخذ أسيراً، وملكوا ابنه، فأرسل إلى أبيه يقرعه بما كان منه، ثم قتلته الفرس وساعدهم ابنه، وكان ملكه ثمانياً وثلاثين سنة.
ولمضي اثنتين وثلاثين سنة وخمسة أشهر وخمسة عشر يوماً هاجر النبي، صلى الله عليه وسلم، من مكة إلى المدينة.
قيل: وكان لكسرى أبرويز ثمانية عشر ولداً، وكان أكبرهم شهريار، وكانت شيرين قد تبنته، فقال المنجمون لكسرى: إنه سيولد لبعض ولدك غلام يكون خراب هذا المجلس وذهاب الملك على يديه، وعلامته نقص في بعض بدنه، فمنع ولده عن النساء لذلك حتى شكا شهريار إلى شيرين الشنبق، فأرسلت إليه جاريةً كانت تحجمها، وكانت تظن أنها لا تلد، فلما وطئها علقت بيزدجرد فكتمته خمس سنين، ثم إنها رأت من كسرى رقة للصبيان حين كبر فقالت: أيسرك أن ترى لبعض بنيك ولداً ؟ قال: نعم، فأتته بيزدجرد، فأحبه وقربه، فبينما هو يلعب ذات يوم ذكر ما قيل، فأمر به، فجرد من ثيابه، فرأى النقص في أحد وركيه فأراد قتله، فمنعته شيرين وقالت: إن كان الأمر في الملك قد حضر فلا مرد له، فأمرت به فحمل إلى سجستان، وقيل: بل تركته في السواد في قرية يقال لها خمانية. ولما قتل كسرى أبرويز بن هرمز ملك ابنه شيرويه.
ذكر ملك كسرى شيروية بن أبرويز بن هرمز بن أنوشروانلما ملك شيرويه بن أبرويز وأمه مريم ابنة موريق ملك الروم واسمه قباذ، دخل عليه العظماء والأشراف فقالوا: لا يستقيم أن يكون لنا ملكان، فإما أن تقتل كسرى ونحن عبيدك، وإما أن نخلعك ونطيعه.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohammed.mansy@yahoo.com
محمد منسى
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 19288
العمر : 39
الموقع : منتديات ابو ريوف
تاريخ التسجيل : 26/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الإثنين 26 نوفمبر 2018 - 13:49


فانكسر شيرويه ونقل أباه من دار الملك إلى موضع آخر حبسه فيه، ثم جمع العظماء وقال: قد رأينا الإرسال إلى كسرى بما كان من إساءته ونوقفه على أشياء منها. فأرسل إليها رجلاً يقال له اسفاذ خشنش كان يلي تدبير المملكة، وقال له: قل لأبينا الملك عن رسالتنا: إن سوء أعمالك فعل بك ما ترى، منها جرأتك على أبيك وسملك عينيه وقتلك إياه، ومنها سوء صنيعك إلينا معشر أبنائك في منعنا من مجالسة الناس وكل ما لنا فيه دعةٌ، ومنها إساءتك إلى من خلدت في السجون، ومنها إساءتك إلى النساء تأخذهن لنفسك وتركك العطف عليهن ومنعهن ممن يعاشروهن ويرزقن منه الولد، ومنها ما أتيت إلى رعيتك عامة من العنف والغلظة والفظاظة، ومنها جمع الأموال في شدة وعنف من أربابها، ومنها تجميرك الجنود في ثغور الروم وغيرها وتفريقك بينهم وبين أهليهم، ومنها غدرك بموريق ملك الروم مع إحسانه إليك وحسن بلائه عندك وتزويجه إياك بابنته، ومنعك إياه خشبة الصليب التي لم يكن بك ولا بأهل بلادك إليها حاجة، فإن كان لك حجة تذكرها فافعل، وإن لم يكن لك حجة فتب إلى الله تعالى حتى يأمر فيك بأمره.
قال: فجاء الرسول إلى كسرى أبرويز فأدى إليه الرسالة، فقال أبرويز: قل عني لشيرويه القصير العمر لا ينبغي لأحد أن يتوب من أجل الصغير من الذنب إلا بعد أن يتيقنه فضلاً عن عظيمه ما ذكرت وكثرت منا، ولو كنا كما تقول لم يكن لك أيها الجاهل أن تنشر عنا مثل هذا العظيم الذي يوجب علينا القتل لما يلزمك في ذلك من العيوب، فإن قضاة أهل ملتك ينفون ولد المستوجب للقتل من أبيه وينفونه من مضامة أهل الأخيار ومجالستهم فضلاً عن أن يملك، مع أنه قد بلغ منا بحمد الله من إصلاحنا أنفسنا وأبناءنا ورعيتنا ما ليس في شيء منه تقصير، ونحن نشرح الحال فيما لزمنا من الذنوب لتزداد علماً بجهلك. فمن جوابنا: أن الأشرار أغروا كسرى هرمز والدنا بنا حتى اتهمنا فرأينا من سوء رأيه فينا ما يخوفنا منه فاعتزلنا بابه إلى أذربيجان، وقد استفاض ذلك، فلما انتهك منه ما انتهك شخصنا إلى بابه فهجم المنافق بهرام علينا فأجلانا عن المملكة، فسرنا إلى الروم وعدنا إلى ملكنا واستحكم أمرنا فبدأنا بأخذ الثأر ممن قتل أبانا أو شرك في دمه.
وأما ما ذكرت من أمر أبنائنا فإننا وكلنا بكم من يكفكم عن الانتشار فيما لا يعنيكم فتتأذى بكم الرعية والبلاد، وكنا أقمنا لكم النفقات الواسعة وجميع ما تحتاجون إليه، وأما أنت خاصة فإن المنجمين قضوا في مولدك أنك مثرب علينا، وأن يكون ذلك بسببك، وإن ملك الهند كتب إليك كتاباً وأهدى لك هدية، فقرأنا الكتاب فإذا هو يبشرك بالملك بعد ثمان وثلاثين سنة من ملكنا، وقد ختمنا على الكتاب وعلى مولدك وهما عند شيرين، فإن أحببت أن تقرأهما فافعل، فلم يمنعنا ذلك عن برك والإحسان إليك فضلاً عن قتلك.
وأما ما ذكرت عمن خلدناه في السجون، فجوابنا: إننا لم نحبس إلا من وجب عليه القتل أو قطع بعض الأطراف، وقد كان الموكلون بهم والوزراء يأمروننا بقتل من وجب قتله قبل أن يحتالوا لأنفسهم، فكنا بحبنا الاستبقاء وكراهتنا لسفك الدماء نتأنى بهم ونكل أمرهم إلى الله تعالى، فإن أخرجتهم من محبسهم عصيت ربك، ولتجدن غب ذلك.
وأما قولك: إنا جمعنا الأموال، وأنواع الجواهر والأمتعة بأعنف جمع وأشد إلحاح، فاعلم أيها الجاهل أنه إنما يقيم الملك بعد الله تعالى الأموال والجنود، وخاصة ملك فارس الذي قد اكتنفه الأعداء ولا يقدر على كفهم وردعهم عما يريدونه إلا بالجنود والأسلحة والعدد، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالمال، وقد كان أسلافنا جمعوا الأموال والسلاح وغير ذلك فأغار المنافق بهرام ومن معه على ذلك إلا اليسير، فلما ارتجعنا ملكنا وأذعن لنا الرعية بالطاعة أرسلنا إلى نواحي بلادنا أصبهبذين وقامروسانين فكفوا الأعداء وأغاروا على بلادهم، ووصل إلينا غنائم بلادهم من أصناف الأموال والأمتعة ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وقد بلغنا أنك هممت بتفريق هذه الأموال على رأي الأشرار المستوجبين للقتل، ونحن نعلمك أن هذه الأموال لم تجتمع إلا بعد الكد والتعب والمخاطرة بالنفوس، فلا تفعل ذلك فإنها كهف ملكك وبلادك وقوة على عدوك.

فلما انصرف أستاذ خشنش إلى شيرويه قص عليه جواب أبيه، ثم إن عظماء الفرس عادوا إلى شيرويه فقالوا: إما أن تأمر بقتل أبيك وإما أن نطيعه ونخلعك، فأمر بقتله على كره منه وانتدب لقتله رجالاً ممن وترهم كسرى أبرويز، وكان الذي باشر قتله شاب يقال له مهر هرمز بن مردانشاه من ناحية نيمروذ.
فلما قتل شق شيرويه ثيابه وبكى ولطم وجهه وحملت جنازته وتبعها العظماء وأشراف الناس، فلما دفن أمر شيرويه بقتل مهرهرمز قاتل أبيه. وكان ملكه ثمانياً وثلاثين سنة.
ثم إن شيرويه قتل إخوته، فهلك منهم سبعة عشر أخاً ذوو شجاعة وأدب، بمشورة وزيره فيروز.
وابتلي شيرويه بامراض، ولم يلتذ بشيء من الدنيا، وكان هلاكه بدسكرة الملك، وجزع بعد قتل إخوته جزعاً شديداً، ويقال: إنه لما كان اليوم الثاني من قتل إخوته دخلت عليه بوران وازرميدخت أختاه فأغلظتا له وقالتا: حملك الحرص على الملك الذي لا يتم لك على قتل أبيك وإخوتك. فلما سمع ذلك بكى بكاء شديداً ورمى التاج عن رأسه ولم يزل مهموماً مدنفاً. ويقال: إنه اباد من قدر عليه من أهل بيته. وفشا الطاعون في أيامه فهلك من الفرس أكثرهم، ثم هلك هو. وكان ملكه ثمانية أشهر.
ذكر ملك أردشيروكان عمره سبع سنين. فلما توفي شيرويه ملك الفرس عليهم ابنه أردشير وحضنه رجل يقال له بهادر جسنس، مرتبته رئاسة أصحاب المائدة، فأحسن سياسة الملك، فبلغ من إحكامه ذلك ما لم يحس معه بحداثة سن أردشير. وكان شهربراز بثغر الروم في جند ضمهم إليه كسرى أبرويز، وكان قد صلح له بعده ما فعل بالروم مما ذكرناه، وكان ينفذ له الخلع والهداية، وكان أبرويز وشيرويه يكاتبانه ويستشيرانه، فلما لم يشاوره عظماء الفرس في تمليك أردشير اتخذ ذلك ذريعة إلى التعنت وبسط يده في القتل وجعله سبباً للطمع في الملك احتقاراً لأردشير لصغر سنه، فأقبل بجنده نحو المدائن، فتحول أردشير وبهادر جسنس ومن بقي من نسل الملك إلى مدينة طيسفون، فحاصرهم شهربراز ونصب عليهم المجانيق فلم يظفر بشيء، فأتاها من قبل المكيدة، فلم يزل يخدع رئيس الحرس وأصبهبذ نيمروذ حتى فتحا له باب المدينة فدخلها وقتل جماعةً من الرؤساء وأخذ أموالهم وقتل بعض أصحابه أردشير في إيوان خسروشاه قباذ بأمر شهربراز.
وكان ملكه سنة وستة أشهر.
ذكر ملك شهريرازولم يكن من بيت الملك. لما قتل أردشير جلس شهربراز، واسمه فرخان، على تخت المملكة، فحين جلس عليه ضرب عليه بطنه فاشتد ذلك. ثم عوفي. وتعاهد ثلاثة إخوه من أهل إصطخر على قتله غضباً لقتل أردشير، وكانوا في حرسه، وكان الحرس يقفون سماطين إذا ركب الملك عليهم السلاح وبأيديهم السيوف والرماح، فإذا حاذى الملك بعضهم وضع جبهته على ترسه فوق الترس كهيئة السجود. فركب شهربراز يوماً فوقف الإخوة الثلاثة بعضهم قريب من بعض، فلما حاذاهم طعنوه فسقط ميتاً، فشدوا في رجله حبلاً وجروه، وساعدهم بعض العظماء وتساعدوا على قتل جماعة قتلوا أردشير، وكان جميع ملكه أربعين يوماً.
ذكر ملك بوران ابنة أبرويز بن هرمز بن أنوشروانلما قتل شهربراز ملكت الفرس بوران لأنهم لم يجدوا من بيت المملكة رجلاً يملكونه. فلما ملكت أحسنت السيرة في رعيتها وعدلت فيهم فأصلحت القناطر ووضعت ما بقي من الخراج وردت خشبة الصليب على ملك الروم، وكانت مملكتها سنة وأربعة أشهر، ثم ملك بعدها رجل يقال له خشنشبنده من بني عم ابرويز الأبعدين وكان ملكه أقل من شهر وقتله الجند لأنهم أنكروا سيرته.
ذكر ملك آزرميدخت ابنة أبرويز

لما قتل خشنشبنده ملكت الفرس آزرميدخت ابنة أبرويز، وكانت من أجمل النساء، وكان عظيم الفرس يومئذٍ فرخهرمز أصبهبذ خراسان، فأرسل إليها يختطبها، فقالت: إن التزوج للملكة غير جائز وغرضك قضاء حاجتك مني فصر إلي وقت كذا. ففعل وسار إليها تلك الليلة، فتقدمت إلى صاحب حرسها أن يقتله، فقتله وطرح في رحبة دار المملكة، فلما أصبحوا رأوه قتيلاً فغيبوه. وكان ابنه رستم، وهو الذي قاتل المسلمين بالقادسية، خليفة أبيه بخراسان، فسار في عسكر حتى نزل بالمدائن وسمل عيني آزرميدخت وقتلها، وقيل: بل سمت. وكان ملكها ستة أشهر. قيل: ثم أتى رجل يقال له كسرى بن مهرجسنس من عقب أردشير بن باك كان ينزل الأهواز، فملكه العظماء ولبس التاج وقتل بعد أيام، وقيل: إن الذي ملك بعد آزرميدخت خرزاد خسرو من ولد أبرويز وأمه كردية أخت بسطام، قيل: وجد بحصن الحجارة بقرب نصيبين، فمكث أياماً يسيرة ثم خلعوه وقتلوه. وكان ملكه ستة أشهر.
وقال الذين قالوا ملك كسرى بن مهرجسنس: إنه لما قتل طلب عظماء الفرس من له نسب ببيت المملكة ولو من النساء، فأتوا برجل كان يسكن ميسان يقال له فيروز بن مهران جسنس، ويسمى أيضاً جسنسنده، أمه صهار بخت ابنة يزدانزان بن أنوشروان فملكوه، وكان ضخم الرأس. فلما توج قال: ما أضيق هذا التاج ! فتطيروا من كلامه فقتلوه في الحال، وقيل: كان قتله بعد أيام.
ذكر ملك يزدجرد بن شهريار بن أبرويزثم إن الفرس اضطرب أمرهم ودخل المسلمون بلادهم فطلبوا أحداً من بيت المملكة ليملكوه ويقاتلوا بين يديه ويحفظوا بلادهم، فظفروا بيزدجرد ابن شهريار بن أبرويز بإصطخر، فأخذوه وساروا به إلى المدائن فملكوه واستقر في الملك، غير أن ملكه كان كالخيال عند ملك أهل بيته. وكان الوزراء والعظماء يدبرون ملكه لحداثة سنه وضعف أمر مملكة فارس، واجترأ عليهم الأعداء وتطرقوا بلادهم، وغزت العرب بلادهم بعد أن مضى من ملكه سنتان. وكان عمره كله إلى أن قتل ثمانياً وعشرين سنة، وبقي من أخباره ما نذكره إن شاء الله في موضعه من فتوح المسلمين.
هذا آخر ملوك الفرس ونذكر بعده التواريخ الإسلامية على سياقة سني الهجرة، ونقدم قبل ذلك الأيام المشهورة للعرب في الجاهلية، ثم نأتي بعدها بالحوادث الإسلامية إن شاء الله تعالى.
ذكر أيام العرب في الجاهليةلم يذكر أبو جعفر من أيامها غير يوم ذي قار وجذيمة الأبرش والزباء وطسم وجديس، وما ذكر ذلك إلا حيث أنهم ملوك، فأغفل ما سوى ذلك. ونحن نذكر الأيام المشهورة والوقائع المذكورة التي اشتملت على جمع كثيرة وقتال شديد، ولم أعرج على ذكر غارات تشتمل على النفر اليسير لأنه يكثر ويخرج عن الحصر، فنقول، وبالله التوفيق.
ذكر حرب زهير بن جناب الكلبي

مع غطفان وبكر وتغلب وبني القين

كان زهير بن جناب بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف ابن عذرة الكلبي أحد من اجتمعت عليه قضاعة، وكان يدعى الكاهن لصحة رأيه، وعاش مائتين وخمسين سنة، أوقع فيها مائتي وقعة؛ وقيل: عاش أربعمائة وخمسين سنة، وكان شجاعاً مظفراً ميمون النقيبة.
وكان سبب غزاته غطفان أن بني بغيض بن ريث بن غطفان حين خرجوا من تهامة ساروا بأجمعهم، فتعرضت لهم صداء، وهي قبيلة من مذحج، فقاتلوهم، وبنو بغيض سائرون بأهليهم وأموالهم، فقاتلوهم عن حريمهم فظهروا على صداء وفتكوا فيهم، فعزت بغيض بذلك وأثرت وكثرت أموالها. فلما رأوا ذلك قالوا: والله لنتخذن حرماً مثل مكة لا يقتل صيده ولا يهاج عائده، فبنوا حرماً ووليه بنو مرة بن عوف، فلما بلغ فعلهم وما أجمعوا عليه زهير بن جناب قال: والله لا يكون ذلك أبداً وأنا حي، ولا أخلي غطفان تتخذ حرماً أبداً. فنادى في قومه فاجتمعوا إليه، فقام فيهم فذكر حال غطفان وما بلغه عنهم وقال: إن أعظم مأثرة يدخرها هو وقومه أن يمنعوهم من ذلك، فأجابوه، فغزا بهم غطفان وقاتلهم أبرح قتالٍ وأشده، وظفر بهم زهير وأصاب حاجته منهم وأخذ فارساً منهم في حرمهم فقتله وعطل ذلك الحرم. ثم من على غطفان ورد النساء وأخذ الأموال؛ وقال زهير في ذلك:
فلم تصبر لنا غطفان لمّا ... تلاقينا وأحرزت النساء
فلولا الفضل منّا ما رجعتم ... إلى عذراء شيمتها الحياء
فدونكم ديوناً فاطلبوها ... وأوتاراً ودونكم اللّقاء
فإنّا حيث لا يخفى عليكم ... ليوثٌ حين يحتضر اللواء
فقد أضحى لحيّ بني جناب ... فضاء الأرض والماء الرّواء
نفينا نخوة الأعداء عنّاً ... بأرماحٍ أسنّتها ظماء
ولولا صبرنا يوم التقينا ... لقينا مثل ما لقيت صداء
غداة تضرّعوا لبني بغيض ... وصدق الطعن للنّوكى شفاء
وأما حربه مع بكر وتغلب ابني وائل فكان سببها أن أبرهة حين طلع إلى نجد أتاه زهير، فأكرمه وفضله على من أتاه من العرب، ثم أمره على بكر وتغلب ابني وائل، فوليهم حتى أصابتهم سنةٌ فاشتد عليهم ما يطلب منهم من الخراج، فأقام بهم زهير في الحرب ومنعهم من النجعة حتى يؤدوا ما عليهم، فكانت مواشيهم تهلك. فلما رأى ذلك ابن زيابة أحد بني تيم الله بن ثعلبة، وكان فاتكاً، أتى زهيراً وهو نائم، فاعتمد التيمي بالسيف على بطن زهير فمر فيها حتى خرج من ظهره مارقاً بين الصفاق، وسلمت أمعاؤه وما في بطنه، وظن التيمي أنه قد قتله، وعلم زهير أنه قد سلم فلم يتحرك لئلا يجهز عليه، فسكت. فانصرف التيمي إلى قومه فأعلمهم أنه قتل زهيراً، فسرهم ذلك.
ولم يكن مع زهير إلا نفر من قومه، فأمرهم أن يظهروا أنه ميت وأن يستأذنوا بكراً وتغلب في دفنه فإذا أذنوا دفنوا ثياباً ملفوفة وساروا به مجدين إلى قومهم، ففعلوا ذلك. فأذنت لهم بكر وتغلب في دفنه، فحفروا وعمقوا ودفنوا ثياباً ملفوفة لم يشك من رآها أن فيها ميتاً، ثم ساروا مجدين إلى قومهم، فجمع لهم زهير الجموع، وبلغهم الخبر، فقال بن زيابة:
طعنةً ما طعنت في غلس اللي ... ل زهيراً وقد توافى الخصوم
حين يحمي له المواسم بكرٌ ... أين بكرٌ وأين منها الحلوم
خانني السيف إذ طعنت زهيراً ... وهو سيف مضلّل مشؤوم
وجمع زهير من قدر عليه من أهل اليمن، وغزا بكراً وتغلب، وكانوا علموا به، فقاتلهم قتالاً شديداً انهزمت به بكر، وقاتلت تغلب بعدها فانهزمت أيضاً، وأسر كليب ومهلهل ابنا ربيعة وأخذت الأموال وكثرت القتلى في بني تغلب وأسر جماعة من فرسانهم ووجوههم، فقال زهير في ذلك من قصيدته:
أين أين الفرار من حذر الموت ... ت إذا يتّقون بالأسلاب
إذ أسرنا مهلهلاً وأخاه ... وابن عمروٍ في القيد وابن شهاب
وسبينا من تغلب كلّ بيضا ... ء رقود الضحى برود الرّضاب
حين تدعو مهلهلاً يال بكرٍ ... ها أهذي حفيظة الأحساب
ويحكم ويحكم أبيح حماكم ... يا بني تغلب أنا بن رضاب
وهم هاربون في كلّ فجٍّ ... كشريد النعام فوق الرّوابي
واستدارت رحى المنايا عليهم ... بليوثٍ من عامرٍ وجناب
فهم بين هاربٍ ليس يألو ... وقتيل معفّر في التراب
فضل العزّ عزّنا حين نسمو ... مثل فضل السماء فوق السحاب
وأما حربه مع بني القين بن جسر فكان سببها أن أختاً لزهير كانت متزوجة فيهم. فجاء رسولها إلى زهير ومعه صرة فيها رمل وصرة فيها شوك قتاد، فقال زهير: إنها تخبركم أنه يأتيكم عدو كثير ذو شوكة شديدة، فاحتملوا. فقال الجلاح بن عوف السحمي: لا نحتمل لقول امرأة، فظعن زهير وأقام الجلاح، وصبحه الجيش فقتلوا عامة قوم الجلاح وذهبوا بأموالهم وماله. ومضى زهير فاجتمع مع عشيرته من بني جناب، وبلغ الجيش خبره فقصدوه، فقاتلهم وصبر لهم فهزمهم وقتل رئيسهم، فانصرفوا عنه خائبين.
ولما طال عمر زهير وكبرت سنه استخلف ابنه أخيه عبد الله بن عليم، فقال زهير يوماً: ألا إن الحي ظاعنٌ. فقال عبد الله: ألا إن الحي مقيمٌ. فقال زهير: من هذا المخالف عليّ ؟ فقالوا: ابن أخيك عبد الله بن عليم. فقال: أعدى الناس للمرء ابن أخيه. ثم شرب الخمر صرفاً حتى مات.
وممن شرب الخمر صرفاً حتى مات عمرو بن كلثوم التغلبي، وأبو عامر ملاعب الأسنة العامري.
ذكر يوم البردان

فكان من حديثه أن زياد بن الهبولة ملك الشام، وكان من سليح بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. فأغار على حجر بن عمرو بن معاوية بن الحارث الكندي ملك عرب بنجد ونواحي العراق وهو يلقب آكل المرار، وكان حجر قد أغار في كندة وربيعة على البحرين، فبلغ زياداً خبرهم فسار إلى أهل حجر وربيعة وأموالهم وهم خلوف ورجالهم في غزاتهم المذكورة، فأخذ الحريم والأموال وسبى فيهم هنداً بنت ظالم بن وهب بن الحارث بن معاوية.
وسمع حجر وكندة وربيع بغارة زيادة فعادوا عن غزوهم في طلب ابن الهبولة، ومع حجر أشراف ربيعة عوف بن محلم بن ذهل بن شيبان. وعمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان وغيرهما، فأدركوا عمراً بالبردان دون عين أباغ وقد أمن الطلب، فنزل حجر في سفح جبل، ونزلت بكر وتغلب وكندة مع حجر دون الجبل بالصحصحان على ماء يقال له حفير. فتعجل عوف بن محلم وعمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان وقالا لحجر: إنا متعجلان إلى زياد لعلنا نأخذ منه بعض ما أصاب منا. فسارا إليه، وكان بينه وبين عوف إخاء، فدخل عليه وقال له: يا خير الفتيان اردد علي امرأتي أمامة. فردها عليه وهي حامل، فولدت له بنتاً أراد عوف أن يئدها فاستوهبها منه عمرو بن أبي ربيعة وقال: لعلها تلد أناساً، فسميت أم أناس، فتزوجها الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار، فولدت عمراً، ويعرف بابن أم أناس.
ثم إن عمرو بن أبي ربيعة قال لزياد: يا خير الفتيان اردد علي ما أخذت من إبلي. فردها عليه وفيها فحلها، فنازعه الفحل إلى الإبل، فصرعه عمرو. فقال له زياد: يا عمرو لو صرعتم يا بني شيبان الرجال كما تصرعون الإبل لكنتم أنتم أنتم ! فقال له عمرو: لقد أعطيت قليلاً، وسميت جليلاً، وجررت على نفسك ويلاً طويلاً ! ولتجدن منه، ولا والله لا تبرح حتى أروي سناني من دمك ! ثم ركض فرسه حتى صار إلى حجر، فلم يوضح له الخبر، فأرسل سدوس بن شيبان بن ذهل وصليع بن عبد غنم يتجسسان له الخبر ويعلمان علم العسكر، فخرجنا حتى هجما على عسكره ليلاً وقد قسم الغنيمة وجيء بالشمع فأطعم الناس تمراً وسمناً، فلما أكل الناس نادى: من جاء بحزمة حطب فله قدرة نمر. فجاء سدوس وصليع بحطب وأخذا قدرتين من تمر وجلسا قريباً من قبته. ثم انصرف صليع إلى حجر فأخبره بعسكر زياد وأراه التمر.
وأما سدوس فقال: لا أبرح حتى آتيه بأمرٍ جلي. وجلس مع القوم يتسمع ما يقولون، وهند امرأة حجر خلف زياد، فقالت لزياد: إن هذا التمر أهدي إلى حجر من هجر، والسمن من دومة الجندل. ثم تفرق أصحاب زياد عنه، فضرب سدوس يده إلى جليس له وقال له: من أنت؟ مخافة أن يستنكره الرجل. فقال: أنا فلان بن فلان. ودنا سدوس من قبة زياد بحيث يسمع كلامه، ودنا زياد من امرأة حجر فقبلها وداعبها وقال لها: ما ظنك الآن بحجر ؟ فقالت: ما هو ظن ولكنه يقين، إنه والله لن يدع طلبك حتى تعاين القصور الحمر، يعني قصور الشام، وكأني به في فوارس من بني شيبان يذمرهم ويذمرونه وهو شديد الكلب تزبد شفتاه كأنه بعير أكل مراراً، فالنجاء النجاء ! فإن وراءك طالباً حثيثاً، وجمعاً كثيفاً، وكيداً متيناً، ورأياً صليباً. فرفع يده فلطمها ثم قال لها: ما قلت هذا إلا من عجبك به وحبك له ! فقالت: والله ما أبغضت أحداً بغضي له ولا رأيت رجلا أحزم منه نائماً ومستيقظاً، إن كان لتنام عيناه فبعض اعضائه مستيقظ ! وكان إذا أراد النوم أمرني أن أجعل عنده عساً من لبن، فبينا هو ذات ليلة نائم وأنا قريب منه أنظر إليه، إذ أقبل أسود سالخ إلى رأسه فنحى رأسه، فمال إلى يده فقبضها، فمال إلى رجله فقبضها، فمال إلى العس فشربه ثم مجه. فقتل: يستيقظ فيشربه فيموت فأستريح منه. فانتبه من نومه فقال: علي بالإناء، فناولته فشمه ثم ألقاه فهريق. فقال: أين ذهب الأسود ؟ فقلت: ما رأيته. فقال: كذبت والله ! وذلك كله يسمعه سدوس، فسار حتى أتى حجراً، فلما دخل عليه قال:
أتاك المرجفون بأمر غيبٍ ... على دهشٍ وجئتك باليقين
فمن يك قد أتاك بأمر لبسٍ ... فقد آتي بأمرٍ مستبينٍ
ثم قص عليه ما سمع، فجعل حجر يعبث بالمرار ويأكل منه غضباً وأسفاً، ولا يشعر أنه يأكله من شدة الغضب، فلما فرغ سدوس من حديثه وجد حجر المرار فسمي يومئذ آكل المرار، والمرار نبت شديد المرارة لا تأكله دابة إلا قتلها.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohammed.mansy@yahoo.com
محمد منسى
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 19288
العمر : 39
الموقع : منتديات ابو ريوف
تاريخ التسجيل : 26/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الإثنين 26 نوفمبر 2018 - 13:54



ثم أمر حجر فنودي في الناس وركب وسار إلى زياد فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانهزم زياد وأهل الشام وقتلوا قتلاً ذريعاً، واستنقذت بكر وكندة ما كان بأيديهم من الغنائم والسبي، وعرف سدوس زياداً فحمل عليه فاعتنقه وصرعه وأخذه أسيراً، فلما رآه عمرو بن أبي ربيعة حسده فطعن زياداً فقتله. فغضب سدوس وقال: قتلت أسيري وديته دية ملكٍ، فتحاكما إلى حجر، فحكم على عمرو وقومه لسدوس بدية ملك وأعانهم من ماله. وأخذ حجر زوجته هنداً فربطها في فرسين ثم ركضهما حتى قطعاها، ويقال: بل أحرقها، وقال فيها:
إنّ من غرّه النساء بشيء ... بعد هندٍ لجاهلٌ مغرور
حلوة العين والحديث ومرٌّ ... كلّ شيء أجنّ منها الضمير
كلّ أنثى وإن بدا لك منها ... آية الحبّ حبّها خيتعور
ثم عاد إلى الحيرة.
قلت: هكذا قال بعض العلماء إن زياد بن هبولة السليحي ملك الشام غزا حجراً، وهذا غير صحيح لأن ملوك سليح كانوا بأطراف الشام مما يلي البر من فلسطين إلى قنسرين والبلاد للروم، ومنهم أخذت غسان هذه البلاد، وكلهم كانوا عمالاً لملوك الروم كما كان ملوك الحيرة عمالاً لملوك الفرس على البر والعرب، ولم يكن سليح ولا غسان مستقلين بملك الشام، ولا بشبر واحد على سبيل التفرد والاستقلال.
وقولهم: ملك الشام، غير صحيح، وزياد بن هبولة السليحي ملك مشارف الشام أقدم من حجر آكل المراز بزمان طويل، لأن حجراً هو جد الحارث ابن عمرو بن حجر الذي ملك الحيرة والعرب بالعراق أيام قباذ أبي أنوشروان. وبين ملك قباذ والهجرة نحو مائة وثلاثين سنة، وقد ملكت غسان أطراف الشام بعد سليح ستمائة سنة، وقيل: خمسمائة سنة، وأقل ما سمعت فيه ثلاثمائة سنة وست عشرة سنة، وكانوا بعد سليح، ولم يكن زياد آخر ملوك سليح، فتزيد المدة زيادة أخرى، وهذا تفاوتٌ كثير فكيف يستقيم أن يكون ابن هبولة الملك ايام حجر حتى يغير عليه ! وحيث أطبقت رواة العرب على هذه الغزاة فلا بد من توجيهها، وأصلح ما قيل فيه: إن زياد بن هبولة المعاصر لحجر كان رئيساً على قوم أو متغلباً على بعض أطراف الشام حتى يستقيم هذا القول، والله أعلم.
وقولهم أيضاً: إن حجراً. عاد إلى الحيرة، لا يستقيم أيضاً لأن ملوك الحيرة من ولد عدي بن نصر اللخمي لم ينقطع ملكهم لها إلا أيام قباذ، فإنه استعمل الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار كما ذكرناه قبل. فلما ولي أنوشروان عزل الحارث وأعاد اللخميين، ويشبه أن يكون بعض الكنديين قد ذكر هذا تعصباً، والله أعلم.
إن أبا عبيدة ذكر هذا اليوم ولم يذكر أن ابن هبولة من سليح بل قال: هو غالب بن هبولة ملك من ملوك غسان، ولم يذكر عوده إلى الحيرة؛ فزال هذا الوهم.
وسليح بفتح السين المهملة، وكسر اللام، وآخره حاء مهملة.
ذكر مقتل حجر أبي امرئ القيس

والحروب الحادثة بمقتله إلى أن مات امرؤ القيس

نذكر أولاً سبب ملكهم العرب بنجد ونسوق الحادث إلى قتله وما يتصل به فنقول: كان سفهاء بكر قد غلبوا على عقلائها وغلبوهم على الأمر وأكل القوي الضعيف، فنظر العقلاء في أمرهم فرأوا أن يملكوا عليهم ملكاً يأخذ للضعيف من القوي. فنهاهم العرب وعلموا أن هذا لا يستقيم بأن يكون الملك منهم لأنه يطيعه قوم ويخالفه آخرون، فساروا إلى بعض تبايعة اليمن، وكانوا للعرب بمنزلة الخلفاء للمسلمين، وطبوا منه أن يملك عليهم ملكاً، فملك عليهم حجر بن عمرو آكل المرار، فقدم عليهم ونزل ببطن عاقل وأغار ببكر فانتزع عامة ما كان بأيدي اللخميين من أرض بكر وبقي كذلك إلى أن مات فدفن ببطن عاقل.
فلما مات صار عمرو بن حجر آكل المرار، وهو المقصور، ملكاً بعد أبيه، وإنما قيل له المقصور لأنه قصر على ملك أبيه، وكان أخوه معاوية، وهو الجون، على اليمامة، فلما مات عمرو ملك بعده ابنه الحارث، وكان شديد الملك بعيد الصوت، فلما ملك قباذ بن فيروز الفرس خرج في أيامه مزدك فدعا الناس إلى الزندقة، كما ذكرناه، فأجابه قباذ إلى ذلك، وكان المنذر بن ماء السماء عاملاً للأكاسرة على الحيرة ونواحيها، فدعاه قباذ إلى الدخول معه، فامتنع، فدعا الحارث بن عمرو إلى ذلك فأجابه، فاستعمله على الحيرة وطرد المنذر عن مملكته.
وقيل في تمليكه غير ذلك، وقد ذكرناه أيام قباذ.
فبقوا كذلك إلى أن ملك كسرى أنوشروان بن قباذ بعد أبيه فقتل مزدك وأصحابه وأعاد المنذر بن ماء السماء إلى ولاية الحيرة وطلب الحارث بن عمرو، وكان بالأنباء، وبها منزله، فهرب بأولاده وماله وهجانته، وتبعه المنذر بالخيل من تغلب وإياد وبهراء فلحق بأرض كلب فنجا وانتهبوا ماله وهجانته، وأخذت تغلب ثمانية وأربعين نفساً من بني آكل المرار، فيهم عمرو ومالك ابنا الحارث، فقدموا بهم على المنذر، فقتلهم في ديار بني مرينا، وفيهم يقول عمرو بن كلثوم:
فآبوا بالنّهاب وبالسبايا ... وأبنا بالملوك مصفّدينا
وفيهم يقول امرؤ القيس:
ملوكٌ من بني حجر بن عمروٍ ... يساقون العشيّة يقتلونا
فلو في يوم معركة أصيبوا ... ولكن في ديار بني مرينا
ولم تغسل جماجمهم بغسلٍ ... ولكن في الدماء مرمّلينا
تظلّ الطّير عاكفة عليهم ... وتنتزع الحواجب والعيونا
وأقام الحارث بديار كلب، فتزعم كلب أنهم قتلوه، وعلماء كندة تزعم أنه خرج يتصيد فتبع تيساً من الظباء فأعجزه فأقسم أن لا يأكل شيئاً إلا من كبده، فطلبته الخيل، فأتى به بعد ثلاثة، وقد كاد يهلك جوعاً، فشوي له بطنه فأكل فلذةً من كبده حارة فمات.
ولما كان الحارث بالحيرة أتاه أشراف عدة قبائل من نزار فقالوا: إنا في طاعتك وقد وقع بيننا من الشر بالقتل ما تعلم وتخاف الفناء فوجه معنا بنيك ينزلون فينا فيكفون بعضنا عن بعض. ففرق أولاده في قبائل العرب، فملك ابنه حجراً على بني أسد بن خزيمة وغطفان، ومد لك ابنه شرحبيل، وهو الذي قتل يوم الكلاب، على بكر بن وائل بأسرها وعلى غيرها، وملك ابنه معدي كرب، وهو غلفاء، وإنما قيل له غلفاء لأنه كان يغلف رأسه بالطيب، على قييس عيلان وطوائف غيرهم، وملك ابنه سلمة على تغلب والنمر بن قاسط وبني سعد بن زيد مناة من تميم.
فبقي حجر في بني أسد وله عليهم جائزة وإتاوة كل سنة لما يحتاج إليه، فبقي كذلك دهراً، ثم بعثإليهم من يجبي ذلك منهم، وكانوا بتهامة، وطردوا رسله وضربوهم، فبلغ ذلك حجراً، فسار إليهم بجند من ربيعة وجند من جند أخيه من قيس وكنانة، فأتاهم فأخذ سرواتهم وخيارهم وجعل يقتلهم بالعصا وأباح الأموال وسيره إلى تهامة وحبس منهم جماعة من أشرافهم، منهم عبيد بن الأبرص الشاعر، فقال شعراً يستعطفه لهم، فرق لهم وأرسل من يردهم، فلما صاروا على يوم منه تكهن كاهنهم، وهو عوف بن ربيعة ابن عامر الأسدي، فقال لهم: من الملك الصلهب، الغلاب غير المغلب، في الإبل كأنها الربرب، هذا دمه يتثعب، وهو غداً أول من يستلب ؟ قالوا: ومن هو ؟ قال: لولا تجيش نفسٍ خاشيه، لأخبرتكم أنه حجر ضاحيه، فركبوا كل صعب وذلول حتى بلغوا إلى عسكر حجر فهجموا عليه في قبته فقتلوه، طعنه علياء بن الحارث الكاهلي فقتله، وكان حجر قتل أباه، فلما قتل قالت بنو أسد: يا معشر كنانة وقيس أنتم إخواننا وبنو عمنا والرجل بعيد النسب منا ومنكم وقد رأيتم سيرته وما كان يصنع بكم هو وقومه فانتهبوهم. فشدوا على هجانته فانتهبوها ولفوه في ريطة بيضاء وألقوه على الطريق، فلما رأته قيس وكنانة انتهبوا أسلابه وأجار عمرو بن مسعود عياله.
وقيل:إن حجراً لما رأى اجتماع بني أسد عليه خافهم فاستجار عويمر ابن شجنة أحد بني عطارد بن كعب بن زيد مناة بن تميم لبنته هند بنت حجر وعياله، وقال لبني أسد: إن كان هذا شأنكم فإني مرتحلٍ عنكم ومخليكم وشأنكم. فوادعوه على ذلك وسار عنهم وأقام في قومه مدةً ثم جمع لهم جمعاً عظيماً وأقبل إليهم مدلاً بمن معه، فتآمرت بنو أسد وقالوا: والله لئن قهركم ليحكمن عليكم حكم الصبي فما خير العيش حينئذ فموتوا كراماً. فاجتمعوا وساروا إلى حجر فلقوه فاقتتلوا قتالاً شديداً، وكان صاحب أمرهم علباء ابن الحارث، فحمل على حجر فطعنه فقتله، وانهزمت كندة ومن معهم، وأسر بنو أسد من أهل بيت حجر وغنموا حتى ملأوا أيديهم من الغنائم، وأخذوا جواريه ونساءه وما معهم فاقتسموه بينهم.

وقيل: إن حجراً أخذ أسيراً في المعركة وجعل في قبة، فوثب عليه ابن أخت علباء فضربه بحديدة كانت معه لأن حجراً كان قتل أباه، فلما جرحه لم يقض عليه، فأوصى حجر ودفع كتابه إلى رجل وقال له: انطلق إلى ابني نافع، وكان أكبر أولاده، فإن بكى وجزع فاتركه واستقرهم واحداً واحداً حتى تأتي امرأ القيس، وكان أصغرهم، فأيهم لم يجزع فادفع إليه خيلي وسلاحي ووصيتي. وقد كان بين في وصيته من قتله وكيف كان خبره.
فانطلق الرجل بوصيته إلى ابنه نافع فوضع التراب على رأسه ثم أتاهم كلهم، ففعلوا مثله حتى أتى امرأ القيس فوجده مع نديم له يشرب الخمر ويلعب معه بالنرد، فقال: قتل حجر، فلم يلتفت إلى قوله، وأمسك نديمه، فقال له امرؤ القيس: اضرب، فضرب حتى إذا فرغ قال: ما كنت لأفسد دستك، ثم سأل الرسول عن أمر أبيه كله، فأخبره، فقال له: الخمر والنساء علي حرام حتى أقتل من بني أسد مائة وأطلق مائة.
وكان حجر قد طرد امرأ القيس لقوله الشعر، وكان يأنف منه، وكانت أم امرئ القيس فاطمة بنت ربيعة بن الحارث أخت كليب بن وائل، وكان يسير في أحياء العرب يشرب الخمر على الغدران ويتصيد، فأتاه خبر قتل أبيه وهو بدمون من أرض اليمن، فلما سمع الخبر قال:
تطاول الليل علينا دمّون ... دمّون إنّا معشرٌ يمانون
وإنّنا لقومنا محبّون
ثم قال: ضيعني صغيراً وحمّلني دمه كبيراً، لا صحو اليوم ولا سكر غداً، اليوم خمرٌ وغداً أمرٌ. فذهبت مثلاً. ثم ارتحل حتى نزل ببكر وتغلب فسألهم النصر على بني أسد، فأجابوه. فبعث العيون إلى بني أسد، فنذروا به، فلجأوا إلى بني كنانة، وعيون امرئ القيس معهم، فقال لهم علباء بن الحارث: اعلموا أن عيون امرئ القيس قد عادوا إليه بخبركم وأنكم عند بني كنانة، فارحلوا بليل ولا تعلموا بني كنانة. فارتحلوا. وأقبل امرؤ القيس بمن معه من بكر وتغلب وغيرهم حتى انتهى إلى بني كنانة، وهو يظنهم بني أسد، فوضع السلاح فيهم وقال: يا لثارات الملك يا لثارات الهمام ! فقيل له: أبيت اللعن ! لسنا لك بثأر، نحن بنو كنانة فدونك ثأرك فاطلبهم فإن القوم قد ساروا بالأمس. فتبع بني أسد، ففاتوه ليلتهم، فقال في ذلك:
ألا يا لهف هندٍ إثر قوم ... هم كانوا الشفاء فلم يصابوا
وقاهم جدّهم ببني أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقاب
وأفلتهّنّ علباءٌ جريضاً ... ولو أدركته صفر الوطاب
يعني ببني أبيهم كنانة، فإن أسداً وكنانة ابني خزيمة هما أخوان. وقوله: ولو أدركته صفر الوطاب، قيل: كانوا قتلوه واستاقوا إبله فصفرت وطابه من اللبن، أي خلت، وقيل: كانوا قتلوه فخلا جلده، وهو وطابه، من دمه بقتله.
فسار امرؤ القيس في آثار بني أسد فأدركهم ظهراً وقد تقطعت خيله وهلكوا عطشاً وبنو أسد نازلون على الماء، فقاتلهم حتى كثرت القتلى بينهم وهربت بنو أسد. فلما أصبحت بكر وتغلب أبوا أن يتبعوهم وقالوا: قد أصبت ثأرك. فقال: لا والله. فقالوا: بلى ولكنك رجل مشؤوم، وكرهوا قتلهم بني كنانة فانصرفوا عنه، ومضى إلى أزد شنوءة يستنصرهم، فأبوا أن ينصروه وقالوا: إخواننا وجيراننا. فسار عنهم ونزل بقيل يدعى مرثد الخير بن ذي جدن الحميري، وكان بينهما قرابة، فاستنصره على بني أسد، فأمده بخمسمائة رجل من حمير، ومات مرثد قبل رحيل امرئ القيس، وملك بعده رجل من حمير يقال له قرمل، فزود امرأ القيس ثم سير معه ذلك الجيش وتبعه شذاذ من العرب واستأجر غيرهم من قبائل اليمن، فسار بهم إلى بني أسد وظفر بهم.
ثم إن المنذر طلب امرأ القيس ولج في طلبه ووجه الجيوش إليه، فلم يكن لامرئ القيس بهم طاقة وتفرق عنهم من كان معه من حمير وغيرهم، فنجا في جماعة من أهله ونزل بالحارث بن شهاب اليبروعي، وهو أبو عتيبة ابن الحارث، فأرسل إليه المنذر يتوعده بالقتال إن لم يسلمهم إليه، فسلمهم، ونجا امرؤ القيس ومعه يزيد بن معاوية بن الحارث وابنته هند ابنة امرئ القيس وأدراعه وسلاحه وماله، فخرج ونزل على سعد بن الضباب الإيادي سيد قومه، فأجاره، ومدحه امرؤ القيس ثم تحول عنه ونزل على المعلى بن تيم الطائي فأقام عنده واتخذ إبلاً هناك، فعدا قوم من جديلة يقال لهم بنو زيد عليها فأخذوها، فأعطاه بنو نبهان معزىً يحلبها فقال:

إذا ما لم يكن إبلٌ فمعزىً ... كأنّ قرون جلّتها العصيّ
الأبيات.
ثم رحل عنهم ونزل بعامر بن جوين، فأراد أن يغلب امرأ القيس على ماله وأهله، فعلم امرؤ القيس بذلك فانتقل إلى رجل من بني ثعلٍ يقال له حارثة بن مر فاستجاره، فأجاره. فوقعت بين عامر بن جوين والثعلي حرب، وكانت أمور كبيرة، فلما رأى امرؤ القيس أن الحرب قد وقعت بين طيئ بسببه خرج من عندهم فقصد السموأل بن عادياء اليهودي، فأكرمه وأنزله، فأقام عنده امرؤ القيس ما شاء الله ثم طلب منه أن يكتب له إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ليوصله إلى قيصر، ففعل ذلك، وسار إلى الحارث وأودع أهله وأدراعه عند السموأل، فلما وصل إلى قيصر أكرمه.
فبلغ ذلك بني أسد فأرسلوا رجلاً منهم يقال له الطماح، كان امرؤ القيس قتل أخاً له، فوصل الأسدي، وقد سير قيصر مع امرئ القيس جيشاً كثيفاً فيهم جماعة من أبناء الملوك. فلما سار امرؤ القيس، قال الطماح لقيصر: إن امرأو القيس غوي عاهر، وقد ذكر أنه كان يراسل ابنتك ويواصلها وقال فيها أشعاراً أشهرها بها في العرب، فبعث إليه قيصر بحلة وشي منسوجة بالذهب، مسمومة، وكتب إليه: إني أرسلت إليك بحلتي التي كنت ألبسها تكرمةً لك فالبسها واكتب إلي بخبرك من منزل منزل. فلبسها امرؤ القيس وسر بذلك، فأسرع فيه السم وسقط جلده، فلذلك سمي ذا القروح؛ فقال امرؤ القيس في ذلك:
لقد طمح الطمّاح من نحو أرضه ... ليلبسني ممّا يلبّس ابؤسا
فلو أنّها نفس تموت سويّةً ... ولكنّها نفس تساقط أنفسا
فلما وصل إلى موضع من بلاد الروم يقال له أنقرة احتضر بها، فقال: رب خطبة مسحنفره، وطعنة مثعنجره، وجفنة متحيره، حلت بأرض أنقره.
ربّ خطبة مسحنفره، ... وطعنةٍ مثعنجره
وجفنةٍ متحيّره ... حلّت بأرض أنقره
ورأى قبر أمراةً من بنات ملوك الروم وقد دفنت بجنب عسيب، وهو جبل، فقال:
أجارتنا إنّ الخطوب تنوب ... وإنّي مقيمٌ ما أقام عسيب
أجارتنا إنّا غريبان ها هنا ... وكلّ غريبٍ للغريب نسيب
ثم مات فدفن إلى جنب المرأة، فقبره هناك.
ولما مات امرؤ القيس سار الحارث بن أبي شمر الغساني إلى السموأل بن عادياء وطالبه بأدراع امرئ القيس، وكانت مائة درع، وبما له عنده، فلم يعطه، فأخذ الحارث ابناً للسموأل، فقال: إما أن تسلم الأدراع وإما قتلت ابنك. فأبى السموأل أن يسلم إليه شيئاً، فقتل ابنه، فقال السموأل في ذلك:
وفيت بأدرع الكنديّ إنّي ... إذا ما ذمّ أقوامٌ وفيت
وأوصى عاديا يوماً بأن لا ... تهدّم يا سموأل ما بنيت
بنى لي عاديا حصناً حصيناً ... وماءً كلّما شئت استقيت
وقد ذكر الأعشى هذه الحادثة، فقال:
كن كالسموأل إذا طاف الهمام به ... في جحفلٍ كسواد اللّيل جرّار
إذ سامه خطّتي خسفٍ فقال له: ... قل ما تشاء فإنّي سامعٌ حار
فقال: غدرٌ وثكلٌ أنت بينهما ... فاختر فما فيهما حظّ لمختار
فشك غير طويلٍ ثم قال له: اقتل أسيرك إني مانعٌ جاري وهي أكثر من هذا.
يوم خزازوكان من حديثه أن ملكاً من ملوك اليمن كان في يديه أسرى من مضر وربيعة وقضاعة، فوفد عليه وفدٌ من وجوه بني معدّ، منهم: سدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة، وعوف بن محلم بن ذهل بن شيبان، وعوف ابن عمرو بن جشم بن ربيعة بن زيد مناة بن عامر اضحيان، وجشم بن ذهل بن هلال بن ربيعة بن زيد ابن عامر الضحيان، فلقيهم رجل من بهراء يقال له عبيد بن قراد، وكان في الأسرى، وكان شاعراً، فسألهم أن يدخلوه في عدة من يسألون فيه، فكلموا الملك فيه وفي الأسرى، فوهبهم لهم، فقال عبيد بن قراد البهراوي:
نفسي الفداء لعوف الفعال ... وعوف ولاّبن هلالٍ جشم
تداركني بعدما قد هوي ... ت مستمسكاً بعراقي الوذم
ولولا سدوسٌ وقد شمّرت ... بي الحرب زلّت بنعلي القدم
وناديت بهراء كي يسمعوا ... وليس بآذانهم من صمم
ومن قبلا عصمت قاسطٌ ... معدّاً إذا ما عزيزٌ أزم

فاحتبس الملك عنده بعض الوفد رهينةً وقال للباقين: ايتوني برؤساء قومكم لآخذ عليهم المواثيق بالطاعة لي وإلا قتلت أصحابكم. فرجعوا إلى قومهم فأخروهم الخبر، فبعث كليب وائلإلى ربيعة فجمعهم، واجتمعت عليه معد، وهو أحد النفر الذين اجتمعت عليهم معد، على ما نذكره في مقتل كليب. فلما اجتمعوا عليه سار بهم وجعل على مقدمته السفاح التغلبي، وهو سلمة بن خالد بن كعب بن زهير بن تيم بن أسامة بن مالك بن بكر ابن حبيب بن تغلب، وأمرهم أن يوقدوا على خزاز ناراً ليهتدوا بها، وخزاز جبل بطخفة ما بين البصرة إلى مكة، وهو قريب من سالع، وهو جبل أيضاً؛ وقال له: إن غشيك العدو فأوقد نارين. فبلغ مذحجاً اجتماع ربيعة ومسيرها فأقبلوا بجموعهم واستنفروا من يليهم من قبائل اليمن وساروا إليهم، فلما سمع أهل تهامة بمسير مذحج انضموا إلى ربيعة، ووصلت مذحج إلى خزام ليلاً، فرفع السفاح نارين. فلما رأى كليب النارين اقبل إليهم بالجموع فصبحهم، فالتقوا بخراز فاقتتلوا قتالاً شديداً أكثروا فيه القتل، فانهزمت مذحج وانفضت جموعها، فقال السفاح في ذلك:
وليلة بتّ أقود في خزاز ... هديت كتائباً متحيّرات
ضللن من السّهاد وكنّ لولا ... سهاد القوم أحسب هاديات
وقال الفرزدق يخاطب جريراً ويهجوه:
لولا فوارس تغلب ابنة وائل ... دخل العدوّ عليك كلّ مكانٍ
ضربوا الصنائع والملوك وأوقدوا ... نارين أشرفتا على النيران
وقيل: إنه لم يعلم أحد من كان الرئيس يوم خزاز لأن عمرو بن كلثوم، وهو ابن ابنة كليب، يقول:
ونحن غداة أوقد في خزاز ... رفدنا فوق رفد الرافدينا
فلو كان جده الرئيس لذكره ولم يفتخر بأنه رفد، ثم جعل من شهد خزازاً متساندين فقال:
فكنّا الأيمنين إذا التقينا ... وكان الأيسرين بنو أبينا
فصالوا صولةً فيمن يليهم ... وصلنا صولةً فيمن يلينا
فقالوا له: استأثرت على إخوتك، يعني مضر، ولما ذكر جده في القصيدة قال:
ومنّا قبله الساعي كليبٌ ... فأيّ المجد إلاّ وقد ولينا
فلم يدع له الرياسة يوم خزاز، وهي أشرف ما كان يفتخر له به.
حبيب بضم الحاء المهملة، وفتح الباء الموحدة، وسكون الياء تحتها نقطتان، وآخره باء أخرى موحدة.
ذكر مقتل كليب

والأيام بين بكر وتغلب

وكان من حديث الحرب التي وقعت بين بكر وتغلب ابني وائل بن هنب ابن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان بسبب قتل كليب، واسمه وائل بن ربيعة بن الحارث بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب، وإنما لقب كليباً لأنه كان إذا سار أخذ معه جرو كلب، فإذا مر بروضة أو موضع يعجبه ضربه ثم ألقاه في ذلك المكان وهو يصيح ويعوي فلا يسمع عواءه أحد إلا تجنبه ولم يقربه، وكان يقال له كليب وائل، ثم اختصروا فقالوا كليب، فغلب عليه. وكان لواء ربيعة بن نزال للأكبر فالأكبر من ولده، فكان اللواء في عنزة بن أسد بن ربيعة، وكانت سنتهم أنهم يصفرون لحاهم ويقصون شواربهم، فلا يفعل ذلك من ربيعة إلا من يخالفهم ويريد حربهم، ثم تحول اللواء في عبد القيس بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن اسد بن ربيعة بن نزال، وكانت سنتهم إذا شتموا لطموا من شتمهم، وإذا لطموا قتلوا من لطمهم. ثم تحول اللواء في النمر بن قاسط بن هنب، وكان لهم غير سنة من تقدمهم. ثم تحول اللواء في النمر بن قاسط بن هنب، وكان لهم غير سنة من تقدمهم. ثم تحول اللواء في النمر بن قاسط بن هنب، وكان لهم غير سنة من لطمهم. ثم تحول اللواء في النمر بن قاسط بن هنب، وكان لهم غير سنة من تقدمهم. ثم تحول اللواء إلى بكر بن وائل فساءوا غيرهم في فرخ طائر، كانوا يوثقون الفرخ بقارعة الطريق، فإذا علم بمكانه لم يسلك أحد ذلك الطريق ويسلك من يريد الذهاب والمجيء عن يمينه ويساره، ثم تحول اللواء إلى تغلب، فوليه وائل بن ربيعة، وكانت سنته ما ذكرناه من جرو الكلب.
ولم تجتمع معد إلا على ثلاثة نفر، وهم: عامر بن الظرب بن عمرو ابن بكر بن يشكر بن الحارث، وهو عدوان بن عمرو بن قيس عيلان، وهو الناس بن مضر، بالنون، وهو أخو إليا بن مضر، وكان قائد معد حين تمذحجت مذحج وسارت إلى تهامة، وهي أول وقعة كانت بين تهامة واليمن؛ والثاني ربيعة بن الحارث بن مرة بن زهير بن جشم بن بكر ابن حبيب بن كلب، وكان قائد معد يوم السلان بين أهل اليمامة واليمن؛ والثالث وائل بن ربيعة، وكان قائد معد يوم خزاز ففض جموع اليمن وهزمهم وجعلت له معد قسم الملك وتاجه وطاعته وبقي زماناً من الدهر، ثم دخله زهو شديد وبغى على قومه حتى بلغ من بغيه أنه كان يحمي مواقع السحاب فلا يرعى حماه، وكان يقول: وحش أرض كذا في جواري، فلا يصاد، ولا يورد أحد مع إبله ولا يوقد ناراً مع ناره، ولا يمر أحد بين بيوته ولا يجتبي في مجلسه.
وكانت بنو جشم وبنو شيبان أخلاطاً في دار واحدة إرادة الجماعة ومخافة الفرقة، وتزوج كليب جليلة بنت مرة بن شيبان بن ثعلبة، وهي أخت جساس بن مرة، وحمى كليب أرضاً من العالية في أو الربيع، وكان لا يقربها إلا محارب، ثم إن رجلاً يقال له سعد بن شميسٍ بن طوق الجرمي نزل بالبسوس بنت منقذ التميمية خالة جساس بن مرة. وكان للجرمي ناقة اسمها سراب ترعى مع نوق جساس، وهي التي ضربت العرب بها المثل فقالوا: أشأم من سراب وأشأ من البسوس.
فخرج كليب يوماً يتعهد الإبل ومراعيها فأتاها وتردد فيها، وكانت إبله وإبل جساس مختلطة، فنظر كليب إلى سراب فأنكرها، فقال له جساس، وهو معه: هذه ناقة جارنا الجرمي. فقال: لا تعد هذه الناقة إلى هذا الحمى. فقال جساس: لا ترعى إبلي مرعىً إلا وهذه معها، معها فقال كليب: لئن عادت لأضعن سهمي في ضرعها. فقال جساس: لئن وضعت سهمك في ضرعها لأضعن سنان رمحي في لبتك ! ثم تفرقا، وقال كليب لأمرأته: أترين أن في العرب رجلاً مانعاً مني جاره ؟ قالت: لا أعلمه إلا جساساً، فحدثها الحديث. وكان بعدذ لك إذا أراد الخروج إلى الحمى منعته وناشتدته الله أن لا يقطع رحمه، وكانت تنهى أخاها جساساً أن يسرح إبله.
ثم إن كليباً خرج إلى الحمى وجعل يتصفح الإبل، فرأى ناقة الجرمي فرمى ضرعها فأنقذه، ولها عجيج حتى بركت بفناء صاحبها. فلما رأى ما بها صرخ بالذل، وسمعت البسوس صراخ جارها، فخرجت إليه. فلما رأت ما بناقته وضعت يدها على رأسها ثم صاحت: واذلاه ؟! وجساس يراها ويسمع، فخرج إليها فقال لها: اسكتي ولا تراعي، وسكن الجرمي، وقال لهما: إني سأقتل جملاً أعظم من هذه الناقة، سأقتل غلالاً، وكان غلال فحل إبل كليب لم ير في زمانه مثله، وإنما أراد جساس بمقالته كليباً. وكان لكليب عين يسمع ما يقولون، فأعاد الكلام على كليب، فقال: لقد اقتصر من يمينه على غلال. ولم يزل جساس يطلب غرة كليب، فخرج كليب يوماً آمناً فلما بعد عن البيوت ركب جساس فرسه وأخذ رمحه وأدرك كليباً، فوقف كليب. فقال له جساس: يا كليب الرمح وراءك ؟! فقال: إن كنت صادقاً فأقبل إلي من أمامي، ولم يلتفت إليه، فطعنه فأرداه عن فرسه، فقال: يا جساس أغثني بشربة من ماء، فلم يأته بشيء، وقضى كليب نحبه. فأمر جساس رجلاً كان معه اسمه عمرو بن الحارث بن ذهل بن شيبان فجعل عليه أحجاراً لئلا تأكله السباع. وفي ذلك يقول مهلهل بن ربيعة، أخو كليب:
قتيلٌ ما قتيل المرء عمروٍ ... وجسّاس بن مرّة ذي صريم
أصاب فؤاده بأصمّ لدنٍ ... فلم يعطف هناك على حميم
فإنّ غداً وبع غدٍ لرهنٌ ... لأمر ما يقام له عظيم
جسيماً ما بكيت به كليباً ... إذا ذكر الفعال من الجسيم
سأشرب كأسها صرفاً وأسقى ... بكأسٍ غير منطقة مليم
ولما قتل جساس كليباً انصرف على فرسه يركضه وقد بدت ركبتاه، فلما نظر أبوه مرة إلى ذلك قال: لقد أتاكم جساس بداهيةٍ، ما رأيته قط بادي الركبتين إلى اليوم ! فلما وقف على أبيه قال: ما لك يا جساس ؟ قال: طعنت طعنة يجتمع بنو وائل غداً لها رقصاً. قال: ومن طعنت ؟ لأمك الثكل ! قال: قتلت كليباً. قال: أفعلت ؟ قال: نعم. قال: بئس والله ما جئت به قومك ! فقال جساس:
تأهّب عنك أهبة ذي امتناع ... فإنّ الأمر جلّ عن التلاحي

فإنّي قد جنيت عليك حرباً ... تغصّ الشيخ بالماء القراح
فلما سمع أبوه قوله خاف خذلان قومه لما كان من لائمته إياه، فقال يجيبه:
فإن تك قد جنيت عليّ حرباً ... تغصّ الشيخ بالماء القراح
جمعت بها يديك على كليبٍ ... فلا وكلٌ ولا رثّ السلاح
سألبس ثوبها وأذود عني ... بها عار المذلة والفضاح
ثم إن مرة دعا قومه إلى نصرته، فأجابوه وجلوا الأسنة وشحذوا السيوف وقوموا الرماح وتيأوا للرحلة إلى جماعة قومهم.
وكان همام بن مرة أخو جساس، ومهلهل أخو كليب في ذلك الوقت يشربان، فبعث جساس إلى همام جارية لهم تخبره الخير، فانتهت إليهما وأشارت إلى همام، فقام إليها، فأخبرته، فقال له مهلهل: ما قالت لك الجارية ؟ وكان بينهما عهد أن لا يكتم أحدهما صاحبه شيئاً، فذكر له ما قالت الجارية، وأحب أن يعلمه ذلك في مداعبة وهزل، فقال له مهلهل: است أخيك أضيق من ذلك ! فأقبلا على شربهما، فقال له مهلهل: اشرب، فاليوم خمرٌ وغداً أمرٌز فشرب همام وهو حذر خائف، فلما سكر مهلهل عاد همام إلى أهله، فساروا من ساعتهم إلى جماعة قومهم، وظهر أمر كليب، فذهبوا إليه فدفنوه، فلما دفن شقت الجيوب وخمشت الوجوه وخرج الأبكار وذوات الخدور العواتق إليه وفمن للمأتم، فقال النساء لأخت كليب: أخرجي جليلة أخت جساس عنا فإن قيامها فيه شماتة وعار علينا، وكانت امرأة كليب، كما ذكرنا، فقالت لها أخت كليب: اخرجي عن مأتمنا فأنت أخت قاتلنا وشقيقة واترنا، فخرجت تجر عطافها، فلقيها أبوها مرة فقال لها: ما وراءك يا جليلة ؟ فقالت: ثكل العدد، وحزن الأبد؛ وفقد خليل، وقتل أخ عن قليل؛ وبين هذين غرس الأحقاد، وتفتت الأكباد. فقال لها: أويكف ذلك كرم الصفح وإغلاء الديات ؟ فقالت أمنية مخدوع ورب الكعبة ! ألبدنٍ تدع لك تغلب دم ربّها ! ولما رحلت جليلة قالت أخت كليب: رحلة المعتدي وفراق الشامت، ويلٌ غداً لآل مرة من الكرة بعد الكرة. فبلغ قولها جليلة، فقالت: وكيف تشمت الحرة بهتك سترها وترقب وترها ! أسعد الله أختي ألا قالت: نفرة الحياء وخوف الأعداء ! ثم أنشأت تقول:
يا ابنة الأقوام إن لمت فلا ... تعجلي باللوم حتّى تسألي
فإذا أنت تبيّنت الذي ... يوجب اللوم، فلومي واعذلي
إن تكن أخت امرئٍ ليمت على ... شفقٍ منها عليه فافعلي
جلّ عندي فعل جسّاسٍ فيا ... حسرتا عمّا انجلى أو ينجلي
فعل جسّاسٍ على وجدي به ... قاطعٌ ظهري ومدنٍ أجلي
لو بعينٍ فقئت عينٌ سوى ... أختها فانفقأت لم أحفل
تحمل العين قذى العين كما ... تحمل الأمّ أذى ما تفتلي
يا قتيلاً قوّض الدهر به ... سقف بيتّي جميعاً من عل
هدم البيت الذي استحدثته ... وسعى في هدم بيتي الأوّل
ورماني قتله من كثبٍ ... رمية المصمى به المستأصل
يا نسائي دونكنّ اليوم قد ... خصّني الدهر برزءٍ معضلٍ
خصّني قتل كليبٍ بلظىً ... من ورائي ولظىً مستقبل
ليس من يبكي ليوميه كمن ... إنّما يبكي ليومٍ مقبل
يشتفي المدرك بالثأر وفي ... دركي ثأري ثكل المثكل
ليته كان دماً فاحتلبوا ... درراً منه دمي من أكحلي
إنّني قاتلةٌ مقتولةٌ ... ولعلّ الله أن يرتاح لي
وأما مهلهل، واسمه عدي، وقيل: امرؤ القيس، وهو خال امرؤ القيس بن حجر الكندي، وإنما لقب مهلهلاً لأنه أول من هلهل الشعر وقصد القصائد، وأول من كذب في شعره، فإنه لما صحا لم يرعه إلا النساء يصرخن: ألا إن كليباً قتل، فقال، وهو أول شعر قيل في هذه الحادثة:
كنّا نغار على العواتق أن ترى ... بالأمس خارجةً عن الأوطان
فخرجن حين ثوى كليبٌ جسّراً ... مستيقناتٍ بعده بهوان
فترى الكواعب كالظّباء عواطلاً ... إذ حان مصرعه من الأكفان
يخمشن من أدم الوجوه حواسراً ... من بعده ويعدن بالأزمان

متسلّباتٍ نكدهنّ وقد ورى ... أجوافهنّ بحرقة ووراني
ويقلن من للمستضيف إذا دعا ... أم من لخضب عوالي المرّان
أم لاتّسارٍ بالجزور إذا غدا ... ريحٌ يقطع معقد الأشطان
أمّن لإسباق الديات وجمعها ... ولفادحات نوائب الحدثان
كان الذخيرة للزمان فقد أتى ... فقدانه وأخلّ ركن مكاني
يا لهف نفسي من زمانٍ فاجعٍ ... ألقى عليّ بكلكلٍ وجران
بمصيبةٍ لا تستقال جليلةٍ ... غلبت عزاء القوم والنّسوان
هدّت حصوناً كنّ قبل ملاوذاً ... لذوي الكهول معاً وللشّبان
أضحت وأضحى سورها من بعده ... متهدّم الأركان والبنيان
فابكين سيّد قومه واندبنه ... شدّت عليه قباطي الأكفان
وأبكين للأيتام لّما أقحطوا ... وابكين عند تخاذل الجيران
وابكين مصرع جيده متزمّلاً ... بدمائه فلذاك ما أبكاني
فلأتركنّ به قبائل تغلبٍ ... قتلى بكلّ قرارة ومكان
قتلى تعاورها النّسور أكفّهاً ... ينهشها وحواجل الغربان
ثم انطلق إلى المكان الذي قتل فيه كليب فرأى دمه، وأتى قبره فوقف عليه ثم قال:
إنّ تحت التراب حزماً وعزماً ... وخصيماً ألدّ ذا معلاق
حيّةً في الوجار أربد لا ين ... فع منه السليم نفث الراقي


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohammed.mansy@yahoo.com
محمد منسى
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 19288
العمر : 39
الموقع : منتديات ابو ريوف
تاريخ التسجيل : 26/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الإثنين 26 نوفمبر 2018 - 14:10


ثم جز شعره وقصر ثوبه وهجر النساء وترك الغزل وحرم القمار والشراب وجمع إليه قومه وأرسل رجالاً منهم إلى بني شيبان، فأتوا مرة بن ذهل ابن شيبان وهو في نادي قومه فقالوا له: إنكم أتيتم عظيما بقتلكم كليبا بناقة وقطعتم الرحم، وانتهكتم الحرمة، وإنا نعرض عليك خلالا أربعاً لكم فيها مخرج ولنا فيها مقنع، إما أن تحيي لنا كليباً أو تدفع إلينا قاتله جساساً فنقتله به، أو هماماً فإنه كفؤ له، أو تمكننا من نفسك، فإن فيك وفاء لدمه.
فقال لهم: أما إحيائي كليباً فلست قادراً عليه، وأما دفعي جساساً إليكم فإنه غلام طعن طعنة على عجل وركب فرسه فلا أدري أي بلاد قصد، وأما همام فإنه أبو عشرة وأخو عشرة وعم عشرة كلهم فرسان قومهم فلن يسلموه بجريرة غيره، وأما أنا فما هو إلا أن تجول الخيل جولة فأكون أول قتيل فما أتعجل الموت، ولكن لكم عندي خصلتان: أما إحداها فهؤلاء أبنائي الباقون، فخذوا أيهم شئتم فاقتلوه بصاحبكم، وأما الأخرى فإني أدفع إليكم ألف ناقة سود الحدق حمر الوبر.
فغضب القوم وقالوا: قد أسأت ببذل هؤلاء وتسومنا اللبن من دم كليب ؟ ونشبت الحرب بينهم. ولحقت جليلة زوجة كليب بأبيها وقومها، واعتزلت قبائل بكر الحرب وكرهوا مساعدة بني شيبان على القتال وأعظموا قتل كليب، فتحولت لجيم ويشكر، وكف الحارث بن عباد عن نصرهم ومعه أهل بيته، وقال مهلهل عدة قصائد يرثي كليباً منها:
كليب لا خير في الدنيا ومن فيها ... إذ أنت خلّيتها فيمن يخلّيها
كليب أيّ فتى عزٍّ ومكرمة ... تحت السقائف إذ يعلوك سافيها
نعى النّعاة كليباً لي فقلت لهم: ... مالت بنا الأرض أو زالت رواسيها
الحزم والعزم كانا من صنيعته ... ما كل آلائه يا قوم أحصيها
القائد الخيل تردي في أعنّتها ... رهوداً إذا الخيل لجّت في تعاديها
من خيل تغلب ما تلقى أسنّتها ... إلاّ وقد خضبوها من أعاديها
يهزهزون من الخطّيّ مدمجةً ... صماً أنابيبها زرقاً عواليها
ليت السماء على من تحتها وقعت ... وانشقّت الأرض فانجابت بمن فيها
لا أصلح الله منّا من يصالحكم ... ما لاحت الشمس في أعلى مجاريها
فالتقوا أول قتال كان بينهم في قولٍ يوم عنيزة، وهي عند فلجة، وكانا على السواء، فقال مهلهل:
كأنّا غدوةً وبني أبينا ... بجنب عنيزةٍ رحيا مدير
ولولا الريح أسمع أهل حجر ... صليل البيض تقرع بالذكور

فتفرقوا ثم بقوا زماناً، ثم إنهم التقوا بماء يقال له النهي، كانت بنو شيبان نازلة عليه، ويروى أنها أول وقعة كانت بينهم، وكان رئيس تغلب مهلهل، ورئيس شيبان الحارث بن مرة، وكانت الدائة لبني تغلب، وكانت الشوكة في بني شيبان، واستحر القتال فيهم إلا أنه لم يقتل ذلك اليوم أحد من بني مرة.
ثم التقوا بالذنائب، وهي أعظم وقعة كانت لهم، فظفرت بنو تغلب وقتلت بكراً مقتلة عظيمة، وقتل فيها شراحيل بن مرة بن همان بن ذهل ابن شيبان، وهو جد الحوفزان وجد معن بن زائدة، وقتل الحارث بن مرة بن ذهل بن شيبان، وقتل من بني ذهل بن ثعلبة عمرة بن سدوس ابن شيبان بن ذهل وغيرهم من رؤساء بكر.
ثم التقوا يوم واردات فاقتتلوا قتالاً شديداً، فظفرت تغلب أيضاً، وكثر القتل في بكر، فقتل همام بن مرة بن ذهل بن شيبان أخو جساس لأبيه وأمه، فمر مهلهل، فلما رآه قتيلاً قال: والله ما قتل بعد كليب أعز علي منك، وتالله لا تجتمع بكر بعدكما على خير أبداً. وقيل: إنما قتل يوم القصيبات، قبل يوم قضة، قتله ناشرة، وكان همام قد التقطه ورباه وسماه ناشرة، وكان عنده. فلما شب علم أنه تغلبي، فلما كان هذا اليوم جعل همام يقاتل فإذا عطش جاء إلى قربة له يشرب منها فتغفله ناشرة فقتله ولحق بقومه تغلب، وكاد جساس يؤخذ فسلم، فقال مهلهل:
لو أنّ خيلي أدركتك وجدتهم ... مثل الليوث بسترغبّ عرين
ويقول فيها:
ولأوردنّ الخيل بطن أراكة ... ولأقضينّ بفعل ذاك ديوني
ولأقتلنّ جحاجحاً من بكركم ... ولأبكينّ بها جفون عيون
حتّى تظلّ الحاملات مخافةً ... من وقعنا يقذفن كلّ جنين
وقيل في ترتيب الأيام غير ما ذكرنا، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
وكان أبو نويرة التغلبي وغيره طلائع قومه، وكان جساس وغيره طلائع قومهم، والتقى بعض الليالي جساس وأبو نويرة، فقال له أبو نويرة: اختر إما الصراع أو الطعان أو المسايفة. فاختار جساس الصراع، فاصطرعا وأبطأ كل واحد منهما على أصحاب حيه، وطلبوهما فأصابوهما وهما يصطرعان، وقد كاد جساس يصرعه، ففرقوا بينهما.
وجعلت تغلب تطلب جساساً أشد الطلب، فقال له أبوه مرة: الحق بأخوالك بالشام، فامتنع، فألح عليه أبو فسيره سراً في خمسة نفر. وبلغ الخبر إلى مهلهل، فندب أبا نويرة ومعه ثلاثون رجلاً من شجعان أصحابه فساروا مجدين، فأدركوا جساساً، فقاتلهم فقتل أبو نويرة وأصحابه ولم يبق منهم غير رجلين، وجرح جساس جرحاً شديداً مات منه، وقتل أصحابه فلم يسلم غير رجلين أيضاً، فعاد كل واحد من السالمين إلى أصحابه. فلما سمع مرة قتل ابنه جساس قال: إنما يحزنني أن كان لم يقتل منهم أحداً. فقيل له: إنه قتل بيده أبا نويرة رئيس القوم وقتل معه خمسة عشر رجلاً ما شركه منا أحد في قتلهم وقتلنا نحن الباقين، فقال: ذلك مما يسكن قلبي عن جساس.

وقيل: إن جساساً آخر من قتل في حرب بكر وتغلب، وكان سبب قتله أن أخته جليلة كانت تحت كليب وائل. فلما قتل كليب عادت إلى أبيها وهي حامل ووقعت الحرب، وكان من الفريقين ما كان، ثم عادوا إلى الموادعة بعدما كادت الفئتان تتفانيان، فولدت أخت جساس غلاماً فسمته هجرساً، ورباه جساس، وكان لا يعرف أباً غيره، فزوجه ابنته، فوقع بين هجرس وبين رجل من بكر كلام، فقال له البكري: ما أنت بمنتهٍ حتى نلحقك بأبيك. فأمسك عنه ودخل إلى أمه كثيباً حزيناً فأخبرها الخبر. فلما نام إلى جنب امرأته رأت من همه وفكره ما أنكرته، فقصت على أبيها جساس قصته، فقال: ثائر ورب الكعبة ! وبات على مثل الرضف حتى أصبح، فأحضر الهجرس فقال له: إنما أنت ولدي وأنت مني بالمكان الذي تعلم، وزوجتك ابنتي، وقد كانت الحرب في أبيك زماناً طويلاً، وقد اصطلحنا وتحاجزنا، وقد رأيت أن تدخل في ما دخل فيه الناس من الصلح وأن تنطلق معي حتى نأخذ عليك مثل ما أخذ علينا. فقال الهجرس: أنا فاعلٌ. فحمله جساس على فرس فركبه ولبس لأمته وقال: مثلي لا يأتي أهله بغير سلاحه، فخرجا حتى أتيا جماعةً من قومهما، فقص عليهم جساس القصة وأعلمهم أن الهجرس يدخل في الذي دخل فيه جماعتهم وقد حضر ليعقد ما عقدتم. فلما قربوا الدم وقاموا إلى العقد أخذ الهجرس بوسط رمحه ثم قال: وفرسي وأذنيه، ورمحي ونصليه، وسيفي وغراريه لا يترك الرجل قاتل أبيه وهو ينظر إليه، ثم طعن جساساً فقتله ولحق بقومه، وكان آخر قتيل في بكر. والأول أكثر.
ونرجع إلى سياقه الحديث.
فلما قتل جساس أرسل أبوه مرة إلى مهلهل: إنك قد أدركت ثأرك وقتلت جساساً، فاكفف عن الحرب ودع اللجاج والإسراف وأصلح ذات البين فهو أصلح للحيين وأنكأ لعدوهم، فلم يجب إلى ذلك. وكان الحارث ابن عباد قد اعتزل الحرب، فلم يشهدها، فلما قتل جساس وهمام ابنا مرة حمل ابنه بجيراً، وهو ابن عمرو بن عباد أخي الحارث بن عباد، فلما حمله على الناقة كتب معه إلى مهلهل: إنك قد أسرفت في القتل وأدركت ثأرك سوى ما قتلت من بكر، وقد أرسلت ابني إليك فإما قتلته بأخيك وأصلحت بين الحيين وإما أطلقته وأصلحت ذات البين، فقد مضى من الحيين في هذه الحروب من كان بقاؤه خيراً لنا ولكم. فلما وقف على كتابه أخذ بجيراً فقتله وقال: بؤبشسع نعل كليب. فلما سمع أبوه بقتله ظن أنه قد قتله بأخيه ليصلح بين الحيين، فقال: نعم القتيل قتيلاً أصلح بين ابني وائل ! فقيل: إنه قال: بؤبشسع نعل كليب، فغضب عند ذلك الحارث بن عباد وقال:
قرّبا مربط النعامة منّي ... لقحت حرب وائل عن حيال
قرّبا مربط النعامة منّي ... شاب رأسي وأنكرتني رجالي
لم أكن من جناتها علم الل ... ه وإنّي بحرّها اليوم صالي
فأتوه بفرسه النعامة، ولم يكن في زمانها مثلها، فركبها وولي أمر بكر وشهد حربهم، وكان أول يوم شهده يوم قضة، وهو يوم تحلاق اللمم، وإنما قيل له تحلاق اللمم لأن بكراً حلقوا رؤوسهم ليعرف بعضهم بعضاً إلا جحدر بن ضبيعة بن قيس أبو المسامعة فقال لهم: أنا قصير فلا تشينوني، وأنا اشتري لمتي منكم بأول فارس يطلع عليكم. فطلع ابن عناق فشد عليه فقتله، وكان يرتجز ذلك اليوم ويقول:
ردّوا عليّ الخيل إن ألّمت ... إن لم أقاتلهم فجزّوا لّمتي
وقاتل يومئذ الحارث بن عباد قتالاً شديداً، فقتل في تغلب مقتلة عظيمة، وفيه يقول طرفة:
سائلوا عنّا الذي يعرفنا ... بقوانا يوم تحلاق اللمم
يوم تبدي البيض عن أسوقها ... وتلفّ الخيل أفواج النّعم
وفي هذا اليوم أسر الحارث بن عباد مهلهلاً، واسمه عدي، وهو لا يعرفه، فقال له: دلني على عدي وأنا أخلي عنك. فقال له المهلهل: عليك عهد الله بذلك إن دللتك عليه ؟ قال: نعم. قال: فأنا عدي؛ فجز ناصيته وتركه، وقال في ذلك:
لهف نفسي على عديٍّ ... ولم أعرف عديّاً إذ أمكنتني اليدان

وكانت الأيام التي اشتدت فيها الحرب بين الطائفتين خمسة أيام: يوم عنيزة تكافأوا فيه وتناصفوا؛ ثم اليوم الثاني يوم واردات، كان لتغلب على بكر؛ ثم اليوم الثالث الحنو، كان لبكر على تغلب؛ ثم اليوم الرابع يوم القصيبات، أصيب بكر حتى ظنوا أنهم لن يستقيلوا؛ ثم اليوم الخامس يوم قضة، وهو يوم التحالق، وشهده الحارث بن عباد؛ ثم كان بعد ذلك أيام دون هذه، منها: يوم النقية، ويوم الفصيل لبكر على تغلب، ثم لم يكن بينهما مزاحفة إنما كان مغاورات، ودامت الحرب بينهما أربعين سنة.
ثم إن مهلهلاً قال لقومه: قد رأيت أن تبقوا على قومكم فإنهم يحبون صلاحكم، وقد أتت على حربكم أربعون سنة وما لمتكم على ما كان من طلبكم بوتركم، فلو مرت هذه السنون في رفاهية عيش لكانت تمل من طولها، فكيف وقد فني الحيان وثكلت الأمهات ويتم الأولاد ونائحة لا تزال تصرخ في النواحي، ودموع لا ترفأ، وأجسادٌ لا تدفن، وسيوف مشهورة، ورماح مشرعة ؟! وإن القوم سيرجعون إليكم غداً بمودتهم ومواصلتهم وتتعطف الأرحام حتى تتواسوا في قبال النعل، فكان كما قال: ثم قال مهلهل: أما أنا فما تطيب نفسي أن أقيم فيكم ولا أستطيع أن أنظر إلى قاتل كليب وأخاف أن أحملكم على الاستئصال وأنا سائر إلى اليمن، وفارقهم وسار إلى اليمن ونزل في جنب، وهي حي من مذحج، فخطبوا إليه ابنته، فمنعهم، فاجبروه على تزويجها وساقوا إليه صداقها جلوداً من أدم، فقال في ذلك:
أعزز على تغلب بما لقيت ... أخت بني الأكرمين من جشّم
أنكحها فقدها الأراقم في ... جنبٍ وكان الحباء من أدم
لو بأبانين جاء يخطبها ... ضرّج ما أنف خاطبٍ بدم
الأراقم بطن من جشم بن تغلب، يعني حيث فقدت الأراقم، وهم عشيرتها، تزوجها رجل من جنب بأدم.
ثم إن مهلهلاً عاد إلى ديار قومه، فأخذه عمرو بن مالك بن ضبيعة البكري أسيراً بنواحي هجر فأحسن إساره، فمر عليه تاجر يبيع الخمر قدم بها من هجر، وكان صديقاً لمهلهل، فأهدى إليه وهو أسير زقاً من خمر، فاجتمع إليه بنو مالك فنحروا عنده بكراً وشربوا عند مهلهل في بيته الذي أفرد له عمرو. فلما أخذ فيهم الشراب تغنى مهلهل بما كان يقوله من الشعر وينوح به على أخيه كليب، فسمع منه عمرو ذلك فقال: إنه لريان، والله لا يشرب عندي ماء حتى يرد زبيب، وهو فحل كان له لا يرد إلا خمساً في حمارة القيظ، فطلب بنو مالك زبيباً وهو حراصٌ على أن لا يهلك مهلهل، فلم يقدروا عليه حتى مات مهلهل عطشاً.
وقي: إن ابنة خال المهلهل، وهي ابنة المجلل التغلبي، كانت امرأة عمرو، وأرادت أن تأتي مهلهلاً وهو أسير، فقال يذكرها:
طفلةٌ ما ابنة المجلّل بيضا ... ء لعوبٌ لذيذةٌ في العناق
فاذهبي ما إليك غير بعيدٍ ... لا يؤاتي العناق من في الوثاق
ضربت نحرها إليّ وقالت: ... يا عديّ لقد وقتك الأواقي
وهي أبيات ذوات عدد، فنقل شعره إلى عمرو بن مالك، فحلف عمرو أن لا يسقيه الماء حتى يرد زبيب، فسأله الناس أن يورد زبيباً قبل وروده، ففعل وأورده وسقاه حتى يتحلل من يمينه، ثم إنه سقى مهلهلاً من ماء هناك هو أوخم المياه، فمات مهلهل.
عباد بضم العين، وفتح الباء الموحدة وتخفيفها.
ذكر الحرب بين الحارث والأعرج

وبني تغلب

قال أبو عبيدة: إن بكراً وتغلب ابني وائل اجتمعت للمنذر بن ماء السماء، وذلك بعد حربهم، وكان الذي أصلح بينهم قيس بن شراحيل ابن مرة بن همام، فغزا بهم المنذر بني آكل المرار، وجعل على بني بكر وتغلب ابنه عمرو بن هند، وقال: أغز أخوالك. فغزاهم، فاقتتلوا، فانهزم بنو آكل المرار وأسروا، وجاءوا بهم إلى المنذر فقتلهم.
ثم انتقضت تغلب على المنذر ولحقت بالشام، ونحن نذكر سبب ذلك في أخبار شيبان إن شاء الله، وعادت الحرب بينهم وبين بكر، فخرج ملك غسان بالشام، وهو الحارث بن أبي شمر الغساني، فمر بأفاريق من تغلب، فلم يستقبلوه. وركب عمرو بن كلثوم التغلبي فلقيه، فقال له: ما منع قومك أن يتلقوني ؟ فقال: لم يعلموا بمرورك، فقال: لئن رجعت لأغزونهم غزوة تتركهم ايقاظاً لقدومي، فقال عمرو: ما استيقظ قومٌ قط إلا نبل رأيهم وعزت جماعتهم، فلا توقظن نائمهم. فقال: كأنك تتوعدني بهم، أما والله لتعلمن إذا أجالت غطاريف غسان الخيل في دياركم أن أيقاظ قومك سينامون نومة لا حلم فيها، تجتث أصولهم وينفى فلهم إلى اليابس الجدد والنازح الثمد. ثم رجع عمرو بن كلثوم عنه وجمع قومه وقال:
ألا فاعلم أبيت اللعن أنّا ... أبيت اللعن نأبى ما تريد
تعلّم أن محملنا ثقيل ... وأنّ دبار كبّتنا شديد
وأنّا ليس حيٌّ من معدٍّ ... يقاومنا إذا لبس الحديد
فلما عاد الحارث الأعرج غزا بني تغلب، فاقتتلوا واشتد القتال بينهم، ثم انهزم الحارث وبنو غسان وقتل أخو الحارث في عدد كثير، فقال عمرو بن كلثوم:
هلاّ عطفت على أخيك إذا دعا ... بالثكل ويل أبيك يا ابن أبي شمر
فذق الذي جشّمت نفسك واعترف ... فيها أخاك وعامر بن أبي حجر
يوم عين أباغوهو بين المنذر بن ماء السماء وبين الحارث الأعرج بن أبي شمر جبلة، وقيل: أبو شمر عمرو بن جبلة بن الحارث بن حجر بن النعمان بن الحارث الأيهم بن الحارث بن مارية الغساني، وقيل في نسبه غير هذا، وقيل: هو أزدي تغلب على غسان؛ والأول أكثر وأصح، وهو الذي طلب أدراع امرئ القيس من السموأل بن عادياء وقتل ابنه، وقيل غيره، والله أعلم.
وسبب ذلك أن المنذر بن ماء السماء ملك العرب سار من الحيرة في معد كلها حتى نزل بعين أباغ بذات الخيار وأرسل إلى الحارث الأعرج بن جبلة بن الحارث بن ثعلبة بنجفنة بن عمرو مزيقياء بن عامر الغساني ملك العرب بالشام: أما أن تعطيني الفدية فأنصرف عنك بجنودي، وإما أن تأذن بحربٍ.
فأرسل إليه الحارث: أنظرنا ننظر في أمرنا. فجمع عساكره وسار نحو المنذر وأرسل إليه يقول له: إنا شيخان فلا نهلك جنودي وجنودك ولكن يخرج رجل من ولدي ويخرج رجل من ولدي ويخرج رجل من ولدك فمن قتل خرج عوضه آخر، وإذا فني أولادنا خرجت أنا إليك فمن قتل صاحبه ذهب بالملك. فتعاهدا على ذلك، فعمد المنذر إلى رجل من شجعان أصحابه فأمره أن يخرج فيقف بين الصفين ويظهر أنه ابن المنذر، فلما خرج أخرج إليه الحارث ابنه أبا كرب، فلما رآه رجع إلى أبيه وقال: إن هذا ليس بابن المنذر إنما هو عبده أو بعض شجعان أصحابه، فقال: يا بني أجزعت من الموت ؟ ما كان الشيخ ليغدر. فعاد إليه وقاتله فقتله الفارس وألقى رأسه بين يدي المنذر، وعاد فأمر الحارث ابناً له آخر بقتاله والطلب بثأر أخيه، فخرج إليه، فلما واقفه رجع إلى أبيه وقال: يا أبت هذا والله عبد المنذر. فقال: يا بني ما كان الشيخ ليغدر. فعاد إليه فشد عليه فقتله.
فلما رأى ذلك شمر بن عمرو الحنفي، وكانت أمه غسانية، وهو مع المنذر، قال: أيها الملك إن الغدر ليس من شيم الملوك ولا الكرام، وقد غدرت بابن عمك دفعتين. فغضب المنذر وأمر بإخراجه، فلحق بعسكر الحارث فأخبره، فقال له: سل حاجتك. فقال له: حلتك وخلتك. فلما كان الغد عبى الحارث أصحابه وحرضهم، وكان في أربعين ألفاً، واصطفوا للقتال، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فقتل المنذر وهزمت جيوشه، فأمر الحارث بابنيه القتيلين فحملا على بعير بمنزلة العدلين، وجعل المنذر فوقهما فوداً وقال: يا لعلاوةٍ دون العدلين ! فذهبت مثلاً؛ وسار إلى الحيرة فأنهبها وأحرقها ودفن ابنيه بها وبني الغريين عليهما في قول بعضهم، وفي ذلك اليوم يقول ابن أبي الرعلاء الضبياني:
كم تركنا بالعين عين أباغ ... من ملوكٍ وسوقةٍ أكفاء
أمطرتهم سحائب الموت تترى ... إنّ في الموت راحة الأشقياء
ليس من مات فاستراح بميت ... إنّما الميت ميّت الأحياء
يوم مرج حليمة

وقتل المنذر بن المنذر بن ماء السماء

لما قتل المنذر بن ماء السماء، على ما تقدم، ملك بعده ابنه المنذر وتلقب الأسود، فلما استقر وثبت قدمه جمع عساكره وسار إلى الحارث الأعرج طالباً بثأر أبيه عنده، وبعث إليه: إنني قد أعددت لك الكهول، على الفحول. فأجابه الحارث: قد أعددت لك المرد على الجرد. فسار المنذر حتى نزل بمرج حليمة، فتركه من به من غسان للأسود، وإنما سمي مرج حليمة بحليمة ابنة الحارث الغساني، وسنذكر خبرها عند الفراغ من هذا اليوم.
ثم إن الحارث سار فنزل بالمرج أيضاً، فأمر أهل القرى التي في المرج أن يصنعوا الطعام لعسكره، ففعلوا ذلك وحملوه في الجفان وتركوه في العسكر، فكان الرجل يقاتل فإذا أراد الطعام جاء إلى تلك الجفان فأكل منها. فأقامت الحرب بين الأسود والحارث أياماً ينتصف بعضهم من بعض. فلما رأى الحارث ذلك قعد في قصره ودعا ابنته هنداً وأمرها فاتخذت طيباً كثيراً في الجفان وطبت به أصحابه، ثم نادى: يا فتيان غسان من قتل ملك الحيرة زوجته ابنتي هنداً. فقال لبيد بن عمرو الغساني لأبيه: يا أبت أنا قاتل ملك الحيرة أو مقتول جونه لا محالة، ولست أرضى فرسي فأعطني فرسك الزيتية. فأعطاه فرسه. فلما زحف الناس واقتتلوا ساعةً شد لبيد على الٍود فضربه ضربة فألقاه عن فرسه وانهزم أصحابه في كل وجه، ونزل فاحتز رأسه وأقبل به إلى الحارث وهو على قصره ينظر إليهم، فألقى الرأس بين يديه. فقال له الحارث: شأنك بابنة عمك فقد زوجتكها. فقال: بل أنصرف فأواسي أصحابي بنفسي فإذا انصرف الناس انصرفت. فرجع فصادف أخاه الأسود قد رجع إليه الناس وهو يقاتل وقد اشتدت نكايته، فتقدم لبيد فقاتل فقتل، ولم يقتل في هذه الحرب بعد تلك الهزيمة غيره، وانهزمت لخم هزيمةً ثانيةً وقتلوا في كل وجه، وانصرفت غسان بأحسن ظفر.
وذكر أن الغبار في هذا اليوم اشتد وكثر حتى ستر الشمس وحتى ظهرت الكواكب المتباعدة عن مطالع الشمس لكثرة العساكر، لأن الأسود سار بعرب العراق أجمع، وسار الحارث بعرب الشام أجمع، وهذا اليوم من أشهر أيام العرب، وقد فخر به بعض شعراء غسان فقال:
يوم وادي حليمةٍ وازدلفنا ... بالعناجيج والرماح الظماء
إذ شحنّا أكفّنا من رقاقٍ ... رقّ من وقعها سنا السّحناء
وأتت هند بالخلوق إلى من ... كان ذا نجدةٍ وفضل غناء
ونصبنا الجفان في ساحة المر ... ج فملنا إلى جفانٍ ملاء
وقيل في قتله غير ما تقدم، ونحن نذكره.
قال بعض العلماء: وكان سببه أن الحارث بن أبي شمر جبلة بن الحارث الأعرج الغساني خطب إلى المنذر اللخمي ابنته وقصد انقطاع الحرب بين لخم وغسان، فزوجه المنذر ابنته هنداً، وكانت لا تريد الرجال، فصنعت بجلدها شبيهاً بالبرص وقالت لأبيها: أنا على هذه الحالة وتهديني لملك غسان ؟ فندم على تزويجها فأمسكها. ثم إن الحارث أرسل يطلبها فمنعها أبوها واعتل عليه.
ثم إن المنذر خرج غازياً، فبعث الحارث بن أبي شمر جيشاً إلى الحيرة فانتهبها وأحرقها. فانصرف المنذر من غزاته لما بلغه من الخبر، فسار يريد غسان، وبلغ الخبر الحارث فجمع أصحابه وقومه فسار بهم فتوافقوا بعين أباغ فاصطفوا للقتال فاقتتلوا واشتد الأمر بين الطائفتين، فحملت ميمنة المنذر على ميسرة الحارث، وفيها ابنه فقتلوه، وانهزمت الميسرة، وحملت ميمنة الحارث على ميسرة المنذر فانهزم من بها وقتل مقدمها فروة بن مسعود ابن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، وحملت غسان من القلب على المنذر فقتلوه وانهزم أصحابه في كل وجه، فقتل منهم بشر كثير وأسر خلق كثير. منهم من بني تميم ثم من بني حنظلة مائة أسير، منهم شأس ابن عبدة، فوفد أخوه علقمة بن عبدة الشاعر على الحارث يطلب إليه أن يطلق أخاه، ومدحه بقصيدته المشهورة التي أولها:
طحا بك قلبٌ في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب
تكلّفني ليلى وقد شطّ أهلها ... وعادت عوادٍ بيننا وخطوب
يقول فيها:
فإن تسألوني بالنساء فإنّني ... بصير بأدواء النساء طبيب
إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله ... فليس له في ودّهنّ نصيب
يردن ثراء المال حيث وجدنه ... وشرخ الشباب عندهنّ عجيب

وقاتل من غسّان أهل حفاظها ... وهنبٌ وفاسٌ جالدت وشبيب
تخشخش أبدان الحديد عليهم ... كما خشخشت يبس الحصاد جنوب
فلم تنج إلا شطبةٌ بلجامها ... وإلاّ طمرٌّ كالقناة نجب
وإلاّ كميٌّ ذو حفاظٍ كأنّه ... بما ابتلّ من حدّ الظّبات خضيب
وفي كلّ حيٍّ قد خبطت بنعمةٍ ... فحقّ لشأسٍ من نداك ذنوب
فلا تحرمني نائلاً عن جنابةٍ ... فإنّي امرؤٌ وسط القباب غريب
فلما بلغ إلى قوله: فحق لشأس من نداك ذنوب، قال الملك: إي والله وأذنبةٌ، ثم أطلق شأساً وقال له: إن شئت الحباء وإن شئت أسراء قومك ؟ وقال لجلسائه: إن اختار الحباء على قومه فلا خير فيه. فقال: أيها الملك ما كنت لأختار على قومي شيئاً. فأطلق له الأسرى من تميم وكساه وحباه، وفعل ذلك بالأسرى جميعهم وزودهم زاداً كثيراً. فلما بلغوا بلادهم أعطوا جميع ذلك لشأس وقالوا: أنت كنت السبب في إطلاقنا فاستعن بهذا على دهرك، فحصل له مال كثير من إبل وكسوة وغير ذلك.
عبدة بفتح العين والباء الموحدة.
وقيل في قتله: إنه جمع عسكراً ضخماً وسار حتى نزل الشام، وسار ملك الشام، وهو عند الأكثر الحارث بن أبي شمر، فنزل مرج حليمة، وهو ينسب إلى حليمة بنت الملك، ونزل الملك اللخمي في مرج الصفر، فسير الحارث فارسين طليعةً، أحدهما فارس خصاف، وكانت فرسه تجري على ثلاث فلا تلحق، فسارا حتى خالطا القوم وقربا من الملك وأمامه شمعة فقتلا حاملها. ففزع القوم فاضطربوا بأسيافهم فقتل بعضهم بعضاً حتى أصبحوا، وأتاهم رسل الحارث ملك غسان ببذل الصلح والإتاوة وقال: إني باعث رؤوس القبائل لتقرير الحال، وندب أصحابه، فانتدب له مائة غلام، وقي: ثمانون غلاماً، فألبسهم السلاح وأمر ابنته حليمة أن تطيبهم وتلبسهم، ففعلت. فلما مر بها لبيد بن عمرو فارس الزيتية قبلها، فأتت أباها باكيةً، فقال: هو أسد القوم ولئن سلم لأنكحنه إياك، وأمره على القوم وساروا، فلما قاربوا العسكر العراقي جمع الملك رؤوس أصحابه. وجاء الغسانيون وعليهم السلاح قد لبسوا فوقها الثياب والبرانس، فلما تتاموا عند الملك أبدوا السلاح فقتلوا من وجدوا، وقتل لبيد بن عمرو ملك العراقيين وأحيط بالغسانيين فقتلوا إلا لبيد بن عمرو، فإن فرسه لم تبرح، فاستوى عليها، وعاد فأخبر الملك، فقال له: قد أنكحتك ابنتي حليمة. فقال: لا يتحدث الناس أني فل مائة، ثم عاد إلى القوم فقاتل فقتل. وتفقد أهل العراق أشرافهم وإذا بهم قد قتلوا فضعفت نفوسهم لذلك وزحفت إليهم غسان فانهزموا.
قلت: قد اختلف النسابون وأهل السير في مدة الأيام وتقديم بعضها على بعض، واختلفوا أيضاً في المقتول فيها، فمنهم من يقول: إن يوم حليمة هو اليوم الذي قتل فيه المنذر بن ماء السماء، ويوم أباغ هو اليوم الذي قتل فيه المنذر بن المنذر، ومنهم من يقول بضد ذلك، ومنهم من يجعل اليومين واحداً فيقول: لم يقتل إلا المنذر بن ماء السماء. وأما ابنه المنذر فمات بالحيرة، وقيل: إن المقتول من ملوك الحيرة غيرهما، فالصحيح أن المقتول هو المنذر بن ماء السماء لا شك فيه، وأما ابنه ففيه خلاف كثير، والأصح أنه لم يقتل، ومن أثبت قتله اختلفوا في سببه، على ما ذكرناه.
وإنما ذكرت اختلافهم والحادثة واحدة لأن كل سبب منها قد ذكره بعض العلماء، فمتى تركنا أحدهما ظن من ليس له معرفة أن كل سبب منها حادث مستقل. وقد أهملناه، فأتينا بها جميعاً لذلك ونبهنا عليه.
ذكر قتل مضرط الحجارةوهو عمرو بن المنذر بن ماء السماء اللخمي صاحب الحيرة، وكان يلقب مضرط الحجارة لشدة ملكه وقوة سياسته، وأمه هند بنت الحارث بن عمرو المقصور بن آكل المرار، وهي عمة امرئ القيس بن حجر بن الحارث.aaa


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohammed.mansy@yahoo.com
محمد منسى
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 19288
العمر : 39
الموقع : منتديات ابو ريوف
تاريخ التسجيل : 26/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الإثنين 26 نوفمبر 2018 - 14:13


وكان سبب قتله أنه قال يوماً لجلسائه: هل تعلمون أن أحداً من العرب من أهل مملكتي يأنف أن تخدم أمه أمي ؟ قالوا: ما نعرفه إلا أن يكون عمرو بن كلثوم التغلبي، فإن أمه ليلى بنت مهلهل بن ربيعة، وعملها كليب وائل، وزوجها كلثوم، وابنها عمرو. فسكت مضرط الحجارة على ما في نفسه وبعث إلى عمرو بن كلثوم يستزيره ويأمره أن تزور أمه ليلى أم نفسه هنداً بنت الحارث. فقدم عمرو بن كلثوم في فرسان من بني تغلب ومعه أمه ليلى، فنزل على شاطئ الفرات، وبلغ عمرو بن هند قدومه فأمر فضربت خيامه بين الحيرة والفرات وأرسل إلى وجوه أهل مملكته فصنع لهم طعاماً ثم دعا الناس إليه فقرب إليهم الطعام على باب السرادق، وجلس هو وعمرو بن كلثوم معها في القبة، وقد قال مضرط الحجارة لأمه: إذا فرغ الناس من الطعام ولم يبق إلا الطرف فنحي خدمك عنك، فإذا دنا الطرف فاستخدمي ليلى ومريها فلتناولك الشيء بعد الشيء.
ففعلت هند ما أمرها به ابنها، فلما استدعي الطرف قالت هند لليلى: ناوليني ذلك الطبق. فقالت: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها. فألحت عليها. فقالت ليلى: واذلاه يا آل تغلب ! فسمعها ولدها عمرو بن كلثوم فثار الدم في وجهه والقوم يشربون، فعرف عمرو بن هند الشر في وجهه، وثار ابن كلثوم إلى سيف ابن هند وهو معلق في السرادق، وليس هناك سيف غيره، فأخذه ثم ضرب به رأس مضرط الحجارة فقتله، وخرج فنادى: يا آل تغلب ! فانتهبوا ماله وخيله وسبوا النساء وساروا فلحقوا بالحيرة، فقال أفنون التغلبي.
لعمرك ما عمرو بن هندٍ وقد دعا ... لتخدم ليلى أمّه بموفّق
فقام ابن كلثوم إلى السيف مصلتاً ... وأمسك من ندمانه بالمخنّق
يوم الكلاب الأول
قال ابن الكلبي: أول من اشتد ملكه من كندة حجر آكل المرار ابن عمرو بن معاوية بن الحارث الكندي، فلما هلك ملك بعده ابنه عمور مثل ملك أبيه فسمي المقصور لأنه قصر على ملك أبيه، فتزوج عمرو أم أناس بنت عوف بن محلم الشيباني، فولدت له الحارث، فملك بعد أبيه أربعين سنة، وقيل: ستين سنة، فخرج يتصيد فرأى عانة وهي حمر الوحش، فشد عليها، فانفرد منها حمار، فتتبعه وأقسم أن لا يأكل شيئاً قبل كبده، وهو بمسحلان، فطلبته الخيل ثلاثة أيام حتى أدركته، فأتي به وقد كادي موت من الجوع، فشوي على النار وأطعم من كبده وهي حارة، فمات، وكان الحارث فرق بنيه في قبائل معد، فجعل حجراً في بني أسد وكنانة، وهو أكبر ولده؛ وجعل شرحبيل في بكر بن وائل وبني حنظلة ابن مالك بن زيد مناة بن تميم وبني أسيد بن عمرو بن تيمم، والرباب؛ وجعل سلمة، وهو أصغرهم، في بني تغلب والنمر بن قاسط وبني سعد بن زيد مناة بن تميم؛ وجعل ابنه معدي كرب، ويعرف بغلفاء، في قيس عيلان، وقد تقدم هذا في قتل حجر أبي امرئ القيس، وإنما أعدناه ها هنا للحاجة إليه.

فلما هلك الحارث تشتت أمر أولاده وتفرقت كلمتهم ومشى بينهم الرجال، وكانت المغاورة بين الأحياء الذين معهم، وتفاقم أمرهم حتى جمع كل واحد منهم لصاحبه الجموع وزحف إليه بالجيوش، فسار شرحبيل فيمن معه من الجيوش فنزل الكلاب، وهو ماء بين البصرة والكوفة. وأقبل سلمة فيمن معه وفي الصنائع أيضاً، وهم قوم كانوا مع الملوك من شذاذ العرب، فأقبلوا إلى الكلاب وعلى تغلب السفاح بن خالد بن كعب ابن زهير، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وثبت بعضهم لبعض. فلما كان آخر النهار من ذلك اليوم خذلت بنو حنظلة وعمرو بن تميم والرباب بكر بن وائل وانهزموا، وثبتت بكر وانصرفت بنو سعد ومن معها عن تغلب وصبرت تغلب، ونادى منادي شرحبيل: من أتاني برأس سلمة فله مائة من الإبل، ونادى منادي سلمة: من أتاني برأس شرحبيل فله مائة من الإبل. فاشتد القتال حينئذ كل يطلب أن يظفر لعله يصل إلى قتل أحد الرجلين ليأخذ مائة من الإبل. فكانت الغلبة آخر النهار لتغلب وسلمة، ومضى شرحبيل منهزماً، فتبعه ذو السنينة التغلبي، فالتفت إليه شرحبيل فضربه على ركبته فأطن رجله، وكان ذو السنينة أخا أبي حنش لأمه، فقال لأخيه: قتلني الرجل ! وهلك ذو السنينة ! فقال أبو حنش لشرحبيل: قتلني الله إن لم أقتلك ! وحمل عليه فأدركه،فقال: يا أبا حنش اللبن اللبن ! يعني الدية. فقال: قد هرقت لبناً كثيراً ! فقال: يا أبا حنش املكاً بسوقة ؟ فقال: إن أخي ملكي. فطعنه فأقاه عن فرسه ونزل إليه فأخذ رأسه وبعث به إلى سلمة مع ابن عم له، فأتاه به وألقان بين يديه، فقال سلمة: لو كنت ألقيته أرفق من هذا ! وعرفت الندامة في وجه سلمة والجزع عليه. فهرب أبو حنش منه، فقال سلمة:
ألا أبلغ أبا حنشٍ رسولاً ... فما لك لا تجيء إلى الثّواب
لتعلم أنّ خير الناس طرّاً ... قتيلٌ بين أحجار الكلاب
تداعت حوله جشم بن بكر ... وأسلمه جعاسيس الرّباب
فأجابه أبو حنش فقال:
أحاذر أن أجيئك ثم تحبو ... حباء أبيك يوم صنيبعات
وكانت غدرةٌ شنعاء تهفو ... تقلّدها أبوك إلى الممات
وكان سبب يوم صنيبعات أن ابناً للحارث كان مسترضعاً في تميم وبكر ولدغته حية فمات، فأخذ خمسين رجلاً من تميم وخمسين رجلاً من بكر فقتلهم به. ولما قتل شرحبيل قام بنو زيد مناة بن تميم دون أهله وعياله فمنعوهم وحالوا بين الناس وبينهم حتى ألحقوهم بقومهم ومأمنهم؛ ولما بلغ خبر قتله أخاه معدي كرب، وهو غلفاء، قال يرثيه:
إنّ جنبي عن الفراش لنابي ... كتجافي الأسرّ فوق الظّراب
من حديثٍ نمى إليّ فما تر ... قأ عيني ولا أسيغ شرابي
مرّة كالذّعاف أكتمها النا ... س على حرّملّة كالشهاب
من شرحبيل إذ تعاوره الأر ... ماح من بعد لذّةٍ وشباب
يا ابن أمي ولو شهدتك إذ تد ... عو تميماً وأنت غير مجاب
ثمّ طاعنت من ورائك حتّى ... يبلغ الرحب أو تبزّ ثيابي
أحسنت وائلٌ وعادتها الإح ... سان بالحنو يوم ضرب الرقاب
يوم فرّت بنو تميم وولّت ... خيلهم يكتسعن بالأذناب
وهي طويلة؛ ثم إن تغلب أخرجوا سلمة من بينهم فلجأ إلى بكر بن وائل وانضم إليهم، ولحقت تغلب بالمنذر بن امرئ القيس اللخمي.
الكلاب بضم الكاف. أسيد بن عمرو بضم الهمزة، وفتح السين المهملة، وتشديد الياء المثناة من تحت. وذو السنينة بضم السين المهملة، تصغير سن. والرباب بكسر الراء، وتخفيف الباء الأولى الموحدة.
يوم أوارة الأولوهو يوم كان بين المنذر بن امرئ القيس وبين بكر بن وائل. وكان سببه أن تغلب لما أخرجت سلمة بن الحارث عنها التجأ إلى بكر ابن وائل، كما ذكرناه آنفاً، فلما صار عند بكر أذعنت له وحشدت عليه وقالوا: لا يملكنا غيرك، فبعث إليهم المنذر يدعوهم إلى طاعته، فأبوا ذلك، فحلف المنذر ليسيرن إليهم فإن ظفر بهم فليذبحنهم على قلة جبل أوارة حتى يبلغ الدم الحضيض.

وسار إليهم في جموعه، فالتقوا بأوارة فاقتتلوا قتالاً شديداً وأجلت الواقعة عن هزيمة بكر وأسر يزيد بن شرحبيل الكندي، فأمر المنذر بقتله، فقتل، وقتل في المعركة بشرٌ كثير، وأسر المنذر من بكر أسرى كثيراً فأمر بهم فذبحوا على جبل أوارة، فجعل الدم يجمد. فقيل له: أبيت اللعن لو ذبحت كل بكري على وجه الأرض لم تبلغ دماؤهم الحضيض ! ولكن لو صببت عليه الماء ! ففعل فسال الدم إلى الحضيض، وأمر بالنساء أن يحرقن بالنار.
وكان رجل من قيس بن ثعلبة منقطعاً إلى المنذر، فكلمه في سبي بكر ابن وائل، فأطلقهن المنذر، فقال الأعشى يفتخر بشفاعة القيسي إلى المنذر في بكر:
ومنّا الذي أعطاه بالجمع ربّه ... على فاقةٍ وللملوك هباتها
سبايا بني شيبان يوم أوارةٍ ... على النار إذ تجلى له فتياتها
يوم أوارة الثانيكان عمرو بن المنذر اللخمي قد ترك ابناً له اسمه أسعد عند زراة بن عدس التميمي؛ فلما ترعرع مرت به ناقةٌ سمينة فعبث بها فرمى ضرعها، فشد عليه ربها سويدٌ أحد بني عبد الله بن دارم التميمي فقتله. وهرب فلحق بمكة فحالف قريشاً. وكان عمرو بن المنذر غزا قبل ذلك ومعه زرارة فأخفق، فلما كان حيال جبلي طيء قال له زرارة: أي ملكٍ إذا غزا لم يرجع ولم يصب، فمل على طيء فإن بحيالها، فمال إليهم فأسر وقتل وغنم، فكانت في صدور طيء على زرارة، فلما قتل سويد أسعد، وزرارة يومئذ عند عمرو، قال له عمرو بن ثعلبة بن ملقط الطائي يحرض عمراً على زرارة:
من مبلغٌ عمراً بأن ال ... مرء لم يخلق صباره
ها إنّ عجزة أمّة ... بالسفح أسفل من أواره
فاقتل زرارة لا أرى ... في القوم أوفى من زراره
فقال عمرو: يا زرارة ما تقول ؟ قال كذبت، قد علمت عداوتهم فيك. قال: صدقت. فلما جن الليل سار مجداً إلى قومه ولم يلبث أن مرض. فلما حضرته الوفاة قال لابنه: يا حاجب ضم إليك غلمتي في بني نهشل. وقال لابن أخيه عمرو بن عمرو: عليك بعمرو بن ملقط فإنه حرض علي الملك. فقال له: يا عماه لقد أسندت إلي أبعدهما شقةً وأشدهما شوكة.
فلما مات زرارة تهيأ عمرو بن عمرو في جمع وغزا طيئاً فأصاب الطريفين: طريف بن مالك، وطريف بن عمرو، وقتل الملاقط؛ فقال علقمة بن عبدة في ذلك:
ونحن جلبنا من ضريّة خيلنا ... نجنّبها حدّ الإكام قطاقطا
أصبنا الطريف والطريف بن مالك ... وكان شفاء الواصبين الملاقطا
فلما بلغ عمرو بن المنذر وفاة زرارة غزا بني دارم، وقد كان حلف ليقتلن منهم مائة، فسار بطلبهم حتى بلغ أوارة، وقد نذروا به فتفرقوا. فأقام مكانه وبث سراياه فيهم، فأتوه بتسعة وتسعين رجلاً سوى من قتلوه في غاراتهم فقتلهم، فجاء رجل من البراجم شاعر ليمدحه فأخذه ليقتله ليتم مائة، ثم قال: إن الشقي وافد البراجم ! فذهبت مثلاً.
وقيل: إنه نذر أن يحرقهم فلذلك سمي محرقاً، فأحرق منهم تسعة وتسعين رجلاً واجتاز رجل من البراجم فشم قتار اللحم فظن أن الملك يتخذ طعاماً فقصده. فقال: من أنت ؟ فقال: أبيت اللعن أنا وافد البراجم. فقال: إن الشقي وافد البراجم؛ ثم أمر به فقذف في النار، فقال جرير للفرزدق:
أين الذين بنار عمروٍ أحرقوا ... أم أين أسعد فيكم المسترضع
وصارت تميم بعد ذلك يعيرون بحب الأكل لطمع البرجمي في الأكل، فقال بعضهم:
إذا ما مات ميتٌ من تميم ... فسرّك أن يعيش فجيء بزاد
بخبزٍ أو بلحمٍ أو بتمرٍ ... أو الشيء الملفّف في البجاد
تراه ينقّب البطحاء حولاً ... ليأكل رأس لقمان بن عاد
قيل: دخل الأحنف بن قيس على معاوية بن أبي سفيان فقال له معاوية: ما الشيء الملفف في البجاد يا أبا بحر ؟ قال: السخينة يا أمير المؤمنين. والسخينة طعام تعير به قريش كما كانت تعير تميم بالملفف في البجاد. قال: فلم ير متمازحان أوقر منهما.
ذكر قتل زهير بن جذيمة

وخالد بن جعفر بن كلاب والحارث بن ظالم المري وذكر يوم الرحرحان

كان زهي بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس العبسي، وهو والد قيس بن زهير صاحب حرب دحس والغبراء، سيد قيس عيلان، فتزوج إليه ملك الحيرة، وهو النعمان بن امرئ القيس جد النعمان بن المنذر لشرفه وسؤدده، فأرسل النعمان إلى زهير يستزيره بعض أولاده، فأرسل ابنه شأساً فكان أصغر ولده، فأكرمه وحباه، فلما انصرف إلى أبيه كساه حللاً وأعطاه مالاً طيباً. فخرج شأس يريد قومه فبلغ ماءً من مياه غني بن أعصر فقتله رباح بن الأشل الغنوي وأخذ ما كان معه وهو لا يعرفه، وقيل لزهير: إن شأساً أقبل من عند الملك وكان آخر العهد به بماء من مياه غني. فسار زهير إلى ديار غني، وهم حلفاء في بني عامر ابن صعصعة، فاجتمعوا عنده، فسألهم عن ابنه، فحلفوا أنهم لم يعلموا خبره، قال: لكني أعلمه، فقال له أبو عامر: فما الذي يرضيك منا ؟ قال: واحدة من ثلاث: إما تحيون ولدى، وإما تسلمون إلي غنياً حتى أقتلهم بولدي، وإما الحرب بيننا وبينكم ما بقينا وبقيتم. فقالوا: ما جعلت لنا في هذه مخرجاً، أما إحياء ولدك فلا يقدر عليه إلا الله، وأما تسليم غني إليك فهم يمتنعون مما يمتنع منه الأحرار، وأما الحرب بيننا فوالله إننا لنحب رضاك ونكره سخطك، ولكن إن شئت الدية، وإن شئت تطلب قاتل ابنك فنسلمه إليك أو تهب دمه فإنه لا يضيع في القرابة والجوار. فقال: ما أفعل إلا ما ذكرت. فلما رأى خالد بن جعفر بن كلاب تعدي زهير على أخواله من غني قال: والله ما رأينا كاليوم تعدي رجل على قومه. فقال له زهير: فهل لك أن تكون طلبتي عندك وأترك غنياً ؟ قال: نعم؛ فانصرف زهير وهو يقول:
فلولا كلاب قد أخذت قرينتي ... بردّ غنيٍّ أعبداً ومواليا
ولكن حمتهم عصبة عامريّة ... يهزّون في الأرض القصار العواليا
مساعير في الهيجا مصاليت في الوغى ... أخوهم عزيز لا يخاف الأعاديا
يقيمون في دار الحفاظ تكرّماً ... إذا ما فنيّ القوم أضحت خواليا
ثم إنه أرسل امرأةً وأمرها أن تكتم نسبها وأعطاها لحم جزور سمينة وسيرها إلى غني لتبيع اللحم بطيب وتسأل عن حال ولده. فانطلقت المرأة إلى غني وفعلت ما أمرها، فانتهت إلى امرأة رباح بن الأشل وقالت لها: قد زوجت بنتاً لي وأبغي الطيب بهذا اللحم، فأعطتها طيباً وحدثتها بقتل زوجها شأساً. فعادت المرأة إلى زهير وأخبرته، فجمع خيله وجعل يغير على غني حتى قتل منهم مقتلة عظيمة، ووقعت الحرب بين بني عبس وبني عامر وعظم الشر.
ثم إن زهيراً خرج في أهل بيته في الشهر الحرام إلى عكاظ، فالتقى هو وخالد بن جعفر بن كلاب. فقال له خالد: لقد طال شرنا منك يا زهير ! فقال زهير: أما والله ما دامت لي قوة أدرك بها ثأراُ فلا انصرام له. وكانت هوازن تؤتي زهير بن جذيمة الإتاوة كل سنة بعكاظ، وهو يسومها الخسف، وفي أنفسها منه غيظ وحقدٌ، ثم عاد خالد وزهير إلى قومهما، فسبق خالد إلى بلاد هوازن فجمع إليه قومه وندبهم إلى قتال زهير، فأجابوه وتأهبوا للحرب وخرجوا يريدون زهيراً وهم على طريقه، وسار زهير حتى نزل على أطراف بلاد هوازن، فقال له ابنه قيس: انج بنا من هذه الأرض فإنا قريب من عدونا. فقال له: يا عاجز وما الذي تخوفني به من هوازن وتتقي شرها ؟ فأنا أعلم الناس بها. فقال ابنه: دع عنك اللجاج وأطعني وسر بنا فإني خائف عاديتهم.
وكانت تماضر بنت الشريد بن رياح بن يقظة بن عصية السلمية أم ولد زهير وقد أصاب بعض إخوتها دماً فلحق ببني عامر، وكان فيهم، فأرسله خالد عيناً ليأتيه بخبر زهير، فخرج حتى أتاهم في منزلهم، فعلم قيس ابن زهير حاله وأراد هو وأبوه أن يوثقوه ويأخذوه معهم إلى أن يخرجوا من أرض هوازن، فمنعت أخته، فأخذوا عليه العهود ألا يخبرهم وأطلقوه فسار إلى خالد ووقف إلى شجرة يخبرها الخبر، فركب خالد ومن معه إلى زهير، وهو غير بعيد منهم، فاقتتلوا قتالاً شديداً، والتقى خالد وزهير فاقتتلا طويلاً ثم تعانقا فسقطا على الأرض، وشد ورقاء بن زهير على خالد وضربه بسيفه فلم يصنع شيئاً لأنه قد ظاهر بين درعين، وحمل جندح ابن البكاء، وهو ابن امرأة خالد، على زهير فقتله، وهو خالد يعتركان، فثار خالد عنه وعادت هوازن إلى منازلها، وحمل بنو زهير أباهم إلى بلادهم، فقال ورقاء بن زهير في ذلك:

رأيت زهيراً تحت كلكل خالد ... فأقبلت أسعى كالعجول أبادر
إلى بطلين يعتران كلاهما ... يريد رياش السيف والسيف نادر
فشلّت يميني يوم أضرب خالداً ... ويمنعه منّي الحديد المظاهر
فيا ليت أنّي قبل أيّام خالدٍ ... وقبل زهير لم تلدني تماضر
لعمري لقد بشّرت بي إذ ولدتني ... فماذا الذي ردّت عليك البشائر ؟
فلا يدعني قومي صريحاً بحرّةٍ ... لئن كنت مقتولاً ويسلم عامر
فطر خالدٌ إن كنت تستطيع طيرةً ... ولا تقعن إلاّ وقلبك حاذر
أتتك المنايا إن بقيت بضربة ... تفارق منها العيش والموت حاضر
وقال خالد يمن على هوازن بقتله زهيراً:
أبلغ هوازن كيف تكفر بعدما ... أعتقتهم فتوالدوا أحرارا
وقتلت ربّهم زهيراً بعدما ... جدع الأنوف وأكثر الأوتارا
وجعلت مهر نسائهم ودياتهم ... عقل الملوك هجائناً وبكارا
وكان زهير سيد غطفان، فعلم خالد أن غطفان ستطلبه بسيدها، فسار إلى النعمان بن امرئ القيس بالحيرة فاستجاره، فأجاره. فضرب له قبةً، وجمع بنو زهير لهوازن، فقال الحارث بن ظالم المري: اكفوني حرب هوازن فأنا أكفيكم خالد بن جعفر.
وسار الحارث حتى قدم على النعمان فدخل عليه وعنده خالد، وهما يأكلان تمراً، فأقبل النعمان يسائله، فحسده خالد، فقال للنعمان: أبيت اللعن ! هذا رجل لي عنده يد عظيمة، قتلت زهيراً وهو سيد غطفان فصار هو سيدها. فقال الحارث: سأجزيك على يدك عندي، وجعل الحارث يتناول التمر ليأكله فيقع من بين أصابعه من الغضب، فقال عروة لأخيه خالد: ما أردت بكلامه وقد عرفته فتاكاً ؟ فقال خالد: وما يخوفني منه ؟ فوالله لو رآني نائماً ما أيقظني.
ثم خرج خالد وأخوه إلى قبتهما فشرجاها عليهما، ونام خالد وعروة عند رأسه يحرسه، فلما أظلم الليل انطلق الحارث إلى خالد فقطع شرج القبة ودخلها وقال لعروة: لئن تكلمت قتلتك ! ثم أيقظ خالداً، فلما استيقظ قال: أتعرفني ؟ قال: أنت الحارث. قال: خذ جزاء يدك عندي ! وضربه بسيفه المعلوب فقتله، ثم خرج من القبة وركب راحلته وسار.
وخرج عروة من القبة يستغيث وأتى باب النعمان فدخل عليه وأخبره الخبر، فبث الرجال في طلب الحارث.
قال الحارث: فلما سرت قليلاً خفت أن أكون لم أقتله فعدت متنكراً واختلطت بالناس ودخلت عليه فضربته بالسيف حتى تيقنت أنه مقتول وعدت فلحقت بقومي؛ فقال عبد الله بن جعدة الكلابي:
يا حار لو نبّهته لوجدته ... لا طائشاً رعشاً ولا معزالا
شقّت عليه الجعفرية جيبها ... جزعاً وما تبكي هناك ضلالا
فانعوا أبا بحر مجرّبٍ ... حرّان يحسب في القناة هلال
فليقتلنّ بخالد سرواتكم ... وليجعلن لظالمٍ تمثالا
تالله قد نبّهته فوجدته ... رخو اليدين مواكلاً عسقالا
فعلوته بالسيف أضرب رأسه ... حتّى أضلّ بسلحه السربالا
فجعل النعمان يطلبه ليقتله بجاره، وهوازن تطلبه لتقتله بسيدها خالد، فلحق بتميم فاستجار بضمرة بن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل بن دارم، فأجاره على النعمان وهوازن، فلما علم النعمان ذلك جهز جيشاً إلى بني دارم عليهم ابن الخمس التغلبي، وكان يطلب الحارث بدم أبيه لأنه كان قتله . .

ثم إن الأحوص بن جعفر أخا خالد جمع بني عامر وسار بهم، فاجتمعوا هم وعسكر النعمان على بني دارم وساروا، فلما صاروا بأدنى مياه بني دارم رأوا امرأةً تجني الكمأة ومعها جمل لها، فأخذها رجلٌ من غني وتركها عنده. فلما كان الليل نام فقامت إلى جملها فركبته وسارت حتى صبحت بني دارم وقصدت سيدهم زرارة بن عدس فأخبرته الخبر وقالت: أخذني أمس قوم لا يريدون غيرك ولا أعرفهم. قال: فصفيهم لي. قالت: رأيت رجلاً قد سقط حاجباه فهو يرفعهما بخرقة، صغير العينين، وعن أمره يصدرون. قال: ذاك الأحوص وهو سيد القوم. قالت: ورأيت رجلاً قليل المنطق إذا تكلم اجتمع القوم كما تجتمع الإبل لفحلها، أحسن الناس وجهاً، ومعه ابنان له يلازمانه. قال: ذلك مالك بن جعفر وابناه عامر وطفيل. قالت: ورأيت رجلاً جسيماً كأن لحيته محمرةٌ معصفرةٌ. قال: ذاك عوف بن الأحوص. قالت: ورأيت رجلاً هلقاماً جسيماً. قال: ذاك ربيعة بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب. قالت: ورأيت رجلاً أسود أخنس قصيراً إذا تكلم عذم القوم عذم المخوس. قال: ذاك ربيعة بن قرط بن عبد الله بن أبي بكر. قالت: ورأيت رجلاً أقرن الحاجبين، كثير شعر السبلة، يسيل لعابه على لحيته إذا تكلم. قال: ذاك جندح بن البكاء. قالت: ورأيت رجلاً صغير العينين ضيق الجبهة يقود فرساً له معه جفيرٌ لا يفارق يده. قال: ذاك ربيعة بن عقيل بن كعب. قالت: ورأيت رجلاً معه ابنان أصبهان إذا أقبلا رماهما الناس بأبصارهم، فإذا أدبرا كانا كذلك. قال: ذاك الصعق بن عمرو بن خويلد بن نفيل وابناه يزيد وزرعة. قالت: ورأيت رجلاً لا يقول كلمة إلا وهي أحد من شفرة. قال: ذاك عبد الله بن جعدة بن كعب.
وأمرها زرارة فدخلت بيتها وأرسل زرارة إلى الرعاء يأمرهم بإحضار الإبل، ففعلوا. وأمرهم فحملوا الأهل والأثقال وساروا نحو بلاد بغيض، وفرق الرسل في بني مالك بن حنظلة فأتوه، فأخبرهم الخبر وأمرهم، فوجهوا أثقالهم إلى بلاد بغيض، ففعلوا وباتوا معدين.
وأصبح بنو عامر وأخبرهم الغنوي حال الظعينة وهربها فسقط في أيديهم واجتمعوا يديرون الرأي، فقال بعضهم: كأني بالظعينة قد أتت قومها فأخبرتهم الخبر، فحذروا وأرسلوا أهليهم وأموالهم إلى بلاد بغيض وباتوا معدين لكم في السلاح فاركبوا بنا في طلب نعمهم وأموالهم فإنهم لا يشعرون حتى نصيب حاجتنا وننصرف. فركبوا يطلبون ظعن بني دارم، فلما أبطأ القوم عن زرارة قال لقومه: إن القوم قد توجهوا إلى ظعنكم وأموالكم فسيروا إليهم. فساروا مجدين فلحقوهم قبل أن يصلوا إلى الظعن والنعم، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فقتلت بنو مالك بن حنظلة ابن الخمس التغلبي رئيس جيش النعمان، وأسرت بنو عامر معبد بن زرارة، وصبر بنو دارم حتى انتصف النهار، وأقبل قيس بن زهير فيمن معه من ناحية أخرى، فانهزمت بنو عامر وجيش النعمان وعادوا إلى بلادهم ومعبد أسير مع بني عامر، فبقي معهم حتى مات.
وفي تلك الأيام أيضاً مات زرارة بن عدس.
وقيل في استجارة الحارث ببني تميم غير ذلك، وهو أن النعمان طلب شيئاً يغيظ به الحارث بعد قتل خالد وهربه، فقيل له: كان قصد الحيرة ونزل على عياض بن ديهث التميمي وهو صديق له، فبعث إليه النعمان فأخذ إبلاً له، فركب الحارث وأتى الحيرة متخفياً واستنقذ ماله من الرعاء، ورده عليه وطلب شيئاً يغيظ به النعمان، فرأى ابنه غضبان فضرب رأسه بالسيف فقتله، وبلغ النعمان الخبر فبعث في طلبه فلم يدرك، فقال الحارث في ذلك:
أخصيي حمار بات يكدم نجمةً ... أتؤكل جاراتي وجارك سالم
فإن تك أذواداً أصبت ونسوةً ... فهذا ابن سلمى رأسه متفاقم
علوت بذي الحيّات مفرق رأسه ... ولا يركب المكروه إلاّ الأكارم
فتكت بهن كما فتكت بخالدٍ ... وكان سلاحي تحتويه الجماجم
بدأت بتلك وانثنيت بهذه ... وثالثة تبيضّ منها المقادم
حسبت أبا قابوس أنك مخفري ... ولّما تذق ثكلاً وأنفك راغم

كذا قال بعضهم، وقيل: إن المقتول كان شرحبيل بن الأسود بن المنذر، وكان الأسود قد ترك ابنه شرحبيل عند سنان بن أبي حارثة المري ترضعه زوجته. فمن هناك كان لسنان مال كثير، وكان ابنه هرم يعطى منه، فجاء الحارث متخفياً فاستعار سرج سنان ولا يعلم سنان، ثم أتى امرأة سنان فقال: يقول بعلك ابعثي بشرحبيل ابن الملك مع الحارث بن ظالم حتى يستأمن به ويتخفر به وهذا سرجه علامة. فزينته ودفعته إليه، فأخذه وقتله وهرب.
فغزا الأسود بني ذبيان وبني أسد بشط أربك فقتل فيهم قتلاً ذريعاً وسبى واستأصل الأموال وأقسم ليقتلن الحارث، فسار الحارث متخفياً إلى الحيرة ليفتك بالأسود، فبينما هو في منزله إذ سمع صارخةً تقول: أنا في جوار الحارث بن ظالم، وعرف حالها، وكان الأسود قد أخذ لها صرمةً من الإبل، فقال لها: انطلقي غداً إلى مكان كذا، وأتاه الحارث. فلما وردت إبل النعمان أخذ مالها فسلمه إليها وفيها ناقة تسمى اللقاع، فقال الحارث في ذلك:
إذا سمعت حنّة اللقاع ... فادعي أبا ليلى فنعم الداعي
يمشي بعضبٍ صارمٍ قطّاعٍ ... يفري به مجامع الصّداع
ثم أقبل يطلب مجيراً فلم يجره أحد من الناس وقالوا: من يجيرك على هوازن والنعمان وقد قتلت ولده ؟ فأتى زرارة بن عدس وضمرة بن ضمرة فأجاراه على جميع الناس.
خبر الحارث وعمرو بن الاطنابة.
ثم إن عمرو بن الإطنابة الخزرجي لما بلغه قتل خالد بن جعفر، وكان صديقاً له، قال: والله لو وجده يقظان ما أقدم عليه، ولوددت أني لقيته. وبلغ الحارث قوله وقال: والله لآتينه في رحله ولا ألقاه إلا ومعه سلاحه، فبلغ ذلك ابن الإطنابة فقال أبياتاً، منها:
أبلغ الحارث بن ظالمٍ المو ... عد والناذر النّذور عليّا
إنّما تقتل النيام ولا تق ... تل يقظان ذا سلاح كميّا
فبلغ الحارث شعره فسار إلى المدينة وسأل عن منزل ابن الإطنابة، فلما دنا منه نادى: يا ابن الإطنابة أغثني ! فأتاه عمرو فقال: من أنت ؟ قال: رجل من بني فلان خرجت أريد بني فلان فعرض لي قوم قريباً منك فأخذوا ما كان معي فاركب معي حتى نستنقذه. فركب معه ولبس سلاحه ومضى معه، فلما أبعد عن منزله عطف عليه وقال: أنائمٌ أنت أم يقظان ؟ فقال: يقظان. فقال: أنا أبو ليلى وسيفي المعلوب، فألقس ابن الإطنابة سيفه، وقيل: رمحه، وقال: قد أعجلتني فأمهلني حتى آخذ سيفي. فقال: خذه. قال: أخاف أن تعجلني عن أخذه. قال: لك ذمة ظالم لا أعجلك عن أخذه. قال: فوذمة الإطنابة لا آخذه ولا أقاتلك ! فانصرف الحارث وهو يقول أبياتاً، منها:
بلغتنا مقالة المرء عمروٍ ... فالتقينا وكان ذاك بديا
فهممنا بقتله إذ برزنا ... ووجدناه ذا سلاح كميّا
غير ما نائمٍ يروّع بالفت ... ك ولكن مقلّداً مشرفيّا
فمننّا عليه بعد علوّ ... بوفاء وكنت قدماً وفيّا
ثم إن الحارث لما علم أن النعمان قد جد في طلبه وهوازن لا تقعد عن الطلب بثأر خالد خرج متنكراً إلى الشام واستجار بيزيد بن عمرو، فأكرمه وأجاره. وكان ليزيد ناقة محماة في عنقها مديةٌ وزناد وملح ليمتحن بذلك رعيته، فوحمت زوجة الحارث واشتهت شحمها ولحمها ورفع منه. وفقدت الناقة فطلبت فوجدت عقيرة بالوادي، فأرسل الملك إلى كاهن فسأله عنها، فذكر له أن الحارث نحرها، فأرسل امرأةً بطيب تشتري من لحمها من امرأة الحارث، فأدركها الحارث وقد اشترت اللحم فقتلها ودفنها في البيت. فسأل الملك الكاهن عن المرأة، فقال: قتلها من نحر الناقة، وإذا كرهت أن تفتش بيته فتأمر الرجل بالرحيل، فإذا رحل فتشت بيته. ففعل ذلك، فلما رحل الحارث فتش الكاهن بيته فوجد المرأة، وأحس بيته. ففعل ذلك، فلما رحل الحارث فتش الكاهن بيته فوجد المرأة، وأحس الحارث بالشر فعاد إلى الكاهن فقتله، فأخذ الحارث وأحضر عند الملك، فأمر بقتله، فقال: إنك قد أجرتني فلا تغدر بي. فقال: إن غدرت بك مرة واحدة فقد غدرت بي مراراً. فقتله.
أيّام داحس والغبراء
وهي بين عبس وذبيان


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohammed.mansy@yahoo.com
محمد منسى
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 19288
العمر : 39
الموقع : منتديات ابو ريوف
تاريخ التسجيل : 26/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الإثنين 26 نوفمبر 2018 - 16:06



وكان سبب ذلك أن قيس بن زهير بن جذيمة العبسي سار إلى المدينة ليتجهز لقتال عامر والأخذ بثأر أبيه، فأتى أحيحة بن الجلاح يشتري منه درعاً موصوفةً. فقال له: لا أبيعها ولولا أن تذمني بنو عامر لوهبتها منك ولكن اشترها بابن لبون. ففعل ذلك وأخذ الدرع، وتسمى ذات الحواشي، ووهبه أحيحة أيضاً أدراعاً، وعاد إلى قومه وقد فرغ من جهازه. فاجتاز بالربيع بن زياد العبسي فدعاه إلى مساعدته على الأخذ بثأره فأجابه إلى ذلك. فلما أراد فراقه نظر الربيع إلى عيبته فقال: ما في حقيبتك ؟ قال: متاع عجيب لو أبصرته لراعك، وأناخ راحلته، فأخرج الدرع من الحقيبة، فأبصرها الربيع فأعجبته ولبسها، فكانت في طوله. فمنعها من قيس ولم يعطه إياها، وترددت الرسل بينهما في ذلك، ولج قيس في طلبها، ولج الربيع في منعها. فلما طالت الأيام على ذلك سير قيس أهله إلى مكة وأقام ينتظر غرة الربيع.
ثم إن الربيع سير إبله وأمواله إلى مرعى كثير الكلإ وأمر أهله فظعنوا، وركب فرسه وسار إلى المنزل، فبلغ الخبر قيساً فسار في أهله وإخوته فعارض ظعائن الربيع وأخذ زمام أمه فاطمة بنت الخرشب وزمام زوجته. فقالت فاطمة أم الربيع: ما تريد يا قيس ؟ قال: أذهب بكن إلى مكة فأبيعكن بها بسبب درعي. قالت: وهيفي ضماني وخل عنا، ففعل. فلما جاءت إلى ابنها قالت له في معنى الدرع، فحلف أنهن لا يرد الدرع، فأرسلت إلى قيس أعلمته بما قال الربيع، فأغار على نعم الربيع فاستاق منها أربعمائة بعير وسار بها إلى مكة فباعها واشترى بها خيلاً، وتبعه الربيع فلم يلحقه، فكان فيما اشترى من الخيل داحس والغبراء.
وقيل: إن داحساً كان من خيل بني يربوع، وإن أباه كان أخذ فرساً لرجل من بني ضبة يقال له انيف بن جبلة، وكان الفرس يسمى السبط، وكانت أم داحش لليربوعي، فطلب اليربوعي من الضبي أن ينزي فرسه على حجره فلم يفعل. فلما كان الليل عمد اليربوعي إلى فرس الضبي فأخذه فأنزاه على فرسه، فاستيقظ الضبي فلم ير فرسه فنادى في قومه، فأجابوه، وقد تعلق باليربوعي، فأخبرهم الخبر، فغضب ضبة من ذلك، فقال لهم: لا تعجلوا، دونكم نطفة فرسكم فخذوها. فقال القوم: قد أنصف. فسطا عليها رجل من القوم فدس يده في رحمها فأخذ ما فيها، فلم تزد الفرس إلا لقاحاً فنتجت مهراً فسمي داحساً بهذا السبب.
فكان عند اليربوعي ابنان له، أغار قيس بن زهير على بني يربوع فنهب وسبى، ورأى الغلامين أحدهما على داحس والآخر على الغبراء فطلبهما فلم يلحقهما، فرجع وفي السبي أم الغلامين وأختان لهما وقد وقع داحس والغبراء في قلبه، وكان ذلك قبل أن يقع بيته وبين الربيع ما وقع. ثم جاء وفد بني يربوع في فداء الأسرى والسبي، فأطلق الجميع إلا أم الغلامين وأختيهما وقال: إن أتاني الغلامان بالمهر والفرس الغبراء وإلا فلا. فامتنع الغلامان من ذلك، فقال شيخ من بني يربوع كان أسيراً عند قيس، وبعث بها إلى الغلامين، وهي:
إنّ مهراً فدى الرباب وجملاً ... وسعاداً لخير مهر أناس
ادفعوا داحساً بهنّ سراعاً ... إنّها من فعالها الأكياس
دونها والذي يحجّ له النا ... س سبايا يبعن بالأفراس
إنّ قيساً يرى الجواد من الخي ... ل حياةً في متلف الأنفاس
يشتري الطّرف بالجراجرة الج ... لّة يعطي عفواً بغير مكاس
فلما انتهت الأبيات إلى بني يربوع قادوا الفرسين إلى قيس وأخذوا النساء.
وقيل: إن قيساً أنزى داحساً على فرس له فجاءت بمهرة فسماها الغبراء. ثم إن قيساً أقام بمكة فكان أهلها يفاخرونه، وكان فخوراً، فقال لهم: نحوا كعبتكم عنا وحرمكم وهاتوا ما شئتم. فقال ل عبد الله بن جدعان: إذا لم نفاخرك بالبيت المعمور وبالحرم الآمن فيم نفاخرك ؟ فمل قيس مفاخرتهم وعزم على الرحلة عنهم، وسر ذلك قريشاً لأنهم قد كانوا كرهوا مفاخرته، فقال لإخوته: ارحلوا بنا من عندهم أولاً وإلا تفاقم الشر بيننا وبينهم، والحقوا ببني بدر فإنهم أكفاؤنا في الحسب، وبنو عمنا في النسب، وأشراف قومنا في الكرم، ومن لا يستطيع الربيع أن يتناولنا معهم. فلحق قيس وإخوته ببني بدر، وقال في مسيره إليهم:
أسير إلى بني بدرٍ بأمرٍ ... هم فيه علينا بالخيار

فإن قبلوا الجوار فخير قومٍ ... وإن كرهوا الجوار فغير عار
أتينا الحارث الخير بن كعب ... بنجران وأي لجا بجار
فجاورنا الذين إذا أتاهم ... غريبٌ حلّ في سعة القرار
فيأمن فيهم ويكون منهم ... بمنزلة الشّعار من الدّثار
وإن نفرد بحرب بني أبينا ... بلا جار فإنّ الله جاري
ثم نزل ببني بدر فنزل بحذيفة، فأجاره هو وأخوه حمل بن بدر، وأقام فيهم، وكان معه أفراس له ولإخوته لم يكن في العرب مثلها، وكان حذيفة يغدو ويروح إلى قيس فينظر إلى خيله فيحسده عليها ويكتم ذلك في نفسه، وأقام قيس فيهم زماناً يكرمونه وإخوته، فغضب الربيع ونقم ذلك عليهم وبعث إليهم بهذه الأبيات:
ألا أبلغ بني بدرٍ رسولاً ... على ما كان من شنإ ووتر
بأنّي لم أزل لكم صديقاً ... أدافع عن فزارة كلّ أمر
أسالم سلمكم وأردّ عنكم ... فوارس أهل نجران وحجر
وكان أبي ابن عمّكم زياد ... صفيّ أبيكم بدر بن عمرو
فألجأتم أخا الغدرات قيساً ... فقد أفعمتم إيغار صدري
فحسبي من حذيفة ضمّ قيس ... وكان البدء من حمل بن بدر
فإمّا ترجعوا أرجع إليكم ... وإن تأبوا فقد أوسعت عذري
فلم يتغيروا عن جوار قيس. فغضب الربيع وغضبت عبس لغضبه، ثم إن حذيفة كره قيساً وأراد إخراجه عنهم فلم يجد حجةً، وعزم قيس على العمرة فقال لأصحابه: إني قد عزمت على العمرة فإياكم أن تلابسوا حذيفة بشيء، واحتملوا كل ما يكون منه حتى أرجع فإني قد عرفت الشر في وجهه وليس يقدر على حاجته منكم إلا أن تراهنون على الخيل. وكان ذا رأي لا يخطئ في ما يريده، وسار إلى مكة. ثم إن فتىً من عبس يقال له ورد ابن مالك أتى حذيفة فجلس إليه، فقال له ورد: لو اتخذت من خيل قيس فحلاً يكون أصلاً لخيلك. فقال حذيفة: خيلي خير من خيل قيس، ولجا في ذلك إلى أن تراهنا على فرسين من خيل قيس وفرسين من خيل حذيفة، والرهن عشرة أذواد.
وسار ورد فقدم على قيس بمكة فأعلمه الحال، فقال له: أراك قد أوقعتني في بني بدر ووقعت معي وحذيفة ظلوم لا تطيب نفسه بحق ونحن لا نقر له بضيمٍ. ورجع قيس من العمرة، فجمع قومه وركب إلى حذيفة وسأله أن يفكر الرهن، فلم يفعل. فسأله جماعة فزارة وعبس فلم يجب إلى ذلك، وقال: إن أقرقيس أن السبق لي وإلا فلا، فقال أبو جعدة الفزاري:
آل بدرٍ دعوا الرّهان فإنّا ... قد مللنا اللجاج عند الرهان
ودعوا المرء في فزارة جاراً ... إنّ ما غاب عنكم كالعيان
ليت شعري عن هاشم وحصين ... وابن عوف وحارث وسنان
حين يأتيهم لجاجك قيساً ... رأي صاحٍ أتيت أم نشوان
وسأل حذيفة إخوته وسادات أصحابه في ترك الرهان ولج فيه، وقال قيس: علام تراهنني ؟ قال: على فرسيك داحس والغبراء وفرسي الخطار والحنفاء، وقيل: كان الرهن على فرسي داحس والغبراء. قال قيس: داحس أسرع. وقال حذيفة: الغبراء أسرع، وقال لقيس: أريد أن أعلمك أن بصري بالخيل أثقب من بصرك؛ والأول أصح. فقال له قيس: نفس في الغاية وارفع في السبق. فقال حذيفة: الغاية من أبلى إلى ذات الإصاد، وهو قدر مائة وعشرين غلوةً، والسبق مائة بعير، وضمروا الخيل. فلما فرغوا قادوا الخيل إلى الغاية وحشدوا ولبسوا السلاح وتركوا السبق على يد عقال ابن مروان بن الحكم القيسي وأعدوا الأمناء على إرسال الخيل.
وأقام حذيفة رجلاً من بني أسد في الطريق وأمره أن يلقى داحساً في وادي ذات الإصاد إن مر به سابقاً فيرمي به إلى أسفل الوادي.

فلما أرسلت الخيل سبقها داحس سبقاً بيناً والناس ينظرون إليه وقيس وحذيفة على رأس الغاية في جميع قومهما. فلما هبط داحس في الوادي عارضه الأسدي فلطم وجهه فألقاه في الماء، فكاد يغرق هو وراكبه ولم يخرج إلا وقد فاتته الخيل. وأما راكب الغبراء فإنه خالف طريق داحس لما رآه قد أبطأ وعاد إلى الطريق واجتمع مع فرسي حذيفة، ثم سقطت الحنفاء وبقي الغبراء والخطار، فكانا إذا أحزنا سبق الخطار وإذا أسهلا سبقت الغبراء. فلما قربا من الناس وهما في وعث من الأرض تقدم الخطار، فقال حذيفة: سبقك يا قيس. فقال: رويدك يعلون الجدد؛ فذهبت مثلاً. فلما استوت بهما الأرض قال حذيفة: خدع والله صاحبنا. فقال قيس: ترك الخداع من أجرى من مائة وعشرين؛ فذهبت مثلاً.
ثم إن الغبراء جاءت سابقة وتبعها الخطار فرس حذيفة، ثم الحنفاء له أيضاً، ثم جاء داحس بعد ذلك والغلام يسير به على رسله، فأخبر الغلام فيساً بما صنع بفرسه، فأنكر حذيفة ذلك وادعى السبق ظالماً، وقال: جاء فرساي متتابعين، ومضى قيس وأصحابه حتى نظروا إلى القوم الذين حبسوا داحساً واختلفوا.
وبلغ الربيع بن زياد خبرهم فسره ذلك وقال لأصحابه: هلك والله قيس، وكأني به إن لم يقتله حذيفة وقد أتاكم يطلب منكم الجوار، أما والله لئن فعل ما لنا من ضمه من بد.
ثم إن الأسدي ندم على حبس داحس فجاء إلى قيس واعترف بما صنع، فسبه حذيفة.
ثم إن بني بدر قصروا بقيس وإخوته وآذوهم بالكلام، فعاتبهم قيس، فلم يزدادوا إلا بغياً عليه وإيذاءً له.
ثم إن قيساً وحذيفة تناكرا في السبق حتى هما بالمؤاخذة، فمنعهما الناس، وظهر لهم بغي حذيفة وظلمه، ولج في طلب السبق، فأرسل ابنه ندبة إلى قيس يطالبه به، فلما أبلغه الرسالة طعنه فقتله وعادت فرسه إلى أبيه ونادى قيس: يا بني عبس الرحيل ؟! فرحلوا كلهم، ولما أتت الفرس حذيفة علم أن ولده قتل، فصاح في الناس وركب في من معه وأتى منازل بني عبس فرآها خاليةً ورأى ابنه قتيلاً، فنزل إليه وقبل بين عينيه ودفنوه.
وكان مالك بن زهير أخو قيس متزوجاً في فزارة وهو نازلٌ فيهم، فأرسل إليه قيس: أني قد قتلت ندبة بن حذيفة ورحلت فالحق بنا وإلا قتلت. فقال: إنما ذنب قيس عيه، ولم يرحل، فأرسل قيس إلى الربيع ابن زياد يطلب منه العود إليه والمقام معه إذ هم عشيرة وأهل، فلم يجبه ولم يمنعه، وكان مفكراً في ذلك.
ثم إن بني بدر قتلوا مالك بن زهير أخا قيس، وكان نازلاً فيهم، فبلغ مقتله بني عبس والربيع بن زياد، فاشتد ذلك عليهم، وأرسل الربيع إلى قيس عيناً يأتيه بخبره، فسمعه يقول:
أينجو بنو بدرٍ بمقتل مالك ... ويخذلنا في النائبات ربيع
وكان زيادق قبله يتّقى به ... من الدهر إن يومٌ ألمّ فظيع
فقل لربيعً يحتذي فعل شيخه ... وما النّاس إلاّ حافظٌ ومضيع
وإلاّ فما لي في البلاد إقامةٌ ... وأمر بني بدرٍ عليّ جميع
فرجع الرجل إلى الربيع فأخبره، فبكى الربيع على مالك وقال:
منع الرّقاد فما أغمّض ساعةً ... جزعاً من الخبر العظيم الساري
أفبعد مقتل مالك بن زهير ... يرجو النساء عواقب الأطهار
من كان مسروراً بمقتل مالكٍ ... فليأت نسوتنا بوجه نهار
يجد النساء حواسراً يندبنه ... ويقمن قبل تبلّج الأسحار
يضربن حرّ وجوههنّ على فتىً ... ضخم الدسيعة غير ما خوّار
قد كنّ يكننّ الوجوه تستّراً ... فاليوم حين برزن للنظّار
وهي طويلة.

فسمعها قيس فركب هو وأهله وقصدوا الربيع بن زياد وهو يصلح سلاحه، فنزل إليه قيس وقام الربيع فاتنقا وبكيا وأظهرا الجزع لمصاب مالك، ولقي القوم بعضهم بعضاً فنزلوا. فقال قيس للربيع: إنه لم يهرب منك من لجأ إليه، ولم يستغن عنك من استعان بك، وقد كان لك شر يومي فليكن لي خير يوميك، وإنما أنا بقومي وقومي بك وقد أصاب القوم مالكاً، ولست أهم بسوء لأني إن حاربت بني بدر نصرتهم بنو ذبيان، وإن حاربتني خذلني بنو عبس إلا أن تجمعهم علي، وأنا والقوم في الدماء سواءٌ، قتلت ابنهم وقتلوا أخي، فإن نصرتني طمعت فيهم، وإن خذلتني طمعوا في. فقال الربيع: يا قيس إنه لا ينفعني أن أرى لك من الفضل ما لا أراه لي، ولا ينفعك أن ترى لي ما لا أراه لك، وقد مال علي قتل مالك وأنت ظالم ومظلوم، ظلموك في جوادك وظلمتهم في دمائهم، وقتلوا أخاك بابنهم، فإن يبؤ الدم بالدم فعسى أن تلقح الحرب أقم معك، وأحب الأمرين إلي مسالمتهم ونخلو بحرب هوازن. وبعث قيس إلى أهله وأصحابه، فجاؤوا ونزلوا مع الربيع، وأنشدهم عنترة بن شداد مرثيته في مالك:
فلله عينا من رأى مثل مالكٍ ... عقيرة قومٍ أن جرى فرسان
فليتهما لم يطعما الدهر بعدها ... وليتهما لم يجمعا لرهان
وليتهما ماتا جميعاً ببلدةٍ ... وأخطاهما قيسٌ فلا يريان
لقد جلبا جلباً لمصرع مالكٍ ... وكان كريماً ماجداً لهجان
وكان إذا ما كان يوم كريهةٍ ... فقد علموا أنّي وهو فتيان
وكنّا لدى الهيجاء نحمي نساءنا ... ونضرب عند الكرب كلّ بنان
فسوف ترى إن كنت بعدك باقياً ... وأمكنني دهري وطول زماني
فأقسم حقّاً لو بقيت لنظرة ... لقرّت بها عيناك حين تراني
وبلغ حذيفة أن الربيع وقيساً اتفقا، فشق ذلك عليه واستعد للبلاء. وقيل: إن بلاد عبس كانت قد أجدبت فانتجع أهلها بلاد فزارة، وأخذ الربيع جواراً من حذيفة وأقام عندهم. فلما بلغه مقتل مالك قال لحذيفة: لي ذمتي ثلاثة أيام. فقال حذيفة: ذلك لك. فانتقل الربيع من بني فزارة. فبلغ ذلك حمل بن بدر فقال لحذيفة أخيه: بئس الرأي رأيت ! قتلت مالكاً وخلّيت سبيل الربيع ! والله ليضرمنها عليك ناراً ! فركبا في طلب الربيع، ففاتهما، فعلما أنه قد أضمر الشر.
واتفق الربيع وقيس، وجمع حذيفة قومه وتعاقدوا على عبس، وجمع الربيع وقيس قومهما واستعدوا للحرب، فأغارت فزارة على بني عبس فأصابوا نعماً ورجالاً، فحميت عبس واجتمعت للغارة، فنذرت بهم فزارة. فخرجوا إليهم فالتقوا على ماء يقال له العذق، وهي أول وقعة كانت بينهم، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وقتل عوف بن يزيد، قتله جندب بن خلف العبسي. وانهزمت فزارة وقتلوا قتلاً ذريعاً، وأسر الربيع بن زياد حذيفة ابن بدر، وكان حر بن الحارث العبسي قد نذر إن قدر على حذيفة أن يضربه بالسيف، وله سيف قاطع يسمى الأصرم، فأراد ضربه بالسيف لما أسر وفاء بنذره، فأرسل الربيع إلى امرأته فغيبت سيفه ونهوه عن قتله وحذروه عاقبة ذلك، فأبى إلا ضربه، فوضعوا عليه الرجال، فضربه، فلم يصنع السيف شيئاً وبقي حذيفة أسيراً.
فاجتمعت غطفان وسعوا في الصلح، فاصطلحوا على أن يهدروا بدر بن حذيفة بدم مالك بن زهير، ويعقلوا عوف بن بدر، ويعطوا حذيفة عن ضربته التي ضربه حر مائتين من الإبل، وأن يجعلوها عشاراً كلها، وأربعة أعبدٍ، وأهدر حذيفة دماء من قتل من فزارة في الوقعة وأطلق من الأسر.
فلما رجع إلى قومه ندم على ذلك وساءت مقالته في بني عبس، وركب قيس بن زهير وعمارة بن زياد فمضيا إلى حذيفة وتحدثا معه. فأجابهما إلى الاتفاق وأن يرد عليهما الإبل التي أخذ منهما، وكانت توالدت عنده. فبيناهم في ذلك إذ جاءهم سنان بن أبي حراثة المري فقبح رأي حذيفة في الصلح وقال: إن كنت لا بد فاعلاً فأعطهم إبلاً عجافاً مكان إبلهم واحبس أولادها. فوافق ذلك رأي حذيفة، فأبى قيس وعمارة ذلك.
وقيل: إن الابل التي طلبوها منه هي إبل كان قد أخذها سبقاً من قيس. وقيل أيضاً: إن مالك بن زهير قتل بعد هذه الوقعة المذكورة؛ قال حميد ابن بدر في ذلك:
قتلنا بعوفٍ مالكاً وهو ثأرنا ... ومن يبتدع شيئاً سوى الحقّ يظلم

وجعل سنان يحث حذيفة على الحرب، فتيسروا لها.
ثم إن الأنصار بلغهم ما عزموا عليه، فاتفق جماعةٌ من رؤسائهم، وهم: عمرو بن الإطنابة، ومالك بن عجلان، وأحيحة بن الجلام، وقيس ابن الخطيم، وغيرهم، وساروا ليصلحوا بينهم، فوصلوا إليهم وترددوا في الاتفاق، فلم يجب حذيفة إلى ذلك وظهر لهم بغيه، فحذروه عاقبته وعادوا عنه.
وأغار حذيفة على عبس، وأغارت عبس على فزارة، وتفاقم الشر، وأرسل حذيفة أخاه حملاً فأغار وأسر ريان بن الأسلع بن سفيان وشده وثاقاً وحمله إلى حذيفة فأطلقه ليرهنه ابنيه وجبير ابن أخيه عمرو بن الأسلع، ففعل ريان ذلك، ثم سار قيس إلى فزارة فلقي منهم جمعاً فيهم مالك بن بدر، فقتله قيس وانهزمت فزارة، فأخذ حينئذ حذيفة ولدي ريان فقتلهما وهما يستغيثان: يا أبتاه ! حتى ماتا، وأما ابن أخيه فمنعه أخواله.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohammed.mansy@yahoo.com
 
كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 2 من اصل 9انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6, 7, 8, 9  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع ومنتدبات ابو ريوف  :: المنــتديــات العامه :: منتدى همسات وخواطر-
انتقل الى: