موقع ومنتدبات ابو ريوف
عزيزي هنا مملكة أبو ريوف للابداع

يجب عليك التسجيل لتتمكن من المشاركه والمشاهده لاقسام الموقع والبث المباشر المدير العام أبو ريوف

المشرفون : محمد منسي - ملكة الحب
لكم منا أجمل تحيه


M E T O

موقع ومنتدبات ابو ريوف

كل مساهمه في هذا المنتدى بشكل أو بآخر هي تعبر في الواقع عن رأي صاحبها
 
الرئيسيةبوابة METOاليوميةمكتبة الصوربحـثالتسجيلدخول
اهلا باصدقاء أبو ريوف بعد غياب اربع سنين اعود لمنتداكم الجميل لطالما علمت بأني هنا معكم استنشق عطراً يفوح من اقلامكم لكم مني كل الحب والتقدير أخوكم الصغير أبو ريوف

توقيت الرياض
المواضيع الأخيرة
»  قد أغرقتنى ((حبيبتي))
أمس في 14:02 من طرف محمد منسى

» لماذا نصلي صلاة مودع؟
أمس في 13:55 من طرف محمد منسى

» . الخشوع طريق النجاح
أمس في 13:50 من طرف محمد منسى

» هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟
أمس في 13:43 من طرف محمد منسى

» مدينة رسول الله صلي الله عليه وسلم
الجمعة 14 ديسمبر 2018 - 7:38 من طرف محمد منسى

»  يا صوتهـــــــــا
الخميس 13 ديسمبر 2018 - 13:48 من طرف محمد منسى

» عشاق الحياة
الخميس 13 ديسمبر 2018 - 9:23 من طرف محمد منسى

» شخصيات.. فى حياتى
الخميس 13 ديسمبر 2018 - 8:43 من طرف محمد منسى

» صفة المسيح عيسى ابن مريم رسول الله عليه السلام
الخميس 13 ديسمبر 2018 - 7:27 من طرف محمد منسى

» تعرف على القصة الكاملة لخروج تمثال نفرتيتى من مصر
الأربعاء 12 ديسمبر 2018 - 18:02 من طرف محمد منسى

» .من فضائل صحابة رسول الله رضي الله عنهم:
الأربعاء 12 ديسمبر 2018 - 12:33 من طرف محمد منسى

» فضائل عمر بن الخطاب رضي الله عنه
الأربعاء 12 ديسمبر 2018 - 11:58 من طرف محمد منسى

» فضل الصدقات
الأربعاء 12 ديسمبر 2018 - 11:17 من طرف محمد منسى

» زرقاء اليمامة
الأربعاء 12 ديسمبر 2018 - 5:09 من طرف محمد منسى

» ما صح في فضائل " سبحان الله وبحمده "
الأربعاء 12 ديسمبر 2018 - 5:00 من طرف محمد منسى

» دلائل وحدانية الله
الأربعاء 12 ديسمبر 2018 - 4:55 من طرف محمد منسى

» .. وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ!
الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 - 10:55 من طرف محمد منسى

» وانت فايت
الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 - 5:16 من طرف محمد منسى

» مقدمة ابن خلدون
الإثنين 10 ديسمبر 2018 - 17:39 من طرف محمد منسى

» والســــحر فى عينيكِ
الإثنين 10 ديسمبر 2018 - 13:13 من طرف محمد منسى

» ريحة الحبايب.. عبدالفتاح القصرى.. أسرار أيام الحزن والقهر بحياة ملك الكوميديا.. بدأ طريق النجومية بصفعة من جورج أبيض وانتهت حياته باستجداء المارة.. فقد بصره وذاكرته وحبسته زوجته وسرقت ثروته وتزوجت ابنه بالتبنى
الأحد 9 ديسمبر 2018 - 8:55 من طرف محمد منسى

» البرده (كعب بن زهير)
السبت 8 ديسمبر 2018 - 11:57 من طرف محمد منسى

»  قصاقيص
الجمعة 7 ديسمبر 2018 - 19:39 من طرف محمد منسى

»  الجندى الصفيح
الجمعة 7 ديسمبر 2018 - 15:29 من طرف محمد منسى

» بائع الجرائد
الجمعة 7 ديسمبر 2018 - 15:26 من طرف محمد منسى

» أحترم خيوط إنهزامى
الخميس 6 ديسمبر 2018 - 16:48 من طرف محمد منسى

» ومضة «صلاح» تخطف وسائل الإعلام برغم خسارة «الكرة الذهبية»
الأربعاء 5 ديسمبر 2018 - 11:14 من طرف محمد منسى

» وتهلين كليلة عرس
الثلاثاء 4 ديسمبر 2018 - 13:32 من طرف محمد منسى

» شــــرج فى جـــدار الزمــــن
الإثنين 3 ديسمبر 2018 - 18:02 من طرف محمد منسى

» كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير
الإثنين 3 ديسمبر 2018 - 17:50 من طرف محمد منسى

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
محمد منسى - 19288
 
ملكة الحب - 1144
 
ابو ريوف METO - 324
 
جلالة الملكه - 180
 
باكى - 67
 
الحربي - 36
 
صلاح اليب2 - 35
 
زهرالورد - 30
 
اكينو ملوال - 29
 
رشيد سويدة - 29
 

شاطر | 
 

 كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6, 7, 8, 9
كاتب الموضوعرسالة
محمد منسى
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 19288
العمر : 39
الموقع : منتديات ابو ريوف
تاريخ التسجيل : 26/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الإثنين 3 ديسمبر 2018 - 17:40


وكان مولده بطريق مكة، وأمه أم ولد اسمها قراطيس، ولما اشتد مرضه أحضر المنجمين منهم الحسن بن سهل، فنظروا في مولده، فقدروا له أن يعيش خمسين سنة، مستأنفة من ذلك اليوم، فلم يعش بعد قولهم إلا عشرة أيام ومات.
وكان أبيض، مشرباً بحمرة، جميلأن ربعة، حسن الجسم، قائم العين اليسرى، فيها نكتة بياض، وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وخمسة أيام، وكان عمره اثنتين وثلاثين سنة، وقيل ستاً وثلاثين سنة.
ذكر بعض سيرة الواثق باللهلما توفي المعتصم، وجلس الواثق في الخلافة أحسن إلى الناس، واشتمل على العلويين، وبالغ في إكرامهم والإحسان إليهم، والتعهد لهم بالأموال، وفرق في أهل الحرمين أموالاً لا تحصى، حتى إنه لم يوجد في أيامه بالحرمين سائل.
ولما توفي الواثق كان أهل المدينة تخرج من نسائهم كل ليلة إلى البقيع، فيبكين عليه، ويندبنه، ففعلوا ذلك بينهم مناوبة حزناً عليه، لما كان يكثر من الإحسان إليهم؛ وأطلق في خلافته أعشار سفن البحر، وكان مالاً عظيماً.
قال الحسين بن الضحاك: شهدت الواثق بعد أن مات المعتصم بأيام، أول مجلس جلسه، فغنته جارية إبراهيم بن المهدي:
ما درى الحاملون، يوم استقلوا ... نعشه، للثواء أم للبقاء
فليقل فيك باكياتك ما شئ ... ن صباحأن وعند كل مساء
فبكى، وبكينا معه حتى شغلنا البكاء عن جميع ما كنا فيه، قال: ثم تغنى بعضهم فقال:
ودع هريرة إن الركب مرتحل، ... وهل تطيق وداعاً أيها الرجل
فازداد الواثق بكاء، وقال: ما سمعت كاليوم تعزية بأب وتغنى نفسي؛ ثم تفرق أهل المجلس. قال: وقال أحمد بن عبد الوهاب في الواثق:
أبت دار الأحبة أن تبينا ... أجدك ما رأيت بها معينا
تقطع حسرة من حب ليلى ... نفوس ما أثبن ولا جزينا
فصنعت فيه علم جارية صالح بن عبد الوهاب، فغناه زرزر الكبير للواثق، فسأله: لمن هذا؟ فقال: لعلم، فأحضر صالحاً وطلب منه شراءهأن فأهداها له، فعوضه خمسة آلاف دينار، فمطله بها ابن الزيات، فأعادت الصوت، فقال الواثق: بارك الله عليك، وعلى من رباك! فقالت: وما ينفع من رباني؟ أمرت له بشيء فلم يصل إليه! فكتب إلى ابن الزيات يأمره بإيصال المال إليه، وأضعفه له، فدفع إليه عشرة آلاف دينار، وترك صالح عمل السلطان، واتجر في المال.
وقال أبوعثمان المازني النحوي: استحضرني الواثق من البصرة، فلما حضرت عنده قال: من خلفت بالبصرة؟ قلت: أختاً لي صغيرة. قال: فما قالت المسكينة؟ قلت: ما قالت ابنة الأعشى:
تقول ابنتي، حين جد الرحيل ... أرانا سواء ومن قد يتم
فيا أبتا لا تزل عندنا ... فإنا نخاف بأن تخترم
أرانا إذا أضمرتك البلا ... د نجفى وتقطع منا الرحم
قال: فما رددت عليها؟ قلت: ما قال جرير لابنته:
ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنجاح
فضحك، وأمر له بجائزة سنية.
ذكر خلافة المتوكلوفي هذه السنة بويع المتوكل على الله جعفر بن المعتصم، بعد موت الواثق.

وسب خلافته أنه مات الواثق حضر الدار أحمد بن أبي دؤاد وإيتاخ ووصيف وعمر بن فرج وابن الزيات وأبوالوزير أحمد بن خالد، وعزموا على البيعة لمحمد بن الواثق، وهوغلام أمرد، قصير، فألبسوه دراعة سوداء وقلنسوة، فإذا هوقصير، فقال وصيف: أما تتقون الله؟ تولون هذا الخلافة! فتناظروا فيمن تولونه. فذكروا عدة، ثم أحضر المتوكل، فلما حضر ألبسه أحمد بن أبي دؤاد الطويلة، وعممه وقبل بين عينيه، وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، ورحمة الله وبركاته! ثم غسل الواثق، وصلي عليه ودفن.
وكان عمر المتوكل، يوم بويع، ستاً وعشرين سنة، ووضع العطاء للجند لثمانية أشهر، وأراد ابن الزيات أن يلقبه المنتصر، فقال أحمد بن أبي دؤاد: قد رأيت لقباً أرجوأن يكون موافقأن وهوالمتوكل على الله، فأمر بإمضائه، فكتب به إلى الآفاق.
وقيل بل رأى المتوكل في منامه، قبل أن يستخلف، كأن سكراً ينزل عليه من السماء، مكتوب عليه المتوكل على الله، فقصها على أصحابه، فقالوا: هي والله الخلافة؛ فبلغ ذلك الواثق، فحبسه وضيق عليه، وحج بالناس محمد ابن داود.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة أصاب الحجاج في العود عطش عظيم، فبلغت الشربة عدة دنانير، ومات منهم خلق كثير.
وفيها غدر موسى بالأندلس، وخالف على عبد الرحمن بن الحكم أمير الأندلس، بعد أن كان قد وافقه، وأطاعه؛ وسير إليه عبد الرحمن جيشاً مع ابنه محمد.
وفيها كان بالأندلس مجاعة شديدة، وقحط عظيم، وكان ابتداؤه سنة اثنتين وثلاثين، فهلك فيه خلق كثير من الآدميين والدواب، ويبست الأشجار، ولم يزرع الناس شيئأن فخرج الناس هذه السنة يستسقون، فسقوأن وزرعوا وزال عن الناس القحط.
وفيها ولي إبراهيم بن محمد بن مصعب بلاد فارس.
وفيها غرق كثير من الموصل وهلك فيها خلق قيل كانوا نحومائة ألف إنسان، وكان سبب ذلك أن المطر جاء بها عظيماً لم يسمع بمثله بحيث أن بعض أهلها جعل سطلاً عمقه ذراع في سعة ذراع، فامتلأ ثلاث دفعات في نحوساعة، وزادت دجلة زيادة عظيمة فركب الماء الربض الأسفل، وشاطئ نهر سوق الأربعاء، فدخل كثيراً من الأسواق، فقيل إن أمير الموصل، وهوغامن بن حميد الطوسي، كفن ثلاثين ألفأن وبقي تحت الهدم خلق كثير لم يحملوا سوى من حمله الماء.
وفيها أمر الواثق بترك أعشار سفن البحر.
وفيها توفي الحكم بن موسى، ومحمد بن عامر القرشي مصنف الصوانيف وغيرهأن ويحيى بن يحيى الغساني الدمشقي، وقيل سنة ثلاث وثلاثين، وقيل غير ذلك، وأبوالحسن علي بن المغيرة الأثرم النحوي اللغوي، وأخذ العلم عن أبي عبيدة والأصمعي.
وفيها توفي عمروالناقد.
حوادث سنة ثلاث وثلاثين ومائتين

ذكر القبض على محمد بن عبد الملك

وفي هذه السنة قبض المتوكل على محمد بن عبد الملك الزيات وحبسه لسبع خلون من صفر.
وكان سببه أن الواثق استوزر محمد بن عبد الملك، وفوض الأمور كلها إليه، وكان الواثق قد غضب على أخيه جعفر المتوكل، ووكل عليه من يحفظه ويأتيه بأخباره، فأتى المتوكل إلى محمد بن عبد الملك يسأله أن يكلم الواثق ليرضى عنه، فوقف بين يديه لا يكلمه، ثم أشار عليه بالقعود فقعد، فلما فرغ من الكتب التي بين يديه التفت إليه كالمتهدد وقال: ما جاء بك؟ قال: جئت أسأل أمير المؤمنين الرضى عني، فقال لمن حوله: انظروأن يغضب أخيه ثم يسألني أن أسترضيه له! اذهب، فإذا صلحت رضي عنك.
فقام من عنده حزينأن فأتى أحمد بن أبي دؤاد، فقام إليه أحمد، واستقبله على باب البيت، وقبله، وقال: ما حاجتك؟ جعلت فداك! قال: جئت لتسترضي أمير المؤمنين لي؛ قال: أفعل، ونعمة عين وكرامة! فكلم أحمد الواثق به، فوعده ولم يرض عنه، ثم كلمه فيه ثانية فرضى عنه وكساه.
ولما خرج المتوكل من عند ابن الزيات كتب إلى الواثق: إن جعفراً أتاني في زي المخنثين، له شعر بقفاه، يسألني أن أسأل أمير المؤمنين الرضى عنه؛ فكتب إليه الواثق: ابعث إليه فأحضره ومر من يجز شعر قفاه فيضرب به وجهه.
قال المتوكل: لما أتاني رسوله لبست سواداً جديدأن وأتيته رجاء أن يكون قد أتاه الرضى عني، فاستدعى حجامأن فأخذ شعري على السواد الجديد ثم ضرب به وجهي؛ فلما ولي الخلافة المتوكل أمهل حتى كان صفر، فأمر إيتاخ بأخذ الزيات وتعذيبه، فاستحضر، فركب يظن أن الخليفة يستدعيه، فلما حاذى منزل إيتاخ عدل به إليه، فخاف، فأدخله حجرة، ووكل عليه، وأرسل إلى منازله من أصحابه من هجم عليهأن وأخذ كل ما فيهأن واستضفى أمواله وأملاكه في جميع البلاد.
وكان شديد الجزع، كثير البكاء والفكر، ثم سوهر، وكان ينخس بمسلة لئلا ينام، ثم ترك فنام يوماً وليلة، ثم جعل في تنور عمله هو، وعذب ه ابن أسماط المصري، وأخذ ماله، فكان من خشب فيه مسامير من حديد أطرافها إلى داخل التنور، وتمنع من يكون فيه من الحركة، وكان ضيقاً بحيث أن الإنسان كان يمد يديه إلى فوق رأسه ليقدر على دخوله لضيقه، ولا يقدر من يكون فيه يجلس، فبقي أيامأن فمات.
وكان حبسه لسبع خلون من صفر وموته لإحدى عشرة بقيت من ربيع الأول، واختلف في سبب موته، فقيل كما ذكرناه، وقيل بل ضرب فمات وهويضرب، وقيل مات بغر ضرب، وهوأصح.
فلما مات حضره ابناه سليمان وعبيد الله، وكانا محبوسين، وطرح على الباب في قميصه الذي حبس فيه، فقالا: الحمد لله الذي أراح من هذا الفاسق! وغسلاه على الباب ودفناه، فقيل إن الكلاب نبشته وأكلت لحمه.
قال: وسمع قبلموته يقول لنفسه: يا محمد لم تقنعك النعمة، والدواب، والدار النظيفة، والكسوة الفاخرة، وأنت في عافية، حتى طلبت الوزارة، ذق ما عملت بنفسك. ثم سكت عن ذلك، وكان لا يزيد على التشهد، وذكر الله عز وجل.
وكان ابن الزيات صديقاً لإبراهيم الصولي، فلما ولي الوزارة صادره بألف ألف وخمس مائة ألف درهم، فقال الصولي:
وكنت أخي برخاء الزمان ... فلما نبا صرت حرباً عواناً
وكنت أذم إليك الزمان ... فأصبحت منك أذم الزمانا
وكنت أعدك للنائبات ... فها أنا أطلب منك الأمانا
وقال أيضاً:
أصبحت من رأي أبي جعفر ... في هيئة تنذر بالصيلم
من غير ما ذنب ولكنها ... عداوة الزنديق للمسلم
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة حبس عمر بن الفرج الرخجي، وكان سبب ذلك أن المتوكل أتاه لما كان أخوه الواثق ساخطاً عليه، ومعه صك ليختمه عمر له ليقبض أرزاقه من بيت المال، فلقيه عمر بالخيبة، وأخذ صكه فرمى به إلى صحن المسجد، وكان حبسه في شهر رمضان، وأخذ ماله، وأثاث بيته، وأصحابه، ثم صولح على أحد عشر ألف ألف على أن يرد عليه ما حيز من ضياع الأهواز حسب، فكان قد ألبس في حبسه حبة صوف. قال علي بن الجهم يهجوه:
جمعت أمرين ضاع الحزم بينهما ... تيه الملوك وأفعال الصعاليك
أردت شكراً بلا بر ومرزئة ... لقد سلكت سبيلاً غير مسلوك
وفيها غضب المتوكل على سليمان بن إبراهيم بن الجنيد النصراني كاتب سمانه، وضربه، وأخذ ماله، وغضب أيضاً على أبي الوزير، وأخذ ماله ومال أخيه وكتبه.
وفيها أيضاً عزل الفضل بن مروان عن ديوان الخراج، وولاه يحيى بن خاقان الخراساني مولى الأزد، وولى إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول ديوان زمام النفقات.
وفيها ولى المتوكل ابنه المنتصر الحرمين واليمن والطائف في رمضان.
وفيها فلج أحمد بن دؤاد في جمادى الآخرة.
وفيها وثق ميخائيل بن توفيل بأمه تدورة، فألزمها الدير، وقتل اللقط لأنه كان اتهمها به، فكان ملكها ست سنين، وحج بالناس في هذه السنة محمد بن داود.
وفيها عزل محمد بن الأغلب أمير إفريقية عامله على الزاب، واسمه سالم ابن غلبون، فأقبل يريد القيروان، فلما صار بقلعة يلبسير أضمر الخلاف وسار إلى الأربس، فمنعه أهلها من الدخول إليهأن فسار إلى باجة، فدخلهأن واحتمى بهأن فسير إليه ابن الأغلب جيشاً عليهم خفاجة بن سفيان، فنزل عليه وقاتله، فهرب سالم ليلأن فاتبعه خفاجة، فلحقه وقتله، وحمل رأسه إلى ابن الأغلب؛ وكان أزهر بن سالم عند ابن الأغلب محبوساً فقتله.
وفيها توفي يحيى بن معين البغدادي بالمدينة، وكان مولده سنة ثمان وخمسين ومائة، وهوصاحب الجرح والتعديل؛ ومحمد بن سماعة القاضي، صاحب محمد بن الحسن، وقد بلغ مائة سنة وهوصحيح الحواس.

حوادث سنة أربع وثلاثين ومائتين

ذكر هرب محمد بن البعيث

في هذه السنة هرب محمد بن البعيث بن الجليس؛ وكان سبب هربه أنه جيء به أسيراً من أذربيجان إلى سامرأن وكان له رجل يخدمه يسمى خليفة، وكان المتوكل مريضأن فاخبر خليفة ابن البعيث أن المتوكل مات، فهربا إلى موضعه من أذربيجان، وهومرند، وقيل كان له قلعة شاهي، وقلعة يكدر.
وقيل إن ابن البعيث كان في حبس إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فتكلم فيه بغا الشرابي، فاخذ منه الكفلاء نحواً من ثلاثين كفيلاً منهم محمد بن خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني فكان يتردد بسامرأن فهرب إلى مرند، وجمع بها الطعام، وهي مدينة حصينة، وفيها عيون ماء ولها بساتين كثيرة داخل البلد.
وأتاه من أراد الفتنة من ربيعة وغيرهم، فصار في نحومن ألفين ومائتي رجل، وكان الوالي بأذربيجان محمد بن حاتم بن هرثمة، فقصر في طلبه فولى المتوكل حمدويه بن علي بن الفضل السعدي أذربيجان وسيره على البريد، وجمع الناس، وسار إلى ابن البعيث، فحصره في مرند، فلما طالت مدة الحصار بعث المتوكل التركي في مائتي فارس من الأتراك، فلم يصنع شيئأن فوجه إليه المتوكل عمر بن سيسيل بن كال في تسع مائة فارس، فلم يغن شيئاً؛ فوجه بغا الشرابي في ألفي فارس.
وكان حمدويه وابن سيسيل وزيرك قد قطعوا من الشجر الذي حول مرند نحومائة ألف شجرة، ونصبوا عليها عشرين منجنيقأن ونصب ابن البعيث عليهم مثل ذلك، فلم يقدروا على الدنومن سور المدينة، فقتل من أصحاب المتوكل في حربه، في ثمانية أشهر، نحومن مائة رجل، وجرح نحوأربع مائة، وأصاب أصحابه مثل ذلك، وكان حمدريه وعمر وزيرك يغادونه القتال ويراوحونه، وكان أصحابه يتدلون بالحبال من السور معهم الرماح، فيقاتلون، فإذا حمل عليهم أصحاب الخليفة تجاروا إلى السور، وحموا نفوسهم، فكانوا يفتحون الباب، فيخرجون فيقاتلون، ثم يرجعون.
ولما قرب بغا الشرابي من مرند بعث عيسى بن الشيخ بن الشليل، ومعه أمان لوجوه أصحاب ابن البعيث أن ينزلوأن وأمان للابن البعيث أن ينزل على حكم المتوكل، فنزل من أصحابه خلق كثير بالأمان، ثم فتحوا باب المدينة، فدخل أصحاب المتوكل، وخرج ابن البعيث هاربأن فلحقه قوم من الجند، فأخذوه أسيرأن وانتهب الجند منزله ومنازل أصحابه، وبعض منازل أهل المدينة، ثم نودي بالأمان، وأخذوا لابن البعيث أختين وثلاث بنات وعدة من السراري، ثم وافاهم بغا الشرابي من غد، فأمر فنودي بالمنع من النهب، وكتب بالفتح لنفسه، وأخ ابن البعيث إليه.
ذكر إيتاخ وما صار إليه أمرهكان إيتاخ غلاماً حورياً، طباخاً لسلام الأبرش، فاشتراه منه المعتصم في سنة تسع وتسعين ومائة، وكان فيه شجاعة، فرفعه المعتصم والواثق وضم إليه أعمالاً كثيرة منها المعونة بسامرا مع إسحاق بن إبراهيم.
وكان المعتصم، إذا أراد قتل أحد، فعند إيتاخ يقتل، وبيده، فحبس منهم أولاً المأمون بن سندس، وابن الزيات، وصالح بن عجيف وغيرهم؛ وكان مع المتوكل في مرتبته، وإليه الجيش، والمغاربة، والأتراك، والأموال، والبريد، والحجابة، ودار الخلافة.
فلما تمكن المتوكل من الخلافة شرب فعربد على إيتاخ، فهم إيتاخ بقتله، فلما أصبح المتوكل قيل له، فاعتذر إليه، وقال: أنت أبي، وأنت ربيتني؛ ثم وضع عليه من يحسن له الحج، فاستأذن فيه المتوكل، فأذن له، وصيره أمير كل بلد يدله، وخلع عليه، وسار العسكر جميعه بين يديه، فلما فارق جعلت الحجابة إلى وصيف في ذي العقدة، وقيل إن هذه القصة كانت سنة ثلاث وثلاثين ومائتين.
ذكر الخلف بإفريقيةفي هذه السنة خرج عمروبن سليم التجيبي المعروف بالقويع على محمد ابن الأغلب أمير إفريقية، فسير إليه جيشاً، فحصره بمدينة تونس هذه السنة، فلم يبلغوا منه غرضأن فعادوا عنه.
فلما دخلت سنة خمس وثلاثين سير إليه ابن الأغلب جيشاً، فالتقوا بالقرب من تونس، ففارق جيش ابن الإلب جمع كثير، وقصدوا القويع فصاروا معه، فانهزم جيش ابن الأغلب وقوي القويع؛ فلما دخلت سنة ست وثلاثين سير محمد بن الأغلب إليه جيشأن فاقتتلوأن فانهزم القويع، وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة، وأدرك القويع إنسان، فضرب عنقه، ودخل جيش ابن الأغلب مدينة تونس بالسيف في جمادى الأولى.
ذكر عدة حوادث
حج بالناس هذه السنة محمد بن داود بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس.
وفيها توفي جعفر بن مبشر بن أحمد الثقفي المتكلم، أحد المعتزلة البغداديين، وله مقالة يتفرد بها.
وفيها توفي أبوخيثمة زهير بن حرب في شعبان، وكان حافظاً للحديث؛ وأبوأيوب سليمان بن داود بن بشر المقرئ البصري المعروف بالشاذكوني بأصبهان.
وفيها توفي علي بن عبد الله بن جعفر المعروف المديني الحافظ، وقيل سنة خمس وثلاثين ومائتين، وهوإمام ثقة، وكان والده ضعيفاً في الحديث؛ وإسحاق ابن إسماعيل الطالقاني، ويحيى بن أيوب المقابري، وأبوبكر بن أبي شيبة، وأبوالربيع الزهراني.
حوادث سنة خمس وثلاثين ومائتين

ذكر قتل إيتاخ

قد ذكرنا ما كان منه مع المتوكل وسبب حجه؛ فلما عاد من مكة كتب المتوكل إلى إسحاق بن إبراهيم ببغداد يأمره بحبسه، وأنفذ المتوكل كسوة وهدايا إلى طريق إيتاخ، فلما قرب إيتاخ من بغداد خرج إسحاق بن إبراهيم إلى لقائه، وكان إيتاخ أراد المسير على الأنبار إلى سامرأن فكتب إليه إسحاق: إن أمير المؤمنين قد أمر أن تدخل بغداد، وأن يلقاك بنوهاشم، ووجوه الناس، وأن تقعد لهم في دار خزيمة بن خازم، وتأمر لهم بالجوائز. فجاء إلى بغداد، فلقيه إسحاق بن إبراهيم، فلما رآه إسحاق أراد النزول له، فحلف عليه إيتاخ أن لا يفعل، وكان في ثلاثمائة من غلمانه وأصحابه، فلما صار بباب دار خزيمة وقف إسحاق، وقال له: أصلح الله الأمير؛ ليدخل! فدخل إيتاخ، ووقف إسحاق على الباب، فمنع أصحابه من الدخول عليه، ووكل بالأبواب، وأقام عليه الحرس، فحين رأى إيتاخ ذلك قال: قد فعلوهأن ولولم يفعلوا ذلك ببغداد ما قدروا عليه؛ وأخذوا معه ولديه منصورأن ومظفرأن وكاتبيه سليمان بن وهب وقدامة بن زياد، فحبسوا ببغداد أيضاً.
وأرسل إيتاخ إلى إسحاق: قد علمت ما أمرني به المعتصم والواثق في أمرك، وكنت أدافع عنك، فليشفعني ذلك عندك في ولدي، فأما أنا فقد مر بي شدة ورخاء، فما أبالي ما أكلت وما شربت، وأما هذان الغلامان فلم يعرفا البؤس، فاجعل لهما طعاماً يصلحهما.
ففعل إسحاق ذلك، وقيد إيتاخ، وجعل في عنقه ثمانين رطلأن فمات في جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين ومائتين، وأشهد إسحاق جماعة من الأعيان أنه لا ضرب به ولا اثر.
وقيل كان سبب موته أنهم أطعموه ومنعوه الماء حتى مات عطشاً؛ وأما ولداه فإنهما بقيا محبوسين حياة المتوكل، فلما ولي المنتصر أخرجهمأن فأما مظفر فبقي بعد أن خرج من السجن ثلاثة أشهر ومات، وأما منصور فعاش بعده.
ذكر أسر ابن البعيث وموتهفي هذه السنة قدم بغا الشرابي بابن البعيث في شوال، وبخليفته أبي الأغر، وبأخويه صقر وخالد، وكاتبه العلاء، وجماعة من أصحابه، فلما قربوا من سامرا حملوا على الجمال ليراهم الناس، فلما أحضر ابن البعيث بين يدي المتوكل أمر بضرب عنقه، فجاء السياف، وسبه المتوكل، وقال: ما دعاك إلى ما صنعت؟ قال: الشقوة، وأنت الحبل الممدود بين الله وبين خلقه، وإن لي فيك لظنين أسبقهما إلى قلبي أولاهما بك، وهوالعفو؛ ثم قال بلا فصل:
أبى الناس إلا أنك اليوم قاتلي ... إمام الهدى والصفح بالمرء أجمل
وهل أنا إلا جبلة من خطيئة ... وعفوك من نور النبوة يجبل
فإنك خير السابقين إلى العلى ... ولا شك أن خير الفعالين تفعل
فقال المتوكل لبعض أصحابه: إن عنده لأدبأن فقال: بل يفعل أمير المؤمنين ويمن عليه، فأمر برده، فحبس مقيدأن وقيل إن المعتز شفع فيه إلى أبيه فأطلقه، وكان ابن البعيث قد قال حين هرب:
كم قد قضيت أموراً كان أهملها ... غيري وقد أخذ الإفلاس بالكظم
لا تعذليني فما لي ليس ينفعني ... إليك عني جرى المقدار بالقلم
سأتلف المال في عسر وفي يسر ... إن الجواد الذي يعطي على العدم
ومات ابن البعيث بعد دخوله سامرا بشهر، قيل كان قد جعل في عنقه مائة رطل، لم يزل على وجهه حتى مات، وجعل بنوه: جليس، وصقر، والبعيث، في عداد الشاكرية مع عبيد الله بن يحيى بن خاقان.
ذكر البيعة لأولاد المتوكل بولاية العهد
في هذه السنة عقد المتوكل البيعة لبنيه الثلاثة بولاية العهد وهم: محمد، ولقبه المنتصر بالله، وأبوعبد اله محمد؛ وقيل طلحة، وقيل الزبير، ولقبه المعتز بالله، وإبراهيم، ولقبه المؤيد بالله، وعقد لكل واحد منهم لواءين: أحدهما أسود ووهولواء العهد، والآخر أبيض وهولواء العمل، فأعطى كل واحد منهم ما نذكره.
فأما المنتصر فأقطعه إفريقية والمغرب كله، والعواصم، وقنسرين، والثغور جميعهأن الشامية والجزرية، وديار مضر، وديار ربيعة، والموصل، وهيت، وعانة، والأنبار، والخابور، وكور باجرمى، وكور دجلة، وطساسيج السواد جميعهأن والحرمين، واليمن، وحضر موت، واليمامة، والبحرين، والسند، ومكران، وقندابيل، وفرج بيت الذهب، وكور الأهواز، والمستغلات سامرأن وماه الكوفة، وماه البصرة، وماسبذان، ومهرجانقذق، وشهرزور، والصامغان، وأصبهان، وقم، وققاشان، والجبل جميعه، وصدقات العرب بالبصرة.
وأما المعتز فأقطعه خراسان وما يضاف إليهأن وطبرستان، والري، وأرمينية، وأذربيجان، وكور فارس، ثم أضاف إليه في سنة أربعين خزن الأموال في جميع الآفاق، ودور الضرب، وأمر أن يضرب اسمه على الدراهم.
وأما المؤيد فأقطعه جند حمص وجند دمشق، وجند فلسطين.
ذكر ظهور رجل ادعى النبوةوفيها ظهر بسامرا رجل يقال له محمود بن الفرج النيسابوري، فزعم أنه نبي، وأنه ذوالقرنين، وتبعه سبعة وعشرون رجلأن وخرج من أصحابه من بغداد رجلان بباب العامة، وآخران بالجانب الغربي، فأتي به وبأصحابه المتوكل، فأمر به فضرب ضرباً شديدأن وحمل إلى باب العامة، فأكذب نفسه، وأمر أصحابه أن يضربه كل رجل منهم عشر صفعات، ففعلوأن واخذوا له مصحفاً فيخ كلام قد جمعه، وذكر أنه قرآن، وأن جبرائيل نزل له، ثم مات من الضرب في ذي الحجة وحبس أصحابه، وكان فيهم شيخ يزعم أنه نبي، وأن الوحي يأتيه.
ذكر ما كان بالأندلس من الحوادثوفي هذه السنة خرج عباس بن وليد المعروف بالطبلي، بنواحي تدمير، لمحاربة جمع اجتمعوا وقدموا على أنفسهم رجلاً اسمه محمد بن عيسى بن سابق، فوطئ عباس بلدهم، وأوقع بهم، وأصلحهم وعاد.
وفيها ثار أهل تاكرنا ومن يليهم من البربر، فسار إليهم جيش عبد الرحمن، صاحب الأندلس، فقاتلهم؛ وأوقع بهم، وأعظم النكاية فيهم.
وفيها سير عبد ارحمن ابنه المنذر في جيش كثيف لغزوالروم، فبلغوا ألبه.
وفيها كان سيل عظيم في رجب، في بلاد الأندلس، فخرب جسر استجبة، وخرب الأرحاء، وغرق نهر إشبيلية ست عشرة قرية، وخرب نهر تاجة ثماني عشرة قرية، وصار عرضه ثلاثين ميلأن وكان هذا حدثاً عظيماً وقع في جميع البلاد في شهر واحد.
وفيها هلك ردمير بن أذفونس في رجب، وكانت ولايته ثمانية أعوام.
وفيها هلك أبوالسول الشاعر سعيد بن يعمر بن علي بسرقسطة.
ذكر عدة حوادثوفي هذه السنة أمر المتوكل أهل الذمة بلبس الطيالسة العسلية، وشد الزنانير، وركوب السروج بالركب الخشب، وعمل كرتين في مخر السروج، وعمل رقعتين على لباس مماليكهم مخالفتين لون الثوب، كل واحدة منهما قدر أربع أصابع، ولون كل واحدة منهما غير لون الأخرى، ومن خرج من نسائهم تلبس إزاراً عسليأن ومنعهم من لباس المناطق، وأمر بهدم بيعهم المحدثة، وبأخذ العشر من منازلهم، وأن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب، ونهى أن يستعان بهم في أعمال السلطان، ولا يعلمهم مسلم، وأن يظهروا في شعانينهم صليبأن وأن يستعملوه في الطريق، وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض، وكتب في ذلك إلى الآفاق. وفيها توفي إسحاق بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب المصعبي، وهوابن أخي طاهر بن الحسين، وكان صاحب الشرطة ببغداد أيام المأمون، والمعتصم والواثق، والمتوكل، ولما مرض أرسل إليه المتوكل ابنه المعتز مع جماعة من القواد يعودونه، وجزع المتوكل لموته.
وفيها مات الحسن بن سهل، كان شرب دواء، فأفرط عليه، فحبس الطبع، فمات، وكان موته، وموت إسحاق بن إبراهيم في ذي الحجة في يوم واحد؛ وقيل مات الحسن في سنة ست وثلاثين.
ة فيها في ذي الحجة تغير ماء دجلة إلى الصفرة ثلاثة أيام، ففزع الناس، ثم صار في لون ماء المدود.
وفيها أتى المتوكل يحيى بن عمر بن يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام. وكان قد جمع ببعض النواحي، فاخذ، وحبس، وضرب، وحج بالناس هذه السنة محمد بن داود.

وفيها مات إسحاق بن إبراهيم الموصلي، صاحب الألحان والغناء، وكان فيه علم وأدب، وله شعر جيد؛ وعبيد اله بن عمر بن ميسرة الجشمي القواريري في ذي الحجة؛ وإسماعيل بن علية ومنصور بن أبي مزاحم؛ وسريج بن يونس أبوالحرث.
سريج بالسين المهملة والجيم.
حوادث سنة ست وثلاثين ومائتين

ذكر مقتل محمد بن إبراهيم

في هذه السنة قتل محمد بن إبراهيم بن مصعب أخوإسحاق بن إبراهيم.
وكان سبب ذلك أن إسحاق أرسل ولده محمد بن إسحاق بن إبراهيم إلى باب الخليفة ليكون نائباً عنه ببابه، فلما مات إسحاق عقد المعتز لابنه محمد بن إسحاق على فارس، وعقد له المنتصر على اليمامة والبحرين وطريق مكة في المحرم من هذه السنة، وضم إليه المتوكل أعمال أبيه كلهأن وحمل إلى المتوكل وأولاده من الجواهر التي كانت لأبيه، والأشياء النفسية، كثيراً.
وكان عمه محمد بن إبراهيم على فارس، فلما بلغه ما صنع المتوكل وأولاده بابن أخيه ساءه ذلك، وتنكر للخليفة ولابن أخيه؛ فشكا محمد بن إسحاق ذلك إلى المتوكل، فأطلقه في عمه ليفعل به ما يشاء، فعزله عن فارس، واستعمل مكانه ابن عمه الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم بن مصعب، وأمره بقتل عمه محمد بن إبراهيم.
فلما سار الحسين إلى فارس أهدى إلى عمه يوم النيروز هدايأن وفيها حلوى فأكل محمد منهأن وأدخله الحسين بيتأن ووكل عليه، فطلب الماء ليشرب فمنع منه، فمات بعد يومين.
ذكر ما فعله المتوكل بمشهد الحسين
ابن علي بن أبي طالب عليه السلام

في هذه السنة أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي، عليه السلام، وهدم ما حوله من المنازل والدور، وأن يبذر ويسقى موضع قبره، وأن يمنع الناس من إتيانه، فنادى عامل صاحب الشرطة بالناس في تلك الناحية: من وجدناه عند قبره، بعد ثلاثة، حبسناه في المطبق! فهرب الناس، وتركوا زيارته، وحرث وزرع.
وكان المتوكل شديد البغض لعلي بن أبي طالب، عليه السلام، ولأهل بيته، وكان يقصد من يبلغه عنه أنه يتولى علياً وأهله بأخذ المال والدم؛ وكان من جملة ندمائه عبادة المخنث، وكان يشد على بطنه، تحت ثيابه، مخدة، ويكشف رأسه، وهوأصلع، ويرقص بين يدي المتوكل، والمغنون يغنون: قد أقبل الأصلع البطين، خليفة المسلمين.
يحكي بذلك عليأن عليه السلام، والتوكل يشرب، ويضحك، ففعل ذلك يومأن والمنتصر حاضر، فأومأ إلى عبادة يتهدده، فسكت خوفاً منه، فقال المتوكل: ما حالك؟ فقام واخبره، فقال المنتصر: يا أمير المؤمنين إن الذي يحكيه هذا الكاتب، ويضحك منه الناس، هوابن عمك، وشيخ أهل بيتك، وبه فخرك، فكل أنت لحمه، إذا شئت، ولا تطعم هذا الكلب وأمثاله منه! فقال المتوكل للمغنين: غنوا جميعا:
غار الفتى لابن عمه ... رأس الفتى في حر أمه
فكان هذا من الأسباب التي استحل بها المنتصر قتل المتوكل.
وقيل إن المتوكل كان يبغض من تقدمه من الخلفاء: المأمون، والمعتصم، والواثق في محبة علي وأهل بيته؛ وإمنا كان ينادمه ويجالسه جماعة ن اشتهروا بالنصب، والبغض لعلي، منهم: علي بن الجهم، الشاعر الشامي، من بني شامة ابن لؤي؛ وعمر بن فرح الرخجي؛ وأبوالسمط من ولد مروان بن أبي حفصة، من موالي بني أمية؛ وعبد الله بن محمد بن داود الهاشمي المعروف بابن أترجة.
وكانوا يخوفونه من العلويين، ويشيرون عليه بإبعادهم، والإعراض عنهم، والإساءة إليهم، ثم حسنوا له الوقيعة في أسلافهم الذين يعتقد الناس علومنزلتهم في الدين، ولم يبرحوا به حتى ظهر منه ما كان، فغطت هذه السيئة جميع حسناته، وكان من أحسن الناس سيرة، ومنع الناس من القول بخلق القرآن إلى غير ذلك من المحاسن.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة استكتب المتوكل عبيد الله بن يحيى بن خاقان.
وفيها حج المنتصر بالله، وحجت معه جدته أم المتوكل.
وفيها هلك أبوسعيد محمد بن يوسف الروزي فجأة، وكان عقد له على أرمينية، وأذربيجان، فلبس أحد خفيه، ومد الآخر ليلبسه، فمات، فولى المتوكل ابنه يوسف ما كان إلى أبيه من الحرب؛ وولاه خراج الناحية، فسار إليها وضبطها، وحج بالناس هذه السنة المنتصر.
وفيها خرج حبيبة البربري بالأندلس بجبال الجزيرة، واجتمع إليه جمع كثير، فأغاروأن واستطالوأن فسار إليهم جيش من عبد الرحمن، فقاتلهم، فهزمهم، فتفرقوا.
وفيها غزا جيش بالأندلس بلاد برشلونة، فقتلوا من أهلهأن فأكثروأن وأسروا جماً غفيرأن وغمنوأن وعادوا سالمين.
وفيها توفي هدبة بن خالد، وسنان الأبلي، وإبراهيم بن محمد الشافعي.
وفيها توفي مصعب بن عبد اله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير ابن العوام أبوعبد الله المدني، وكان عمره ثمانين سنة، وهوعم الزبير بن بكار، وكان عالماً فقيهأن إلا أنه كان منحرفاً عن علي، عليه السلام.
وفيها أيضاً توفي منصور بن المهدي، ومحمد بن إسحاق بن محمد المخزومي المسيبي البغدادي، وكان ثقة.
وفيها توفي جعفر بن حرب الهمذاني أحد أئمة المعتزلة البغداديين، وعمره تسع وخمسون سنة، وأخذ الكلام عن ابن أبي الهذيل العلاف البصري.
حوادث سنة سبع وثلاثين ومائتين

ذكر وثوب أهل أرمينية بعاملهم

في هذه السنة وثب أهل أرمينية بعاملهم يوسف بن محمد فقتلوه.
وكان سبب ذلك أن يوسف لما سار إلى أرمينية خرج إليه بطريق له بقراط بن أشوط، ويقال له بطريق البطارقة، يطلب الأمان، فأخذه يوسف وابنه نعمة، فسيرهما إلى باب الخليفة، فاجتمع بطارقة أرمينية مع ابن أخي بقراط بن أشوط، وتحالفوا عن قتل يوسف، ووافقهم على ذلك موسى بن زرارة، وهوصهر بقراط على ابنته، فأتى الخبر يوسف، ونهاه أصحابه عن المقام بمكانه، فلم يقبل، فلما جاء الشتاء، ونزل الثلج، مكثوا حتى سكن الثلج، ثم أتوه وهوبمدينة طرون، فحصروه بهأن فخرج إليهم من المدينة فقاتلهم، فقتلوه وكل من قاتل معه، وأما من لم يقاتل معه فقالوا له: انزع ثيابك، وانج بنفسك عريانأن ففعلوأن ومشوا حفاة عراة، فهلك أكثرهم من البرد، وسقطت أصابع كثير منهم، ونجوأن وكان ذلك في رمضان.
وكان يوسف قبل ذلك قد فرق أصحابه في رساتيق عمله، فوجه إلى كل طائفة منهم طائفة من البطارقة، فقتلوهم في يوم واحد.
فلما بلغ المتوكل وجه بغا الكبير إليهم، طالباً بدم يوسف، فسار إليهم على الموصل والجزيرة، فبدأ بأرزن، وبها موسى بن زرارة، وله إخوة: إسماعيل، وسليمان، وحمد، وعيسى، ومحمد، وهارون، فحمل بغا موسى بن زرارة إلى المتوكل، وأباح قتلة يوسف، فقتل منهم زهاء ثلاثين ألفأن وسبى منهم خلقاً كثيرأن فباعهم وسار إلى بلاد الباق، فأسر أشوط بن حمزة أبا العباس، صاحب الباق، والباق من كورة البسفرجان، ثم سار إلى مدينة دبيل من أرمينية فأقام بها شهرأن ثم سار إلى تفليس فحصرها.
ذكر غضب المتوكل على ابن أبي دؤاد وولاية ابن أكثم القضاءوفيها غضب المتوكل على احمد بن أبي دؤاد، وقبض ضياعه وأملاكه، وحبس ابنه أبا الوليد، وسائر أولاده، فحمل أبوالوليد مائة ألف وعشرين ألف دينار، وجواهر قيمتها عشرون ألف دينار، ثم صولح بعد ذلك على ستة عشر ألف ألف درهم، وأشهد عليهم جميعاً ببيع أملاكهم.
وكان أبوهم أحمد بن أبي دؤاد قد فلج، وأحضر المتوكل يحيى بن أكثم من بغداد إلى سامرأن ورضي عنه، وولاه قضاء القضاة، ثم ولاه المظالم، فولى يحيى بن أكثم قضاء الشرقية حيان بن بشر، وولى سوار بن عبد الله العنبري قضاء الجانب الغربي، وكلاهما أعور، فقال الجماز:
رأيت من الكبائر قاضيين ... هما أحدوثة في الخافقين
هما اقتسما العمى نصفين قدراً ... كما اقتسما قضاء الجانبين
وتحسب منهما من هز رأساً ... لينظر في مواريث ودين
كأنك قد وضعت عليه دناً ... فتحت بزالة من فرد عين
هما فأل الزمان بهلك يحيى ... إذا افتتح القضاء بأعورين
ذكر ولاية العباس بن الفضل صقلية
وما فتح فيها

قد ذكرنا سنة ثمان وعشرين ومائتين أن محمد بن عبد الله، أمير صقلية، توفي سنة ست وثلاثين ومائتين، فلما مات اجتمع المسلمون بها على ولاية العباس بن الفضل بن يعقوب، فولوه أمرهم، فكتبوا بذلك إلى محمد بن الأغلب أمير إفريقية فأرسل إليه عهداً بولايته، فكان العباس إلى أن وصل عهده يغير، ويرسل السرايأن وتأتيه الغنائم.
فلما قدم إليه عهده بولايته خرج بنفسه وعلى مقدمته عمه رباح، فأرسل في سرية إلى قلعة أبي ثور، فغمن، وأسر وعاد، فقتل الأسرى، وتوجه إلى مدينة قصريانة، فنهب، وأحرق، وخرب ليخرج إليه البطريق، فلم يفعل، فعاد العباس.
وفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين خرج حتى بلغ قصريانة ومعه جمع عظيم، فغمن، وخرب، وأتى قطانية، وسرقوسة، ونوطس، ورغوس، فغمن من جميع هذه البلاد، وخرب وأحرق، ونزل على بثيرة، وحصرها خمسة أشهر، فصالحه أهلها على خمسة آلاف رأس.
وفي سنة اثنتين وأربعين سار العباس في جيش كثيف، ففتح حصوناً خمسة؛ وفي سنة ثلاث وأربعين سار إلى قصريانة، فخرج أهلهأن فلقوه، فهزمهم، وقتل فيهم فأكثر، وقصد سرقوسة وطبرمين وغيرهمأن فنهب، وخرب، واحرق، ونزل على القصر الجديد وحصره، وضيق على من به من الروم، فبذلوا له خمسة عشر ألف دينار، فلم يقبل منهم، وأطال الحصر، فسلموا إليه الحصن على شرط أن يطلق مائتي نفس، فأجابهم إلى ذلك، وملكه، وباع كل من فيه سوى مائتي نفس، وهدم الحصن.
ذكر فتح قصريانةفي سنة أربع وأربعين ومائتين فتح المسلمون مدينة قصريانة، وهي المدينة التي بها دار الملك بصقلية، وكان الملك قبلها يسكن سرقوسة، فلما ملك المسلمون بعض الجزيرة نقل دار الملك إلى قصريانة لحصانتها.
وسبب فتحها أن العباس سار في جيوش المسلمين إلى مدينة قصريانة، وسرقوسة، وسير جيشاً في البحر، فلقيهم أربعون شلندي للروم، فاقتتلوا أشد قتال، فانهزم الروم، واخذ منهم المسلمون عشر شلنديات برجالهأن وعاد العباس إلى مدينته.
فلما كان الشتاء سير سرية، فبلغت قصريانة، فنهبوأن وخربوأن وعادوا ومعهم رجل كان له عند الروم قد ومنزلة، فأمر العباس بقتله، فقال: استبقني، ولك عندي نصيحة! قال: وما هي؟ قال: أملكك قصريانة، والطريق في ذلك أن القوم في هذا الشتاء وهذه الثلوج آمنون من قصدكم إليهم، فهم غير محترسين، ترسل معي طائفة من عسكركم حتى أدخلكم المدينة.
فانتخب العباس ألفي فارس أنجاد أبطال، وسار إلى أن قاربهأن وكمن هناك مستترأن وسير عمه رباحاً في شجعانهم، فساروا مستخفين في الليل، والرومي معهم مقيد بين يدي رباح، فأراهم الموضع الذي ينبغي أن يملك منه، فنصبوا السلاليم، وصعدوا الجبل، ثم وصلوا إلى سور المدينة، قريباً من الصبح، والحرس نيام، فدخلوا من نحوباب صغير فيه، يدخل منه الماء وتلقى فيه الأقذار، فدخل المسلمون كلهم، فوضعوا السيف في الروم، وفتحوا الأبواب.
وجاء العباس في باقي العسكر، فدخلوا المدينة وصلوا الصبح يوم الخميس منتصف شوال، وبنى فيها في الحال مسجدأن ونصب فيه منبرأن وخطب فيه يوم الجمعة، وقتل من وجد فيها ن المقاتلة، وأخذوا ما فيها من بنات البطارقة بحليهن، وأبناء الملوك، وأصابوا فيها ما يعجز الوصف عنه، وذل الشرك يومئذ بصقلية ذلاً عظيماً.
ولما سمع الروم أرسل ملكهم بطريقاً من القسطنطينية في ثلاثمائة شلندي وعسكر كثير، فوصلوا إلى سرقوسة، فخرج إليهم العباس من المدينة، ولقي الروم، وقاتلهم، فهزمهم، فركبوا في مراكبهم هاربين، وغمن المسلمون منهم مائة شلندي، وكثر القتل فيهم، ولم يصب من المسلمين ذلك اليوم غير ثلاثة نفر بالنشاب.
وفي سنة ست وأربعين ومائتين نكث كثير من قالع صقلية وهي: وسطر، وابلأن وابلاطنوأن وقلعة عبد المؤمن، وقلعة البلوط، وقلعة أبي ثور، وغيرها من القالع، فخرج العباس إليهم، فلقيهم عساكر الروم، فاقتتلوأن فانهزم الروم، وقتل منهم كثير.
وسار إلى قلعة عبد المؤمن وقلعة ابلاطنوأن فحصرهأن فأتاه الخبر بأن كثيراً من عساكر الروم قد وصلت، فرحل إليهم، فالتقوا بجفلودى، وجرى بينهم قتال شديد، فانهزمت الروم، وعادوا إلى سرقوسة، وعاد العباس إلى المدينة، وعمر قصريانة، وحصنهأن وشحنها بالعساكر.
وفي سنك سبع وأربعين ومائتين سار العباس إلى سرقوسة، فغمن وسار إلى غيران قرقنة، فاعتل ذلك اليوم، ومات بعد ثلاثة أيام، ثالث جمادى الآخرة، فدفن هناك فنبشه الروم، وأحرقوه، وكانت ولايته إحدى عشرة سنة، وأدام الجهاد شتاء وصيفأن وغزا أرض قلورية وانكبردة وأسكنها المسلمين.
ذكر ابتداء أمر يعقوب بن الليثوفيها تغلب إنسان من أهل بست، اسمه صالح بن النضر الكناني، على سجستان، ومعه يعقوب بن الليث، فعاد طاهر بن عبد الله بن طاهر أمير خراسان واستنقذها من يده.

ثم ظهر بها إنسان اسمه درهم بن الحسين، من المتطوعة، فتغلب عليهأن وكان غير ضابط لعسكره، وكان يعقوب بن الليث هوقائد عسكره، فلما رأى أصحاب درهم ضعفه وعجزه، اجتمعوا على يعقوب بن الليث، وملكوه أمرهم، لما رأوا من تدبيره، وحسن سياسته، وقيامه بأمورهم، فلما تبين ذلك لدرهم لم ينازعه في الأمر، وسلمه إليه، واعتزل عنه، فاستبد يعقوب بالأمر، وضبط البلاد، وقويت شوكته وقصدته العساكر من كل ناحية، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة ولي عبيد بن إسحاق بن إبراهيم بغداد ومعاون السواد.
وفيها قدم محمد بن عبد الله بن طاهر من خراسان في ربيع الأول فولي الحربة، والشرطة، وخلافة المتوكل ببغداد، وأعمال السواد وأقام بها.
وفيها عزل أبوالوليد محمد بن أحمد بن أبي دؤاد عن المظالم، وولاها محمد بن يعقوب المعروف بابن الربيع.
وفيها أمر المتوكل جثة أحمد بن نصر الخزاعي، ودفعه إلى أوليائه، فحمل إلى بغداد، وضم رأسه إلى بدنه، وغسل، وكفن، ودفن، واجتمع عليه من العامة ما لا يحصى يتمسحون به؛ وكان المتوكل لما ولي نهى عن الجدال في القرآن وغيره، وكتب إلى الآفاق بذلك.
وغزا الصائفة في هذه السنة علي بن يحيى ارمني، وحج بالناس فيها علي بن عيسى بن جعفر بن المنصور وكن والي مكة.
وفيها قام رجل بالأندلس بناحية الثغور وادعى النبوة، وتأول القرآن على غير تأويله، فتبعه قوم من الغوغاء، فكان من شرائعه أنه كان ينهى عن قص الشعر وتقليم الأظافر، فبعث إليه عامل ذلك البلد، فأتي به، وكان أول ما خاطبه به من دعاه إلى أتباعه، فأمره العامل بالتوبة، فامتنع فصلبه.
وفيها سارت جيوش المسلمين إلى بلاد المشركين، فكانت بينهم وقعة عظيمة كان الظفر فيها للمسلمين، وهي الوقعة المعروفة بوقعة البيضاء، وهي مشهورة بالأندلس.
وفيها توفي العباس بن الوليد المديني بالبصرة، وعبد الأعلى بن حماد النرسي وعبيد الله بن معاذ العنبري.
النرسي بالنون والراء والسين المهملة.
حوادث سنة ثمان وثلاثين ومائتين

ذكر ما فعله بغا بتفليس

قد ذكرنا مسير بغا إلى تفليس ومحاصرتها؛ وكان بغا لما سار إليها وجه زيرك التركي، فجاز نهر الكر، وهونهر كبير، ومدينة تفليس على حافته، وصغدبيل على جانبه الشرقي، فلما عبر النهر نزل بميدان تفليس، ووجه بغا أيضاً أبا العباس الوارثي النصراني إلى أهل أرمينية عربها وعجمهأن فأتى تفليس مما يلي باب المرفص، فخرج إسحاق بن إسماعيل مولى بني أمية من تفليس إلى زيرك، فقابل عند الميدان، ووقف بغا على تل مشرف ينظر ما يصنع زيرك وأبوالعباس، فدعا بغا النفاطين، فضربوا المدينة بالنار، فاحرقوها وهي من خشب الصنوبر.
وأقبل إسحاق بن إسماعيل إلى المدينة، فرأى قد أحرقت قصره وجواريه وأحاطت به، فأتاه الأتراك، والمغاربة، فأخذوه أسيراً وأخذوا ابنه عمرأن فأتوا بهما بغأن فأمر بإسحاق فضربت عنقه، وصلبت جثته على نهر الكر، وكان شيخاً محدورأن ضخم الرأس، أحول، واحترق بالمدينة نحوخمسين ألف إنسان، وأسروا من سلم من النار، وسلبوا الموتى.
وأخذ أهل إسحاق ما سلم من ماله بصغدبيل، وهي مدينة حصينة حذاء تفليس بناها كسرى أنوشروان، وحصنها إسحاق، وجعل أمواله فيها مع امرأته ابنه صاحب السرير.
ثم إن بغا وجه زيرك إلى قلعة الحرزمان، وهي بين برذعة وتفليس، في جماعة من جنده ففتحهأن واخذ بطريقها أسيراً؛ ثم سار بغا إلى عيسى ابن يوسف، وهوفي قلعة كبيش، في كورة البيلقان، ففتحها وأخذه فحمله، وحمل معه أبا العباس الوارثي، واسمه سنباط بن أشوط، وحمل معاوية بن سهل بن سنباط بطريق أران.
ذكر مسير الروم إلى ديار مصرفي هذه السنة جاء ثلاثمائة مركب للروم مع ثلاثة رؤساء فأناخ أحدهم في مائة مركب بدمياط، وبينها وبين الشط شبيه بالبحيرة، يكون ماؤها إلى صدر الرجل، فمن جازها إلى الأرض أمن من مراكب البحر، فجازه قوم فسلموأن وغرق كثير من نساء وصبيان، ومن كان به قوة سار إلى مصر.
وكان على معونة مصر عنبسة بن إسحاق الضبي، فلما حضر العيد أمر الجند الذين بدمياط أن يحضروا مصر، فساروا منهأن فاتفق وصول الروم وهي فارغة من الجند فنهبوأن وأحرقوأن وسبوأن وأحرقوا جامعهأن وأخذوا ما بها من سلاح ومتاع، وقند، وغير ذلك، وسبوا من النساء المسلمات والذميات نحوستمائة امرأة، وأوقروا سفنهم من ذلك.
وكان عنبسة قد حبس بن الأكشف بدمياط، فكسر قيده، وخرج يقاتلهم، وتبعه جماعة، وقتل من الروم جماعة، وسارت الروم إلى أشنوم تنيس، وكان عليه سور وبابان من حديد قد عمله المعتصم، فنهبوا ما فيه من سلاح، وأخذوا البابين، ورجعوا ولم يعرض لهم أحد.
ذكر وفاة عبد الرحمن بن الحكم

وولاية ابنه محمد

وفيها توفي عبد الرحمن بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية ابن هشام الأموي، صاحب الأندلس، في ربيع الآخر، وكان مولده سنة ست وسبعين ومائة، وولايته إحدى وثلاثين سنة وثلاثة أشهر.
وكان أسمر طويلأن أقنى، أعين، عظيم اللحية، مخضباً بالحناء، وخلف خمسة وأربعين ولداً ذكورأن وكان أديبأن شاعرأن وهومعدود في جملة من عشق جواريه، وكان يعشق جارية له اسمها طروب، وشهر بهأن وكان عالماً بعلوم الشريعة وغيرها من علوم الفلاسفة وغيرهم أيامه أيام عافية وسكون، وكثرت الأموال عنده، وكان بعيد الهمة واخترع قصورأن ومنتزهات كثيرة، وبنى الطرق، وزاد في الجامع بقرطبة رواقين، وتوفي قبل أن يستتم زخرفته، وأتمه ابنه، وبنى جوامع كثيرة بالأندلس.
ولما مات ملك ابنه محمد، فجرى على سيرة والده، وأتم بناء الجامع بقرطبة، وأمه تسمى بهتر، وولد له مائة ولد كلهم ذكور، وهوأول من أقام أبهة الملك بالأندلس، ورتب رسوم المملكة، وعلا عن التبذل للعامة، فكان يشبه بالوليد بن عبد الملك في أبهة الملك، وهوأول من جلب الماء العذب إلى قرطبة، وأدخله إليهأن وجعل لفصل الماء مصنعاً كبيراً يرده الناس.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة سار المتوكل نحوالمدائن، فدخل بغداد، وسار منها إلى المدائن، وغزا الصائفة على علي بن يحيى الأرمني.
وفيها مات إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، المعروف بابن راهويه، وكان إماماً عالمأن وجرى له مع الشافعي مناظرة في بيوت مكة، وكان عمره سبعاً وسبعين سنة؛ ومحمد بن بكار المحدث.
حوادث سنة تسع وثلاثين ومائتينفي هذه السنة أمر المتوكل بأخذ أهل الذمة بلبس ذراعين عسليتين على الأقبية والدراريع، وبالاقتصار في مراكبهم على ركوب البغال والحمير دون الخيل والبراذين.
فيها نفى المتوكل علي بن الجهم إلى خراسان.
وفيها أمر المتوكل بهدم البيع المحدثة في الإسلام.
وفيها سير محمد بن عبد الرحمن جيشاً مع أخيه الحكم إلى قلعة رباح، وكان أهل طليطلة قد خربوا سورهأن وقتلوا كثيراً من أهلهأن وأصلح الحكم سورهأن وأعاد من فارقها من أهلها إليهأن وأصلح حالهأن وتقدم إلى طليطلة فأفسد في نواحيها وشعثهأن وسير محمد أيضاً جيشاً آخر إلى طليطلة، فلما قاربوها خرجت عليهم الجنود من المكامن، فانهزم العسكر، وأصيب أكثر من فيه.
وفيها مات أبوالوليد محمد بن أحمد بن أبي دؤاد القاضي ببغداد في ذي الحجة، وغزا الصائفة علي بن يحيى الأرمني.
وفيها حج جعفر بن دينار على الأحداث بطريق مكة والموسم، وحج بالناس هذه السنة عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى بن موسى وكان والي مكة.
وفيها اتفق الشعانين للنصارى ويوم النيروز، وذلك يوم الأحد لعشرين ليلة خلت من ذي القعدة، فزعمت النصارى أنهما لم يجتمعا في الإسلام قط.
وفيها توفي محمود بن غيلان المروزي أبوأحمد، وهومن مشايخ البخاري ومسلم والترمذي.
حوادث سنة أربعين ومائتين
ذكر وثوب أهل حمص بعاملهم


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohammed.mansy@yahoo.com متصل
محمد منسى
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 19288
العمر : 39
الموقع : منتديات ابو ريوف
تاريخ التسجيل : 26/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الإثنين 3 ديسمبر 2018 - 17:44



في هذه السنة وثب أهل حمص بعاملهم أبي المغيث موسى بن إبراهيم الرافعي، وكان قتل رجلاً من رؤسائهم، فقتلوا جماعة من أصحابه، وأخرجوه، وأخرجوا عامل الخراج، فبعث المتوكل إليهم عتاب بن عتاب، ومحمد بن عبدويه الأنباري، وقال لعتاب: قل لهم إن أمير المؤمنين قد بدلكم بعاملكم، فإن أطاعوا فول عليهم محمد بن عبدويه، فإن أبوا فأقم وأعلمني، حتى أمدك برجال وفرسان.
فساروا إليهم، فوصلوا في ربيع الآخر، فرضوا بمحمد بن عبدويه، فعمل فيهم الأعاجيب، حتى أحوجهم إلى محاربته، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر الحرب بين المسلمين والفرنج بالأندلس

وفي هذه السنة، في المحرم، كان بين المسلمين والفرنج حرب شديدة.
وسبب ذلك أن أهل طليطلة كانوا على ما ذكرنا من الخلاف على محمد ابن عبد الرحمن، صاحب الأندلس، وعلى أبيه من قبله، فلما كان الآن سار محمد في جيوشه إلى طليطلة، فلما سمع أهلها بذلك أرسلوا إلى ملك جليقية يستمدونه وإلى ملك بشكنس فأمداهم بالعساكر الكثيرة.
فلما سمع محمد بذلك، وكان قد قارب طليطلة، عبأ أصحابه، وقد كمن لهم الكمناء بناحية وادي سليط، وتقدم هوإليهم في قلة من العسكر، فلما رأى أهل طليطلة ذلك أعلموا الفرنج بقلة عددهم، فسارعوا إلى قتالهم، وطمعوا فيهم، فلما تراءى الجمعان، وانتشب القتال، خرجت الكمناء من كل جهة على المشركين، وأهل طليطلة، فقتل منهم ما لا يحصى، وجمع من الرؤوس ثمانية آلاف رأس فرقت في البلاد، فذكر أهل طليطلة أن عدة القتلى من الطائفتين عشرون ألف قتيل، وبقيت القتلى على وادي سليط دهراً طويلاً.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة عزل يحيى بن أكثم عن القضاء، وقبض منه ما مبلغه خمسة وسبعون ألف دينار، وأربعة آلاف جريت بالبصرة.
وفيها جعفر بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان بن علي قضاء القضاة؛ وحج بالناس هذه السنة عبد الله بن محمد بن داود، وكان على أحداث الموسم جعفر بن دينار.
وفيها توفي القاضي أبوعبد الله بن أبي دؤاد في المحرم بعد ابنه أبي الوليد بعشرين يومأن وكان داعية إلى القول بخلق القرآن وغيره من مذاهب المعتزلة، وأخذ ذلك عن بشر المريسي، وأخذه بشر من الجهم بن صفوان، وأخذه جهم من الجعد بن أدهم، وأخذه الجعد من أبان بن سمعان، وأخذه أبان من طالوت ابن أخت لبيد الأعصم وختنه، وأخذه طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحر النبي، صلى الله عليه وسلم، وكان لبيد يقول بخلق التوراة، وأول من صنف في ذلك طالوت، وكان زنديقأن فأفشى الزندقة.
وفيها توفي قتيبة بن سعيد بن حميد أبورجاء الثقفي وله تسعون سنة، وهوخراساني من مشايخ البخاري، ومسلم، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من الأئمة، وتوفي أبوثور إبراهيم بن خالد البغدادي الكلبي الفقيه، وهومن أصحاب الشافعي، وأبوعثمان محمد بن الشفعي، وكان قاضي الجزيرة جميعها، وروى عن أبيه، وعن ابن عنبسة، وقيل مات بعد سنة أربعين. وكان للشافعي ولد آخر اسمه محمد مات بمصر سنة إحدى وثلاثين ومائتين.
؟
حوادث سنة إحدى وأربعين ومائتين

ذكر وثوب أهل حمص بعاملهم

في هذه السنة وثب أهل حمص بعاملهم محمد بن عبدويه، وأعانهم عليه قوم من نصارى حمص، فكتب إلى المتوكل، فكتب إليه يأمره بمناهضتهم، وأمده بجند من دمشق والرملة، فظفر بهم، فضرب منهم رجلين من رؤسائهم حتى ماتا وصلبهما على باب حمص وسير ثمانية رجال المتوكل بإخراج النصارى منهأن وهدم كنائسهم، وبإدخال البيعة التي إلى جانب الجامع إلى الجامع، ففعل ذلك.
؟؟
ذكر الفداء بين المسلمين والروم

وفيها كان الفداء بين المسلمين والروم، بعد أن قتلت تدورة، ملكة الروم، من أسرى المسلمين اثني عشر ألفأن فإنها عرضت النصرانية على الأسرى، فمن تنصر جعلته أسوة من قبله من المنتصرة، ومن أبى قتلته، وأرسلت تطلب المفاداة لمن بقي منهم، فأرسل المتوكل شنيفاً الخادم القضاء من يقوم مقامه، فأذن له فحضره واستخلف على القضاء ابن أبي الشوارب، وهوشاب، ووقع الفداء على نهر اللامس، فكان أسرى المسلمين من الرجال سبع مائة وخمسة وثمانين رجلأن ومن النساء مائة وخمساً وعشرين امرأة.
وفيها جعل المتوكل كل كورة شمشاط عشرية وكانت خراجية.
ذكر غارات البجاة بمصروفيها أغارت البجاة على أرض مصر، وكانت قبل ذلك لا تغور بلاد الإسلام لهدنة قديمة، وقد ذكرناها فيما مضى، وفي بلادهم معادن يقاسمون المسلمين عليهأن ويؤدون إلى عمال مصر نحوالخمس.
فلما كانت أيام المتوكل امتنعت عن أداء ذلك، فكتب صاحب البريد بمصر بخبرهم، وأنهم قتلوا عدة من المسلمين ممن يعمل في المعادن، فهرب المسلمون منها خوفاً على أنفسهم، فأنكر المتوكل ذلك، فشاور في أمرهم، فذكر له أنهم أهل بادية، أصحاب إبل وماشية، وأن الوصول إلى بلادهم صعب لأنها مفاوز، وبين أرض الإسلام وبينها مسيرة شهر في أرض قفر وجبال وعرة، وأن كل من يدخلها من الجيوش يحتاج إلى أن يتزود لمدة يتوهم أنه يقيمها إلى أن يخرج إلى بلاد الإسلام، فإن جاوز تلك المدة هلك، وأخذتهم البجاة باليد، وأن أرضهم لا ترد على سلطان شيئاً.
فأمسك المتوكل عنهم، فطمعوا وزاد شرهم حتى خاف أهل الصعيد على أنفسهم منهم، فولى المتوكل محمد بن عبد الله القمي محاربتهم، وولاه معونة تلك الكور، وهي قفط والأقصر وأسنا وأرمنت وأسوان، وأمره بمحاربة البجاة، وكتب إلى عبسنة بن إسحاق الضبي، عامل حرب مصر، بإزاحة علته وإعطائه من الجند ما يحتاج إليه، ففعل ذلك.
وسار محمد إلى أرض البجاة وتبعه ممن يعمل في المعادن والمتطوعة عالم كثير، فبلغت عدتهم نحواً من عشرين ألفاً بين فارس وراجل، ووجه إلى القلزم، فحمل في البحر سبعة مراكب موقورة بالدقيق، والزيت، والتمر، والشعير، والسويق، وأمر أصحابه أن يوافوه بها في ساحل البحر مما يلي بلاد البجاة، وسار حتى جاوز المعادن التي يعمل فيها الذهب، وسار إلى حصونهم وقلاعهم، وخرج إليه ملكهم، واسمه علي بابأن في جيش كثير أضعاف من مع القمي، فكانت البجاة على الإبل، وهي إبل فرة تشبه المهاري، فتحاربوا أيامأن ولم يصدقهم علي بابا القتال لتطول الأيام، وتفنى أزواد المسلمين وعلوفاتهم، فيأخذهم بغير حرب، فأقبلت تلك المراكب التي فيها الأقوات في البحر، ففرق القمي ما كان فيها في أصحابه فامتنعوا فيها.
فلما رأى علي بابا ذلك صدقهم القتال، وجمع لهم، فالتقوا قتالاً شديدأن وكانت إبلهم ذعرة تنفر من كل شيء، فلما رأى القمي ذلك جمع كل جرس في عسكره وجعلها في أعناق خيله، ثم حملوا على البجاة، فنفرت إبلهم لأصوات الأجراس، فحملتهم على الجبال والأودية، وتبعهم المسلمون قتلاً وأسرأن حتى أدركهم الليل، وذلك أول سنة إحدى وأربعين ومائتين، ثم رجع إلى معسكره ولم يقدر على إحصاء القتلى لكثرتهم.
ثم إن ملكهم علي بابا طلب الأمان فأمنه على أن يرد مملكته وبلاده، فأدى إليهم الخراج للمدة التي كان منعهأن وهي أربع سنين، وسار مع القمي إلى المتوكل، واستخلف على مملكته ابنه بغش، فلما وصل إلى المتوكل خلع عليه وعلى أصحابه، وكسا جمله رحلاً كليحاً وجلال ديباج، وولى المتوكل البجاة طريق مصر، ما بين مصر ومكة، سعداً الخادم الإيتاخي، فولى الإيتاخي محمداً القمي، فرجع إليها ومعه علي بابا وهوعلى دينه، وكان معه صمن من حجارة كهيئة الصبي يسجد له.
؟

ذكر عدة حوادث

وفيها مطر الناس بسامرا مطراً شديداً في آب.
وقيل فيها: إنه أنهي إلى المتوكل أن عيسى بن جعفر بن محمد بن عاصم، صاحب خان عاصم ببغداد، يشتم أبا بكر، وعمر، وعائشة، وحفصة، فكتب إلى محمد بن عبد الله بن طاهر أن يضربه بالسياط، فإذا مات ورمى به في دجلة، ففعل ذلك وألقي في دجلة. وفيها وقع بها الصدام فنفقت الدواب والبقر.
وفيها أغارت الروم على عين زربة، فأخذت من كان أسيراً من الزط مع نسائهم وذراريهم ودوابهم.
وفيها اكثر محمد، صاحب الأندلس، من الرجال بقلعة رباح، وتلك النواحي، ليقفوا على أهل طليطلة، وسير الجيوش إلى غزوالفرنج إلى موسى، فدخلوا بلادهم ووصلوا إلى ألبة والقلاع، وافتتحوا بعض حصونها وعادوا.
ومات في هذه السنة يعقوب بن إبراهيم، المعروف بقوصرة، صاحب بريد مصر والغرب، وحج بالناس عبد الله بن محمد بن داود، وحج جعفر ابن دينار، وهووالي الطريق وأحداث الموسم. وفيها كثر انقضاض النجوم، فكانت كثيرة لا تحصى، فبقيت ليلة من العشاء الآخرة إلى الصبح.
وفيها كانت بالري زلزلة شديدة هدمت المساكن، ومات تحتها خلق كثير لا يحصون، وبقيت تتردد فيها أربعين يوماً.
وفيها خرجت ريح من بلاد الترك، فقتلت خلقاً كثيرأن وكان يصيبهم بردها فيزكمون، فبلغت سرخس، ونيسابور، وهمذان، والري، فانتهت إلى حلوان.
وفيها توفي الإمام أحمد بن حنبل الشيباني الفقيه المحدث في شهر ربيع الأول.
؟

حوادث سنة اثنتين وأربعين ومائتين

في هذه السنة كانت زلازل هائلة بقومس ورساتيقها في شعبان، فتهدمت الدور، وهلك تحت الهدم بشر كثير، قيل كانت عدتهم خمسة وأربعين ألفاً وستة وتسعين نفسأن وكان أكثر ذلك بالدامغان، وكان بالشام، وفارس، وخراسان في هذه السنة زلازل، وأصوات منكرة، وكان باليمن مثل ذلك مع خسف.
وفيها خرجت الروم من ناحية سميساط بعد خروج علي بن يحيى الأرمني من الصائفة حتى قاربوا آمد، وخرجوا من الثغور والجزرية فانتهبوأن وأسروا نحواً من عشرة آلاف، وكان دخولهم من ناحية أرين قرية قريباس ثم رجعوا فخرج قريباس، وعمر بن عبد الله الأقطع، وقوم من المتطوعة في آثارهم، فلم يلحقوهم، فكتب المتوكل إلى علي بن يحيى الأرمني أن يسير إلى بلادهم شاتياً.
وفيها قتل المتوكل رجلاً عطارأن وكان نصرانياً فأسلم، فمكث مسلماً سنين كثيرة، ثم ارتد، واستتيب، فأبى الرجوع إلى الإسلام، فقتل وأحرق.
وفيها سير محمد بن عبد الرحمن بالأندلس جيشاً إلى بلد المشركين، فدخلوا إلى برشلونة، وحارب قلاعها وجازها إلى ما وراء أعمالهأن فغمنوا كثيرأن وافتتحوا حصناً من أعمال برشلونة يسمى طراجة، وهومن آخر حصون برشلونة.
وفيها مات أبوالعباس محمد بن الأغلب، أمير إفريقية، عاشر المحرم، كان عمره ستاً وثلاثين سنة، وولي بعده ابنه أبوإبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب، وقد ذكرنا ذلك سنة ست وعشرين ومائتين.
وفيها مات أبوحسان الزيادي قاضي الشرقية، ومات الحسن بن علي بن الجعد، قاضي مدينة المنصور، وحج بالناس عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام، وهوعلى مكة؛ وحج جعفر بن دينار على الطريق وأحداث الموسم؛ وتوفي القاضي يح بن أكثم التميمي بالربذة عائداً من الحج؛ ومحمد بن مقاتل الرازي، وأبوحصين يحيى بن سليم الرازي المحدث.
؟
حوادث سنة ثلاث وأربعين ومائتين

وفي هذه السنة سار المتوكل إلى دمشق في ذي القعدة على طريق الموصل، فضحى ببلد فقال يزيد بن محمد المهلبي:
أظن الشام تشمت بالعراق ... إذا عزم الإمام على انطلاق
فإن يدع العراق وساكينه ... فقد تبلى المليحة بالطلاق
وفيها مات إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول الصولي، وكان أديباً شاعرأن فولي ديوان الضياع الحسن بن مخلد الجراح، خليفة إبراهيم.
ومات عاصم بن منجور، وحج بالناس عبد الصمد بن موسى؛ وحج جعفر بن دينار وهووالي الطريق وأحداث الموسم.
وفيها خرج أهل طليطلة بجمعهم إلى كلبيرة وعليها مسعود بن عبد الله العريف، فخرج إليهم فيمن معه ن الجنود، فلقيهم، فقاتلهم، فانهزم أهل طليطلة، وقتل أكثرهم، وحمل إلى قرطبة سبع مائة رأس.
وفيها توفي شهيد بن عيسى بن شهيد الأندلسي، وكان من العلماء.
وفيها توفي يعقوب بن إسحاق بن يوسف المعروف بابن السكيت، النحوي الغوي، وقيل سنة أربع، وقيل خمس، وقيل ست وأربعين؛ والحارث ابن أسد المحاسبي أبوعبد الله الزاهد، وكان قد هجره الإمام أحمد بن حنبل لأجل الكلام، فاختفى لتعصب العامة لأحمد، فلم يصل عليه إلا أربعة نفر.
حوادث سنة أربع وأربعين ومائتينفي هذه السنة دخل المتوكل مدينة دمشق في صفر، وعزم على المقام بهأن ونقل دواوين الملك إليهأن وأمر بالبناء بهأن ثم استوبأ البلد وذلك بان هواءه بارد ندي، والماء ثقيل، والريح تهب فيها مع العصر فلا تزال تشتد حتى يمضي عامة الليل، وهي كثيرة البراغيث؛ وغلت الأسعار، وحال الثلج بين السابلة والميرة، فرجع إلى سامرأن وكان مقامه بدمشق شهرين وأيامأن فلما كان بها وجه بغا الكبير لغزوالروم، فغزا الصائفة فافتتح صملة.
وفيها عقد المتوكل لأبي الساج على طريق مكة مكان جعفر بن دينار، وقيل عقد له سنة اثنتين وأربعين وهوالصواب.
وفيها أتى المتوكل بحربة كانت للنبي، صلى اله عليه وسلم، وتسمى العنزة، فكانت لنجاشي، فأهداها للزبير بن العوام، وأهداها الزبير للنبي، صلى الله عليه وسلم، وهي التي كانت تركز بين يدي النبي، صلى اله عليه وسلم، في العيدين، فكان يحملها بين يديه صاحب الشرطة.
وفيها غضب المتوكل على بختيشوع الطبيب، وقبض ماله، ونفاه إلى البحرين.
وفيها اتفق عبد الأضحى والشعانين لنصارى، وعبد الفطر لليهود، في يوم واحد، وحج بالناس فيها عبد الصمد بن موسى.
وفيها توفي إسحاق بم موسى بن عبد الله بن موسى الأنصاري؛ وعلي بن حجر السعدي المروزي وهما إمامان في الحديث؛ ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب؛ ومحمد بن عبد الله بن أبي عثمان بن عبد الله بن خالد بن أسيد ابن أبي العيص بن أمية القاضي في جمادى الأولى.
أسيد بفتح الهمزة.
حوادث سنة خمس وأربعين ومائتينفي هذه السنة أمر المتوكل ببناء الماخورة، وسماها الجعفرية، وأقطع القواد وأصحابه فيهأن وجد في بنائهأن وأنفق عليها فيما قل أكثر من ألفي ألف دينار، وجمع فيها القراء، فقرأوأن وحضرها أصحاب الملاهي، فوهب أكثر من ألفي ألف درهم، وكان يسميها هووأصحابه المتوكلية، وبنى فيها قصراً سماه لؤلؤة لم ير مثله في علوه، وحفر لها نهراً يسقي ما حولهأن فقتل المتوكل، فبطل حفر النهر، وأخربت الجعفرية.
وفيها زلزلت بلاد المغرب، فخربت الحصون، والمنازل، والقناطر، ففرق المتوكل ثلاثة آلاف ألف درهم فيمن أصيب بمنزله، وزلزل عسكر المهدي، والمدائن، وزلزلت أنطاكية فقتل بها خلق كثير، فسقط منها ألف وخمس مائة دار، وسقطج من سورها نيف وتسعون برجأن وسمعوا أصواتاً هائلة لا يحسنون وصفهأن وتقطع جبلها الأقرع وسقط في البحر.
وهاج البحر ذلك اليوم، وارتفع منه دخان أسود مظلم منتن، وغار منها نهر على فرسخ لا يدري أين ذهب، وسمع أهل سيس، فيما قيل، صيحة دائمة هائلة، فمات منها خلق كثير، فتزلزلت ديار الجزيرة، والثغور، وطرسوس وأدنة، وزلزلت الشام، فلم يسمع من أهل اللاذقية إلا اليسير، وهلك أهل جبلة.
وفيها غارت مسنيات عين مكة، فبلغ ثمن القربة ثمانين درهمأن فبعث المتوكل، مالأن وأنفق عليها.
وفيها مات إسحاق بن أبي إسرائيل، وهلال الرازي.
وفيها هلك نجاح بن سلمة، وكان سبب هلاكه أنه كان على ديوان التوقيع، وتتبع العمال، وكان على الضياع، فكان جميع العمال يتوقونه، ويقضون حوائجه، وكان المتوكل ربما نادمه، وكان الحسن بن مخلد، وموسى بن عبد الملك قد انقطعا إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وزير المتوكل، وكان الحسن على ديوان الضياع، وموسى على ديوان الخراج، فكتب نجاح بن سلمة فيهما رقعة إلى المتوكل أنهما خانا وقصرا وأنه يستخرج منها أربعين ألف ألف؛ فقال له المتوكل: بكر غداً حتى أدفعهما إليك. فغدا وقد رتب أصحابه لأخذهمأن فلقيه عبيد الله بن يحيى الوزير، فقال له: أنا أشير عليك بمصالحتهمأن وتكتب رقعة أنك كنت شاربأن وتكلمت ناسيأن وأنا أصلح بينكمأن وأصلح الحال عند أمير المؤمنين، ولم يزل يخدعه حتى كتب خطه بذلك.
فلما كتب خطه صرفه، واحضر الحسن وموسى، وعرفهما الحال، وأمرهما أن يكتبا في نجاح وأصحابه بألفي ألف دينار، ففعلأن وأخذ الرقعتين وأدخلهما على المتوكل، وقال: قد رجع نجاح عما قال، وهذه رقعة موسى والحسن ويتقبلان بما كتبأن فتأخذ ما ضمنا عليه، ثم تعطف عليهما فتأخذ منهما قريباً منه.
فسر المتوكل بذلك، وأمر بدفعه إليهمأن فأخذاه وأولاده، فأقروا بنحومائة أربعين ألف دينار سوى الغلات، والغرس، والضياع، وغير ذلك، فقبض ذلك أجمع، وضرب، ثم عصرت خصيتاه حتى مات، وأقر أولاده بعد الضرب بسبعين ألف دينار، سوى ما لهما من ملك وغيره، فأخذ الجميع وأخذ من وكلائه في جميع البلاد مال جزيل.
وفيها أغارت الروم على سميساط، فقتلوأن وسبوأن وأسردوأن خلقاً كثيرأن وغزا علي بن يحيى الأرمني الصائفة، ومنع أهل لؤلؤة رئيسهم من الصعود إليهأن فبعث إليهم ملك الروم بطريقاً يضمن لكل رجل منهم ألف دينار على أن يسلموا إليه لؤلؤة، فأصعدوا البطريق إليهم، ثم أعطوا أرزاقهم الفائتة وما أرادوأن فسلموا لؤلؤة والبطريق إلى بلكاجور، فسيره إلى المتوكل فبذل ملك الروم في فدائه ألف مسلم.
وحج بالناس محمد بن سليمان بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم الإمام يعرف بالزيني وهووالي مكة.
وكان نيروز المتوكل الذي أرفق أهل الخراج بتأخيره إياه عنهم لإحدى عشرة خلت من شهر ربيع الأول، ولسبع خلت من حزيران، ولثمان وعشرين من أردبيهشت، فقال البحتري:
إن يوم النيروز عاد إلى العه ... د الذي كان سنه أردشير
ذكر خروج الكفار بالأندلس

إلى بلاد الإسلام

في هذه السنة خرج المجوس من بلاد الأندلس، في مراكب، إلى بلاد الإسلام، فأمر محمد بن عبد الرحمن، صاحب بلاد الإسلام، بإخراج العساكر إلى قتالهم، وأحرقت المسجد الجامع، ثم جازت إلى العدوة، فحلت بناكور، ثم عادت إلى الأندلس، فانهزم أهل تدمير، ودخلوا حصن أريوالة.
ثم تقدموا إلى حائط إفرنجة، وأغاروأن وأصابوا من النهب والسبي كثيراً ثم انصرفوأن فلقيتهم مراكب محمد، فقاتلوهم، فأحرقوا مركبين من مراكب الكفار، وأخذوا مركبين آخرين، فغمنوا ما فيهمأن فحمي الكفرة عند ذلك، وجدوا في القتال، فاستشهد جماعة من المسلمين، ومضت مراكب المجوس حتى وصلت إلى مدينة بنبلونة، فأصابوا صاحبها غرسية الفرنجي، فاقتدى نفسه منهم بتسعين ألف دينار.
وفيها غزا عامل طرسونة إلى بنبلونة، فافتتح حصن بيلسان وسبى أهله، ثم كانت على المسلمين في اليوم الثاني وقعة استشهد فيها جماعة.
ذكر الحرب بين البربر وابن الأغلب بإفريقيةفي هذه السنة كانت بين البربر وعسكر أبي إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب وقعة عظيمة في جمادى الآخرة.
وسببها أن بربر لهان امتنعوا على عامل طرابلس من أداء عشورهم وصدقاتهم، وحاربوه فهزموه، فقصد لبدة فحصنهأن وسار إلى طرابلس، فسير إليه أحمد بن محمد الأمير جيشاً مع أخيه زيادة الله، فانهزم البربر، وقتل منهم خلق كثير، وسير زيادة الله الخيل في آثارهم، فقتل من أدرك منهم، وأسر جماعة، فضربت أعناقهم، وأحرق ما كان في عسكرهم، فأذعن البربر بعدهأن وأعطوا الرهن، وأدوا طاعتهم.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة توفي يعقوب بن إسحاق النحوي المعروف بابن السكيت، وكان سبب موته أنه اتصل بالمتوكل، فقال له: أيما أحب إليك المعتز والمؤيد، أوالحسن والحسين؟ فتنقص ابنيه، وذكر الحسن والحسين، عليهما السلام، بما همل أهل له، فأمر الأتراك فداسوا بطنه، فحمل إلى داره فمات.
وفيها توفي ذوالنون المصري في ذي العقدة؛ وأبوتراب النخشبي الصوفي، نهشته السباع فمات بالبادية؛ وأبوعلي الحسين بن علي، المعروف بالكرابيسي، صاحب الشافعي، وقيل مات سنة ثمان وأربعين؛ وسوار بن عبد الله القاضي العنبري، وكان قد عمي.
حوادث سنة ست وأربعين ومائتينوفيها غزا عمرو بن عبد الله الأقطع الصائفة، فأخرج سبعة عشر ألف راس، وغزا قريباس، وأخرج خمسة آلاف رأس، وغزا الفضل ابن قارن بحراً في عشرين مركبأن فافتتح حصن أنطاكية، وغزا بلكاجور، فغمن، وسبى، وغزا علي بن يحيى الأرمني، فأخرج خمسة آلاف رأس، ومن الدواب، والرمك، والحمير، ونحواً من عشرة آلاف رأس.
وفيها تحول المتوكل إلى الجعفرية.
وفيها كان الفداء على يد علي بن يحيى الأرمني، ففودي بألفين وثلاثمائة وسبعة وستين نفساً.
وفيها مطر أهل بغداد نيفاً وعشرين يومأن حتى نبت العشب فوق الاجاجير؛ وصلى المتوكل صلاة الفطر بالجعفرية، وورد الخبر أن سكة بناحية بلخ تعرف بسكة الدهاقين مطرت دماً عبيطاً؛ وحج بالناس هذه السنة محمد بن سليمان الزينبي، وضحى أهل سامرا يوم الاثنين على الرؤية، وأهل مكة يوم الثلاثاء.
وفيها سار محمد بن عبد الرحمن، صاحب الأندلس، في جيوش عظيمة، وأهبة كثيرة إلى بلد بنبلونة فوطئ بلادهأن ودوخهأن وخربهأن ونهبهأن وقتل فيها فأكثر، وافتتح حصن فيروس، وحصن فالحسن، وحصن القشتل، وأصاب فيه فرتون بن غرسية، فحبسه بقرطبة عشرين سنة، ثم أطلقه إلى بلده، وكان عمره لما مات ستاً وتسعين سنة، وكان مقام محمد بنبلونة اثنين وثلاثين يوماً.
وفيها توفي دعبل بن علي الخزاعي الشاع وكان مولده سنة ثمان وأربعين ومائة، وكان يتشيع.
وفيها توفي السري بن معاذ الشيباني بالري، وكان أميراً عليهأن حسن السيرة، من أهل الفضل؛ وتوفي أحمد بن إبراهيم الدورقي ببغداد، ومحمد بن سليمان الأسدي الملقب بكوين.
حوادث سنة سبع وأربعين ومائتين

ذكر مقتل المتوكل

وفي هذه السنة قتل المتوكل، وكان سبب قتله أنه أمر بإنشاء الكتب بقبض ضياع وصيف بأصبهان والجبل، وإقطاعها الفتح بن خاقان، فكتبت وصارت إلى الخاتم، فبلغ ذلك وصيفأن وكان المتوكل أراد أن يصلي بالناس أول جمعة في رمضان، وشاع في الناس، واجتمعوا لذلك، وخرج بنوهاشم من بغداد لرفع القصص وكلامه إذا ركب.
فلما كان يوم الجمعة، وأراد الركوب للصلاة، قال له عبيد الله بن يحيى والفتح بن خاقان: إن الناس قد كثروا من أهل بيتك ون غيرهم، فبعض متظلم، وبعض طالب حاجة، وأمير المؤمنين يشكوضيق الصدر، وعلة به، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بعض ولاة العهود بالصلاة، ونكون معه، فليفعل.
فأمر المنتصر بالصلاة، فلما نهض للركوب قالا له: يا أمير المؤمنين، إن رأيت أن تأمر المعتز بالصالة، فقد اجتمع الناس لتشرفه بذلك، وقد بلغ الله به؛ وكان قد ولد للمعتز قبل ذلك ولد، فأمر المعتز، فركب فصلى بالناس، وأقام المنتصر في داره بالجعفرية، فزاد ذلك في إغرائه.
فلما فرغ المعتز من خطبيه قام إليه عبيد الله والفتح بن خاقان فقبلا يديه ورجليه، فلا فرغ من الصلاة انصرف ومعه الناس في موكب الخلافة، حتى دخل على أبيه، فأثنوا عليه عنده، فسره ذلك.
فلما كان عيد الفطر قال: مروا المنتصر يصلي بالناس! فقال له عبيد الله: قد كان الناس يتطلعون إلى رؤية أمير المؤمنين، واحتشدوا لذلك؛ فلم يركب؛ ولا يأمن إن هولم يركب اليوم، أن يرجف الناس بعلته، فإذا رأى أمير المؤمنين أن يسر الأولياء، ويكبت الأعداء بركوبه فليفعل.
فركب وقد وصف له الناس نحوأربعة أميال، وترجلوا بين يديه، فصلى، ورجع، فأخذ حفنة من التراب، فوضعها على رأسه وقال: إني رأيت كثرة هذا الجمع، ورأيتهم تحت يدي، فأحببت أن أتراضع لله؛ فلما كان اليوم الثالث افتصد، واشتهى لحم جزور، فأكله، وكان قد حضر عنده ابن الحفصي وغيره، فأكلوا بين يديه. قال: ولم يكن يوم أسر من ذلك اليوم، ودعا الندماء والمغنين، فحضروأن وأهدت له أم المعتز مطرف خز أخضر، لم ير الناس مثله، فنظر إليه، فأطال، وأكثر تعجبه منه، وأمر فقطع نصفين ورده عليهأن وقال لرسولها: والله إن نفسي لتحدثني أني لا ألبسه، وما احب أن يلبسه أحد بعدي، ولهذا أمرت بشقه.
قال فقلنا: نعيذك بالله أن تقول مثل هذا؛ قال: وأخذ في الشرب واللهو. ولج بأن يقول: أنا والله مفارقكم عن قليل! ولم يزل في لهوه وسروره إلى الليل.
وكان قد عزم هوالفتح أن يفتكا بكرة غد بالمنتصر ووصيف وبغا وغيرهم من قواد الأتراك، وقد كان المنتصر واعد الأتراك ووصيفاً وغيره على قتل المتوكل.
وكثر عبث المتوكل، قبل ذلك بيوم، بابنه المنتصر، مرة يشتمه، ومرة يسقيه فوق طاقته، ومرة يأمر بصفعه، ومرة يتهدده بالقتل، ثم قال للفتح: برئت من الله ومن قرابتي من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إن لم تلطمه يعني المنتصر فقام إليه فلطمه مرتين، ثم أمر يده على قفاه، ثم قال لمن حضره: اشهدوا عليّ جميعاً أني قد خلعت المستعجل يعني المنتصر ثم التفت إليه فقال: سميتك المنتصر، فسماك الناس، لحمقك، المنتظر، ثم صرت الآن المستعجل.
فقال المنتصر: لوأمرت بضرب عنقي كان أسهل عليّ مما تفعله بي؛ فقال: اسقوه، ثم أمر بالعشاء فأحضر، وذلك في جوف الليل، فخرج المنتصر من عنده، وأمر بناناً غلام أحمد بن يحيى أن يلحقه، وأخذ بيد زرافة الحاجب، وقال له: امض معي! فقال: إن أمير المؤمنين لم يمن، فقال: إنه قد أخذ منه النبيذ، والساعة يخرج بغا والندماء، وقد أحببت أن تجعل أمر ولدك إلي، فإن أوتامش سألني أن أزوج ولده من ابنتك، وابنك من ابنته؛ فقال: نحن عبيدك فمر بأمرك! فسار معه إلى حجرة هناك، وأكلا طعامأن فسمعا الضجة والصراخ، فقامأن وإذا بغا قد لقي المنتصر، فقال المنتصر: ما هذا؟ فقال: خير يا أمير المؤمنين، قال: ما تقول ويلك؟ قال: أعظم الله أجرك في سيدنا أمير المؤمنين، كان عباً لله دعاه فأجابه.
فجلس المنتصر، وأمر بباب البيت الذي قتل فيه المتوك فأغلق، وأغلقت الأبواب كلهأن وبعث إلى وصيف يأمره بإحضار المعتز والمؤيد عن رسالة المتوكل.

وأما كيفية قتل المتوكل، فإنه لما خرج المنتصر دعا المتوكل بالمائدة، وكان بغا الصغير المعروف بالشرابي قائماً عند الستر، وذلك اليوم كان نوبة بغا الكبير، وكان خليفته في الدار ابنه موسى، وموسى هوابن خالة المتوكل، وكان أبوه يومئذ بسميساط، فدخل بغا الصغير إلى المجلس، فأمر الندماء بالانصراف إلى حجرهم، فقال له الفتح: ليس هذا وقت انصرافهم، وأمير المؤمنين لم يرتفع؛ فقال بغا: إن أمير المؤمنين أمرني أنه إذا جاوز السبعة لا أترك أحدأن وقد شرب أربعة عشر رطلأن وحرم أمير المؤمنين خلف الستارة. وأخرجهم، فلم يبق إلا الفتح وعثعث، وأربعة من خدم الخاصة، وأبوأحمد بن المتوكل، وهوأخوالمؤيد لأمه.
وكان بغا الشرابي أغلق الأبواب كلهأن إلا باب الشط، ومنه دخل القوم الذين قتلوه، فبصر بهم أبوأحمد، فقال: ما هذا يا سفل! وإذا سيوف مسللة، فلما سمع المتوكل صوت أي أحمد رفع رأسه، فرآهم فقال: ما هذا يا بغا؟ فقال: هؤلاء رجال النوبة؛ فرجعوا إلى ورائهم عند كلامه، ولم يكن واجن وأصحابه وولد وصيف حضروا معهم، فقال لهم بغا: يا سفل! أنتم مقتولون لا محالة، فموتوا كراماً! فرجعوأن فابتدره بغلون فضربه على كتفه وأذنه فقده، فقال: مهلاً! قطع الله يدك، وأراد الوثوب به، واستقبله بيده، فضربها فأبانهأن وشاركه باغر، فقال الفتح: ويلكم! أمير المؤمنين... ورمى بنفسه على المتوكل، فبعجوه بسيوفهم، فصاح: الموت! وتنحى، فقتلوه.
وكانوا قالوا لوصيف ليحضر معهم، وقالوا: إنا نخاف؛ فقال: لا بأس عليكم، فقالوا له: أرسل معنا بعض ولدك، فأرسل معهم خمسة من ولده: صالحأن وأحمد، وعبد الله، ونصرأن وعبيد الله.
وقيل إن القوم لما دخلوا نظر إليهم عثعث، فقال للمتوكل: قد فرغنا من الأسد، والحيات، والعقارب، وصرنا إلى السيوف، وذلك أنه ربما أسلى الحية والعقرب والأسد، فلما ذكر عثعث السيوف قال: يا ويلك! أي سيوف؟ فما استتم كلامه حتى دخلوا عليه وقتلوه، وقتلوا الفتح، وخرجوا إلى المنتصر، فسلموا عليه بالخلافة، وقالوا: مات أمير المؤمنين، وقاموا علي رأس زرافة بالسيوف، وقالوا: بايع، فبايع.
وأرسل المنتصر إلى وصيف: إن الفتح قد قتل أبي فقتلته، فاحضر في وجوه أصحابك! فحضر هووأصحابه، فبايعوا. وكان عبيد الله بن يحيى في حجرته ينفذ الأمور ولا يعلم، وبين يديه جعفر بن حامد، إذ كلع عليه بعض الخدم فقال: ما يحسبك والدار سيف واحد؟ فأمر جعفراً بالنظر، فخرج، وعاد وأخبره أن المتوكل والفتح قتلأن فخرج فيمن عنده من خدمه وخاصته، فأخبر أن الأبواب مغلقة، وأخذ نحوالشط، فإذا أبوابه مغلقة، فأمر بكسر ثلاثة أبواب، وخرج إلى الشط، وركب في زورق، فأتى منزل المعتز، فسأل عنه، فلم يصادفه، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، قتل نفسه وقتلني.
واجتمع إلى عبيد الله أصحابه غداة يوم الأربعاء، من الأبناء، والعجم، والأرمن والزواقيل، وغيرهم، فكانوا زهاء عشرة آلاف، وقيل كانوا ثلاثة عشر ألفأن وقيل ما بين خمسة آلاف إلى عشرة آلاف، فقالوا: ما اصطنعتنا إلا لهذا اليوم، فمرنا بأمرك، وأذن لنا منل على اللوم ونقتل المنتصر ومن معه! فأبى ذلك، وقال: المعتز في أيديهم.
وذكر عن علي بن يحيى المنجم أنه قال: كنت أقرأ على المتوكل، قبل قتله بأيام، كتاباً من كتب الملاحم، فوقفت على موضع فيه أن الخليفة العاشر يقتل في مجلسه، فتوقفت عن قراءته، فقال: مالك؟ فقلت: خير! قال: لا بد من أن تقرأه، فقرأته، وحدث عن ذكر الخلفاء، فقال: ليت شعري من هذا الشقي المقتول؟ قال أبوالوارث، قاضي نصيبين: رأيت في النوم آتياً وهويقول:
يا نائم العين في جثمان يقظان ... ما بال عينك لا تبكي بتهتان
أما رأيت صروف الدهر ما فعلت ... بالهاشمي وبالفتح بن خاقان؟
فأتى البريد بعد أيام بقتلهما.
وكان قتله ليلة الأربعاء لأربع خلون من شوال، وقيل ليلة الخميس؛ وكانت خلافته أربع عشرة سنة وعشرة أشهر وثلاثة أيام، وكان مولده بفم الصلح في شوال سنة ست ومائتين، وكان عمره نحوأربعين سنة.
وكان أسمر، حسن العينين، نحيفأن خفيف العارضين، ورثاه الشعراء فأكثروأن ومما قيل فيه قول علي بن الجهم:
عبيد أمير المؤمنين قتله ... وأعظم آفات الملوك عبيدها

بني هاشم صبرأن فكل مصيبة ... سيبلى على وجه الزمان جديدها
ذكر بعض سيرتهذكر أن أبا الشمط مروان بن أبي الجنوب قال: أنشدت المتوكل شعراً ذكرت فيه الرافضة فعقد لي على البحرين واليمامة، وخلع علي أربع خلع، وخلع علي المنتصر، وأمر لي المتوكل بثلاثة آلاف دينار، فنثرت علي، وأمر ابنه المنتصر وسعداً الإيتاخي أن يلقطاها لي، ففعلأن والشعر الذي قلته:
ملك الخليفة جعفر ... لدين والدنيا سلامه
لكم تراث محمد ... وبعد لكم تشفى الظلامة
يرجوالتراث بنوالبنا ... ت وما لهم فيها قلامه
والصهر ليس بوارث ... والبنت لا ترث الإمامه
ما للذين تنحلوا ... ميراثكم إلا الندامة
أخذ الوراثة أهلها ... فعلام لومكم علامه
لوكان حقكم لما ... قامت على الأنس الثيامه
ليس التراث لغيركم ... لا والإله، ولا كرامه
أصبحت بين محبكم ... والمبغضين لكم علامه
ثم نثر علي، بعد ذلك، لشعر قلته في هذا المعنى عشرة آلاف درهم.
وقال يحيى بن أكثم: حضرت المتوكل، فجرى بيني وبينه ذكر المأمون، فقلت بتفضيله، وتقريظه، ووصف محاسنه وعلمه ومعرفته قولاً كثيرأن لم يقع لموافقة من حضر، فقال المتوكل: كيف كان يقول في القرآن؟ فقلت: كان يقول: ما مع القرآن حاجة إلى علم فرض، ولا مع السنة وحشة إلى فعل أحد، ولا مع البيان والأفهام حجة لتعلم، ولا بعد الجحود للبرهان والحق إلا السيف، لظهور الحجة.
فقال المتوكل: لم أرد منك ما ذهبت إليه، فقال يحيى: القول بالمحاسن في المغيب فريضة على ذي نعمة.
قال: فا كان يقول خلال حديثه، فإن أمير المؤمنين المعتصم بالله، رحمه اله، كان يقوله وقد أنسيته؛ قال كان يقول: اللهم إني أحمدك على النعم التي لا يحصيها غيرك، وأستغفرك من الذنوب التي لا يحيط بها إلا عفوك.
قال: فما كان يقول إذا استحسن شيئأن أوبشر بشيء؟ فقد نسيناه؛ قال يحيى: كان يقول إن ذكر آلاء الله وكثرتهأن وتعداد نعمه، والحديث بها فرض من الله على أهلهأن وطاعة لأمره فيهأن وشكر له عليهأن فلا حمد لله العظيم الآلاء السابغ النعماء بما هوأهله ومستوجبه من محامده القاضية حقه، البالغة شكره، المانعة غيره، الموجبة مزيده على ما لا يحصيه تعدادنأن ولا يحيط به ذكرنا من ترادف منته، وتتابع فضله، ودوام طوله، حمد من يعلم أن ذلك منه، والشكر له عليه، فقال المتوكل: صدقت، هذا هوالكلام بعينه.
وقدم في هذه السنة محمد بن عبد الله بن طاهر من مكة في صفر فشكا ما ناله من الغم بما وقع من الخلاف في يوم النحر، فأمر المتوكل بإنفاذ خريطة من الباب إلى أهل الموسم برؤية هلال ذي الحجة، وأمر أن يقام على المشعر الحرام، وسائر المشاعر، الشمع مكان الزيت والنفط.
وفيها ماتت أم المتوكل في شهر ربيع الآخر، وصلى عليها المنتصر، ودفنت عند المسجد الجامع، وكان موتها قبل المتوكل بستة أشهر.
ذكر بيعة المنتصرقد ذكرنا قتل المتوكل، ومن بايع المنتصر أبا جعفر محمد بن جعفر المتوكل تلك الليلة، فلما أصبح يوم الأربعاء حضر الناس الجعفرية من القواد، والكتاب، والوجوه، والشاكرية، والجند، وغيرهم، فقرأ عليهم أحمد بن الخصيب كتاباً يخبر فيه عن المنتصر أن الفتح بن خاقان قتل المتوكل فقتله به، فبايع الناس، وحضر عبيد الله بن يحيى بن خاقان، فبايع وانصرف.
قيل وذكر عن أبي عثمان سعيد الصغير أنه قال: لما كانت الليلة التي قتل فيها المتوكل، كنا في الدار مع المنتصر، فكان كلما خرج الفتح خرج معه، وإذا رجع قام لقيامه، وإذا ركب أخذ بركابه، وسوى عليه ثيابه في سرجه.

وكان اتصل بنا الخبر أن عبيد الله بن يحيى قد أعد قوماً في طريق المنتصر، ليغتالوه عند انصرافه، وكان المتوكل قد أسمعه، وأحفظه، ووثب عليه، وانصرف غضبان، وانصرفنا معه إلى داره؛ وكان واعد الأتراك على قتل المتوكل إذا ثمل من النبيذ، قال: فلم ألبث أن جاءني رسوله أن احضر، فقد جاءت رسل أمير المؤمنين إلى الأمير ليركب. قال: فوقع في نفسي ما كنا سمعنا من اغتيال المنتصر، فركبت في سلاح وعدة، وجئت باب المنتصر، فإذا هم يموجون، وإذا واجن قد جاءه فأخبره أنهم قد فرغوا من المتوكل، فركب فلحقته في بعض الطريق وأما مرعوب، فرأى ما بي، فقال: ليس عليك بأس؛ أمير المؤمنين قد شرق بقدح شربه فمات، رحمه الله تعالى.
فشق علي، ومضينا ومعنا أحمد بن الخصيب وجماعة من القواد حتى دخلنا القصر، ووكل بالأبواب، فقلت له: يا أمير المؤمنين! لا ينبغي أن تفارقك مواليك في هذا الوقت. قال: أجل، وكن أنت خلف ظهري، فأحطنا به، وبايعه من حضر، وكل من جاء يوقف، حتى جاء سعيد الكبير، فأرسله خلف المؤيد، قال لي: امض أنت إلى المعتز حتى يحضر، فأرسلني، فمضيت وأنا آيس من نفسي، ومعي غلامان لي، فلما صرت إلى باب المعتز لم أجد به أحداً من الحرس والبوابين، فصرت إلى الباب الكبير، فدققته دقاً عنيفأن فأجبت بعد مدة: من أنت؟ فقلت: رسول أمير المؤمنين المنتصر؛ فمضى الرسول، وأبطأن وخفت، وضاقت علي الأرض، ثم فتح الباب، وخرج بيدون الخادم، وأغلق الباب، ثم سألني عن الخبر، فأخبرته أن المتوكل شرق بكأس شربه، فمات من ساعته، وأن الناس قد اجتمعوأن وبايعوا المنتصر، وقد أرسلني لأحضر الأمير المعتز ليبايع.
فدخل، ثم خرج، فادخلني على المعتز، فقال لي: ويلك ما الخبر؟ فأخبرته، وعزيته وبكيت وقلت: تحضر، وتكون في أول من يبايع، وتأخذ بقلب أخيك، فقال: حتى يصبح، فما زلت به أنا وبيدون حتى ركب، وسرنا وأنا أحدثه، فسألني عن عبيد الله بن يحيى، فقلت: هويأخذ البيعة على الناس، والفتح قد بايع، فأيس، وأتينا باب الخير، ففتح لنأن وصرنا إلى المنتصر، فلما رآه قربه، وعانقه، وعزاه، وأخذ البيعة عليه.
ثم وافى سعيد الكبير بالمؤيد، ففعل به مثل ذلك، فأصبح الناس، وأمر المنتصر بدفن المتوكل والفتح.
ولما أصبح الناس شاع الخبر في الماخورة، وهي المدينة التي كان بناها المتوكل، وفي أهل سامرأن بقتل المتوكل، فتوافى الجند والشاكرية بباب العامة وبالجعفرية، وغيرهم من الغوغاء والعامة، وكثر الناس، وتسامعوأن وركب بعضهم بعضأن وتكلموا في أمر البيعة، فخرج إليهم عتاب بن عتاب، وقيل زرافة، فوعدهم عن أمير المؤمنين المنتصر، فأسمعوه، فدخل عليه فأعلمه، فخرج المنتصر وبين يديه جماعة من المغاربة، فصاح بهم وقال: خذوهم! فدفعوهم إلى الأبواب، فازدحم الناس وركب بعضهم بعضأن فتفرقوا وقد مات منهم ستى أنفس.
ذكر ولاية خفاجة بن سفيان صقلية

وابنه محمد وغزواتهما

قد ذكرنا سنة ست وثلاثين ومائتين أن أمير صقلية العباس توفي سنة سبع وأربعين، فلما توفي ولى الناس عليهم ابنه عبد الله بن العباس، وكتبوا إلى الأمير بإفريقية بذلك، وأخرج عبد اله السرايأن ففتح قلاعاً متعددة منها: جبل أبي مالك وقلعة الأرمنين وقلعة المشارعة، فبقي كذلك خمسة أشهر.
ووصل من إفريقية خفاجة بن سفيان أميراً على صقلية، فوصل في جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين ومائتين، فأول سرية أخرجها سرية فيها ولده محمود، فقصد سرقوسة فغمن، وخرب وأحرق، وخرجوا إليه فقاتلهم فظفر، وعاد فاستأمن إليه أهل رغوس؛ وقد جاء سنة اثنتين وخمسين أن أهل رغوس استأمنوا فيهأن على ما نذكره، ولا نعلم أهذا اختلاف من المؤرخين أم هما غزاتان، ويكون أهلها قد غدروا بعد هذه الدفعة، والله أعلم.
وفي سنة خمسين ومائتين فتحت مدينة نوطس، وسبب ذلك أن بعض أهلها أخبر المسلمين بموضع دخلوا منه إلى البلد في المحرم، فغمنوا منها أموالاً جليلة، ثم فتحوا شكلة بعد حصار.
وفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين سار خفاجة إلى سرقوسة، ثم إلى جبل النار، فأتاه رسل أهل طبرمين يطلبون الأمان، فأرسل إليهم امرأته وولده في ذلك، فتم الأمر، ثم غدروأن فأرسل خفاجة محمداً في جيش إليهأن ففتحها وسبى أهلها.
وفيها أيضاً سار خفاجة إلى رغوس، فطلب أهلها الأمان ليطلق رجل من أهلها بأموالهم، ودوابهم، ويغمن الباقي، ففعل وأخذ جميع ما في الحصن من مال، ورقيق، ودواب، وغير ذلك، وهادنه أهل الغيران وغيرهم، وافتتح حصوناً كثيرة، ثم مرض، فعاد إلى بلرم.
وفي سنة ثلاث وخمسين ومائتين سار خفاجة من بلرم إلى مدينة سرقوسة وقطانية، وخرب بلادهأن وأهلك زروعهأن وعاد وسارت سراياه إلى أرض صقلية، فغمنوا غنائم كثيرة.
وفي سنة أربع وخمسين ومائتين ار خفاجة في العشرين من ربيع الأول، وسير ابنه محمداً على الحراقات، وسر سرية إلى سرقوسة فغمنوأن وأتاهم الخبر أن بطريقاً قد سار من القسطنطينية في جمع كثير، وغمن المسلمون منهم غنائم كثيرة؛ ورحل خفاجة إلى سرقوسة فأفسد زرعهأن وغمن منهأن وعاد إلى بلرم، وسير ابنه محمداً في البحر، مستهل رجب، إلى مدينة غيطة، فحصرهأن وبث العساكر في نواحيهأن فغمن وشحن مراكبه بالغنائم، وانصرف إلى بلرم في شوال.
وفي سنة خمس وخمسين ومائتين سير خفاجة ابنه محمداً إلى مدينة طبرمين، وهي من أحسن مدن صقلية، فسار في صفر إليهأن وكان قد أتاهم من وعدهم أن يدخلهم إليها من طريق يعرفه، فسيره مع ولده، فلما قربوا منها تأخر محمد، وتقدم بعض عساكره رجالة مع الدليل، فأدخلهم المدينة، وملكوا بابها وسورهأن وشرعوا في السبي والغنائم، وتأخر محمد بن خفاجة فيمن معه من العسكر عن الوقت الذي وعدهم أنه يأتيهم فيه، فلما تأخر ظنوا أن العدوقد أوقع بهم فمنعهم من السبي، فخرجوا عنها منهزمين، ووصل محمد إلى باب المدينة ومن معه من العسكر، فرأى المسلمين قد خرجوا منهأن فعاد راجعاً.
وفيها في ربيه الأول خرج خفاجة وسار إلى مرسة، وسير ابنه في جماعة كثيرة إلى سرقوسة، فلقيه العدوفي جمع كثير فاقتتلوأن فوهن المسلمون، وقتل منهم، ورجعوا إلى خفاجة، فسار إلى سرقوسة فحصرهأن وأقام عليهأن وضيق على أهلهأن وأفسد بلادهأن وأهلك زرعهم، وعاد عنها يريد بلرم، فنزل بوادي الطين وسار منه ليلأن فاغتاله رجل من عسكره، فطعنه طعنة فقتله، وذلك مستهل رجب، وهرب الذي قتله إلى سرقوسة، وحمل خفاجة إلى بلرم، فدفن بها وولى الناس عليهم بعده ابنه محمداً وكتبوا بذلك إلى الأمير محمد بن أحمد، أمير إفريقية، فأقره على الولاية، وسير له العهد والخلع.
ذكر ولاية ابنه محمدلما قتل خفاجة استعمل الناس ابنه محمدأن وأقره بن أحمد بن الأغلب، صاحب القيروان، على ولايته، فسير جيشاً في سنة ست وخمسين ومائتين إلى مالطة، وكان الروم يحاصرونهأن فلما سمع الروم بمسيرهم رحلوا عنها.
وفي سنة سبع وخمسين ومائتين في رجب قتل الأمير محمد، قتله خدمه الخصيان وهربوأن فطلبهم الناس فأدركوهم فقتلوهم.
ذكر عدة حوادثوفيها ولي المنتصر أبا عمرة أحمد بن سعيد، مولى بني هاشم، بعد البيعة له بيوم، المظالم، فقال الشاعر:
يا ضيعة الإسلام لما ولي ... مظالم الناس أبوعمرة
صير مأموناً على أمة ... وليس مأموناً على بعره
وحج بالناس محمد بن سليمان الزينبي، واستعمل على دمشق عيسى بن محمد النوشري.
وفيها سار جيش للمسلمين بالأندلس إلى مدينة برشلونة، وهي للفرنج، فأوقعوا بأهلهأن فراسل صاحبها ملك الفرنج يستمده، فأرسل إليه جيشاً كثيفأن وأرسل المسلمون يستمدون، فأتاهم المدد، فنازلوا برشلونة، وقاتلوا قتالاً شديداً فملكوا أرباضهأن وبرجين من أبراج المدينة، فقتل من المشركين بها خلق كثير، وسلم المسلمون، وعادوا وقد غمنوا.
وفيها توفي أبوعثمان بكر بن محمد المازني النحوي، الإمام في العربية.
حوادث سنة ثمان وأربعين ومائتين

ذكر غزاة وصيف الروم

في هذه السنة أغزى المنتصر وصيفاً التركي إلى بلاد الروم؛ وكان سبب ذلك أنه كان بينه وبين أحمد بن الخصيب شحناء وتباغض، فحرض أحمد ابن الخصيب المنتصر على وصيف، وأشار عليه بإخراجه من عسكره للغزاة، فأمر المنتصر بإحضار وصيف، فلما حضر قال له: قد أتانا عن طاغية الروم أنه أقبل يريد الثغر، وهذا أمر لا يمكن الإمساك عنه، ولست آمنة أن يهلك كل ما مر به من بلاد الإسلام، وسقتل ويسبي، فإما شخصت أنت، وإما شخصت أنا.
فقال: بل أشخص أنأن يا أمير المؤمنين. فقال لأحمد بن الخصيب: انظر إلى ما يحتاج إليه وصيف فأتمه له. فقال: نعم، يا أمير المؤمنين! قال: ما نعم؟ قم الساعة! وقال لوصيف: مر كاتبك أن يوافقه على ما يحتاج إليه ويلزمه حتى يفرغ منه. فقاما.
ولم يزل أحمد بن الخصيب في جهازه، حتى خرج، وانتخب له الرجال، فكان معه اثنا عشر ألف رجل، وكان على مقدمته مزاحم بن خاقان، أخوالفتح، وكتب المنتصر إلى محمد بن عبد الله بن طاهر ببغداد يعلمه ذلك، ويأمره أن ينتدب الناس إلى الغزاة ويرغبهم فيهأن وأمر وصيفاً أن يوافي ثغر ملطية، وجعل على نفقات العسكر، والمغامن، والمقاسم أبا الوليد الحريري البجلي؛ ولما سار وصيف كتب إليه المنتصر يأمره بالمقام بالثغر أربع سنين يغزوفي أوقات الغزومنها إلى أن يأتيه رأيه.
ذكر خلع المعتز والمؤيدوفي هذه السنة خلع المعتز والمؤيد ابنا المتوكل من ولاية العهد؛ وكان سبب خلعهما أن المنتصر لما استقامت له الأمور، قال أحمد بن الخصيب لوصيف وبغا: إنا لا نأمن الحدثان، وأن يموت أمير المؤمنين، فيلي المعتز الخلافة، فيبيد خضراءنأن ولا يبقي منا باقية؛ والآن الرأي أن نعمل في خلع المعتز والمؤيد.
فجد الأتراك في ذلك، وألحوا على المنتصر، وقالوا: نخلعهما من الخلافة، ونبايع لابنك عبد الوهاب؛ فلم يزالوا به حتى أجابهم، وأحضر المعتز والمؤيد، بعد أربعين يوماً من خلافته، وجعلا في دار، فقال المعتز للمؤيد: يا أخي، قد أحضرنا للخلع؛ فقال: لا أظنه يفعل ذلك.
فبيمنا هما كذلك إذ جاءت الرسل بالخلع، فقال المؤيد: السمع والطاعة؛ فقال المعتز: ما كنت لأفعل، فإن أردتم القتل فشأنكم؛ فأعلموا المنتصر، ثم عادوا بغلظة وشدة، وأخذوا المعتز بعنف، وأدخلوه بيتأن وأغلقوه عليه الباب، فلما رأى المؤيد ذلك قال لهم بجرأة واستطالة: ما هذا يا كلاب؟ قد ضربتم على دمائنأن تثبون على مولاكم هذا الوثوب، دعوني وإياه حتى أكلمه! فسكتوا عنه، وأذنوا له في الاجتماع به بعد إذن من المنتصر بذلك.
فدخل عليه المؤيد وقال: يا جاهل تراهم نالوا من أبيك، وهوهو، ما نالوأن ثم تمتنع عليهم؟ اخلع ويلك، لا تراجعهم! فقال: وكيف أخلع وقد جرى في الآفاق؟ فقال: هذا ال أمر قتل أباك، وهويقتلك، وإن كان في سابق علم الله أن تلي لتلين. فقال: أفعل.
فخرج المؤيد وقال: قد أجاب إلى الخلع، فمضوأن وأعلموا المنتصر، وعادوا فشكروه، ومعهم كاتب، فجلس، فقال للمعتز: اكتب بخطك خلعك! فامتنع، فقال المؤيد لكاتب: هات قرطاسك! أملل علي ما شئت، فأملى عليه كتاباً إلى المنتصر يعلمه فيه ضعفه عن هذا الأمر، وأن لا يحل له أن يتقلده، وكره أن يأثم المتوكل بسببه، إذ لم يكن موضعاً له، ويسأله الخلع، ويعلمه أنه قد خلع نفسه، وأحل الناس من بيعته، فكتب ذلك، وقال للمعتز: اكتب! فأبى، فقال: اكتب ويلك فكتب وخرج الكاتب عنهمأن ثم دعاهمأن فدخلا على المنتصر، فأجلسهما وقال: هذا كتابكما؟ فقالا: نعم يا أمير المؤمنين. فقال لهمأن والأتراك وقوف: أتراني خلعتكما طعماً في أن أعيش حتى يكبر ولدي وأبايع له؟ والله ما طمعت في ذلك ساعة قط، وإذا لم يكن لي في ذلك طمع فوالله لأن يليها بنوأبي أحب إلي من أن يليها بنوعمي، ولكن هؤلاء، وأومأ إلى سائر الموالي ممن هوقائم عنده وقاعد، أحلوا علي في خلعكمأن فخفت إن لم أفعل أن يعترضكما بعضهم بحديدة فيأتي عليكمأن فما ترياني صانعاً إذن؟ أقتله! فوالله ما تفي دماؤهم كلهم بدم بعضكم. فكانت إجابتهم إلى ما سألوا أسه علي.
فقبلا يده وضمهمأن ثم أشهدا على أنفسهما القضاة، وبني هاشم، والقواد، ووجوه الناس، وغيرهم، بالخلع؟، وكتب بذلك المنتصر إلى محمد ابن عبد الله بن طاهر وإلى غيره.
ذكر موت المنتصرفي هذه السنة توفي المنتصر في يوم الأحد لخمس خلون من ربيع الآخر وقيل يوم السبت وكنيته أبوجعفر أحمد بن المتوكل على الله، وقيل كنيته أبوالعباس، وقيل أبوعبد الله.
وكانت علته الذبحة في حلقه أخذته يوم الخميس لخمس بقين من شهر ربيع الأول؛ وقيل كانت علته من ورم في معدته، ثم صعد إلى فؤاده فمات، وكانت علته ثلاثة أيام.

وقيل إنه وجد حرارة، فدعا بعض أطبائه، ففصده بمبضع مسموم، فمات منه، وانصرف الطبيب إلى منزله وقد وجد حرارة، فدعا تلميذاً ليفصده، ووضع مباضعه بين يديه ليستخير أجودهأن فاختار ذلك المبضع المسموم، وقد نسيه الطبيب، ففصده به، فلما فرغ نظر إليه فعرفه، فأيقن بالهلاك، ووصى من ساعته.
وقيل إنه كان وجد في رأسه علة، فقطر ابن الطيفوري في أذنه دهنأن فورم رأسه، فمات.
وقيل: بل سمه ابن الطيفوري في محاجمه فمات.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohammed.mansy@yahoo.com متصل
محمد منسى
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 19288
العمر : 39
الموقع : منتديات ابو ريوف
تاريخ التسجيل : 26/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الإثنين 3 ديسمبر 2018 - 17:46


وقيل: كان كثير من الناس حين أفضت الخلافة إليه إلى أن مات يقولون: إمنا مدة حياته ستى اشهر، مدة شيرويه بن كسرى، قاتل أبيه؛ يقوله الخاصة والعامة.
وقيل إن المنتصر كان نائماً في بعض الأيام، فانتبه وهويبكي وينتحب، فسمعه عبد الله بن عمر البازيار، فأتاه، فسأله عن سبب بكائه، فقال: كنت نائمأن فرأيت فيما يرى النائم كأن المتوكل قد جاءني فقال: ويحك يا محمد! قتلتني، وظلمتني، وغبنتني خلافتي، والله لا متعت بها بعدي إلا أياماً يسيرة، ثم مصيرك إلى النار؛ فقال عبد الله: هذه رؤيأن وهي تصدق وتكذب، بل يعمرك الله، ويسرك، ادع بالنبيذ وخذ في اللهولا تعبأ بها. ففعل ذلك ولم يزل منكسراً إلى أن توفي.
قال بعضهم: وذكر أن المنتصر كان شاور في قتل أبيه جماعة من الفقهاء، وأعلمهم بمذاهبه، وحكى عنه أموراً قبيحة كرهت ذكرهأن فأشاروا بقتله، فكان كما ذكرنا بعضه.
وكان عمره خمساً وعشرين سنة وستة أشهر، وقيل أربعاً وعشرين سنة، وكانت خلافته ستة أشهر ويومين، وقيل كانت ستة أشهر سواء، وكانت وفاته بسامرأن فلما حضرته الوفاة أنشد:
وما فرحت نفسي بدنيا أخذتها ... ولكن إلى الرب الكريم أصير
وصلى عليه أحمد بن محمد بن المعتصم بسامرأن وبها كان مولده، وكان أعين، أقنى، ققصيرأن مهيبأن وهوأول خليفة من بني العباس عرف قبره، وذلك أن أمه طلبت إظهار قبره، وكانت أمه أم ولد رومية.
ذكر بعض سيرتهكان المنتصر عظيم الحلم، راجح العقل، غزير المعروف، راغباً في الخير، جوادأن كثير الإنصاف، حسن العشرة، وأمر الناس بزيارة قبر علي والحسين عليهما السلام، فأمن العلويين، وكانوا خائفين أيام أبيه، وأطلق وقوفهم، وأمر برد فدك إلى ولد الحسين والحسن ابني علي بن أبي طالب، عليه السلام.
وذكر أن المنتصر لما ولي الخلافة كان أول ما أحدث أن عزل صالح ابن علي عن المدينة واستعمل عليها علي بن الحسين بن إسماعيل بن العباس ابن محمد.
قال علي: فلما دخلت أودعه قال لي: يا علي! إني أوجهك إلى لحمي ودمي، ومد ساعده وقال: إلى هذا أوجه بك، فانظر كيف تكون للقوم، وكيف تعاملهم، يعني إلى آل أبي طالب. فقال: أرجوأن أمتثل أمر أمير المؤمنين، إن شاء الله تعالى، فقال: إذاً تسعد عندي.
ومن كلامه: والله ما عز ذوباطل ولوطلع القمر من جبينه، ولا ذل ذوحق ولوأصفق العالم عليه.
ذكر خلافة المستعينوفي هذه السنة بويع أحمد بن محمد بن المعتصم بالخلافة؛ وكان سبب ذلك أن المنتصر لما توفي اجتمع الموالي على الهارونية من الغد، وفيها بغا الكبير، وبغا الصغير، وأتامش، وغيرهم، فاستخلفوا قواد الأتراك، والمغاربة، والشروسنية على أن يرضوا بمن رضي به بغا الكبير، وبغا الصغير، وأتامش، وذلك بتدبير أحمد بن الخصيب، فحلفوأن وتشاوروأن وكرهوا أن يتولى الخلافة أحد من ولد المتوكل لئلا يغتالهم، واجتمعوا على أحمد بن محمد بن المعتصم، وقالوا: لا تخرج الخلافة من ولد مولانا المعتصم، فبايعوه ليلة الاثنين لست خلون من ربيع الآخر وهوابن ثمان وعشرين سنة، ويكنى أبا العباس، فاستكتب أحمد بن الخصيب، واستوزر أتامش.
فلما كان يوم الاثنين سار المستعين إلى دار العامة في زي الخلافة، وحمل إبراهيم بن إسحاق بين يديه الحربة، وصف واجن الأشروسني أصحابه صفين، وقام هووعدة من وجوه أصحابه، وحضر الدار أصحاب المراتب من العباسيين والطالبيين وغيرهم.

فبينا هم كذلك إذ جاءت صيحة من ناحية الشارع والسوق، وإذا نحومن خمسين فارساً ذكروا أنهم من أصحاب محمد بن عبد الله بن طاهر، ومعهم غيرهم من أخلاط الناس والغوغاء والسوقة، فشهروا السلاح، وصاحوا: نفير، يا منصور! وشدوا على أصحاب الأشروسني فتضعضعوأن وانضم بعضهم إلى بعض، وتحرك من على باب العامة من المبيضة والشاكرية، وكثروأن فحمل عليهم المغاربة، وبعض الأشروسنية، فهزمزهم حتى أدخلوهم درب زرافة، ثم نشبت الحرب بينهم، فقتل جماعة، وانصرف الأتراك بعد ثلاث ساعات وقد بايعوا المستعين هم ومن حضر من الهاشميين وغيرهم.
ودخل الغوغاء والمنتهبة دار العامة، فانتهبوا الخزانة التي فيها السلاح، والدروع، والجواشن، والسيوف، والتراس، وغير ذلك، وكان الذين نهبوا ذلك الغوغاء، وأصحاب الحمامات، وغلمان أصحاب الباقلي، وأصحاب الفقاع، فأتاهم بغا الكبير في جماعة فأجلوهم عن الخزانة، وقتلوا منهم عدة، وكثر القتل من الفريقين، وتحرك أهل السجن بسامرأن وهرب منهم جماعة، ثم وضع العطاء على البيعة، وبعث بكتاب البيعة إلى محمد بن عبد اله بن طاهر، فبايع له هووالناس ببغداد.
ذكر ابن مسكويه في كتاب تجارب الأمم أن المستعين أخوالمتوكل لأبيه، وليس هوكذلك، إمنا هوولد أخيه محمد بن المعتصم، والله أعلم.
ذكر عدة حوادثوفيها ورد على المستعين وفاة طاهر بن عبد الله بن طاهر بخراسان في رجب، فعقد المستعين لابنه محمد بن طاهر على خراسان، فلمحمد بن عبد الله بن طاهر على العراق، وجعل إليه الحرمين، والشرطة، ومعاون السواد، وأفرد به.
وفيها مات بغا الكبير، فعقد لابنه موسى على أعمال أبيه كلهأن وولى ديوان البريد.
وفيها وجه أبوجور التركي إلى أبي العمود الثعلبي، فقتله بكفرتوثي لخمس بقين من ربيع الآخر.
وفيها خرج عبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى الحج، فوجه خلفه رسول ينفيه إلى برقة، ويمنعه من الحج.
وفيها أتباع المستعين من المعتز والمؤيد جميع مالهما وأشهدا عليهما القضاة والفقهاء، وكان الشراء باسم الحسن بن المخلد للمستعين، وترك للمعتز ما يتحصل منه في السنة عشرون ألف دينار، وللمؤيد ما يتحصل منه في السنة خمسة آلاف دينار، وجعلا في حجرة في الجوسق، ووكل بهمأن وكان الأتراك حين شغب الغوغاء أرادوا قتلهمأن فمنعهم أحمد بن الخصيب وقال: لا ذنب لهأن ولكن احبسوهمأن فحبسوهما.
وفيها غضب الموالي على أحمد بن الخصيب في جمادى الآخرة، واستصفى ماله ومال ولده، ونفي إلى إقريطش.
وفيها صرف علي بن يحيى الأرمني عن الثغور الشامية، وعقد له على أرمينية وأذربيجان في شهر رمضان.
وفيها شغب أهل حمص على كيدر عاملهم فأخرجوه، فزجه إليهم المستعين الفضل بن قارن، فأخذهم، فقتل منهم خلقاً كثيرأن وحمل منهم مائة من أعيانهم إلى سامرا.
وفيها غزا الصائفة وصيف، وكان مقيماً بالثغر الشامي، فدخل بلاد الروم، فافتتح حصن فرورية.
وفيها عقد المستعين لأتامش على مصر والمغرب، واتخذه وزيراً.
وفيها عقد لبغا الشرابي على حلوان وماسبذان ومهر جانقذق، وجعل المستعين شاهك الخادم على داره وكراعه، وحرمه، وحراسه، وخاص أموره، وقدمه وأتامش على جميع الناس.
وحج بالناس هذه السنة محمد بن سليمان الزينبي.
وفيها حكم محمد بن عمروأيام المنتصر. وخرج بناحية الموصل خارجي، فوجه إليه المنتصر إسحاق بن ثابت الفرغاني، فأسره مع عدة من أصحابه، فقتلوا وصلبوا.
وفيها تحرك يعقوب بن الليث الصفار من سجستان نحوهراة.
وفيها توفي عبد الرحمن بن عدويه أبومحمد الرافعي الزاهد، وكان مستجاب الدعوة، وهومن أهل إفريقية.
وفيها سارت سرية في الأندلس إلى ذي تروجة، وكان المشركون قد تطاولوا إلى ذلك الجانب فلقيتهم السرية، فأصابوا من المشركين، وقتلوا كثيراً منهم.
وفيها كان بصقلية سرايا للمسلمين، فغمنت وعادت، ولم يكن حرب بينهم تذكر.
وفيها توفي أبوكريب محمد بن العلاء الهمذاني الكوفي في جمادى الآخرة، وكان من مشايخ البخاري ومسلم، ومحمد بن حميد الرازي المحدث.
حوادث سنة تسع وأربعين ومائتين

ذكر غزو الروم

وقتل علي بن يحيى الأرمني

في هذه السنة غزا جعفر بن دينار الصائفة، فافتتح حصنأن ومطامير، واستأذنه عمر بن عبيد الله الأقطع في المسير إلى بلاد الروم، فأذن له، فسار في خلق كثير من أهل ملطية، فلقيه الملك ف جمع عظيم من الروم بمرج الأسقف، فحاربه محاربة شديدة قتل فيها من الفريقين خلق كثير.
ثم أحاطت به الروم، وهم خمسون ألفأن وقتل عمر وممن معه ألفان من المسلمين في منتصف رجب، فلما قتل عمر بن عبيد اله خرج الروم إلى الثغور الجزرية، وكلبوا عليها وعلى أموال المسلمين وحرمهم، فبلغ ذلك علي ابن يحيى وهوقافل من أرمينية إلى ميافارقين في جماعة من أهلهأن ومن أهل السلسلة، فنفر إليهم، فقتل في نحومن أربع مائة رجل وذلك في شهر رمضان.
ذكر الفتنة ببغدادوفيها شغب الجند والشاكرية ببغداد، وكان سبب ذلك أن الخبر لما اتصل بهم وبسامرا وما قرب منها بقتل عمر بن عبيد الله وعلي بن يحيى، وكانا من شجعان الإسلام، شديداً بأسهمأن عظيماً غناؤهما عن المسلمين في الثغور، شق ذلك عليهم مع قرب مقتل أحدهما من الآخر، وما لحقهم من استعظامهم قتل الأتراك لمتوكل، واستيلائهم على أمور المسلمين يقتلون من يريدون من الخلفاء، ويستخلفون من أحبوا من غير ديانة، ولا نظر للمسلمين.
فاجتمعت العامة ببغداد الصراخ، والنداء بالنفير، وانضم إليها الأبناء، والشاكرية تظهر أنها تطلب الأرزاق، وكان ذلك أول صفر، فتحوا السجون، وأخرجوا من فيهأن وأحرقوا أحد الجسرين وقطعوا الآخر، وانتهبوا دار بشر وإبراهيم ابني هارون، كاتبي محمد بن عبد الله، ثم أخرج أهل اليسار من بغداد وسامرا أموالاً كثيرة، ففرقوها فيمن نهض إلى الثغور، وأقبلت العامة من نواحي الجبال، وفارس، والأهواز، وغيرها لغزوالروم، فلم يأمر الخليفة في ذلك بشيء ولم يوجه عسكره.
ذكر الفتنة بسامراوفيها في ربيه الأول وثب نفر من الناس لا يدري من هم بسامرأن ففتحوا السجن، وأخرجوا من فيه، فبعث في طلبهم جماعة من الموالي، فوثب العامة بهم فهزموهم، فركب بغا وأتامش ووصيف وعامة الأتراك، فقتلوا من العامة جماعة، فرمي وصيف بحجر، فأمر بإحراق ذلك المكان، وانتهبت المغاربة، ثم سكن ذلك آخر النهار.
ذكر قتل أتامشفي هذه السنة قتل أتامش وكاتبه شجاع؛ وكان سبب ذلك أن المستعين أطلق يد والدته، ويد أتامش، وشاهك الخادم في بيوت الأموال، وباحهم فعل ما أرادوأن فكانت الأموال التي ترد من الآفاق يصير معظمها إلى هؤلاء الثلاثة؛ فأخذ أتامش أكثر ما في بيوت الأموال، وكان في حجره العباس بن المستعين، وكان ما فضل من هؤلاء الثلاثة أخذه أتامش للعباس فصرفه في نفقاته، وكانت الموالي تنظر إلى الأموال تؤخذ وهم في ضيقة، ووصيف وبغا بمعزل من ذلك، فأغريا الموالي بأتامش، وأحكما أمره، فاجتمعت الأتراك والفراعنة عليه، وخرج إليه منهم أهل الدور والكرخ، فعسكروا في ربيع الآخر، وزحفوا إليه وهوفي الجوسق مع المستعين، وبلغه الخبر، فأراد الهرب، فلم يمكنه، واستجار بالمستعين فلم يجره، فأقاموا على ذلك يومين ثم دخلوا الجوسق، وأخذوا أتامش فقتلوه، وقتلوا كاتبه شجاعأن ونهبت دور أتامش، فأخذوا منه أموالاً جمة وغير ذلك.
فلما قتل استوزر المستعين أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد، وعزل الفضل بن مروان عن ديوان الخراج، وولاه عيسى بن فرخانشاه، وولي وصيف الأهواز، وبغا الصغير فلسطين، ثم غضب بغا الصغير على أبي صالح، فهرب إلى بغداد، فاستوزر المستعين محمد بن الفضل الجرجرائي، فجعل على ديوان الرسائل سعيد بن حميد، فقال الحمدوني:
لبس السيف سعيد بعدما ... كان ذا طمرين لا توبة له
إن لله لأيات، وذا ... آية له فينا منزله
ذكر عدة حوادثفيها قتل علي بن الجهم بن بدر الشاعر بقرب حلب، كان توجه إلى الثغر، فلقيه خيل لكلب، فقتلوه واخذوا ما معه، فقال وهوفي السياق:
أزيد في الليل ليل ... أم سال في الصبح سيل
ذكرت أهل دجيل ... وأين مني دجيل
وكان منزله بشارع دجيل.
وفيها عزل جعفر بن عبد الواحد عن القضاء، ووليه جعفر بن محمد ابن عثمان البرجمي الكوفي، وقيل كان ذلك سنة خمسين ومائتين.

وفيها أصاب أهل الري زلزلة شديدة ورجفة هدمت الدور، ومات خلق من أهلهأن وهرب الباقون فنزلوا ظاهر المدينة، وحج بالناس هذه السنة عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام، وهووالي مكة.
وفيها سير محمد، صاحب الأندلس، جيشاً مع ابنه إلى المدينة ألبة والقلاع من بلد الفرنج، فجالت الخيل في ذلك الثغر، وغمنت، وافتتحت بها حصوناً منيعة.
وفيها توفي أبوإبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب، صاحب إفريقية، ثالث عشر ذي القعدة، فلما مات ولى أخوه زيادة الله بن محمد بن الأغلب، فلما ولى زيادة الله أرسل إلى خفاجة بن سفيان، أمير صقلية، يعرفه موت أخيه، وأمره أن يقيم على ولايته.
حوادث سنة خمسين ومائتين

ذكر ظهور يحيى بن عمر الطالبي

ومقتله

في هذه السنة ظهر يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب المكنى بأبي الحسين، عليه السلام، بالكوفة، وكانت أمه فاطمة بنت الحسين بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر ابن أبي طالب، رضي الله عنهم.
وكان سبب ذلك أن أبا الحسين نالته ضيقة، ولزمه دين ضاق به ذرعأن فلقي عمر بن فرج، وهويتولى أمر الطالبيين، عند مقدمه من خراسان، أيام المتوكل، فكلمه في صلته، فأغلظ له عمر القول، وحبسه، فلم يزل محبوساً حتى كفله أهله، فأطلق، فسار إلى بغداد، فأقام بها بحال سيئة، ثم رجع إلى سامرأن فلقي وصيفاً في رزق يجري له، فأغلظ له وصيف وقال: لأي شيء يجري على مثلك.
فانصرف عنه إلى الكوفة، وبها أيوب بن الحسن بن موسى بن جعفر بن سليمان الهاشمي، عامل محمد بن عبد الله بن طاهر، فجمع أبوالحسين جمعاً كثيراً من الأعراب وأهل الكوفة وأتى الفلوجة، فكتب صاحب البريد بخبره إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، فكتب محمد إلى أيوب وعبد الله بن محمود السرخسي، عامله على معاون السواد، يأمرهما بالاجتماع على محاربة يحيى ابن عمر، فمضى يحيى بن عمر إلى بيت مال الكوفة يأخذ الذي فيه، وكان فيما قيل ألفي دينار وسبعين ألف درهم، وأظهر أمره بالكوفة، وفتح السجون واخرج من فيهأن وأخرج العمال عنهأن فلقيه عبد الله بن محمود السرخسي فيمن معه، فضربه يحيى بن عمر ضربة على وجهه أثخنه بهأن فانهزم عبد الله، واخذ أصحاب يحيى ما كان معهم من الدواب والمال.
وخرج يحيى إلى سواد الكوفة، وتبعه جماعة من الزيدية، وجماعة من أهل تلك النواحي إلى ظهر واسط، وأقام بالبستان، فكثر جمعه، فوجه محمد بن عبد الله إلى محاربته الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسين بن مصعب في جمع من أهل النجدة والقوة، فسار إليه، فنزل في وجهه لم يقدم عليه، فسار يحيى والحسين في أثره، حتى نزل الكوفة ولقيه عبد الرحمن ابن الخطاب المعروف بوجه الفلس، قبل دخولهأن فقاتله، وانهزم عبد الرحمن إلى ناحية شاهي، ووافاه الحسين، فنزلا بشاهي.
واجتمعت الزيدية إلى يحيى بن عمر، ودعا بالكوفة إلى الرضي من آل محمد، فاجتمع الناس إليه وأحبوه، وتولاه العامة من أهل بغداد، ولا يعلم أنهم يولون أحداً من بيته سواه، وبايعه جماعة من أهل الكوفة ممن له تدبير وبصيرة في تشيعهم، ودخل فيهم أخلاط لا ديانة لهم.
وأقام الحسين بن إسماعيل بشاهي، واستراح، واتصلت بهم الأمداد، وأقام يحيى بالكوفة يعد العدد، ويصلح السلاح، فأشار عليه جماعة من الزيدية، من لا علم لهم بالحرب، لمعالجة الحسين بن إسماعيل، وألحوا عليه، فزحف إليه ليلة الاثنين عشرة خلت من رجب، ومعه الهيضم العجلي وغيره، ورجالة من أهل الكوفة ليس لهم علم ولا شجاعة، وأسروا ليلتهم، وصبحوا الحسين وهومستريح، فثاروا بهم في الغلس، وحمل عليهم أصحاب الحسين فانهزموأن ووضعوا فيهم السيف، وكان أول أسير الهيضم العجلي، وانهزم رجالة أهل الكوفة، وأكثرهم بغير سلاح، فداستهم الخيل.
وانكشف العسكر عن يحيى بن عمر، وعليه جزشن، قد تقطر به فرسه، فوقف عليه ابن لخالد بن عمران، فقال له: خير، فلم يعرفه، وظنه رجلاً من أهل خراسان لما رأى عليه الجوشن، فأمر رجلأن فنزل إليه، فاخذ رأسه، وعرفه رجل كان معه، وسير الرأس إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، وادعى قتله غير واحد، فسير محمد الرأس إلى المستعين، فنصب بسارما لحظة، ثم حطه، ورده إلى بغداد لينصب بهأن فلم يقدر محمد على ذلك لكثرة من اجتمع من الاس، فخاف أن يأخذوه فم ينصبه، وجعله في صندوق في بيت السلاح.
ووجه الحسين بن إسماعيل برؤوس من قتل، وبالأسرى، فحبسوا ببغداد، وكتب محمد بن عبد الله يسأل العفوعنهم، فأمر بتخليتهم، وأن تدفن الرؤوس ولا تنصب، ففعل ذلك.
ولما وصل الخبر بقتل يحيى جلس محمد بن عبد الله يهنأ بذلك، فدخل عليه داود بن الهيثم أبوهاشم الجعفري، فقال: أيها الأمير! إنك لتهنأ بقتل رجل لوكان رسول الله، صلى اله عليه وسلم، حياً ليعزي به. فما رد عليه محمد شيئأن فخرج داود وهويقول:
يا بني طاهر كلوه وبيئاً ... إن لحم النبي غير مري
إن وتراً يكون طالبه الل ... ه لوتر نجاحه بالحري
وأكثر الشعراء مراثي يحيى لما كان عليه من حسن السيرة والديانة، فمن ذلك قول بعضهم:
بكت الخيل شجوها بعد يحيى ... وبكاه المهند المصقول
وبكته العراق شرقاً وغرباً ... وبكاه الكتاب والتنزيل
والمصلى والبيت والركن والحج ... ر جميعاً له عليه عويل
كيف لم تسقط السماء علينا ... يوم قالوا: أبوالحسين قتيل
وبنات النبي يبدين شجواً ... موجعات دموعهن همول
قطعت وجهه سيوف الأعادي ... بأبي وجهه الوسيم، الجميل
إن يحيى أبقى بقلبي غليلاً ... سوف يودي بالجسم ذاك الغليل
قتله مذكر لقتل علي ... وحسين، ويوم أوذي الرسول
صلوات الإله وقفاً عليهم ... ما بكى موجع وحن ثكول
ذكر ظهور الحسن بن زيد العلويوفيها ظهر الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن زيد بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، بطبرستان. وكان سبب ظهوره أن محمد بن عبد الله بن طاهر لما ظفر بيحيى بن عمر أقطعه المستعين من ضواحي السلطان بطبرستان قطائع منها قطيعة قرب ثغر الديلم، وهما كلار وشالوس، وكان بحذائهما أرض يحتطب منها أهل تلك الناحية، وترعى فيها مواشيهم، ليس لأحد عليها ملك، إمنا هي موات، وهي ذات غياض، وأشجار، وكلأن فوجه محمد بن عبد الله نائبه لحيازة ما أقطع، واسمه جابر بن هارون النصراني، وعامل طبرستان يومئذ سليمان ابن عبد الله بن طاهر بن عبد الله بن طاهر خليفة محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر، وكان الغالب على أمر سليمان محمد بن أوس البلخي، وقد فرق محمد هذا أولاده في مدن طبرستان، وهم أحداث سفهاء، فتأذى بهم الرعية وشكوا منهم، ومن أبيهم، ومن سليمان سوء السيرة.
ثم إن محمد بن أوس دخل بلاد الديلم، وهم مسالمون لأهل طبرستان، فسبى منهم وقتل، فساء ذلك أهل طبرستان، فلما قدم جابر بن هارون لحيازة ما أقطعه محمد بن عبد الله، عمد فحاز فيه ما اتصل به من ارض موات يرتفق بها الناس، وفيها حاز كلار وشالوس.
وكان في تلك الناحية يومئذ أخوان لهما بأس ونجدة يضبطنها ممن رامها من الديلم، مذكوران بإطعام الطعام والإفضال، يقال لأحدهما محمد، وللآخر جعفر، وهما ابنا رستم، فأنكر ما فعل جابر من حيازة الموات، وكانا مطاعين في تلك الناحية، فاستنهضا من أطاعهما لمنع جابر من حيازة ذلك الموات، فخافهما جابر، فهرب منهمأن فلحق بسليمان بن عبد الله، وخاف محمد وجعفر ومن معهما من عامل طبرستان، فراسلوا جيرانهم من الديلم يذكرونهم العهد الذي بينهم ويتعذرون فيما فعله محمد بن أوس بهم من السبي والقتل، فاتفقوا على المعاونة والمساعدة على حرب سليمان بن عبد الله وغيره.

ثم أرسل ابنا رستم ومن وافقهما إلى رجل من الطالبيين اسمه محمد بن إبراهيم، كان بطبرستان، يدعونه إلى البيعة له، فامتنع عليهم، وقال: لكني أدلكم على رجل منا هوأقوم بهذا الأمر مني، فدلهم على الحسن بن زيد، وهوبالري، فوجهوا إليه، عن رسالة محمد بن إبراهيم، يدعونه إلى طبرستان، فشخص إليهأن فأتاهم وقد صارت كلمة الديلم وأهل كلار وشالوس والرويان على بيعته، فبايعوه كلهم، وطردوا عمال ابن أوس عنهم، فلحقوا بسليمان ابن عبد الله، وانضم إلى الحسن بن زيد أيضاً جبال طبرستان كأصمغان، وقادوسيان، وليث بن قتاد، وجماعة من أهل السفح.
ثم تقدم الحسن ومن معه نحومدينة آمل، وهي أقرب المدن إليهم، واقبل ابن أوس من سارية ليدفعه عنهأن فاقتتلوا قتالاً شديدأن وخالف الحسن بن زيد في جماعة إلى آمل فدخلها.
فلما سمع ابن أوس الخبر، وهومشغول بحرب من يقاتله من أصحاب الحسن بن زيد، لم يكن له همة إلا النجاء بنفسه، فهرب، ولحق بسليمان إلى سارية، فلا استولى الحسن على آمل كثر جمعه، وأتاه كل طالب نهب وفتنة، وأقام بآمل أيامأن ثم سار نحوسارية لحرب سليمان بن عبد الله فخرج إليه سليمان، فالتقوا خارج مدينة سارية، ونشبت الحرب بينهم، فسار بعض قواد الحسن نحوسارية فدخلهأن فلما سمع سليمان الخبر انهزم هوومن معه، وترك أهله وعياله وثقله وكل ما له بسارية، واستولى الحسن وأصحابه على ذلك جميعه، فأما الحرم والأولاد فجعلهم الحسن في مركب وسيرهم إلى سليمان بجرجان، وأما المال فكان قد نهب وتفرق.
وقيل إن سليمان انهزم اختياراً لأن الطاهرية كلها كانت تتشيع، فلما أقبل الحسن بن زيد إلى طبرستان تأثم سليمان من قتاله لشدته في التشيع، وقال:
نبئت خيل ابن زيد أقبلت حيناً ... تريدنا لتحسينا الأمرينا
يا قوم إن كانت الأنباء صادقة ... فالويل لي ولجميع الطاهريينا
أما أنا فإذا اصطفت كتائبنا ... أكون من بينهم رأس الموالينا
فالعذر عند رسول الله منبسط ... إذا احتسبت دماء الفاطميينا
فلما التقوا انهزم سليمان؛ فلما اجتمعت طبرستان للحسن وجه إلى الري جنداً مع رجل من أهله، يقال له الحسن بن يزيد أيضأن فملكهأن وطرد عنها عامل الطاهرية، فاستخلف بها رجلاً من العلويين يقال له محمد بن جعفر، وانصرف عنها.
وورد الخبر على المستعين، ومدير أمره يومئذ وصيف، وكاتبه أحمد بن صالح بن شيرزاد، فوجه إسماعيل بن فراشة في جند إلى همذان، وأمره بالمقام بها ليمنع خيل الحسن عنهأن وأما ما عداها فإلى محمد بن عبد الله بن طاهر وعليه الذب عنه.
فلما استقر محمد بن جعفر الطالبي بالري ظهرت أمور كرهها أهل الري، ووجه محمد بن طاهر بن عبد الله قائداً من عنده يقال له محم ين ميكال في جمع من الجند إلى الري، ووهوأخوه الشاه بن ميكال، فالتقى هوومحمد بن جعفر الطالبي خارج الري، فأسر محمد بن جعفر، وانهزم جيشه، ودخل ابن ميكال الري، فأقام بهأن فوجه الحسن بن زيد عسكراً عليه قائد يقال له واجن، فلما صار إلى الري خرج إليه محمد بن ميكال، فالتقوأن فاقتتلوأن فانهزم ابن ميكال، والتجأ إلى الري معتصماً بهأن فاتبعه واجن وأصحابه حتى قتلوه، وصارت الري إلى أصحاب الحسن بن زيد.
فلما كان هذه السنة يوم عرفة ظهر بالري أحمد بن عيسى بن حسين الصغير ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي اله عنه، وإدريس ابن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فصلى أحمد بن عيسى بأهل الري صلاة العيد، ودعا للرضى من آل محمد، فحاربه محمد بن علي بن طاهر فانهزم محمد بن علي وسار إلى قزوين.
ذكر عدة حوادثوفيها غضب المستعين على جعفر بن عبد الواحد لأنه بعث إلى الشاكرية، فزعم وصيف أنه أفسدهم، فنفي إلى البصرة في ربيع الأول.
وفيها أسقطت مرتبة من كانت له مرتبة في دار العامة من بني أمية كأبي الشوارب والعثمانيين، وأخرج الحسن بن الأفشين من الحبس.
وفيها عقد لجعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى المعروف ببشاشات على مكة.

وفيها وثب أهل حمص، وقوم من كلب، بعاملهم، وهوالفضل بن قارن أخومازيار بن قارن، فقتلوه، فوجه المستعين إلى حمص موسى بن بغا في رمضان، فلقيه أهلها فيما بين حمص والرستن، وحاربوه، فهزمهم، وافتتح حمص، وقتل من أهلها مقتلة عظيمة، وأحرقها وأسر جماعة من أهلها الأعيان.
وفيها مات جعفر بن أحمد بن عمار القاضي وأحمد بن عبد الكريم الحوراني التيمي، قاضي البصرة.
وفيها ولي أحمد بن الوزير قضاء سامرا. وفيها وثب الشاكرية والجند بفارس بعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم، فانتبهوا منزله، وقتلوا محمد بن الحسن بن قارن، وهرب عبد الله بن إسحاق.
وفيها وجه محمد بن طاهر بفيلين وأصنام أتي بها من كابل، وحج بالناس جعفر بن الفضل بشاشات، وهووالي مكة.
وفيها توفي زيادة الله بن محمد بن الأغلب، أمير إفريقية، وكانت ولايته سنة واحدة وستة أيام فلما مات ملك بعده ابن أخيه محمد بن أبي إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب.
وفيها توفي محمد بن الفضل الجرجرائي، وزير المتوكل، والفضل بن مروان، وزير المعتصم، وكان موته بسر من رأى؛ والخليع الشاعر الحسين ابن الضحاك، وكان مولده سنة اثنتين وستين ومائة، وهومشهور الأخبار والأشعار.
وفيها توفي الحارث بن مسكين قاضي مصر في ربيع الأول، وهومن ولد أبي بكر الثقفي؛ ونصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي الحافظ.
وفيها توفي أبوحاتم سهل بن محمد السختياني اللغوي، روى عن أبي زيد، والأصمعي، وأبي عبيدة، وقيل توفي سنة خمسين، والله تعالى بالغيب أعلم.
حوادث سنة إحدى وخمسين ومائتين

ذكر قتل باغر التركي

وفي هذه السنة قتل باغر التركي، قتله وصيف وبغا.
وكان سبب ذلك أن باغراً كان أحد قتلة المتوكل، فزيد في أرزاقه، فأقطع قطائع، فكان مما أقطع قرى بسواد الكوفة، فتضمنها رجل من أهل باروسما بألفي دينار، فوثب رجل من أهل تلك الناحية، يقال له ابن مارمة، بوكيل لباغر، وتناوله، فحبس ابن مارمة، وقيد، ثم تخلص، وسار إلى سامرأن فلقي دليل بن يعقوب النصراني، وهويومئذ صاحب أمر بغا الشرابي والحاكم في الدولة، وكان ابن مارمة صديقاً له، وكان باغر أحد قواد بغأن فمنعه دليل من ظلم أحمد بن مارمة، فانتصف له منه، فغضب باغر وباين دليلاً.
وكان باغر شجاعاً يتقيه بغا وغيره، فحضر عند بغا في ذي الحجة من سنة خمسين وهوسكران، وبغا في الحمام، فدخل إليه وقال: من قتل دليلاً يقتل له؛ فقال له بغا: لوأردت ولدي ما منعتك منه. ولكن اصبر. فإن أمور الخلافة بيد دليل، وأقيم غيره، ثم افعل به ما تريد.
وأرسل بغا إلى دليل يأمره ألا يركب، وعرفه الخبر، وأقام في كتابته غيره، وتوهم باغر أنه قد عزله، فسكن بغر، ثم أصلح بينهما بغأن وباغر يتهدده، ولزم باغر خدمه المستعين، فقيل ذلك للمستعين.
فلما كان يوم نوبة بغا في منزله قال المستعين: أي شيء كان إلى إيتاخ من الخدمة؟ فأخبره وصيف، فقال: ينبغي أن تجعل هذه الأعمال إلى باغر. وسمع دليل ذلك، فركب إلى بغا فقال له: أنت في بيتك، وهم في تدبير عزلك، فإذا عزلت قتلت.
فركب بغا إلى دار الخليفة في يومه، وقال لوصيف: أردت أن تعزلني؟ فحلف أنه ما علم ما أراد الخليفة، فتعاقدا على تنحية باغر من الدار والحيلة عليه، فأرجفا له أنه يؤمر، ويخلع عليه، ويكون موضع بغا ووصيف؛ فأحس باغر ومن معه بالشر، فجمع إليه الجماعة الذين كانوا بايعوه على قتل المتوكل، ومعهم غيرهم، فجدد العهد عليهم في قتل المستعين وبغا ووصيف، وقال: نبايع على ابن المعتصم، أوابن الواثق، ويكون الأمر لنا كما هولهذين، فأجابوه إلى ذلك.
وانتهى الخبر إلى المستعين، فبعث إلى بغا ووصيف، وقال لهما: أنتما جعلتماني خليفة، ثم تريدان قتلي؟ فحلفا أنهما ما علما بذلك، فأعلمهما الخبر، فاتفق رأيهم باغر ورجلين من الأتراك معه، وحبسهم، فأحضروا باغراً فأقبل في عدة، فعدل به إلى حمام وحبس فيه.
وبلغ الخبر الأتراك، فوثبوا إلى اصطبل الخليفة، فانتهبوه وركبوا ما فيه، وحصروا الجوسق بالسلاح، فأمر بغا ووصيف بقتل باغر فقتل.
ذكر مسير المستعين إلى بغداد
فلما قتل باغر وانتهى خبر قتله إلى الأتراك المشغبين أقاموا على ما هم عليه، فانحدر المستعين وبغا ووصيف وشاهك الخادم واحمد بن صالح بن شيرزاد ودليل إلى بغداد في حراقة؛ فركب جماعة من قواد الأتراك إلى هؤلاء المشغبين فسألوهم الانصراف، فلم يفعلوأن فلا علموا بانحدار المستعين وبغا ووصيف ندموأن ثم قصدوا دار دليل، ودور أهله وجيرانه، فنهبوهأن حتى صاروا إلى أخذ الخشب وعليق الدواب؛ فلما قدموا بغداد مرض ابن مارمة، فعاده دليل وقال له: ما سبب علتك؟ قال: انتقض عقر القيد؛ فقال دليل: لئن عقرك القيد لقد نقضت الخلافة، وبغيت الفتنة؛ ومات ابن مارمة في تلك الأيام، وقال بعض الشعراء في ذلك:
لعمري لئن قتلوا باغراً ... لقد هاج باغر حرباً طحوناً
وفر الخليفة والقائدا ... ن بالليل يلتمسان السفينا
وصاحوا بميسان ملاحهم، ... فوافاهم يسبق الناظرينا
فألزمهم بطن حراقة ... وصوت مجاذيفهم سائرينا
وما كان ثدر ابن مارمة ... فتكسب فيه الحروب الديونا
ولكن دليل سعى سية ... فأخزى الإله بها العالمينا
فحل ببغداد قبل الشروق ... فحل بها منه ما يكرهونا
فليت السفينة لم تأتنا ... وغرقها الله والراكبينا
وأقبلت الترك والمعربون ... وجاء الفراغنة الدارعينا
تسير كراديسهم في السلاح ... يرجون خيلاص ورجلاً بنينا
فقام بحربهم عالم ... بأمر الحروب تولاه حينا
فجدد سوراً على الجانبي ... ن حتى أطاحهم أجمعينا
وأحكم أبوابها المصمتات ... تفت النفوس وتحمي العرينا
ومنع الأتراك الناس من الانحدار إلى بغداد، وأخذوا ملاحاً قد أكرى سفينته، فضربوه، وصلبوه على دقلهأن فامتنع أصحاب السفن من الانحدار إلا سراً. وكان وصول المستعين إلى بغداد لخمس خلون من المحرم من هذه السنة، فنزل على محمد بن عبد الله بن طاهر في داره، ثم وافى بغداد القواد، سوى جعفر الخياط، وسليمان بن يحيى بن معاذ، وقدمها جلة الكتاب والعمال وبني هاشم، وجماعة من أصحاب بغا ووصيف.
ذكر البيعة للمعتز باللهوفي هذه السنة بويع للمعتز بالله، وكان سبب البيعة أنه لما استقر المستعين ببغداد أتاه ماعة من قواد الأتراك المشغبين، فدخلوا عليه، وألقوا أنفسهم بين يديه، وجعلوا مناطقهم في أعناقهم تذللاً وخضوعأن وسألوه الصفح عنهم والرضا.
قال لهم: أنتم أهل بغي وفساد، واستقلال للنعم، ألم ترفعوا إليّ في أولادكم فألحقهم بكم، وهم نحومن ألفي غلام، وفي بناتكم فأمرت بتصييرهن في عداد المتزوجات، وهن نحومن أربعة آلاف، وغير ذلك كله أجبتكم إليه، وأدررت عليكم الأرزاق، فعملتم آنية الذهب والفضة، ومنعت نفسي لذتها وشهوتها إرادة لصلاحكم ورضاكم، وأنتم تزدادون بغياً وفساداً؛ فعادوا وتضرعوأن وسألوه العفو، فقال المستعين: قد عفوت عنكم ورضيت.
فقال له أحدهم واسمه بابي بك: فإن كنت قد رضيت فقم فاركب معنا إلى سامرأن فإن الأتراك ينتظرونك. فأمر محمد بن عبد الله بعض أصحابه فقام إليه فضربه! وقال محمد: هكذا يقال لأمير المؤمنين قم فاركب معنا! فضحك المستعين وقال: قوم عجم لا يعرفون حدود الكلام؛ وقال لهم المستعين: ترجعون إلى سامرأن فإن أرزاقكم دارة عليكم، وأنظر أنا في أمري. فانصرفوا آيسين منه، وأغضبهم ما كان من محمد بن عبد الله إلى بابي بك، وأخبروا من وراءهم خبرهم، وزادوأن وحرفوا تحريضاً لهم على خلعه، فاجتمع رأيهم على إخراج المعتز، وكان هووالمؤيد في حبس الجوسق، وعليهما من يحفظهمأن فأخرجوا المعتز من الحبس، وأخذوا من شعره، وكان قد كثر، وبايعوا له بالخلافة، وأمر للناس برزق عشرة أشهر للبيعة، فلم يتم المال، فأعطوا شهرين لقلة المال عندهم.

وكان المستعين خلف بيت المال بسامرا فيه نحوخمس مائة ألف دينار، وفي بيت مال أم المستعين قيمة ألف ألف دينار، وفي بيت مال العباس قيمة ستمائة ألف دينار. وكان فيمن أحضر للبيعة أبوأحمد بن الرشيد وبه نقرس، في محقة محمولأن فأمر بالبيعة فامتنع، وقال للمعتز: خرجت إلينا طائعأن فخلعتها ووزعمت أنك لا تقوم بها؛ فقال المعتز: أكرهت على ذلك، وخفت السيف. فقال أبوأحمد: ما علمنا أنك أكرهت، وقد بايعنا هذا الرجل، فنريد أن تطلق نساءنأن وتخرج عن أموالنأن ولا ندري ما يكون إن تركتني على أمري حتى يجتمع الناس، وإلا فهذا السيف. فتركه المعتز.
وكان ممن بايع إبراهيم الديرج، وعتاب بن عتاب، فأما عتاب فهرب إلى بغداد، وأما عتاب فهرب إلى بغداد، وأما الديرج فأقر على الشرط، واستعمل على الدواوين وبيت المال والكتابة وغير ذلك.
ولما اتصل بمحمد بن عبد الله خبر بيعة المعتز وتوجيه العمال أمر بقطع الميرة عن أهل سامرأن وكتب إلى مالك بن طوق في المسير إلى بغداد هووأهل بيته وجنده، وكتب إلى نجوبة بن قيس وهوعلى الأنبار في الاحتشاد والجمع، وإلى سليمان ين عمران الموصلي في منع السفن والميرة عن سامرأن فأخذت سفينة بغداد فيها أرز وغيره، فهرب الملاح وبقيت السفينة حتى غرقت.
وأمر المستعين محمد بن عبد الله بتحصين بغداد، فتقدم في ذلك، فأدير عليها السور من دجلة من باب الشماسية إلى سوق الثلاثاء، حتى أورده دجلة، وأمر حفر الخنادق من الجانبين جميعأن وجعل على كل باب قائدأن فبلغت النفقة على ذلك جميعه ثلاثمائة ألف وثلاثين ألف دينار؛ ونصب على الأبواب المنجنيقات والعرادات وشحن الأسوار، وفرض فرضاً للعيارين وجعل عليهم عريفاً اسمه يبنونه، وعمل لهم تراساً من البواري المقيرة، وأعطاهم المخالي ليجعلوا فيها الحجارة للرمي، وفرض أيضاً لقوم من خراسان قدموا حجاجاً فسئلوا المعونة فأعانوا.
وكتب المستعين إلى عمال الخراج بكل بلدة أن يكون حملهم الخراج والأموال إلى بغداد، لا يحمل منها إلى سامرا شيء، وكتب إلى الأتراك، والجند الذين بسامرا شيء، وكتب إلى الأتراك، والجند الذين بسامرأن يأمرهم بنقض بيعة المعتز، ومراجعة الوفاء له، ويذكرهم أياديه عندهم، وينهاهم عن المعصية والنكث.
ثم جرت بين المعتز ومحمد بن عبد الله مكاتبات ومراسلات يدعوالمعتز محمداً إلى المبايعة ويذكره ما كان المتوكل أخذ له عليه من البيعة بعد المنتصر، ومحمد يدعوالمعتز إلى الرجوع إلى طاعة المستعين، واحتج كل واحد منهما على صاحبه.
وأمر محمد بكسر القناطر، وشق المياه بسطوح الأنبار وبادوريا ليقطع الأتراك عن الأنبار، وكتب المستعين والمعتز إلى موسى بن بغأن كل واحد منهما يدعوه إلى نفسه، وكان بأطراف الشام، كان خرج لقتال أهل حمص، فانصرف إلى المعتز، وصار معه، وقدم عبد الله بن بغا الصغير من سامرا إلى المستعين، وكان قد تلف بعد أبيه، فاعتذر، وقال لأبيه: إمنا قدمت لأموت تحت ركابك. فأقام ببغداد أيامأن ثم هرب إلى سامرأن فاعتذر إلى المعتز، وقال: إمنا سرت إلى بغداد لأعلم أخبارهم وآتيك بها. فقبله المعتز، ورده إلى خدمته.
وورد الحسن بن الأفشين بغداد، فخلع عليه المستعين، وضم إليه جميعاً من الأشروسنية وغيرهم.
ذكر حصار المستعين ببغدادثم إن المعتز عقد لأخيه أبي احمد بن المتوكل، وهوالموفق، لسبع بقين من المحرم، على حرب المستعين، ومحمد بن عبد الله، وولاه ذلك، وضم إليه الجيش، وجعل إليه الأمور كلهأن وجعل التدبير إلى كلباتكين التركي، فسار في خمسين ألفاً من الأتراك والفراعنة، وألفين من المغاربة فلما بلغ عكبرا صلى بهأن وخطب للمعتز، وكتب بذلك إلى المعتز، فذكر أهل عكبرا أنهم كانوا على خوف شديد من مسير محمد بن عبد الله إليهم، ومحاربتهم، فانتهبوا القرى ما بين عكبرا وبغداد، فخربت الضياع، واخذ الناس في الطريق.
ولما وصل أبوأحمد إلى عكبرا هرب إليه جماعة كبيرة من أصحاب بغا الصغير، ووصل أبوأحمد وعسكره باب الشماسية لسبع خلون من صفر، فقال بعض البصريين، يعرف بباذنجانة:
يا بني طاهر أتتكم جنود ال ... له والموت بينها مشهور
وجيوش إمامهم أبوأح ... مد نعم المولى ونعم النصير

ولما نزل أبوأحمد بباب الشماسية ولى المستعين باب الشماسية الحسين ابن إسماعيل، وجعل من هناك من القواد تحت بده، فلم يزل هناك مدة الحرب إلى أن ساروا إلى الأنبار؛ فلما كان عاشر صفر وافت طلائع الأتراك إلى باب الشماسية، فوقفوا بالقرب منه، فوجه محمد بن عبد الله الحسين بن إسماعيل، والشاه بن ميكال، وبندار الطبري، فيمن معهم، وعزم على الركوب لقتالهم، فأتاه الشاه فأعلمه أن الأتراك لما عاينوا الأعلام والرايات قد أقبلت نحوهم رجعوا إلى معسكرهم، فترك محمد الركوب.
فلما كان الغد عزم محمد على توجيه الجيوش إلى القفص ليعرضهم هناك، وليرهب الأتراك، وركب ومعه وصيف وبغا في الدروع، ومضى معه الفقهاء والقضاة، وبعث إليهم يدعوهم إلى الرجوع عما هم عليه من الطغيان والعصيان، ويبذل هم الأمان على أن يكون المعتز ولي العهد بعد المستعين، فلم يجيبوأن ومضى نحوباب قطربل، فنزل على شاطئ دجلة هوووصيف وبغأن ولم يمكنه التقدم لكثرة الناس فانصرف.
فلما كان من الغد أتاه رسل وجه الفلس، وغيره من القواد، يعلمونه أن الترك قد دنوأن وضربوا مضربهم برقة الشماسية، وأرسل إليهم: لا تبدأوهم بقتال، وإن قاتلوكم فلا تقاتلوهم، وادفعوهم اليوم؛ فوافى باب الشماسية منهم اثنا عشر فارساً فرموا بالسهام، ولم يقاتلهم أحد، فلما طال مقامهم رماهم المنجنيقي بحجر، فقتل منهم رجلأن فأخذوه ورجعوا.
وقدم عبيد الله بن سليمان خليفة وصيف التركي من مكة في ثلاثمائة رجل، فخلع عليه محمد بن عبد الله، ووافى الأتراك في هذا اليوم باب الشماسية، فخرج الحسين بن إسماعيل ومن معه من القواد لمحاربتهم، فاقتتلوا وقتل من الفريقين، وجرح، وكانوا في القتلى والجرحى على السواء، وانهزم أهل بغداد، وثبت أصحاب الواري ثم انصرفوأن وأحضر الأتراك منجنيقاً فغلبهم عليه العامة، فأخذوه.
ثم سار جماعة من الأتراك إلى ناحية النهروان، فوجه محمد بن عبد الله قائدين من أصحابه في جماعة، وأمرهما بالمقام بتلك الناحية، وحفظها من الأتراك، فسار إليهم الأتراك، فقاتلوهم، فانهزم أصحاب محمد إلى بغداد، وأخذت دوابهم، فدخلوا بغداد منهزمين، وجه الارك برؤوس القتلى إلى سامرأن واستولوا على طريق خراسان، وانقطع الطريق عن بغداد.
ووجه المعتز عسكراً في الجانب الغربي فساروا إلى بغداد، وجازوا قطربل، فضربوا عسكرهم هناك، وذلك لاثنتي عشرة خلت من صفر؛ فلما كان من الغد وجه محمد بن عبد الله عسكراً إليهم، فلقيهم الشاه بن ميكال، فتحاربوأن فانهزم أصحاب المعتز، خرج عليهم كمين لمحمد بن عبد الله، فانهزموا ووضع أصحاب محمد فيهم السيف، فقتلوهم أكثر قتل، ولم يفلت منهم إلا القليل، ونهب عسكرهم جميعه، ومن سلم من القتل ألقى نفسه في دجلة ليعبر إلى عسكر أبي أحمد، فأخذه أصحاب السفن، وحملوا الأسرى والرؤوس في الزواريق، فنصب بعضها ببغداد.
وأمر محمد لمن أبلى في هذا اليوم بالأسورة، والخلع، والأموال، وطلبت المنهزمة، فبلغ بعضهم أوانأن وبعضهم بلغ سامرأن وكان عسكر المعتز أربعة آلاف، فقتل منهم ألفان، وغرق منهم جماعة، وأسر جماعة، فخلع محمد على جميع القواد، على كل قائد أربع خلع، وطوقاً وسواراً من ذهب، وكان عود أهل بغداد عنهم مع المغرب، وكان أكثر العمل في هذا اليوم للعيارين.
وركب محمد بن عبد الله بن طاهر لأثنتي عشرة بقيت من صفر إلى الشماسية، فأمر بهدم ما وراء سورها من الدور، والحوانيت، والبساتين، من باب الشماسية إلى ثلاثة أبواب، ليتسع على من يحارب.
وقدم مال من فارس والأهواز مع منكجور الاشروسني، فوجه أبوأحمد الأتراك لأخذه، فوجه محمد بن عبد الله جماعة لحفظ المال، فعدلوا بع عن الأتراك، فقدموا به بغداد، فلما علم الأتراك بذلك عدلوا نحوالنهروان، فقتلوا واحرقوا سفن اجسر، وهي عشرون سفينة، ورجعوا إلى سامرا.

وقدم محمد بن خالد بن يزيد بن مزيد، وكان المستعين قلده إمرة الثغور الجزرية، كان بمدينة بلد ينتظر الجنود وأمال ليسير إلى الثغور، فلما كان من أمر المستعين والأتراك ما ذكرنأن سار من بلد إلى بغداد على طريق الرقة في أصحابه وخاصته، وهم زهاء أربع مائة، فخلع عليه محمد بن عبد الله خمس خلع، ثم وجهه في جيش كثيف لمحاربة أيوب بن أحمد، فأخذ على طريق الفرات، فحاربه في نفر يسير، فهزم محمد وصار إلى ضيعته بالسواد، فلما سمع محمد بهزيمته قال: لا يفلح أحد من العرب إلا أن يكون معه نبي ينصره الله به.
وكانت للأتراك وقعة بباب الشماسية، فقاتلوا عليه قتالاً شديدأن حتى كشفوا من عليه ورموا ه المنجنيق بالنار والنفط، فلم يحرقه، ثم كثر الجند على الباب، فأزالهم عن موقفهم بعد قتلى وجرحى؛ ووجه محمد العرادات في السفن فرموهم بها رمياً شديدأن فقتلوا منهم نحومائة؛ وكان بعض المغاربة قد صار إلى السور، فرمى بكلاب، فتعلق به، فأخذه الموكلون بالسور ورفعوه فقتلوه، وألقوا رأسه إلى الأتراك، فرجعوا إلى معسكرهم.
وأراد بعض الموكلين بالسور أن يصيح: يا مستعين، يا منصور، فصاح: يا معتز، يا منصور، فظنوه من المغاربة فقتلوه.
وتقدم الأتراك، في بعض الأيام، إلى باب الشماسية، فرمي الدرغمان، مقدم المغاربة، بحجر منجنيق فقتله، وكان شجاعأن وكان بعض المغاربة يجيء فيكشف أسته، ويصيح، ويضرط، ثم يرجع، فرماه بعض أصحاب محمد، بسهم في دبره، فجرح من خلفه فخر ميتاً.
واجتمعت العامة بسامرا ونهبوا سوقي الجوهريين والصيارفة وغيرهمأن فشكا التجار ذلك إلى إبراهيم المؤيد، فقال لهم: كان ينبغي أن تحولوا متاعكم إلى منازلكم. ولم يصنع شيئأن ولا أنكر ذلك.
وقدم لثمان بقين من صفر جماعة من أهل الثغور يشكون بلكاجور، ويزعمون أن بيعة المعتز وردت عليه، فدعا الناس إلى بيعته، واخذ الناس بذلك، فمن امتنع ضربه وحبسه، وأنهم امتنعوا وهربوأن فقال وصيف: ما أظنه إلا ظن أن المستعين مات وقام المعتز، فقالوا: ما فعله إلا عن عمد؛ فورد كتاب بلكاجور لأربع بقين من صفر يذكر أنه كان بايع المعتز، فلما ورد كتاب المستعين بصحة الأمر جدد له البيعة، وأنه على السمع والطاعة، فأراد موسى بن بغا أن يسير إلى المستعين، فامتنع أصحابه الأتراك من موافقته على ذلك، وحاربوه، فقتل بينهم قتلى.
وقدم من البصرة عشر سفائن بحرية، في كل سفينة خمسة وأربعون رجلاً ما بين نفاط وغيره، فمرت إلى ناحية الشماسية، فرمى من فيها بالنيران إلى عسكر أبي أحمد، فانتقلوا إلى موضع لا ينالهم شيء من النار.
ولليلة بقيت من صفر تقدم الأتراك إلى أبواب بغداد، فقاتلوا عليهأن فقتل من الفريقين جماعة كثيرة، ودام القتال إلى العصر.
وفي ربيع الأول محمد بن عبد الله كافركونات وفرقها على العيارين، فخرجوا بها إلى أبواب بغداد، وقتلوا من الأتراك نحواً من خمسين رجلأن ولأربع عشرة خلت من ربيع الأول قدم مزاحم بن خاقان من ناحية الرقة، فتلقاه الناس ومعه زهاء ألف رجل، فلما وصل خلع عليه سبع خلع، وقلد سيفاً.
ووجه المعتز عسكراً يبلغون ثلاثة آلاف، فعسكروا بإزاء عسكر أبيأحمد بباب قطربل، وركب محمد بن عبد الله في عسكره، وخرج من النظارة خلق كثير، فحاذى عسكر أبي أحمد، فكانت بينهم في الماء جولة، وقتل من أصحاب أبي أحمد أكثر من خمسين رجلأن ومضى النظارة فجازوا العسكر بنصف فرسخ، فعبرت إليهم سفن لأبي أحمد، فنالت منهم، ورجع محمد بن عبد الله، وأمر ابن أبي عون برد الناس، فأمرهم بالعود، فاغلظوا له، فشتمهم وشتموه، وضرب رجلاً منهم فقتله، فحملت عليه العامة، فانكشف من بين أيديهم، فأخذ أصحاب أبي أحمد أربع سفائن، وأحرقوا سفينة فيها عرادة لأهل بغداد.
وسار العامة إلى دار ابن أبي عون لينهبوهأن وقالوا مايل الأتراك، فانهزم أصحابه، وكلموا محمداً في صرفه، ومنعهم من أخذ ماله.

ولإحدى عشرة خلت من ربيع الأول وصل عسكر المعتز الذي سيره إلى مقابل عسكر أخيه أبي أحمد عند عكبرأن فأخرج إليهم ابن طاهر عسكرأن فمضوا حتى بلغوا قطربل وبها كمين الأتراك، فأوقع بهم، ونشبت الحرب بينهم، وقتل بينهم جماعة، واندفع أصحاب محمد قليلاً إلى باب قطربل، والأتراك معهم، فخرج الناس إليهم، فدفعوا الأتراك حتى نحوهم، ثم رجعوا إلى أهل بغداد فقتلوا منهم خلقاً كثيرأن وقتل من الأتراك أيضاً خلق كثير، ثم تقدم الأتراك إلى باب القطيعة، فنقبوا السور، فقتل أهل بغداد أول خارج منه، وكان القتل ذلك اليوم أكثره في الأتراك، والجراح بالسهام في أهل بغداد.
وندب عبد الله بن عبد الله بن طاهر الناس، فخرجوا معه، وأمر الموكل بباب قطربل ألا يدع منهمزماً يدخله، ونشبت الحرب، فانهزم أصحاب عبد الله، وثبت أسد بن داود حتى قتل، وكان إغلاق الباب على المنهزمين أشد من الأتراك، فأخذوا منهم الأسرى، وقتلوا فأكثروأن وحملوا الأسرى والرؤوس إلى سامرأن فلما قربوا منها غطوا رؤوس الأسرى، فلما رآهم أهل سامرا بكوا وضجوأن وارتفعت أصواتهم، وأصوات نسائهم، فبلغ ذلك المعتز فكره أن تغلظ قلوب الناس عليه، فأمر لكل أسير بدينار، وأمر بالرؤوس فدفنت.
وقدم أبوالساج من طريق مكة لأربع بقين من ربيع الأول، فخلع عليه؛ وفي سلخ ربيع الأول جاء نفر من الأتراك إلى باب الشماسية، ومعهم كتاب من المعتز إلى محمد بن عبد الله، فاستأذنه أصحابه في أخذه، فأذن لهم، فإذا فيه تذكير محمد بما يجب عليه من حفظ العهد القديم، وأن الواجب كان عله أن يكون أول أول من يسعى في أمره ويؤكد خلافته. فما رد عليه محمد جواب الكتاب، وكانت وقعة بينهم لسبع خلون من ربيع الآخر، قتل من الأتراك سبع مائة ون أصحاب محمد ثلاثمائة.
وفي منتصف ربيع الآخر أمر أبوالساج، وعلي بن فراشة، وعلي بن حفص، بالمسير إلى المدائن، فقال أبوالساج لمحمد بن عبد الله: إن كنت تريد الجد مع هؤلاء القوم فلا تفرق قوادك، واجمعهم، حتى تهزم هذا العسكر المقيم بإزائك، فإذا فرغت منهم فما أقدرك على من بعدهم؛ فقال: إن لي تدبيرأن ويكفي اله إن شاء الله؛ فقال أبوالساج: السمع والطاعة وسار إلى المدائن وحفر خندقهأن وأمده محمد بثلاثة آلاف فارس وألفي راجل، وكتب المعتز إلى أخيه أبي أحمد يلومه لتقصير في قتال أهل بغداد، فكتب إليه في الجواب:
لأمر المنايا علينا طريق ... وللدهر فينا اتساع وضيق
وأيامنا عبرة للأنام ... فمنها البكور ومنها الطروق
ومنها هنات تشيب الوليد ... ويخذل فيها الصديق الصدوق
وفتنة دين لها ذروة ... تفوق العيون، وبحر عميق
قتال متين وسيف عتيد ... وخوف شديد، وحصن وثيق
وطول صياح لداعي الصباح ال ... سلاح السلاح فما يستفيق
فهذا طريح وهذا جريح ... وهذا حريق وهذا غريق
وهذا قتيل وهذا تليل ... وآخر يشدخه المنجنيق
هناك اغتصاب وثم انتهاب ... ودور خراب وكانت تروق
إذا ما شرعنا إلى مسلك ... وجدناه قد سد عنا الطريق
فيا لله نبلغ ما نرتجي ... وبالله ندفع ما لا نطيق
وهذه الأبيات لعلي بن أمية في فتنة الأمين والمأمون.
ذكر حال الأنباروسير محمد بن عبد اله إلى الأنبار نجومة بن قيس، فأقام بهأن وجمع بها نحواً من ألفي رجل، وأمده محمد بن عبد الله بألف وخمس ومائة، وشق الماء من الفرات إلى خندقهأن ففاض على الصحارى، فصار بطيحة واحدة وقطع القناطر، وسير المعتز جنداً مع علي الإسحاقي نحوالأنبار، فوصلوا ساعة وصلها مدد محمد وقد نزلوا ظاهرهأن فاقتتلوا أشد قتال، فانهزم مدد محمد بن عبد الله، ورجعوا في الطريق الذي جاءوا فيه إلى بغداد.

وكان نجوبة بالأنبار لم يخرج منهأن فلما بلغه هزيمة مدده، ومسير الأتراك إليه، عبر إلى الجانب الغربي، وقطع الجسر وسار نحوبغداد، فاختار محمد ابن عبد الله إنفاذ الحسين بن إسماعيل بن إبراهيم إلى الأنبار في جماعة من القواد والجند، فجهزهم، وأخرج لهم رزق أربعة أشهر، وخرج الجند، وعرضهم الحسين، وسار عن بغداد يوم الخميس لسبع بقين من جمادى الأولى، وتبعه الناس، والقواد، وبنوهاشم إلى الياسرية.
وكان أهل الأنبار لما دخلها الأتراك قد أمنوهم، ففتحوا دكاكينهم، وأسواقهم، ووافاهم سفن من الرقة تحمل الدقيق والزيت وغير ذلك، فانتهبها الأتراك وحملوها إلى منازلهم بسامرأن ووجهوا بالأسرى وبالرؤوس معها.
وسار الحسين حتى نزل دممأن ووافته طلائع الأتراك فوق دممأن فصف أصحابه مقابل الأتراك، بينهما نهر، وكان عسكره عشرة آلاف رجل، وكان الأتراك فوق دممأن فصف أصحابه؛ وكان الأتراك زهاء ألف رجل، فتراموا بالسهام، فجرح بينهم عدد، وعاد الأتراك إلى الأنبار، وتقدم الحسين فنزل بمكان يعرف بالقطيعة، واسع يحمل العسكر، فأقام فيه يومه، ثم عزم على الرحيل إلى قرب الأنبار، فأشار عليه القواد أن ينزل عسكره بهذا المكان بالقطيعة لسعته وحصانته، ويسير هووجنده جريدة، فإن كان الأمر له كان قادراً على نقل عسكره، وإن كان عليه رجع إلى عسكره وعاود عدوه، فلم يقبل منهم وسار من مكانه.
فلما بلغ المكان الذي يريد النزول به أمر الناس بالنزول، فأتت الأتراك جواسيسهم، وأعلموهم بمسيره وضيق مكانه، فأتاهم الأتراك والناس يحطون أثقالهم، فثار أهل العسكر وقاتلوهم فقتل بينهم قتلى من الفريقين، وحمل أصحاب الحسين عليهم فكشفوهم، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وغرق منهم خلق كثير. وكان الأتراك قد كمنوا لهم كمينأن فخرج الكمين على بقية العسكر، فلم يكن لهم ملجأ إلا الفرات، وغرق من أصحابه خلق كثير، وقتل جماعة وأسر جماعة.
وأما الفرسان فهربوا لا يلوون على شيء، والقواد ينادونهم: الرجعة، فلم يرجع أحد، فخافوا على نفوسهم، فرجعوا يحمون أصحابهم، وأخذ الأتراك عسكر الحسين بما فيه من الأموال والخلع التي كانت معه، وسلم ما كان معه من سلاح في السفن، لأن الملاحين حذروا السفن، فسلم ما معهم من سلاح وغير ذلك، ووصل المنهزمون إلى الياسرية لست خلون من جمادى الآخرة، ولقي الحسين رجل من التجار ممن ذهبت أموالهم، فقال: الحمد لله الذي بيض وجهك، أصعدت في اثني عشر يومأن وانصرفت في يوم أحد! فتغافل عنه.
ولما اتصل خبر الهزيمة بمحمد بن عبد الله بن طاهر منع المنهزمين من دخول بغداد، ونادى: من وجدناه ببغداد من عسكر الحسين، بعد ثلاثة أيام، ضرب ثلاثمائة سوط، وأسقط من الديوان؛ فخرج الناس إلى الحسين بالياسرية، وأخرج إليهم ابن عبد الله جنداً آخر، وأعطاهم الأرزاق، وأمر بعض الناس ليعلم من قتل، ومن غرق، ومن سلم، ففعلوا ذلك.
وأتاهم كتاب بعض عيونهم من الأنبار يخبرهم أن القتلى كانت من الترك أكثر من مائتين، والجرحى نحوأربع مائة، وأن جميع من أسره الأتراك مائتان وعشرون رجلأن وأنه عد رؤوس القتلى فكانت سبعين رأسأن وكانوا أخذوا جماعة من أهل الأسواق فأطلقوهم؛ فرحل الحسين لأثنتي عشرة بقيت من جمادى الآخرة، وسار حتى عبر نهر أربق، فلما كان السبت لثمان خلون من رجب أتاه إنسان فأعلمه أن الأتراك يريدون العبور إليه في عدة مخاضات، فضربه، ووكل بمواضع المخاض رجلاً من قواده يقال له الحسين ابن علي بن يحيى الأرمني في مائتي رجل، فأتى الأتراك المخاضة، فرأوا الموكل بهأن فتركوها إلى مخاضة أخرى، فقاتلوهم، وصبر الحسين بن عي وبعث إلى الحسين بن إسماعيل أن الأتراك قد وافوا المخاضو، فقيل للرسول: الأمير نائم، فأرسل آخر، فقيل له: الأمير في المخرج، فأرسل آخر، فقيل له: الأمير قد عاد فنام، فعبر الأتراك، فقعد الحسين بن علي في زورق وانحدر، وهرب أصحابه منهزمين، وقتل الأتراك منهم وأسروا نحومائتين، وانحدرت عامة السفن فسلمت، وضع الأتراك السيف، وغرق خلق كثير من الناس، فوصل المنهزمون بغداد نصف الليل، ووافى بقيتهم في النهار، واستولى الأتراك على أثقالهم وأموالهم، وقتل عدة من قواد الحسين، فقال الهندواني في الحسين:
يا أحزم الناس راياً في تخلفه ... عن القتال خلطت الصفوبالكدر


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohammed.mansy@yahoo.com متصل
محمد منسى
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 19288
العمر : 39
الموقع : منتديات ابو ريوف
تاريخ التسجيل : 26/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الإثنين 3 ديسمبر 2018 - 17:48


لما رأيت سيوف الترك مصلتة ... علمت ما في سيوف الترك من قدر
فصرت مضجراً ذلاً ومنقصة ... والنجع يذهب بين العجز والضجر
ولحق فيها جماعة من الكتاب والقواد وبني هاشم بالمعتز، فمن بني هاشم علي ومحمد ابنا الواثق وغيرهما، ثم كانت بينهم عدة وقعات، وقتل فيها من الفريقين جماعة، ودخل الأتراك في بعض تلك الحروب إلى بغداد، ثم تكاثر الناس عليهم فأخرجوهم منها.
وجرى بين أبي الساج وجماعة من الأتراك وقعة فهزمهم أبوالساج، ثم واقعوا أخرى فتخلى عنه بعض أصحابه فانهزم، ودخل الأتراك المدائن؛ وخرجت الأتراك الذين بالأنبار في سواد بغداد من الجانب الغربي، حتى بلغوا صرصر وقصر ابن هبيرة.
وفي ذي القعدة كانت وقعة عظيمة، خرج محمد بن عبد الله بن طاهر في جميع القواد والعسكر، ونصب له قبة وجلس فيهأن واقتتل الناس قتالاً شديدأن فانهزمت الأتراك، ودخل أهل بغداد عسكرهم، وقتلوا منهم خلقاً كثيرأن وهربوا على وجوههم لا يلوون على شيء، فكلما جيء برأس يقول بغا: ذهبت الموالي، وساء ذلك من مع بغا ووصيف من الأتراك.
ووقف أبوأحمد بن المتوكل يرد الأتراك، ويخبرهم أنهم إن لم يرجعوا لم يبق لهم بقية، وتبعهم أهل بغداد إلى سامرأن فتراجعوا إليه، وإن بعض أهل بغداد رجعوا عن المنهزمين، فرأى أصحابهم أعلامهم، فظنوها أعلام الأتراك قد عادت، فانهزموا نحوبغداد مزدحمين، وتراجع الأتراك إلى عسكرهم، ولما علموا بهزيمة أهل بغداد، فتحملوا عليهم.
وفي ذي الحجة وجه أبوأحمد خمس سفائن مملوءة طعاماً ودقيقاً إلى ابن طاهر؛ وفي ذي الحجة علم الناس بما عليه ابن طاهر من خلع المستعين والبيعة للمعتز، ووجه قواده إلى أبي أحمد، فبايعوه للمعتز، وكانت العامة تظن أن الصلح جرى على أن الخليفة المستعين والمعتز ولي عهده.
وفي ذي الحجة أيضاً خرج رشيد بن كاوس أخوالأفشين، وكان موكلاً بباب السلامة، إلى الأتراك، وسار معهم إلى أبي أحمد، ثم عاد إلى أبواب بغداد يقول للناس: إن أمير المؤمنين المعتز، وأبا أحمد يقرآن عليكم السلام، ويقولان: من أطاعنا وصلناه، ومن أبى فهوأعلم.
فشتمه الناس، وعلموا بما عليه محمد بن عبد الله بن طاهر، فعبرت العامة إلى الجزيرة التي حذاء داره، فشتموه أقبح شتم، ثم ساروا إلى باب داره ففعلوا به مثل ذلك، وقاتلوه من على بابه حتى كشفوهم، ودخلوا دهليز داره، وأرادوا إحراق داره فلم يجدوا نارأن وبات منهم بالجزيرة جماعة يشتمونه وهويسمع، فلما ذكروا اسم أمه ضحك وقال: ما أدري كيف عرفوه وقد كان أكثر جواري أبي لا يعرفون اسمها. فما كان الغد فعلوا مثل ذلك، فسار محمد إلى المستعين وسأله أن يطلع إليهم ويسكنهم، ففعل، وقال لهم: أن محمداً لم يخلع ولم أتهمه، وعدهم أن يصلي بهم الجمعة، فانصرفوا.
ثم ترددت الرسل بين محمد بن عبد الله وبين أبي أحمد مع حماد بن إسحاق بن حماد بن يزيد، وثار قوم من رجالة الجند، وكثير من العامة، فطلب الجند أرزاقهم، وشكت العانة سوء الحال، وغلاء السعر، وقالوا: إما خرجت فقابلت، وإما تركتنا؛ فوعدهم الخروج، أوفتح باب الصلح، ثم جعل على الجسور وبالجزيرة وباب داره الرجال والخيل، فحضر الجزيرة بشر كثير، فطردوا من كان بهأن وقاتلوا الناس.
وأرسل محمد بن عبد الله إلى الجند يعدهم رزق شهرين، وأمرهم بالنزول، فأبوا وقالوا: لا نفعل حتى نعلم نحن والعامة على أي شيء نحن، فخرج إليهم بنفسه، فقالوا له: إن العامة قد اتهموك في خلع المستعين، والبيعة للمعتز، وتوجيهك القواد بعد القواد، ويخافون دخل الأتراك والمغاربة إليهم، فإن يفعلوا بهم كما عملوا في المدائن والأنبار، فهم يخافون على أنفسهم وأولادهم وأموالهم، وسألوا إخراج الخليفة إليهم ليروه ويكذبوا ما بلغهم، فلما رأى محمد ذلك سأل المستعين الخروج إليهم، فخرج إلى دار العامة، ودخل إليهم جماعة من الأنس، فنظروا إليه وخرجوا فأعلموا الناس الخبر، فلم ينتفعوا بذلك، فأمر المستعين بإلاق الأبواب، وصعد سطح دار العامة، ومحمد بن عبد الله معه، فرآه وعليه الناس وعليه البردة وبيده القضيب، فكلم الناس، وأقسم عليهم بحق البردة إلا انصرفوا فإنه آمن لا بأس عليه من محمد، فسألوه الركوب معهم والخروج من دار محمد لأنهم لا يأمنونه عليه، فوعدهم ذلك.

فلما رأى ابن طاهر فعلهم عزم على النقلة عن بغداد إلى المدائن، فأتاه وجوه الناس، وسألوه الصفح، واعتذروا بأن ذلك فعل الغوغاء والسفهاء، فرد عليهم رداً جميلأن وانتقل السمتعين عن داره في ذي الحجة، وأقام بدار رزق الخادم بالرصافة، وسار بين يديه محمد بن عبد الله بالحرية، فلما كان من الغد اجتمع الناس بالرصافة فأمروا القواد وبني هاشم بالمسير إلى دار محمد بن عبد الله والعود معه إذا ركب، ففعلوه ذلك، فركب محمد في جمع وتعبئة، ووقف للناس وعاتبهم، وحلف أنه ما يريد للمستعين، ولا لولي له، ولا لأحد من الناس سوءأن وأنه ما يريد إلا إصلاح أحوالهم، حتى بكى الناس ودعوا له.
وسار إلى المستعين، وكان ابن طاهر مجداً في أمر المستعين، حتى غيره عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وقال له: إن هذا الذي تنصره، وتجد في أمره من أشد الناس نفاقأن وأخبثهم دينأن والله لقد أمر وصيفاً وبغا بقتلك، فاستعظما ذلك ولم يفعلاه، وإن كنت شاكاً في قولي فسل تخبره، وإن من ظاهر نفاقه أنه كان بسامرا لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاته، فلما صار إليك جهر بها مراءاة لك، وترك نصرة وليك، وصهرك، وتربيتك، ونحوذلك من كلام كلمه به، فقال محمد: أخزى الله هذأن ما يصلح لدين ولا لدنيا! ثم ظاهر عبيد الله بن يحيى بأحمد بن إسرائيل، والحسن بن مخلد.
فلما كان يوم الأضحى صلى المستعين بالناس، ثم حضر محمد بن عبد الله عند المستعين وعنده الفقهاء والقضاة، فقال له: قد كنت فارقتني على أن تنفذ أمري في كل ما أعزم عليه، وخطك عندي بذلك؛ فقال للمستعين: أحضر الرقعة، فاحضرهأن فإذا فيها ذكر الصلح، وليس فيها ذكر الخلع، فقال: نعم أمض الصلح، فخرج محمد إلى ظاهر باب الشماسية، فضرب به مضرب فنزل إليه ومعه جماعة من أصحابه، وجاء أبوأحمد في سميرية، فصعد إليه، فتناظرا طويلأن ثم خرجأن فجاء ابن طاهر إلى المستعين فأخبره أنه بذل له خمسين ألف دينار، ويقطع عليه ثلاثين ألف دينار، وعلى أن يكون مقامه بالمدينة، يتردد منها إلى مكة، ويخلع نفسه من الخلافة وأن يعطي بغا ولاية الحجاز جميعه، ويولى وصيف الجبل وماوالاه، وكون ثلث ما يجبى من المال لمحمد بن عبد الله وجند بغداد، والثلثان للموالي والأتراك، فامتنع المستعين من الإجابة إلى الخلع، وظن أن وصيفاً وبغا معه يكاشفانه، فقال: النطع والسيف؛ فقال له ابن طاهر: أما أنا فأقعد ولا بد لك من خلعها طائعاً أومكرهاً! فأجاب إلى الخلع.
وكان سبب إجابته إلى الخلع أن محمداً وبغا ووصيفاً لما ناظروه في الخلع أغلظ عليهم فقال وصيف: أنت أمرتنا بقتل باغر، فصرنا إلى ما نحن فيه، وأنت أمرتنا بقتل أتامش، وقلت أن محمداً ليس بناصح؛ وما زالوا يفزعونه؛ وقال محمد: وقد قلت لي إن أمرنا لا يصلح إلا باستراحتنا من هذين الاثنين؛ فلما رأى ذلك أذعن بالخلع، وكتب بما أراد لنفسه من الشروط، وذلك لإحدى عشرة خلت من ذي الحجة، وجمع محمد الفقهاء والقضاة، وأدخلهم على المستعين، وأشهدهم عليه أنه قد صير أمره إلى محمد ابن عبد اله، ثم أخذ منه جوهر الخلافة.
وبعث ابن طاهر إلى قواده ليوافوه، ومع كل قائد عشرة نفر من وجوه أصحابه، فأتوه فمناهم، وقال لهم: ما أردت بما فعلت إلا صلاحكم وحقن الدماء. وأمرهم بالخروج إلى المعتز في الشروط التي شرطها المستعين لنفسه ولقواده، يوقع المعتز عليها بخطة، ثم أخرجهم إلى المعتز، فمضوا إليه، فأجاب إلى ما طلبوا، ووقع عليه خطة، وشهدوا على إقراره، وخلع عليهم، ووجه معهم من يأخذ البيعة على المستعين، وحمل إلى المستعين أمه وعياله، عدما فتشوأن وأخذوا ما معهم. وكان دخل الرسل بغداد من عند المعتز لست خلون من المحرم سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
ذكر غزو الفرنج بالأندلس

في هذه السنة سير محمد بن عبد الرحمن الأموي، صحب الأندلس، جيشاً مع ابنه المنذر إلى بلاد المشركين في جمادى الآخرة، فساروأن وقصدوا الملاحة، وكانت أموال لذريق بناحية ألبة والقلاع، فلما عم المسلمون بلدهم بالخراب والنهب، جمع لذريق عساكره، وسار يريدهم، فالتقوا بموضع يقال له فج المركوين، وبه تعرف هذه الغزاة، فاقتتلوأن فانهزم المشركون، إلا انهم لم يبعدوأن واجتمعوا بهضبة بالقرب من موضع المعركة، فتتبعهم المسلمون، وحملوا عليهم، واشتد القتال، فولى الفرنج منهزمين لا يلوون على شيء، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون.
وكانت هذه الوقعة ثاني عشر رجب، وكان عدد ما اخذ من رؤوس المشركين ألفين وأربع مائة واثنتين وتسعين رأساً، وكان فتحاً عظيماً وعاد المسلمون.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة رجع سليمان بن محمد، صرفه عبد الله بن طاهر، إلى طبرستان من جرجان بجمع كثير، وخيل وسلاح، فتنحى الحسن بن زيد عن طبرستان، ولحق بالديلم، ودخلها سليمان، وقصد سارية، وأتاه ابنان لقارن بن شهريار، وأتاه أهل آمل وغيرهم، منيبين مظهرين الندم، يسألون الصفح، فلقيهم بما أرادوأن ونهى أصحابه عن القتل والنهب والأذى.
وورد كتاب أسد بن جندان إلى محمد بن عبد الله يخبره أنه لقي علي ابن عبد الله الطالبي المسمى بالمرعشي، فيمن معه من رؤساء الجبل، فهزمه ودخل مدينة آمل، وفيها ظهر بأرمينية رجلان، فقاتلهما العلاء بن أحمد عامل بغا الشرابي، فهزمهمأن فصعدا قلعة هناك، فحصرهمأن ونصب عليها المجانيق، فهزما منهأن وخفي أمرهما عليه وملك القلعة.
وفيها حارب عيسى بن الشيخ الموفق الخارجي فهزمه وأسر الموفق.
وفيها ورد كتاب محمد بن طاهر بن عبد الله بخبر الطالبي الذي ظهر بالري، وما أعد له من العساكر المسيرة إليه، وظفر به، واسمه محمد بن جعفر، فأخذه أسيرأن ثم سار إلى الري بعد أسر محمد بن جعفر بن أحمد بن عيسى ابن الحسين الصغير ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، وإدريس بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد اله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، عليه السلام.
وفيها انهزم الحسن بن زيد من محمد بن طاهر، وكان لقيه في ثلاثين ألفأن وقتل من أصحابه أعيان الحسن ثلاثمائة رجل وأربعون رجلاً. وفيها خرج إسماعيل بن يوسف العلوي ابن أخت موسى بن عبد الله الحسني.
وفيها كانت وقعة بين محمد بن خالد بن يزيد، وأحمد المولد، وأيوب ابن أحمد بالسلير من أرض بني تغلب، فقتل بينهما جماعة كثيرة، فانهزم محمد ونهب متاعه.
وفيها غزا بلكاجور الروم، ففتح مطمورة، وغمن غنيمة كثيرة، وأسر جماعة من الروم.
وفيها ظهر بالكوفة رجل من الطالبيين اسمه الحسين بن أحمد بن حمزة ابن عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، واستخلف بها محمد بن جعفر بن حسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، يكنى أبا أحمد، فوجه إليه المستعين مزاحم بن خاقان، وكان العلوي بسواد الكوفة في جماعة من بني أسد ومن الزيدية، وأجلى عنها عامل الخليفة وهوأحمد بن نصير بن حمزة بن مالك الخزاعي إلى قصر ابن هبيرة، واجتمع مزاحم وهشام بن أبي دلف العجلي، فسار مزاحم إلى الكوفة، فحمل أهل الكوفة العلوية على قتالهمأن وعدهم النصرة، فتقدم مزاحم وقاتلهم، وكان قد سير قائداً معه جماعة، فأتى أهل الكوفة من ورائهم، فأطبقوا عليهم، فلم يفلت منهم واحد، ودخل الكوفة، فرماه أهلها بالحجارة، فأحرقها بالنار، فاحترق منها سبعة أسواق حتى خرجت النار إلى السبيع، ثم هجم على الدار التي فيها العلوي، فهرب، وأقام مزاحم بالكوفة، فأتاه كتاب المعتز يدعوه إليه، فسار إليه.
وفيها ظهر إنسان علوي بناحية نينوى من أرض العراق، فلقيه هشام بن أبي دلف في شهر رمضان، فقتل من أصحاب العلوي جماعة وهرب فدخلالكوفة.
وفيها ظهر الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الأرقط بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، المعروف بالكركي، بناحية قزوين، وزنجان، فطرد عمال طاهر عنها.
وفيها قطعت بنوعقيل طريق جدة، فحاربهم جعفر بشاشات فقتل من أهل مكة نحوثلاثمائة رجل، فغلت الأسعار بمكة، وأغارت الأعراب على القرى.

وفيها ظهر إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ابن علي بن أبي طالب بمكة، فهرب جعفر بشاشات، وانتهب إسماعيل منزله ومنازل أصحاب السلطان، وقتل الجند وجماعة من أهل مكة، واخذ ما كان حمل لإصلاح القبر من المال وما في الكعبة وخزائنها من الذهب والفضة وغير ذلك، وأخذ كسوة الكعبة، وأخذ من الناس نحواً من مائتي ألف دينار، وخرج منها بعد أن نهبهأن وأحرق بعضها في ربيع الأول بعد خمسين يوماً وسار إلى المدينة، فتوارى عاملهأن ثم رجع إسماعيل إلى مكة في رجب فحصرهم حتى تماوت أهلها جوعاً وعطشأن وبلغ الخبز ثلاث أوراق بدرهم، واللحم رطل بأربعة دراهم، وشربة ماء بثلاثة دراهم، ولقي أهل مكة منه كل بلاء.
ثم سار إلى جدة بعد مقام سبعة وخمسين يوماً فحبس عن الناس الطعام واخذ الأموال التي للتجار وأصحاب المراكب، ثم وافى إسماعيل عرفة وبها محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور الملقب بكعب البقر، وعيسى بن محمد المخزومي صاحب جيش مكة، كان المعتز وجههما إليهأن بعرفة ليلاً ولا نهارأن ووقف إسماعيل وأصحابه، ثم رجع إلى جدة فأفنى أموالها.
وفيها مات سري السقطي الزاهد، وإسحاق بن منصور بن بهرام أبويعقوب الكوشج، الحافظ النيسابوري، توفي في جمادى الأولى، وله مسند يروى عنه.
حوادث سنة اثنتين وخمسين ومائتين

ذكر خلع المستعين

في هذه السنة خلع المستعين أحمد بن محمد بن المعتصم نفسه من الخلافة، وبايع للمعتز بالله بن المتوكل، وخطب للمعتز ببغداد يوم الجمعة لأربع خلون من المحرم، وأخذ له البيعة على كل من بها من الجند.
وكان ابن طاهر قد دخل على المستعين ومعه سير بن حميد، وقد كتب شروط الأمان، فقال له: يا أمير المؤمنين! قد كتب سعيد كتاب الشروط، فأكده غاية التوكيد، فنقرأه عليك لتسمعه. فقال المستعين: لا حاجة لي إلى توكيدهأن فما القوم بأعلم بالله منكن ولقد أكدت على نفسك قبلهم فكان ما علمت. فما رد عليه محمد شيئاً.
فلما بايع المستعين للمعتز، وأشهد عليه بذلك، نقل من الرصافة إلى قصر الحسن بن سهل بالمحرم ومعه عياله وأهله جميعأن ووكل بهم، وأخذ منه البردة، والقضيب، والخاتم، ووجه مع عبد الله بن طاهر، ومنع المستعين من الخروج إلى مكة، فاختار المقام بالبصرة، فقيل له: إن البصرة وبية، فقال: هي أوبأ أوترك الخلافة! ولست خلون من المحرم دخل بغداد أكثر من مائتي سفينة فيها صنوف التجارات وغمن كثير.
وفيها سير المستعين إلى واسط، واستوزر المعتز أحمد بن أبي إسرائيل، وخلع عليه، ورجع أبوأحمد إلى سامرا لاثنتي عشرة خلت من المحرم، فقال بعض الشعراء في خلع المستعين:
خلع الخليفة أحمد بن محمد ... وسيقتل التالي له أويخلع
ويزول ملك بني أبيه ولا يرى ... أحد تملك منهم يستمتع
إيهاً بني العباس إن سبيلكم ... في قتل أعبدكم سبيل مهيع
رقعتم دنياكم فتمزقت ... بكم الحياة تمزقاً لا يرقع
وقال الشعراء في خلعه كالبحتري، ومحمد بن مروان بن أبي الجنوب وغيرهما فأكثروا.
وفيها لسبع بقين من المحرم انصرف أبوالساج ديوداد بن ديودست إلى بغداد، فقلده محمد ين عبد الله معاون ما سقى الفرات من السواد، فسير نوابه إليها لطرد الأتراك والمغاربة عنهأن ثم سار أبوالساج إلى الكوفة.
ذكر حال وصيف وبغاوفيها كتب المعتز إلى محمد بن عبد الله في إسقاط اسم وصيف وبغا ومن معهما من الدواوين؛ وكان محمد بن أبي عون، وهوأحد قواد محمد بن عبد الله، قد وعد أبا أحمد أن يقتل بغا ووصيفأن فعقد له المعتز على اليمامة، والبحرين، والبصرة، فكتب قوم من أصحاب بغا ووصيف إليهما بذلك، وحذروهما محمد بن عبد الله، فركبا إلى محمد، وعرفاه ما ضمنه ابن أبي عون من قتلهمأن وقال بغا: إن القوم قد غدروأن وخالفوا ما فارقونا عليه، والله لوأرادوا أن يقتلونا ما قدروا عليه.
فكفه وصيف وقال: نحن نقعد في بيوتنا حتى يجيء من يقتلنا! ورجعا إلى منازلهما وجمعا جندهما ووجه وصيف أخته سعاد إلى المؤيد، وكان في حجرهأن فكلم المؤيد المعتز في الرضاء عنه، فرضي عن وصيف، وكتب إليه بذلك؛ وتلكم أبوأحمد بن المتوكل في بغأن فكتب إليه بالرضاء عنه، وهما ببغداد، ثم تكلم الأتراك إحضارهما إلى سامرأن فكتب إليهما بذلك، وكتب إلى محمد بن عبد الله ليمنعهما من ذلك، فأتاهما كتاب إحضارهمأن فأرسلاه إلى محمد بن عبد الله يستأذنانه، وخرج وصيف وبغا وفرسانهما وأولادهما في نحوأربع مائة إنسان، وخلفا الثقل والعيال، فوجه ابن طاهر إلى باب الشماسية من يمنعهم، فمضوا إلى باب خراسان، وخرجوا منه، ووصلا سامرأن ورجعا إلى منزلهما من الخدمة، وخلع عليهمأن وعقد لهما على أعمالهمأن ورد البريد إلى موسى بن بغا الكبير.
ذكر الفتنة بين جند بغداد ومحمد بن عبد اللهوفي هذه السنة كانت وقعة بين جند بغداد وأصحاب محمد بن عبد الله بن طاهر.
وكان سبب ذلك أن الشاكرية وأصحاب الفروض اجتمعوا إلى دار محمد يطلبون أرزاقهم في رمضان، فقال لهم: إني كتبت إلى أمير المؤمنين في إطلاق أرزاقكم، فكتب في الجواب: إن كنت تريد الجند لنفسك فأعطهم أرزاقهم، وإن كنت تريدهم لنا فلا حاجة لنا فيهم؛ فشغبوا عليه، واخرج لهم ألفي دينار، ففرقت فيهم، فسكتوا.
ثم اجتمعوا في رمضان أيضاً، ومعهم الأعلام والطبول، وضربوا الخيام على باب حرب، وعلى باب الشماسية وغيرهمأن وبنوا بيوتاً من بواري وقصب، وباتوا ليلتهم، فلما أصبحوا كثر جمعهم، واحضر محمد أصحابه، فباتوا في داره، وشحن داره بالرجال، واجتمع إلى أولئك المشغبين خلق كثير، بباب حرب، بالسلاح والأعلام والطبول، ورئيسهم أبوالقاسم عبدون بن الموفق، وكان من نواب عبيد الله بن يحيى بن خاقان، فحثهم على طلب أرزاقهم وفائتهم.
فلما كان يوم الجمعة أرادوا أن يمنعوا الخطيب من الدعاء لمعتز، فعلم الخطيب ذلك، فاعتذر بمرض لحقه، ولم يخطب، فمضوا يريدون الجسر، فوجه إليهم ابن طاهر عدة من قواده في جماعة من الفرسان والرجال، فاقتتلوأن فقتل بينهم قتلى، ودفعوا أصحاب ابن طاهر عن الجسر؛ فلما رأى الذين بالجانب الشرقي أن أصحابهم أزالوا أصحاب ابن طاهر عن الجسر حملوا يريدون العبور إلى أصحابهم، وكان ابن طاهر قد أعد سفينة فيها شوك وقصب، فألقى فيها النار، وأرسلها إلى الجسر الأعلى فأحرقت سفنه، وقطعته، وصارت إلى الجسر الآخر، فأدركها أهل الجانب الغربي، فغرقوهأن عبر من في الجانب الشرقي إلى الغربي، ودفعوا أصحاب ابن طاهر إلى باب داره، وقتل بينهم نحوعشرة أنفس، ونهب العامة مجلس الشرط، وأخذوا منه شيئاً كثيراً من أصناف المتاع.
ولما رأى ابن طاهر أن الجند قد ظهروا على أصحابه أمر بالحوانيت التي على باب الجسر أن تحرق، فاحترق للتجار متاع كثير، فحالت النار بين الفريقين، ورجع الجند إلى معسكرهم بباب حرب، وجمع ابن طاهر عامة أصحابه، وعبأهم تعبئة الحرب خوفاً من رجعة الجند، فلم يمن لهم عودة. فأتاه في بعض الأيام رجلان من الجند، فدلاه على عورة القوم، فأمر لهما بمائتي دينار، وأمر الشاه بن ميكال وغيره من القواد في جماعة بالمسير إليهم، فسار إلى تلك الناحية، وكان أبوالقاسم، وابن الخليل، وهما المقدمان على الجند، قد خافا مضي ذينك الرجلين، وقد تفرق الناس عنهمأن فسار كل واحد منهما إلى ناحية؛ وأما ابن الخليل فإنه لقي الشاه بن ميكال ومن معه، فصاح بهم، وصاح ه أصحاب محمد، وصار في وسطهم، فقتل؛ وأما أبوالقاسم فإنه اختفى، فدل عليه فأخذ وحمل إلى ابن طاهر، وتفرق الجند من باب حرب، ورجعوا منازلهم، وقيد أبوالقاسم وضرب ضرباً مبرحأن فمات منه في رمضان.
ذكر خلع المؤيد وموتهفي رجب خلع المعتز أخاه المؤيد من ولاية العهد بعده؛ وكان سببه أن العلاء بن أحمد، عامل أرمينية، بعث إلى المؤيد بخمسة آلاف دينار ليصلح بها أمره، فبعث عيسى بن فرخانشاه إليها فأخذهأن فأعزى المؤيد الأتراك بعيسى، وخالفهم المغاربة، فبعث المعتز إلى المؤيد وأبي احمد، فأخذهما وحبسهمأن وقيد المؤيد، وأدر العطاء للأتراك والمغاربة.
وقيل إنه ضربه أربعين مقرعة، وخلعه بسامرأن وأخذ خطه بخلع نفسه، وكانت وفاته أيضاً في رجب لثمان بقين من الشهر.

وكان سبب موته أن امرأة من نساء الأتراك أعلمت محمد بن راشد أن الأتراك يريدون إخراج المؤيد من الحبس، فأنهى ذلك إلى المعتز، فذكر موسى ابن بغا عنه فقال: ما أرادوه، إمنا أرادوا أن يخرجوا أبا أحمد بن المتوكل لأنسهم به وكان في الحرب التي كانت؛ فلما كان من الغد دعا بالقضاة والفقهاء والوجوه، فأخرج المؤيد إليهم ميتاً لا أثر به، ولا جرح، وحمل إلى أمه، ومعه كفنه، وأمرت بدفنه، فقيل إنه أدرج في لحاف سمور ومسك طرفاه حتى مات؛ وقيل إنه أقعد في الثلج، وجعل على رأسه منه كثير، فجمد برداً؛ ولما مات المؤيد نقل أخوه أبوأحمد إلى محبسه، وكانا لأب وأم.
ذكر قتل المستعينولما أراد قتل المستعين أحمد بن محمد بن المعتصم، كتب إلى محمد ابن عبد الله يأمره بتسليم المستعين إلى سيما الخادم، فكتب محمد إلى الموكلين بالمستعين بواسط في تسليمه إليه، وأرسل أحمد بن طولون في تسليمه، فأخذه أحمد وسار به إلى القاطول، فسلمه إلى سعيد بن صالح، فأدخله سعيد منزله، وضربه حتى مات.
وقيل: بل جعل في رجله حجراً وألقاه في دجلة، وقيل: كان قد حمل معه داية له تعادله، فلما أخذه سعيد ضربه بالسيف، فصاح، وصاحت دايته، ثم قتل وقتلت المرأة معه، وحمل رأسه إلى المعتز، وهويلعب بالشطرنج، فقيل: هذا رأس المخلوع! فقال: ضعوه حتى أفرغ من الدستّ فلما فرغ نظر إليه، وأمر بدفنه، وأمر لسعيد بخمسين ألف درهم، وولاه معونة البصرة.
ذكر الفتنة بين الأتراك والمغاربةوفي هذه السنة مستهل رجب كانت الفتنة بين الأتراك والمغاربة.
وسببها أن الأتراك وثبوا بعيسى بن فرخانشاه، فضربوه، واخذوا دابته، واجتمعت المغاربة مع محمد بن راشد، ونصر بن سعد، وغلبوا الأتراك على الجوسق، وأخرجوهم منه، وقالوا لهم: كل يوم تقتلون خليفة، وتخلعون آخر، وتعملون وزيراً.
وصار الجوسق وبيت المال في أيدي المغاربة، وأخذوا الدواب التي كان تركها الأتراك، فاجتمع الأتراك وأرسلوا إلى من بالكرخ والدور منهم، فاجتمعوا وتلاقوا هم والمغاربة، وأعان الغوغاء والشاكرية المغاربة، فضعف الأتراك وانقادوأن فأصلح جعفر بن عبد الواحد بينهم؛ على أن يحدثوا شيئأن وكل موضع يكون فيه رجل من الفريقين يكون فيه رجل من الفريق الآخر؛ فمكثوا مديدة، ثم اجتمع الأتراك وقالوا: نطلب هذين الرأسين، فإن ظفرنا بهما فلا أحد ينطق. فبلغ الخبر باجتماع الأتراك إلى محمد بن راشد ونصر بن سعد، فخرجا إلى منزل محمد بن غرون ليكونا عنده حتى يسكن الأتراك ثم يرجعا إلى جمعهمأن فغمز بهما إلى الأتراك، فأخذوهما فقتلوهمأن فبلغ ذلك المعتز، فأراد قتل ابن غرون، فكلم فيه فنفاه إلى بغداد.
ذكر خروج مساور بالبوازيجفي هذه السنة في رجب خرج مساور بن عبد الحميد بن مساور الشاري البجلي الموصلي بالبوازيج، وإلى جده ينسب فندق مساور بالموصل.
وكان سبب خروجه أن شرطة الموصل، وكان يتولاها لبني عمران، وأمراء الموصل، لزموا إنساناً اسمه حسين بن بكير، فأخذ ابناً لمساور هذا اسمه حوثرة، فحبسه بالحديثة، وكان حوثرة جميلأن فكان حسين هذا يخرجه من الحبس ليلاً ويحضره عنده، ويرده إلى الحبس نهارأن فكتب حوثرة إلى أبيه مساور، وهوبالبوازيج، يقول له: أنا بالنهار محبوس وبالليل عروس، فغضب لذلك، وقلق، وخرج، وبايعه جماعة، وقصد الحديثة، فاختفى حسين بن بكير، وأخرج مساور ابنه حوثرة من الحبس، وكثر جمعه من الأكراد والأعراب، وسار إلى الموصل فنزل بالجانب الشرقي.
وكان الوالي عليها عقبة بن محمد بن جعفر بن محمد بن الأشعث بن أهبان الخزاعي، وأهبان يقال إنه مكلم الذئب، وله صحبة، فوافقه عقبة من الجانب الغربي، فعبر دجلة رجلان ن أهل الموصل إلى مساور، فقاتلأن فقتلا وعاد مساور، وكره القتال؛ وكان حوثرة بن مساور معهم فسمع يقول:
أنا الغلام البجلي الشاري ... أخرجني جوركم من داري
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة حمل محمد بن علي بن خلف العطار، وجماعة من الطالبيين، إلى سامرأن فيهم: أبوأحمد محمد بن جعفر بن الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وأبوهاشم داود بن القاسم الجعفري في شعبان.

وكان سبب ذلك أن رجلاً من الطالبيين سار من بغداد في جماعة من الشاكرية إلى ناحية الكوفة، وكانت من أعمال أبي الساج، وكان مقيماً ببغداد، فأمر محمد بن عبد الله بالمسير إلى الكوفة، فقدم بين يديه خليفته عبد الرحمن إلى الكوفة، فلما صار إليها رمي بالحجارة، وظنوه جاء لحرب العلوي، فقال: لست بعامل، إمنا أنا رجل وجهت لحرب الأعراب؛ فكفوا عنه.
وكان أبوأحمد الطالبي المذكور قد ولاه المعتز الكوفة، بعدما هزم مزاحم ابن خاقان العلوي الذي كان وجه لقتاله بهأن وقد تقدم ذكره، فعاث أبوأحمد فيهأن وآذى الناس، وأخذ أموالهم وضياعهم، فلما أقام عبد الرحمن بالكوفة لاطفه واستماله، حتى خالطه أبوأحمد، وآكله وشاربه، حتى سار به ثم خرج متنزها إلى بستان، فأمسى وقد عبأ له عبد الرحمن أصحابه، فقيده وسيره إلى بغداد في ربيع الآخر، ووجدت مع ابن أخ لمحمد بن علي بن خلف العطار كتب من الحسن بن زيد، فكتب بخبره إلى المعتز، فكتب إلى محمد بن عبد الله حمله وحمل الطالبيين المذكورين إلى سامرأن فحملوا جميعاً.
وفيها ولي الحسين بن أبي الشوارب قضاء القضاة.
وفيها توجه أوالساج إلى طريق خراسان من قبل محمد بن عبد الله.
وفيها عقد لعيسى بن الشيخ على الرملة وأوفد خليفته أبا المغرا إليهأن وعيسى هذا شيباني، وهوعيسى بن الشيخ بن السليل، من ولد جساس بن مرة بن ذهل بن شيبان، واستولى على فلسطين جميعهأن فلما كان من الأتراك بالعراق ما ذكرناه تغلب على دمشق وأعمالهأن وقطع ما كان يحمل من الشام إلى الخليفة، واستبد بالأموال.
وفيها كتب وصيف إلى عبد العزيز بن أبي دلف العجلي بتوليته الجبل، وبعث إليه بخلع، فتولى ذلك من قبله.
وفيها قتل محمد بن عمروالشاري بديار ربيعة، قتله خليفة لأيوب بن أحمد في ذي القعدة.
وفيها أغار جستان صاحب الديلم مع أحمد بن عيسى بن أحمد العلوي، والحسين بن أحمد الكوكبي، على الري فقتلوا وسبوأن وكان بها عبد الله بن عزيز، فهرب منهأن فصالحهم أهل الري على ألفي ألف درهم، فارتحلوا عنهأن وعاد ابن عزيز فأخذ أحمد بن عيسى وبعث به إلى نيسابور.
وفيها مات إسماعيل بن يوسف الطالبي الذي كان فعل بمكة ما فعل.
وفيها حج بالناس محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور.
وفيها سير محمد بن عبد الرحمن صاحب الأندلس جيشاً إلى بلاد العدو، فقصدوا ألبة، والقلاع، ومدينة مانة وقتلوا من أهلها عدداً كثيرأن ثم قفل الجيش سالمين.
وفيها توفي محمد بن بشار بندار، وأبوموسى محمد بن المثنى الزمن البصريان، وهما مشايخ البخاري، ومسلم، في الصحيح، وكان مولد بندار سنة سبع وستين ومائة.
حوادث سنة ثلاث وخمسين ومائتين

ذكر أخذ كرج من ابن أبي دلف

فيها عقد المعتز لموسى بن بغا الكبير في رجب على الجبل، فسار على مقدمته مفلح، فلقيه عبد العزيز بن أبي دلف خارج همذان، فتحاربأن وكان مع عبد العزيز أكثر من عشرين ألفاً من الصعاليك وغيرهم، فانهزم عبد العزيز وقتل أصحابه.
فلما كان في رمضان سار مفلح نحوكرج، وجعل له كمينين، ووجه عبد العزيز عسكراً فيه أربعة آلاف، فقاتلهم مفلح، وخرج الكمينان على أصحاب عبد العزيز، فانهزموأن وقتلوأن وأسروأن وأقبل عبد العزيز ليعين أصحابه، فانهزم بانهزامهم، وترك كرج، ومضى إلى قلعة له يقال لها زر، فتحصن بهأن ودخل مفلح كرج فأخذ أهل عبد العزيز وفيهم والدته.
ذكر قتل وصيفوفيها قتل وصيف؛ وكان سبب قتله أن الأتراك والفراعنة والأشروسنية شغبوأن وطلبوا أرزاقهم لأربعة أشهر، فخرج إليهم بغا ووصيف وسيمأن فكلمهم وصيف فقال لهم: خذوا التراب، ليس عندنا مال. قال بغا: نعم! نسأل أمير المؤمنين ونتناظر في دار أشناس. فدخلوا دار أشناس.
ومضى سيما وبغا إلى المعتز، وبقي وصيف في أيديهم، فوثب عليه بعضهم فضربه بالسيف، ووجأه آخر بسكين، ثم ضربوه بالطبرزينات حتى قتلوه، وأخذوا رأسه ونصبوه على محراك تنور؛ وجعل المعتز ما كان إلى وصيف إلى بغا الشرابي، وهوبغا الصغير، وألبسه التاج الوشاحين.
ذكر قتل بندار الطبري
وفيها قتل بندار الطبري، وكان سب قتله أن مساور بن عبد الحميد الموصلي الخارجي لما خرج بالبوازيج، كما ذكرنأن وكان طريق خراسان إلى بندار، ومظفر بن سيسل، وكانا بالدسكرة، أتى الخبر إلى بندار بمسير مساور إلى كرخ جدان، فقال المظفر في المسير إليه؛ فقال للمظفر: قد أمسينأن وغداً العيد، فإذا قضينا العيد سرنا إليه. فسار ندار طمعاً في أن يكون الظفر له، فسار ليلأن حتى أشرف على عسكر مساور، فأشار عليه بعض أصحابه أن يبيتهم، فأبى وقال: حتى أراهم ويروني، فأحس به الخوارج، فركبوأن واقتتلوا.
وكان مع بندار ثلاثمائة فارس، ومع الخوارج سبع مائة، فاشتد القتال بينهم، وحمل الخوارج حملة اقتطعوا من أصحاب بندار أكثر من مائة، فصبروا لهم، وقاتلوهم، حتى قتلوا جميعأن فانهزم بندار وأصحابه، وجعل الخوارج يقطعونهم قطعة بعد قطعة، فقتلوهم. وأمعن بندار في الهرب، فطلبوه، فلحقوه، فقتلوه، ونصبوا رأسه ونجا من أصحابه نحومن خمسين رجلاً وقتل مائة. وأتى الخبر إلى المظفر، فرحل نحوبغداد، وسار مساور نحوحلوان، فقاتله أهلهأن فقتل منهم أربع مائة إنسان، وقتلوا من أصحابه جماعة، وقتل عدة من حجاج خراسان كانوا بحلوان، وأعانوا أهلهأن ثم انصرفوا عنه. وقال ابن مساور في ذلك:
فجعت العراق بندارها ... وحزت البلاد بأقطارها
وحلوان صبحتها غارة ... فقبلت أغرار غرارها
وعقبة بالموصل أحجرته ... وطوقته الذل في كارها
ذكر موت محمد بن عبد الله بن طاهروفي ليلة أربع عشرة من ذي الحجة انخسف القمر جميعه؛ ومع انتهاء خسوفه مات محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين، وكانت علته التي مات بها قروحاً أصابته في حلقه ورأسه فذبحته، وكانت تدخل فيها الفتايل.
ولما اشتد مرضه كتب إلى عماله وأصحابه بتفويض ما إليه من الولاية إلى أخيه عبيد الله بن طاهر، فلما مات تنازع ابنه وأخوه عبيد الله الصلاة عليه، فصلى عليه ابنه، وتنازع عبيد الله وأصحاب طاهر، حتى سلوا السيوف، ورموا بالحجارة، ومالت العامة مع أصحاب طاهر، وعبر عبيد الله إلى داره بالجانب الشرقي، فعبر معه القواد لاستخلاف محمد، فكان أوصاه على أعماله، ثم وه المعتز بعد ذلك الخلع إلى عبيد الله، فأمر عبيد الله للذي أتاه بالخلع بخمسين ألف درهم.
ذكر الفتنة بأعمال الموصلي هذه السنة كانت حرب بين سليمان بن عمران الأزدي وبين عنزة.
وسببها أن سليمان اشترى ناحية من المرج، فطلب منه إنسان من عنزة اسمه برهونة الشفعة، فلم يجبه إليهأن فسار برهونة إلى عنزة، وهم بين الزابين، فاستجار بهم وببني شيبان، واجتمع معه جمع كثير، ونهبوا الأعمال فأسرفوا.
وجمع سليمان لهم بالموصل، وسار إليهم، فعبر الزاب، وكانت بينهم حرب شديدة، وقتل فيها كثير، وكان الظفر لسليمان، فقتل منهم بباب شمعون مقتلة عظيمة، وأدخل من رؤوسهم إلى الموصل أكثر من مائتي رأس، فقال حفص بن عمروالباهلي قصيدة يذكر فيها الوقعة أولها:
شهدت مواقفنا نزار فأحمدت ... كرات كل سميدع قمقمام
جاؤوا وجئنا لا نفيتم صلنا ... ضرباً يطيح جماجم الأجسام
وهي طويلة.
وفيها كان أيضاً بأعمال الموصل فتنة وحرب قتل فيها الحباب بن بكير التليدي؛ وسبب ذلك أن محمد بن عبد الله بن السيد بن أنس التليدي الأزدي كان اشترى قريتين كان رهنهما محمد بن علي التليدي عنده، وكره صاحبهما أن يشتريهمأن فشكا ذلك إلى الحباب بن بكير، فقال الحباب له: ائتني بكتاب من بغا لأمنع عنهما؛ وأعطاه دواب ونفقة، وانحدر إلى سر من رأى، وأحضر كتاباً من بغا إلى الحباب يأمره بكف يد محمد بن عبد الله بن السيد عن القريتين، ففعل ذلك، وأرسل إليهما من منع محمدأن فجرت بينهم مراسلات واصطلحوا.
فبيمنا محمد بن عبد الله بن السيد والحباب بالبستان على شراب لهمأن ومعهما قينة، قال لها الحباب غني بهذا الشعر:
متى تجمع القلب الزكي وصارماً ... وأنفاً حمياً تجتنبك المظالم
كذبتم وبيت الله لا تأخذونها ... مراغمة ما دام للسيف قائم
ولا صلح حتى تقرع البيض بالقنا ... ويضرب بالبيض الخفاف الجماجم

وافترقا وقد حقد كل واحد منهما على صاحبه، وأعاد الحباب التوكيل بالقريتين، فجمع محمد جمعأن وترددت الرسل في الصلح، وأجابا إلى ذلك، وفرق محمد جمعه، فأبلغ محمد أن الحباب قال: لوكان مع محمد أربعة لما أجاب إلى الصلح، فغضب لذلك، وجمع جمعاً كثيرأن وسار مبادراً إلى الحباب، فخرج إليه الحباب غير مستعد، فاقتتلوا فقتل الحباب ومعه ابن له وجمع من أصحابه، وكان ذلك في ذي القعدة من هذه السنة.
ذكر عدة حوادثفيها نفي أبو أحمد بن المتوكل إلى البصرة، ثم رد إلى بغداد، فانزل في الجانب الشرقي بقصر دينار، ونفي أيضاً علي بن المعتصم إلى واسط، ثم رد إلى بغداد. وفيها مات مزاحم بن خاقان بمصر في ذي الحجة؛ وحج بالناس عبد الله ابن محمد بن سليمان الزينبي. وفيها غزا محمد بن معاذ من ناحية ملطية، فانهزم وأسر.
وفيها التقى موسى بن بغا والكوكبي العلوي عند قزوين، فانهزم الكوكبي ولحق بالديلم، وكان سبب الهزيمة أنهم اصطفوا لقتال جعل أصحاب الكوكبي تروسهم في وجوههم، فيتقون بها سهام أصحاب موسى، فلما رأى موسى أن سهام أصحابه لا تصل إليهم مع فعلهم، أمر بما معه من النفط أن يصب في الأرض، ثم أمر أصحابه بالاستطراد لهم، ففعلوا ذلك، فظن الكوكبي وأصحابه أنهم قد انهزموأن فتبعهم، فلما توسطوا النفط أمر موسى بالنار فألقيت فيه، فالتهب من تحت أقدامهم، فجعلت تحرقهم، فانهزموأن فتبعهم موسى، ودخل قزوين.
وفيها في ذي الحجة لقي مساور الخارجي عسكراً لخليفة مقدمهم حطرمس بناحية جلولاء، فهزمه مساور.
وفيها سار جيش المسلمين من الأندلس إلى بلاد المشركين، فافتتحوا حصون جرنيق، وحاصروا فوتب وغلب على اكثر أسوارها.
ذكر ابتداء دولة يعقوب الصفار وملكه هراة وبوشنجوكان يعقوب بن الليث وأخوه عمرويعملان الصفر بسجستان، ويظهران الزهد والتقشف. وكان في أيامهما رجل من أهل سجستان يظهر التطوع بقتال الخوارج، يقال له: صالح المطوعي، فصحبه يعقوب، وقاتل معه، فحظي عنده، فجعله صالح مقام الخليفة عنه، ثم هلك صالح، وقام مقامه إنسان آخر اسمه درهم، فصار يعقوب مع درهم كما كان مع صالح قبله.
ثم إن صاحب خراسان احتال لدرهم لما عظم شأنه وكثر أتباعه، حتى ظفر به وحمله إلى بغداد فحبسه بهأن ثم أطلق، وخدم الخليفة بغداد.
وعظم أمر يعقوب بعد اخذ درهم، وصار متولي أمر المتطوعة مكان درهم، وقام بحاربة الشراة، فظفر بهم، وأكثر القتل فيهم، حتى كاد يفنيهم، وخرب قراهم، وأطاعه أصحابه بمكره، وحسن حاله، ورأيه، طاعة لم يطيعوها أحداً كان قبله، واشتدت شوكته، فغلب على سجستان، وأظهر التمسك بطاعة الخليفة، وكاتبه، وصدر عن أمره، وأظهر أنه هوأمره بقتال أتباعه، فخرج عن حد طلب الشراة، وصار يتناول أصحاب أمير خراسان للخليفة.
ثم سار من سجستان إلى هراة، من خراسان، هذه السنة، ليملكهأن وكان أمير خراسان محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر بن الحسين، وعامله على هراة محمد بن أوس الأنباري، فخرج منها لمحاربة يعقوب في تعبئة حسنة، وبأس شديد، وزي جميل، فتحاربا واقتتلا قتالاً شديدأن فانهزم ابن أوس، وملك يعقوب هراة وبوشنج، وصارت المدينتان في يده، فعظم أمره حينئذ، وهابه أمير خراسان وغيره من أصحاب الأطراف.
حوادث سنة أربع وخمسين ومائتين

ذكر مقتل بغا الشرابي

وفيها قتل بغا الشرابي؛ وكان سبب قتله أنه كان يحرض المعتز على المسير إلى بغداد، والمعتز يأبى ذلك ويكرهه، فاتفق أن بغا اشتغل بتزويج ابنته من صالح بن وصيف، فركب المعتز ومعه أحمد بن إسرائيل إلى كرخ سامرأن إلى بابكيال التركي ومن معه من المنحرفين عن بغا.
وكان سبب انحرافه عنه أنهما كانا على شراب لهمأن فعربد أحدهما على الآخر، فاختفى بابكيال من بغأن فلما أتاه المعتز اجتمع معه أهل الكرخ وأهل الدور ثم أقبلوا مع المعتز إلى الجوسق بسامرأن وبلغ ذلك بغأن فخرج في غلمانه وهم زهاء خمس مائة إنسان من ولده وقواده، فسار إلى السن، فشكا أصحابه بعضهم إلى بعض ما هم فيه من العسف، وأنهم خرجوا بغير مضارب ولا ما يلبسونه في البرد، وأنهم في شتاء، فأتاه بعض أصحابه وأخبره بقولهم، فقال: دعني حتى أنظر الليلة.
فلما جن عليه الليل ركب في زورق، ومعه خادمان، وشيء من المال الذي صحبه، وكان قد صحه تسع عشرة بدرة دنانير، ومائة بدرة دراهم، ولم يحمل معه سلاحأن ولا سكينأن ولا شيئأن ولم يعلم به أحد من عسكره.
وكان المعتز في غيبة بغأن لا ينام إلا في ثيابه وعليه السلاح، فسار بغا إلى الجسر في الثلث الأول من الليل، فبعث الموكلون بالجسر ينظرون من هو، فصاح بالغلام فرجع، وخرج بغا في البستان الخاقاني، فلحقه عدة من الموكلين، فوقف لهم بغا وقال: أنا بغأن إما أن تذهبوا معي إلى صالح بن وصيف، وإما أن تصيروا معي حتى أحسن إليكم. فتوكل به بعضهم، وأرسلوا إلى المعتز بالخبر، فأمر بقتله، فقتل، وحمل رأسه إلى المعتز، ونصب بسامرأن وبغداد، وأحرقت المغاربة جسده، وكان أراد أن يختفي عند صالح بن وصيف، فإذا اشتغل الناس بالعيد، وكان قد قرب، وخرج هووصالح ووثبوا بالمعتز.
ذكر ابتداء حال أحمد بن طولونكانت ديار مصر قد أقطعها بابكيال، وهومن أكابر قواد الأتراك، وكان مقيماً بالحضرة، واستخلف بها من ينوب عنه بها.
وكان طولون والد أحمد بن طولون أيضاً من الأتراك، وقد نشأ هو، بعد والده، على طريقة مستقيمة، وسيرة حسنة، فالتمس بابكيال من يستخلفه بمصير، فأشير عليه بأحمد بن طولون، لما ظهر عنه من حسن السيرة، فولاه وسيره إليها.
وكان بها ابن المدبر على الخراج، وقد تحكم في البلد، فلما قدمها أحمد كف يد ابن المدبر، واستولى على البلد؛ وكان بابكيال قد استعمل أحمد بن طولون على مصر وحدها سوى باقي الأعمال كالإسكندرية وغيرهأن فلما قتل المهدي بابكيال وصارت مصر لياركوج التركي، وكان بينه وبين أحمد ابن طولون مودة متأكدة استعمله على ديار مصر جميعها، فقوي أمره، وعلا شأنه ودامت أيامه، ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذوالفضل العظيم) الحديد: 21.
ذكر وقعة بين مساور الخارجي وبين عسكر الموصلكان مساور بن عبد الحميد قد استولى على اكثر أعمال الموصل وقوي أمره، فجمع له الحسن بن أيوب بن أمد بن عمر بن الخطاب العدوي التغلبي، وكان خليفة أبيه بالموصل، عسكراً كثيراً منهم حمدان بن حمدون، جد الأمراء الحمدانية، وغيره، وسار إلى مساور وعبر إليه نهر الزاب، فتأخر عنه مساور عن موضعه، ونزل بموضع يقال له وادي الذيات، وهوواد عميق، فسار الحسن في طلبه، فالتقوا في جمادى الأولى، واقتتلوأن واشتد القتال، فانهزم عسكر الموصل، وكثر القتل فيهم، وسقط كثير منهم في الوادي فهلك فيه أكثر من القتلى، ونجا الحسن فوصل إلى حزة من أعمال إربل اليوم، ونجا محمد بن علي بن السيد، فظن الخوارج أنه الحسن فتبعوه، وكان فارساً شجاعأن فقاتلهم، فقتل، واشتد أمر مساور وعظم شأنه وخافه الناس.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة توفي أبوأحمد بن الرشيد، وهوعم الواثق والمتوكل، وعم أبي المنتصر والمستعين والمعتز، وكان معه من الخلفاء إخوته الأمين، والمأمون، والمعتصم، وابنا أخيه الواثق والمتوكل ابنا المعصتم، وأبناء ابني أخيه، وهم المنتصر، والمستعين، والمعتز.
وفيها في جمادى الآخرة توفي علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي أبي طالب، عليه السلام، بسامرأن وهوأحد من يعتقد الإمامية إمامته، وصلى عليه أبوأحمد بن المتوكل، وكان مولده سنة اثنتي عشرة ومائتين.
وفيها عقد صالح بن وصيف لديوداد على ديار مصر، وقنسرين والعواصم.
وفيها أوقع مفلح بأهل قم، فقتل منهم مقتلة عظيمة.
وفيها عاود أهل ماردة من بلاد الخلاف على محمد بن محمد بن عبد الرحمن، صاحب الأندلس، وسبب ذلك أنهم خالفوا قديماً على أبيه، فظفر بهم، وتفرق كثير من أهلهأن فلما كان الآن تجمع إليها من كان فارقها، فعادوا إلى الخلاف والعصيان، فسار محمد إليهم، وحصرهم، وضيق عليهم، فانقادوا إلى التسليم والطاعة، فنقلهم وأموالهم إلى قرطبة، وهدم سور ماردة، وحصن بها الموضع الذي كان يسكنه العمال دون غيرهم.
وفيها هلك أردون بن ردمير، صاحب جليقية من الأندلس، وولي مكانه أدفونش، وهوابن اثنتي عشرة سنة.
وفيها انكسف القمر كسوفاً كلياً لم يبق منه شيء ظاهر.
وفيها كان ببلاد قحط شديد، تتابع عليهم من سنة إحدى وخمسين إلى سنة خمس وخمسين، وكشف الله عنهم.

وفيها وصل دلف بن عبد العزيز بن أبي دلف العجلي إلى الأهواز، وجند يسابور، وتستر فجبى بها مائتي ألف دينار، ثم انصرف، وكان والده أمره بذلك.
وفي رمضان سار نوشرى إلى مساور الشاري، فلقيه، فهزمه، وقتل من أصحابه جماعة كثيرة.
وحج بالناس علي بن الحسين بن إسماعيل بن عباس بن محمد.
وفيها توفي أبوالوليد بن عبد الملك بن قطن النحوي القيرواني بهأن وكان إماماً في النحوواللغة، وإماماً بالعربية، قيل مات خمس وخمسين وهوأصح.
حوادث سنة خمس وخمسين ومائتين

ذكر استيلاء يعقوب بن الليث الصفار على كرمان

وفيها استولى يعقوب بن الليث الصفار على كرمان؛ وسبب ذلك أن علي ابن الحسين بن شبل كان على فارس، فكتب إلى المعتز يطلب كرمان، ويذكر عجز الطاهرية، وأن يعقوب قد غلبهم على سجستان، وكان علي بن الحسين قد تباطأ بحمل خراج فارس، فكتب إليه المعتز بولاية كرمان، وكتب إلى يعقوب ابن الليث بولايتها أيضأن يلتمس إغراء كل واحد منهما بصاحبه ليسقط مؤونة الهالك عنه، وينفرد بالآخر.
وكان كل واحد منهما يظهر طاعة لا حقيقة لهأن والمعتز يعلم ذلك منهمأن فأرسل علي بن الحسين طوق بن المغلس إلى كرمان، وسار يعقوب إليهأن فسبقه طوق واستولى عليهأن وأقبل يعقوب حتى بقي بينه وبين كرمان مرحلة، فأقام بها شهرين لا يتقدم إلى طوق، ولا طوق يخرج إليه، فلما طال ذلك عليه أظهر الارتحال إلى سجستان، فارتحل مرحلتين، وبلغ طوقاً ارتحاله فظن أنه قد بدا له في حربه، وترك كرمان، فوضع آلة الحرب، وقعد للأكل والشرب والملاهي.
واتصل يعقوب إقبال طوق على الشرب، فكر راجعأن فطوى المرحلتين في يوم واحد، فلم يشعر طوق إلا بغبرة عسكره، فقال: ما هذا؟ فقيل: غبرة المواشي، فلم يكن بأسرع من موافاة يعقوب، فأحاط به وأصحابه، فذهب أصحابه يريدون المناهضة والدفع عن أنفسهم، فقال يعقوب لأصحابه: أفرجوا لقوم! فمروا هاربين، وخلوا كل ما لهم، وأسر يعقوب طوقاً.
وكان علي بن الحسين قد سير مع طوق في صناديق قيوداً ليقيد بها من يأخذه من أصحاب يعقوب، وفي صناديق أطوقه وأسورة ليعطيها أهل البلاء من أصحاب نفسه، فلما غمن يعقوب عسكرهم رأى ذلك، فقال: ما هذا ياطوق؟ فأخبره، فأخذ الاطوقة والأسورة فأعطاها أصحابه، وأخذ القيود والأغلال فقيد بها أصحاب علي! ولما أخرج يد طوق ليضع فيها الغل رآها يعقوب وعليها عصابة، فسأله عنهأن فقال: أصابتني حرارة فقصدتها. فأمر بنزع خف نفسه، فتساقط منه كسر خبز يابسة، فقال: يا طوق! هذا خفي لم أنزعه منذ شهرين من رجلي، وخبزي في خفي منه آكل، وأنت جالس في الشرب؟ ثم دخل كرمان وملكها مع سجستان.
ذكر ملك يعقوب فارسوفيهأن رابع جمادى الأولى، ملك يعقوب بن الليث فارس، ولما بلغ علي بن الحسين بن شبل بفارس ما فعله يعقوب بطوق أيقن بمجيئه إليه، وكان علي بشيراز، فجمع جيشه وسار إلى مضيق خارج شيراز، من أحد جانبيه جبل لا يسلك، ومن الجانب الآخر بهر لا يخاض، فأقام على رأس المضيق، وهوضيق ممره لا يسلكه إلا واحد بعد واحد، وهوعلى طرف البر، وقال: إن يعقوب لا يقدر على الجواز إلينا فرجع.
وأقبل يعقوب حتى دنا من ذلك المضيق فنزل على ميل منه، وسار وحده ومعه رجل آخر فنظر إلى ذلك المضيق والعسكر وأصحاب علي بن الحسين يسبونه وهوساكت، ثم رجع إلى أصحابه؛ فلما كان الغد الظهر سار بأصحابه حتى صار إلى طرف المضيق ممايلي كرمان، فأمر أصحابه بالنزول وحط الأثقال، ففعلوأن وركبوا دوابهم عريأن واخذ كلباً كان معه فألقاه في الماء، فجعل يسبح إلى جانب عسكر علي بن الحسين، وكان علي بن الحسين وأصحابه قد ركبوا ينظرون إلى فعله، ويضحكون منه.
وألقى يعقوب نفسه وأصحابه في الماء على خيلهم، وبأيديهم الرماح، يسيرون خلف الكلب، فلما رأى علي بن الحسين أن يعقوب قد قطع عامة النهر تحير في أمره، وانتقض عليه تدبيره، وخرج أصحابه يعقوب من وراء أصحاب علي، فلما خرج أوائلهم هرب أصحابه إلى مدينة شيراز، لأنهم كانوا يصيرون، إذا خرج يعقوب وأصحابه، بين جيش يعقوب والمضيق، ولا يجدون ملجأن فانهزموأن فسقط علي بن الحسين عن دابته، كبا به الفرس، فاخذ أسيرأن وأتي به إلى يعقوب، فقيده فلما أصبح نهب أصحاب دار علي ودور أصحابه، وأخذ ما في بيوت الأموال وبي الخراج ورجع إلى سجستان.
وقيل إنه جرى بين يعقوب الصفار وبين علي بن الحسين، بعد عبوره النهر، حرب شديدة، وذلك أن علياً كان قد جمع عنده جمعاً جمعاً كثيراً من الموالي والأكراد وغيرهم، بلغت عدتهم خمسة عشر ألفاً بين فارس وراجل، فعبأ أصحابه ميمنة وميسرة، وقلباً ووقف هوفي القلب وأقبل الصفار فعبر النهر، فلما صار مع علي على أرض واحدة حمل هووعسكره حملة واحدة على عسكر علي، فثبتوا لهم، ثم حمل ثانية لهم عن مواقفهم، وصدقهم في الحرب، فانهزموا على وجوههم لا يلوي أحد على أحد.
وتبعهم علي يصيح بهم، ويناشدهم الله ليرجعوأن أوليقفوأن فلم يلتفت إليه أحد وقتل الرجالة قتلاً ذريعأن وأقبل المنهزمون إلى باب شيراز مع العصر، فازدحموا في الأبواب، فتفرقوا في نواحي فارس، وبلغ بعضهم في هزيمته إلى الأهواز.
فلما رأى الصفار ما لقوا من القتل أمر بالكف عنهم، ولولا ذلك لقتلوا عن آخرهم. وكان القتل خمسة آلاف قتي، وأصاب علي بن الحسين ثلاث جراحات، ثم أخذ أسيراً لما عرفوه، ودخل الصفار إلى شيراز، وطاف بالمدينة، ونادى بالأمان فأطمأن الناس، وعذب علياً بأنواع العذاب، وأخذ من أمواله ألف بدرة، وقيل أربع مائة بدرة، ومن السلاح والأفراس، وغير ذلك ما لا يحد، وكتب إلى الخليفة بطاعته، وأهدى له هدية جليلة منها عشرة بيزان بيض، وباز أبلق صيني، ومائة من مسك وغيرها من الطرائف، وعاد إلى سجستان ومعه علي، وطوق، تحت الأستظهار، فلما فارق بلاد فارس أرسل الخليفة عمالة إليها.
ذكر خلع المعتز وموتهوفيهأن في يوم الأربعاء لثلاث، بقين من رجب، خلع المعتز، لليلتين خلتا من شعبان ظهر موته.
وكان سبب خلعه أن الأتراك لما فعلوا بالكتاب ما ذكرناه، ولم يحصل منهم مال، ساروا إلى المعتز يطلبون أرزاقهم، وقالوا: أعطنا أرزاقنا حتى نقتل صالح بن وصيف، فلم يكن عنده ما يعطيهم، فزلوا معه إلى خمسين ألف دينار، فأرسل المعتز إلى أمه يسألها أن تعطيه مالاً ليعطيهم، فأرسلت إليه: ما عندي شيء.
فلما رأى الأتراك أنهم لا يحصل لهم من المعتز شيء، ولا من أمه، وليس في بيت المال شيء، اتفقت كلمتهم، وكلمة المغاربة، والفراغنة، على خلع المعتز، فساروا إليه وصاحوأن فدخل إليه صالح، ومحمد بن بغا المعروف بأبي نصر، وبابكيال في السلاح، فجلسوا على بابه، وبعثوا إليه أن اخرج إلينأن فقال: قد شربت أمس دواء، وقد أفرط في العمل، فإن كان أمر لا بد منه فليدخل بعضكم! وهويظن أن أمره واقف على حاله، فدخل إليه جماعة منهم، فجروه برجله إلى باب الحجرة، وضربوه بالدبابيس، وخرقوا قميصه، وأقاموه في الشمس في الدار فكان برفع رجلاً ويضع أخرى لشدة الحر، وكان بعضهم يلطمه وهويتقي بيده، وأدخلوه حجرة، وأحضروا ابن أبي الشوارب وجماعة أشهدوهم على خلعه، وشهدوا على صالح بن وصيف أن للمعتز وأمه وولده وأخته الأمان.
وكانت أمه قد اتخذت في دارها سربأن فخرجت منه هي وأخت المعتز، وكانوا أخذوا عليها الطريق، ومنعوا أحداً يجوز إليهأن وسلموا المعتز إلى من يعذبه، فمنعه الطعام والشراب ثلاثة أيام، فطلب حسوة من ماء البئر، فمنعوه، ثم أدخلوه سردابأن وجصصوا عليه فمات، فلما مات اشهدوا على موته بني هاشم والقواد، وأنه لا أثر فيه، ودفنوه مع المنتصر.

وكانت خلافته من لدن بويع إلى أن خلع أربع سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يوماً، وكان عمره كله أربعاً وعشرين سنة؛ وكان أبيض، أسود الشعر، كثيفه، حسن العينين والوجه، أحمر الوجنتين، حسن الجسم طويلاً؛ وكان مولده بسر من رأى، وكان فصيحأن فمن كلامه لما سار المستعين إلى بغداد، وقد أحضر جماعة للرأي، فقال لهم: أما تنظرون إلى هذه العصابة التي ذاع نفاقها؟ الهمج، العصاة، الأوغاد الذين لا مسكة بهم، ولا اختيار لهم، ولا تمييز معهم، قد زين لهم تقم الخطأ سوء أعمالهم، فهم الأقلون وإن كثروأن والمذمومون إذا ذكروأن وقد علمت أنه لا يصلح لقود الجيوش، وسد الثقور، وإبرام الأمور، وتدبير الأقاليم، إلا رجل قد تكاملت فيه خصال أربع: حزم يتقي به عند موارد الأمور حقائق مصادرهأن وعلم يحجزه عن التهور والتعزير في الأشياء إلا مع إمكان فرصتهأن وشجاعة لا تفضها الملمات مع تواتر حوائجهأن وجود يهون تبذير الأموال عند سؤالهأن وسرعة مكافأة الإحسان، إلى صالح الأعوان، وثقل الوطأة على أهل الزيغ والعدوان، والاستعداد لحوادث إذ لا تؤمن حوادث الزمان.
وأما الاثنتان فإسقاط الحجاب عن الرعية، والحكم بين القوي والضعيف بالسوية.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohammed.mansy@yahoo.com متصل
محمد منسى
المشرف العام
المشرف العام
avatar

عدد الرسائل : 19288
العمر : 39
الموقع : منتديات ابو ريوف
تاريخ التسجيل : 26/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير   الإثنين 3 ديسمبر 2018 - 17:50


لما رأيت سيوف الترك مصلتة ... علمت ما في سيوف الترك من قدر
فصرت مضجراً ذلاً ومنقصة ... والنجع يذهب بين العجز والضجر
ولحق فيها جماعة من الكتاب والقواد وبني هاشم بالمعتز، فمن بني هاشم علي ومحمد ابنا الواثق وغيرهما، ثم كانت بينهم عدة وقعات، وقتل فيها من الفريقين جماعة، ودخل الأتراك في بعض تلك الحروب إلى بغداد، ثم تكاثر الناس عليهم فأخرجوهم منها.
وجرى بين أبي الساج وجماعة من الأتراك وقعة فهزمهم أبوالساج، ثم واقعوا أخرى فتخلى عنه بعض أصحابه فانهزم، ودخل الأتراك المدائن؛ وخرجت الأتراك الذين بالأنبار في سواد بغداد من الجانب الغربي، حتى بلغوا صرصر وقصر ابن هبيرة.
وفي ذي القعدة كانت وقعة عظيمة، خرج محمد بن عبد الله بن طاهر في جميع القواد والعسكر، ونصب له قبة وجلس فيهأن واقتتل الناس قتالاً شديدأن فانهزمت الأتراك، ودخل أهل بغداد عسكرهم، وقتلوا منهم خلقاً كثيرأن وهربوا على وجوههم لا يلوون على شيء، فكلما جيء برأس يقول بغا: ذهبت الموالي، وساء ذلك من مع بغا ووصيف من الأتراك.
ووقف أبوأحمد بن المتوكل يرد الأتراك، ويخبرهم أنهم إن لم يرجعوا لم يبق لهم بقية، وتبعهم أهل بغداد إلى سامرأن فتراجعوا إليه، وإن بعض أهل بغداد رجعوا عن المنهزمين، فرأى أصحابهم أعلامهم، فظنوها أعلام الأتراك قد عادت، فانهزموا نحوبغداد مزدحمين، وتراجع الأتراك إلى عسكرهم، ولما علموا بهزيمة أهل بغداد، فتحملوا عليهم.
وفي ذي الحجة وجه أبوأحمد خمس سفائن مملوءة طعاماً ودقيقاً إلى ابن طاهر؛ وفي ذي الحجة علم الناس بما عليه ابن طاهر من خلع المستعين والبيعة للمعتز، ووجه قواده إلى أبي أحمد، فبايعوه للمعتز، وكانت العامة تظن أن الصلح جرى على أن الخليفة المستعين والمعتز ولي عهده.
وفي ذي الحجة أيضاً خرج رشيد بن كاوس أخوالأفشين، وكان موكلاً بباب السلامة، إلى الأتراك، وسار معهم إلى أبي أحمد، ثم عاد إلى أبواب بغداد يقول للناس: إن أمير المؤمنين المعتز، وأبا أحمد يقرآن عليكم السلام، ويقولان: من أطاعنا وصلناه، ومن أبى فهوأعلم.
فشتمه الناس، وعلموا بما عليه محمد بن عبد الله بن طاهر، فعبرت العامة إلى الجزيرة التي حذاء داره، فشتموه أقبح شتم، ثم ساروا إلى باب داره ففعلوا به مثل ذلك، وقاتلوه من على بابه حتى كشفوهم، ودخلوا دهليز داره، وأرادوا إحراق داره فلم يجدوا نارأن وبات منهم بالجزيرة جماعة يشتمونه وهويسمع، فلما ذكروا اسم أمه ضحك وقال: ما أدري كيف عرفوه وقد كان أكثر جواري أبي لا يعرفون اسمها. فما كان الغد فعلوا مثل ذلك، فسار محمد إلى المستعين وسأله أن يطلع إليهم ويسكنهم، ففعل، وقال لهم: أن محمداً لم يخلع ولم أتهمه، وعدهم أن يصلي بهم الجمعة، فانصرفوا.
ثم ترددت الرسل بين محمد بن عبد الله وبين أبي أحمد مع حماد بن إسحاق بن حماد بن يزيد، وثار قوم من رجالة الجند، وكثير من العامة، فطلب الجند أرزاقهم، وشكت العانة سوء الحال، وغلاء السعر، وقالوا: إما خرجت فقابلت، وإما تركتنا؛ فوعدهم الخروج، أوفتح باب الصلح، ثم جعل على الجسور وبالجزيرة وباب داره الرجال والخيل، فحضر الجزيرة بشر كثير، فطردوا من كان بهأن وقاتلوا الناس.
وأرسل محمد بن عبد الله إلى الجند يعدهم رزق شهرين، وأمرهم بالنزول، فأبوا وقالوا: لا نفعل حتى نعلم نحن والعامة على أي شيء نحن، فخرج إليهم بنفسه، فقالوا له: إن العامة قد اتهموك في خلع المستعين، والبيعة للمعتز، وتوجيهك القواد بعد القواد، ويخافون دخل الأتراك والمغاربة إليهم، فإن يفعلوا بهم كما عملوا في المدائن والأنبار، فهم يخافون على أنفسهم وأولادهم وأموالهم، وسألوا إخراج الخليفة إليهم ليروه ويكذبوا ما بلغهم، فلما رأى محمد ذلك سأل المستعين الخروج إليهم، فخرج إلى دار العامة، ودخل إليهم جماعة من الأنس، فنظروا إليه وخرجوا فأعلموا الناس الخبر، فلم ينتفعوا بذلك، فأمر المستعين بإلاق الأبواب، وصعد سطح دار العامة، ومحمد بن عبد الله معه، فرآه وعليه الناس وعليه البردة وبيده القضيب، فكلم الناس، وأقسم عليهم بحق البردة إلا انصرفوا فإنه آمن لا بأس عليه من محمد، فسألوه الركوب معهم والخروج من دار محمد لأنهم لا يأمنونه عليه، فوعدهم ذلك.

فلما رأى ابن طاهر فعلهم عزم على النقلة عن بغداد إلى المدائن، فأتاه وجوه الناس، وسألوه الصفح، واعتذروا بأن ذلك فعل الغوغاء والسفهاء، فرد عليهم رداً جميلأن وانتقل السمتعين عن داره في ذي الحجة، وأقام بدار رزق الخادم بالرصافة، وسار بين يديه محمد بن عبد الله بالحرية، فلما كان من الغد اجتمع الناس بالرصافة فأمروا القواد وبني هاشم بالمسير إلى دار محمد بن عبد الله والعود معه إذا ركب، ففعلوه ذلك، فركب محمد في جمع وتعبئة، ووقف للناس وعاتبهم، وحلف أنه ما يريد للمستعين، ولا لولي له، ولا لأحد من الناس سوءأن وأنه ما يريد إلا إصلاح أحوالهم، حتى بكى الناس ودعوا له.
وسار إلى المستعين، وكان ابن طاهر مجداً في أمر المستعين، حتى غيره عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وقال له: إن هذا الذي تنصره، وتجد في أمره من أشد الناس نفاقأن وأخبثهم دينأن والله لقد أمر وصيفاً وبغا بقتلك، فاستعظما ذلك ولم يفعلاه، وإن كنت شاكاً في قولي فسل تخبره، وإن من ظاهر نفاقه أنه كان بسامرا لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاته، فلما صار إليك جهر بها مراءاة لك، وترك نصرة وليك، وصهرك، وتربيتك، ونحوذلك من كلام كلمه به، فقال محمد: أخزى الله هذأن ما يصلح لدين ولا لدنيا! ثم ظاهر عبيد الله بن يحيى بأحمد بن إسرائيل، والحسن بن مخلد.
فلما كان يوم الأضحى صلى المستعين بالناس، ثم حضر محمد بن عبد الله عند المستعين وعنده الفقهاء والقضاة، فقال له: قد كنت فارقتني على أن تنفذ أمري في كل ما أعزم عليه، وخطك عندي بذلك؛ فقال للمستعين: أحضر الرقعة، فاحضرهأن فإذا فيها ذكر الصلح، وليس فيها ذكر الخلع، فقال: نعم أمض الصلح، فخرج محمد إلى ظاهر باب الشماسية، فضرب به مضرب فنزل إليه ومعه جماعة من أصحابه، وجاء أبوأحمد في سميرية، فصعد إليه، فتناظرا طويلأن ثم خرجأن فجاء ابن طاهر إلى المستعين فأخبره أنه بذل له خمسين ألف دينار، ويقطع عليه ثلاثين ألف دينار، وعلى أن يكون مقامه بالمدينة، يتردد منها إلى مكة، ويخلع نفسه من الخلافة وأن يعطي بغا ولاية الحجاز جميعه، ويولى وصيف الجبل وماوالاه، وكون ثلث ما يجبى من المال لمحمد بن عبد الله وجند بغداد، والثلثان للموالي والأتراك، فامتنع المستعين من الإجابة إلى الخلع، وظن أن وصيفاً وبغا معه يكاشفانه، فقال: النطع والسيف؛ فقال له ابن طاهر: أما أنا فأقعد ولا بد لك من خلعها طائعاً أومكرهاً! فأجاب إلى الخلع.
وكان سبب إجابته إلى الخلع أن محمداً وبغا ووصيفاً لما ناظروه في الخلع أغلظ عليهم فقال وصيف: أنت أمرتنا بقتل باغر، فصرنا إلى ما نحن فيه، وأنت أمرتنا بقتل أتامش، وقلت أن محمداً ليس بناصح؛ وما زالوا يفزعونه؛ وقال محمد: وقد قلت لي إن أمرنا لا يصلح إلا باستراحتنا من هذين الاثنين؛ فلما رأى ذلك أذعن بالخلع، وكتب بما أراد لنفسه من الشروط، وذلك لإحدى عشرة خلت من ذي الحجة، وجمع محمد الفقهاء والقضاة، وأدخلهم على المستعين، وأشهدهم عليه أنه قد صير أمره إلى محمد ابن عبد اله، ثم أخذ منه جوهر الخلافة.
وبعث ابن طاهر إلى قواده ليوافوه، ومع كل قائد عشرة نفر من وجوه أصحابه، فأتوه فمناهم، وقال لهم: ما أردت بما فعلت إلا صلاحكم وحقن الدماء. وأمرهم بالخروج إلى المعتز في الشروط التي شرطها المستعين لنفسه ولقواده، يوقع المعتز عليها بخطة، ثم أخرجهم إلى المعتز، فمضوا إليه، فأجاب إلى ما طلبوا، ووقع عليه خطة، وشهدوا على إقراره، وخلع عليهم، ووجه معهم من يأخذ البيعة على المستعين، وحمل إلى المستعين أمه وعياله، عدما فتشوأن وأخذوا ما معهم. وكان دخل الرسل بغداد من عند المعتز لست خلون من المحرم سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
ذكر غزو الفرنج بالأندلس

في هذه السنة سير محمد بن عبد الرحمن الأموي، صحب الأندلس، جيشاً مع ابنه المنذر إلى بلاد المشركين في جمادى الآخرة، فساروأن وقصدوا الملاحة، وكانت أموال لذريق بناحية ألبة والقلاع، فلما عم المسلمون بلدهم بالخراب والنهب، جمع لذريق عساكره، وسار يريدهم، فالتقوا بموضع يقال له فج المركوين، وبه تعرف هذه الغزاة، فاقتتلوأن فانهزم المشركون، إلا انهم لم يبعدوأن واجتمعوا بهضبة بالقرب من موضع المعركة، فتتبعهم المسلمون، وحملوا عليهم، واشتد القتال، فولى الفرنج منهزمين لا يلوون على شيء، وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون.
وكانت هذه الوقعة ثاني عشر رجب، وكان عدد ما اخذ من رؤوس المشركين ألفين وأربع مائة واثنتين وتسعين رأساً، وكان فتحاً عظيماً وعاد المسلمون.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة رجع سليمان بن محمد، صرفه عبد الله بن طاهر، إلى طبرستان من جرجان بجمع كثير، وخيل وسلاح، فتنحى الحسن بن زيد عن طبرستان، ولحق بالديلم، ودخلها سليمان، وقصد سارية، وأتاه ابنان لقارن بن شهريار، وأتاه أهل آمل وغيرهم، منيبين مظهرين الندم، يسألون الصفح، فلقيهم بما أرادوأن ونهى أصحابه عن القتل والنهب والأذى.
وورد كتاب أسد بن جندان إلى محمد بن عبد الله يخبره أنه لقي علي ابن عبد الله الطالبي المسمى بالمرعشي، فيمن معه من رؤساء الجبل، فهزمه ودخل مدينة آمل، وفيها ظهر بأرمينية رجلان، فقاتلهما العلاء بن أحمد عامل بغا الشرابي، فهزمهمأن فصعدا قلعة هناك، فحصرهمأن ونصب عليها المجانيق، فهزما منهأن وخفي أمرهما عليه وملك القلعة.
وفيها حارب عيسى بن الشيخ الموفق الخارجي فهزمه وأسر الموفق.
وفيها ورد كتاب محمد بن طاهر بن عبد الله بخبر الطالبي الذي ظهر بالري، وما أعد له من العساكر المسيرة إليه، وظفر به، واسمه محمد بن جعفر، فأخذه أسيرأن ثم سار إلى الري بعد أسر محمد بن جعفر بن أحمد بن عيسى ابن الحسين الصغير ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، وإدريس بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد اله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، عليه السلام.
وفيها انهزم الحسن بن زيد من محمد بن طاهر، وكان لقيه في ثلاثين ألفأن وقتل من أصحابه أعيان الحسن ثلاثمائة رجل وأربعون رجلاً. وفيها خرج إسماعيل بن يوسف العلوي ابن أخت موسى بن عبد الله الحسني.
وفيها كانت وقعة بين محمد بن خالد بن يزيد، وأحمد المولد، وأيوب ابن أحمد بالسلير من أرض بني تغلب، فقتل بينهما جماعة كثيرة، فانهزم محمد ونهب متاعه.
وفيها غزا بلكاجور الروم، ففتح مطمورة، وغمن غنيمة كثيرة، وأسر جماعة من الروم.
وفيها ظهر بالكوفة رجل من الطالبيين اسمه الحسين بن أحمد بن حمزة ابن عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، واستخلف بها محمد بن جعفر بن حسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، عليه السلام، يكنى أبا أحمد، فوجه إليه المستعين مزاحم بن خاقان، وكان العلوي بسواد الكوفة في جماعة من بني أسد ومن الزيدية، وأجلى عنها عامل الخليفة وهوأحمد بن نصير بن حمزة بن مالك الخزاعي إلى قصر ابن هبيرة، واجتمع مزاحم وهشام بن أبي دلف العجلي، فسار مزاحم إلى الكوفة، فحمل أهل الكوفة العلوية على قتالهمأن وعدهم النصرة، فتقدم مزاحم وقاتلهم، وكان قد سير قائداً معه جماعة، فأتى أهل الكوفة من ورائهم، فأطبقوا عليهم، فلم يفلت منهم واحد، ودخل الكوفة، فرماه أهلها بالحجارة، فأحرقها بالنار، فاحترق منها سبعة أسواق حتى خرجت النار إلى السبيع، ثم هجم على الدار التي فيها العلوي، فهرب، وأقام مزاحم بالكوفة، فأتاه كتاب المعتز يدعوه إليه، فسار إليه.
وفيها ظهر إنسان علوي بناحية نينوى من أرض العراق، فلقيه هشام بن أبي دلف في شهر رمضان، فقتل من أصحاب العلوي جماعة وهرب فدخلالكوفة.
وفيها ظهر الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الأرقط بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، المعروف بالكركي، بناحية قزوين، وزنجان، فطرد عمال طاهر عنها.
وفيها قطعت بنوعقيل طريق جدة، فحاربهم جعفر بشاشات فقتل من أهل مكة نحوثلاثمائة رجل، فغلت الأسعار بمكة، وأغارت الأعراب على القرى.

وفيها ظهر إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ابن علي بن أبي طالب بمكة، فهرب جعفر بشاشات، وانتهب إسماعيل منزله ومنازل أصحاب السلطان، وقتل الجند وجماعة من أهل مكة، واخذ ما كان حمل لإصلاح القبر من المال وما في الكعبة وخزائنها من الذهب والفضة وغير ذلك، وأخذ كسوة الكعبة، وأخذ من الناس نحواً من مائتي ألف دينار، وخرج منها بعد أن نهبهأن وأحرق بعضها في ربيع الأول بعد خمسين يوماً وسار إلى المدينة، فتوارى عاملهأن ثم رجع إسماعيل إلى مكة في رجب فحصرهم حتى تماوت أهلها جوعاً وعطشأن وبلغ الخبز ثلاث أوراق بدرهم، واللحم رطل بأربعة دراهم، وشربة ماء بثلاثة دراهم، ولقي أهل مكة منه كل بلاء.
ثم سار إلى جدة بعد مقام سبعة وخمسين يوماً فحبس عن الناس الطعام واخذ الأموال التي للتجار وأصحاب المراكب، ثم وافى إسماعيل عرفة وبها محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور الملقب بكعب البقر، وعيسى بن محمد المخزومي صاحب جيش مكة، كان المعتز وجههما إليهأن بعرفة ليلاً ولا نهارأن ووقف إسماعيل وأصحابه، ثم رجع إلى جدة فأفنى أموالها.
وفيها مات سري السقطي الزاهد، وإسحاق بن منصور بن بهرام أبويعقوب الكوشج، الحافظ النيسابوري، توفي في جمادى الأولى، وله مسند يروى عنه.
حوادث سنة اثنتين وخمسين ومائتين

ذكر خلع المستعين

في هذه السنة خلع المستعين أحمد بن محمد بن المعتصم نفسه من الخلافة، وبايع للمعتز بالله بن المتوكل، وخطب للمعتز ببغداد يوم الجمعة لأربع خلون من المحرم، وأخذ له البيعة على كل من بها من الجند.
وكان ابن طاهر قد دخل على المستعين ومعه سير بن حميد، وقد كتب شروط الأمان، فقال له: يا أمير المؤمنين! قد كتب سعيد كتاب الشروط، فأكده غاية التوكيد، فنقرأه عليك لتسمعه. فقال المستعين: لا حاجة لي إلى توكيدهأن فما القوم بأعلم بالله منكن ولقد أكدت على نفسك قبلهم فكان ما علمت. فما رد عليه محمد شيئاً.
فلما بايع المستعين للمعتز، وأشهد عليه بذلك، نقل من الرصافة إلى قصر الحسن بن سهل بالمحرم ومعه عياله وأهله جميعأن ووكل بهم، وأخذ منه البردة، والقضيب، والخاتم، ووجه مع عبد الله بن طاهر، ومنع المستعين من الخروج إلى مكة، فاختار المقام بالبصرة، فقيل له: إن البصرة وبية، فقال: هي أوبأ أوترك الخلافة! ولست خلون من المحرم دخل بغداد أكثر من مائتي سفينة فيها صنوف التجارات وغمن كثير.
وفيها سير المستعين إلى واسط، واستوزر المعتز أحمد بن أبي إسرائيل، وخلع عليه، ورجع أبوأحمد إلى سامرا لاثنتي عشرة خلت من المحرم، فقال بعض الشعراء في خلع المستعين:
خلع الخليفة أحمد بن محمد ... وسيقتل التالي له أويخلع
ويزول ملك بني أبيه ولا يرى ... أحد تملك منهم يستمتع
إيهاً بني العباس إن سبيلكم ... في قتل أعبدكم سبيل مهيع
رقعتم دنياكم فتمزقت ... بكم الحياة تمزقاً لا يرقع
وقال الشعراء في خلعه كالبحتري، ومحمد بن مروان بن أبي الجنوب وغيرهما فأكثروا.
وفيها لسبع بقين من المحرم انصرف أبوالساج ديوداد بن ديودست إلى بغداد، فقلده محمد ين عبد الله معاون ما سقى الفرات من السواد، فسير نوابه إليها لطرد الأتراك والمغاربة عنهأن ثم سار أبوالساج إلى الكوفة.
ذكر حال وصيف وبغاوفيها كتب المعتز إلى محمد بن عبد الله في إسقاط اسم وصيف وبغا ومن معهما من الدواوين؛ وكان محمد بن أبي عون، وهوأحد قواد محمد بن عبد الله، قد وعد أبا أحمد أن يقتل بغا ووصيفأن فعقد له المعتز على اليمامة، والبحرين، والبصرة، فكتب قوم من أصحاب بغا ووصيف إليهما بذلك، وحذروهما محمد بن عبد الله، فركبا إلى محمد، وعرفاه ما ضمنه ابن أبي عون من قتلهمأن وقال بغا: إن القوم قد غدروأن وخالفوا ما فارقونا عليه، والله لوأرادوا أن يقتلونا ما قدروا عليه.
فكفه وصيف وقال: نحن نقعد في بيوتنا حتى يجيء من يقتلنا! ورجعا إلى منازلهما وجمعا جندهما ووجه وصيف أخته سعاد إلى المؤيد، وكان في حجرهأن فكلم المؤيد المعتز في الرضاء عنه، فرضي عن وصيف، وكتب إليه بذلك؛ وتلكم أبوأحمد بن المتوكل في بغأن فكتب إليه بالرضاء عنه، وهما ببغداد، ثم تكلم الأتراك إحضارهما إلى سامرأن فكتب إليهما بذلك، وكتب إلى محمد بن عبد الله ليمنعهما من ذلك، فأتاهما كتاب إحضارهمأن فأرسلاه إلى محمد بن عبد الله يستأذنانه، وخرج وصيف وبغا وفرسانهما وأولادهما في نحوأربع مائة إنسان، وخلفا الثقل والعيال، فوجه ابن طاهر إلى باب الشماسية من يمنعهم، فمضوا إلى باب خراسان، وخرجوا منه، ووصلا سامرأن ورجعا إلى منزلهما من الخدمة، وخلع عليهمأن وعقد لهما على أعمالهمأن ورد البريد إلى موسى بن بغا الكبير.
ذكر الفتنة بين جند بغداد ومحمد بن عبد اللهوفي هذه السنة كانت وقعة بين جند بغداد وأصحاب محمد بن عبد الله بن طاهر.
وكان سبب ذلك أن الشاكرية وأصحاب الفروض اجتمعوا إلى دار محمد يطلبون أرزاقهم في رمضان، فقال لهم: إني كتبت إلى أمير المؤمنين في إطلاق أرزاقكم، فكتب في الجواب: إن كنت تريد الجند لنفسك فأعطهم أرزاقهم، وإن كنت تريدهم لنا فلا حاجة لنا فيهم؛ فشغبوا عليه، واخرج لهم ألفي دينار، ففرقت فيهم، فسكتوا.
ثم اجتمعوا في رمضان أيضاً، ومعهم الأعلام والطبول، وضربوا الخيام على باب حرب، وعلى باب الشماسية وغيرهمأن وبنوا بيوتاً من بواري وقصب، وباتوا ليلتهم، فلما أصبحوا كثر جمعهم، واحضر محمد أصحابه، فباتوا في داره، وشحن داره بالرجال، واجتمع إلى أولئك المشغبين خلق كثير، بباب حرب، بالسلاح والأعلام والطبول، ورئيسهم أبوالقاسم عبدون بن الموفق، وكان من نواب عبيد الله بن يحيى بن خاقان، فحثهم على طلب أرزاقهم وفائتهم.
فلما كان يوم الجمعة أرادوا أن يمنعوا الخطيب من الدعاء لمعتز، فعلم الخطيب ذلك، فاعتذر بمرض لحقه، ولم يخطب، فمضوا يريدون الجسر، فوجه إليهم ابن طاهر عدة من قواده في جماعة من الفرسان والرجال، فاقتتلوأن فقتل بينهم قتلى، ودفعوا أصحاب ابن طاهر عن الجسر؛ فلما رأى الذين بالجانب الشرقي أن أصحابهم أزالوا أصحاب ابن طاهر عن الجسر حملوا يريدون العبور إلى أصحابهم، وكان ابن طاهر قد أعد سفينة فيها شوك وقصب، فألقى فيها النار، وأرسلها إلى الجسر الأعلى فأحرقت سفنه، وقطعته، وصارت إلى الجسر الآخر، فأدركها أهل الجانب الغربي، فغرقوهأن عبر من في الجانب الشرقي إلى الغربي، ودفعوا أصحاب ابن طاهر إلى باب داره، وقتل بينهم نحوعشرة أنفس، ونهب العامة مجلس الشرط، وأخذوا منه شيئاً كثيراً من أصناف المتاع.
ولما رأى ابن طاهر أن الجند قد ظهروا على أصحابه أمر بالحوانيت التي على باب الجسر أن تحرق، فاحترق للتجار متاع كثير، فحالت النار بين الفريقين، ورجع الجند إلى معسكرهم بباب حرب، وجمع ابن طاهر عامة أصحابه، وعبأهم تعبئة الحرب خوفاً من رجعة الجند، فلم يمن لهم عودة. فأتاه في بعض الأيام رجلان من الجند، فدلاه على عورة القوم، فأمر لهما بمائتي دينار، وأمر الشاه بن ميكال وغيره من القواد في جماعة بالمسير إليهم، فسار إلى تلك الناحية، وكان أبوالقاسم، وابن الخليل، وهما المقدمان على الجند، قد خافا مضي ذينك الرجلين، وقد تفرق الناس عنهمأن فسار كل واحد منهما إلى ناحية؛ وأما ابن الخليل فإنه لقي الشاه بن ميكال ومن معه، فصاح بهم، وصاح ه أصحاب محمد، وصار في وسطهم، فقتل؛ وأما أبوالقاسم فإنه اختفى، فدل عليه فأخذ وحمل إلى ابن طاهر، وتفرق الجند من باب حرب، ورجعوا منازلهم، وقيد أبوالقاسم وضرب ضرباً مبرحأن فمات منه في رمضان.
ذكر خلع المؤيد وموتهفي رجب خلع المعتز أخاه المؤيد من ولاية العهد بعده؛ وكان سببه أن العلاء بن أحمد، عامل أرمينية، بعث إلى المؤيد بخمسة آلاف دينار ليصلح بها أمره، فبعث عيسى بن فرخانشاه إليها فأخذهأن فأعزى المؤيد الأتراك بعيسى، وخالفهم المغاربة، فبعث المعتز إلى المؤيد وأبي احمد، فأخذهما وحبسهمأن وقيد المؤيد، وأدر العطاء للأتراك والمغاربة.
وقيل إنه ضربه أربعين مقرعة، وخلعه بسامرأن وأخذ خطه بخلع نفسه، وكانت وفاته أيضاً في رجب لثمان بقين من الشهر.

وكان سبب موته أن امرأة من نساء الأتراك أعلمت محمد بن راشد أن الأتراك يريدون إخراج المؤيد من الحبس، فأنهى ذلك إلى المعتز، فذكر موسى ابن بغا عنه فقال: ما أرادوه، إمنا أرادوا أن يخرجوا أبا أحمد بن المتوكل لأنسهم به وكان في الحرب التي كانت؛ فلما كان من الغد دعا بالقضاة والفقهاء والوجوه، فأخرج المؤيد إليهم ميتاً لا أثر به، ولا جرح، وحمل إلى أمه، ومعه كفنه، وأمرت بدفنه، فقيل إنه أدرج في لحاف سمور ومسك طرفاه حتى مات؛ وقيل إنه أقعد في الثلج، وجعل على رأسه منه كثير، فجمد برداً؛ ولما مات المؤيد نقل أخوه أبوأحمد إلى محبسه، وكانا لأب وأم.
ذكر قتل المستعينولما أراد قتل المستعين أحمد بن محمد بن المعتصم، كتب إلى محمد ابن عبد الله يأمره بتسليم المستعين إلى سيما الخادم، فكتب محمد إلى الموكلين بالمستعين بواسط في تسليمه إليه، وأرسل أحمد بن طولون في تسليمه، فأخذه أحمد وسار به إلى القاطول، فسلمه إلى سعيد بن صالح، فأدخله سعيد منزله، وضربه حتى مات.
وقيل: بل جعل في رجله حجراً وألقاه في دجلة، وقيل: كان قد حمل معه داية له تعادله، فلما أخذه سعيد ضربه بالسيف، فصاح، وصاحت دايته، ثم قتل وقتلت المرأة معه، وحمل رأسه إلى المعتز، وهويلعب بالشطرنج، فقيل: هذا رأس المخلوع! فقال: ضعوه حتى أفرغ من الدستّ فلما فرغ نظر إليه، وأمر بدفنه، وأمر لسعيد بخمسين ألف درهم، وولاه معونة البصرة.
ذكر الفتنة بين الأتراك والمغاربةوفي هذه السنة مستهل رجب كانت الفتنة بين الأتراك والمغاربة.
وسببها أن الأتراك وثبوا بعيسى بن فرخانشاه، فضربوه، واخذوا دابته، واجتمعت المغاربة مع محمد بن راشد، ونصر بن سعد، وغلبوا الأتراك على الجوسق، وأخرجوهم منه، وقالوا لهم: كل يوم تقتلون خليفة، وتخلعون آخر، وتعملون وزيراً.
وصار الجوسق وبيت المال في أيدي المغاربة، وأخذوا الدواب التي كان تركها الأتراك، فاجتمع الأتراك وأرسلوا إلى من بالكرخ والدور منهم، فاجتمعوا وتلاقوا هم والمغاربة، وأعان الغوغاء والشاكرية المغاربة، فضعف الأتراك وانقادوأن فأصلح جعفر بن عبد الواحد بينهم؛ على أن يحدثوا شيئأن وكل موضع يكون فيه رجل من الفريقين يكون فيه رجل من الفريق الآخر؛ فمكثوا مديدة، ثم اجتمع الأتراك وقالوا: نطلب هذين الرأسين، فإن ظفرنا بهما فلا أحد ينطق. فبلغ الخبر باجتماع الأتراك إلى محمد بن راشد ونصر بن سعد، فخرجا إلى منزل محمد بن غرون ليكونا عنده حتى يسكن الأتراك ثم يرجعا إلى جمعهمأن فغمز بهما إلى الأتراك، فأخذوهما فقتلوهمأن فبلغ ذلك المعتز، فأراد قتل ابن غرون، فكلم فيه فنفاه إلى بغداد.
ذكر خروج مساور بالبوازيجفي هذه السنة في رجب خرج مساور بن عبد الحميد بن مساور الشاري البجلي الموصلي بالبوازيج، وإلى جده ينسب فندق مساور بالموصل.
وكان سبب خروجه أن شرطة الموصل، وكان يتولاها لبني عمران، وأمراء الموصل، لزموا إنساناً اسمه حسين بن بكير، فأخذ ابناً لمساور هذا اسمه حوثرة، فحبسه بالحديثة، وكان حوثرة جميلأن فكان حسين هذا يخرجه من الحبس ليلاً ويحضره عنده، ويرده إلى الحبس نهارأن فكتب حوثرة إلى أبيه مساور، وهوبالبوازيج، يقول له: أنا بالنهار محبوس وبالليل عروس، فغضب لذلك، وقلق، وخرج، وبايعه جماعة، وقصد الحديثة، فاختفى حسين بن بكير، وأخرج مساور ابنه حوثرة من الحبس، وكثر جمعه من الأكراد والأعراب، وسار إلى الموصل فنزل بالجانب الشرقي.
وكان الوالي عليها عقبة بن محمد بن جعفر بن محمد بن الأشعث بن أهبان الخزاعي، وأهبان يقال إنه مكلم الذئب، وله صحبة، فوافقه عقبة من الجانب الغربي، فعبر دجلة رجلان ن أهل الموصل إلى مساور، فقاتلأن فقتلا وعاد مساور، وكره القتال؛ وكان حوثرة بن مساور معهم فسمع يقول:
أنا الغلام البجلي الشاري ... أخرجني جوركم من داري
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة حمل محمد بن علي بن خلف العطار، وجماعة من الطالبيين، إلى سامرأن فيهم: أبوأحمد محمد بن جعفر بن الحسن بن جعفر بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وأبوهاشم داود بن القاسم الجعفري في شعبان.

وكان سبب ذلك أن رجلاً من الطالبيين سار من بغداد في جماعة من الشاكرية إلى ناحية الكوفة، وكانت من أعمال أبي الساج، وكان مقيماً ببغداد، فأمر محمد بن عبد الله بالمسير إلى الكوفة، فقدم بين يديه خليفته عبد الرحمن إلى الكوفة، فلما صار إليها رمي بالحجارة، وظنوه جاء لحرب العلوي، فقال: لست بعامل، إمنا أنا رجل وجهت لحرب الأعراب؛ فكفوا عنه.
وكان أبوأحمد الطالبي المذكور قد ولاه المعتز الكوفة، بعدما هزم مزاحم ابن خاقان العلوي الذي كان وجه لقتاله بهأن وقد تقدم ذكره، فعاث أبوأحمد فيهأن وآذى الناس، وأخذ أموالهم وضياعهم، فلما أقام عبد الرحمن بالكوفة لاطفه واستماله، حتى خالطه أبوأحمد، وآكله وشاربه، حتى سار به ثم خرج متنزها إلى بستان، فأمسى وقد عبأ له عبد الرحمن أصحابه، فقيده وسيره إلى بغداد في ربيع الآخر، ووجدت مع ابن أخ لمحمد بن علي بن خلف العطار كتب من الحسن بن زيد، فكتب بخبره إلى المعتز، فكتب إلى محمد بن عبد الله حمله وحمل الطالبيين المذكورين إلى سامرأن فحملوا جميعاً.
وفيها ولي الحسين بن أبي الشوارب قضاء القضاة.
وفيها توجه أوالساج إلى طريق خراسان من قبل محمد بن عبد الله.
وفيها عقد لعيسى بن الشيخ على الرملة وأوفد خليفته أبا المغرا إليهأن وعيسى هذا شيباني، وهوعيسى بن الشيخ بن السليل، من ولد جساس بن مرة بن ذهل بن شيبان، واستولى على فلسطين جميعهأن فلما كان من الأتراك بالعراق ما ذكرناه تغلب على دمشق وأعمالهأن وقطع ما كان يحمل من الشام إلى الخليفة، واستبد بالأموال.
وفيها كتب وصيف إلى عبد العزيز بن أبي دلف العجلي بتوليته الجبل، وبعث إليه بخلع، فتولى ذلك من قبله.
وفيها قتل محمد بن عمروالشاري بديار ربيعة، قتله خليفة لأيوب بن أحمد في ذي القعدة.
وفيها أغار جستان صاحب الديلم مع أحمد بن عيسى بن أحمد العلوي، والحسين بن أحمد الكوكبي، على الري فقتلوا وسبوأن وكان بها عبد الله بن عزيز، فهرب منهأن فصالحهم أهل الري على ألفي ألف درهم، فارتحلوا عنهأن وعاد ابن عزيز فأخذ أحمد بن عيسى وبعث به إلى نيسابور.
وفيها مات إسماعيل بن يوسف الطالبي الذي كان فعل بمكة ما فعل.
وفيها حج بالناس محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور.
وفيها سير محمد بن عبد الرحمن صاحب الأندلس جيشاً إلى بلاد العدو، فقصدوا ألبة، والقلاع، ومدينة مانة وقتلوا من أهلها عدداً كثيرأن ثم قفل الجيش سالمين.
وفيها توفي محمد بن بشار بندار، وأبوموسى محمد بن المثنى الزمن البصريان، وهما مشايخ البخاري، ومسلم، في الصحيح، وكان مولد بندار سنة سبع وستين ومائة.
حوادث سنة ثلاث وخمسين ومائتين

ذكر أخذ كرج من ابن أبي دلف

فيها عقد المعتز لموسى بن بغا الكبير في رجب على الجبل، فسار على مقدمته مفلح، فلقيه عبد العزيز بن أبي دلف خارج همذان، فتحاربأن وكان مع عبد العزيز أكثر من عشرين ألفاً من الصعاليك وغيرهم، فانهزم عبد العزيز وقتل أصحابه.
فلما كان في رمضان سار مفلح نحوكرج، وجعل له كمينين، ووجه عبد العزيز عسكراً فيه أربعة آلاف، فقاتلهم مفلح، وخرج الكمينان على أصحاب عبد العزيز، فانهزموأن وقتلوأن وأسروأن وأقبل عبد العزيز ليعين أصحابه، فانهزم بانهزامهم، وترك كرج، ومضى إلى قلعة له يقال لها زر، فتحصن بهأن ودخل مفلح كرج فأخذ أهل عبد العزيز وفيهم والدته.
ذكر قتل وصيفوفيها قتل وصيف؛ وكان سبب قتله أن الأتراك والفراعنة والأشروسنية شغبوأن وطلبوا أرزاقهم لأربعة أشهر، فخرج إليهم بغا ووصيف وسيمأن فكلمهم وصيف فقال لهم: خذوا التراب، ليس عندنا مال. قال بغا: نعم! نسأل أمير المؤمنين ونتناظر في دار أشناس. فدخلوا دار أشناس.
ومضى سيما وبغا إلى المعتز، وبقي وصيف في أيديهم، فوثب عليه بعضهم فضربه بالسيف، ووجأه آخر بسكين، ثم ضربوه بالطبرزينات حتى قتلوه، وأخذوا رأسه ونصبوه على محراك تنور؛ وجعل المعتز ما كان إلى وصيف إلى بغا الشرابي، وهوبغا الصغير، وألبسه التاج الوشاحين.
ذكر قتل بندار الطبري
وفيها قتل بندار الطبري، وكان سب قتله أن مساور بن عبد الحميد الموصلي الخارجي لما خرج بالبوازيج، كما ذكرنأن وكان طريق خراسان إلى بندار، ومظفر بن سيسل، وكانا بالدسكرة، أتى الخبر إلى بندار بمسير مساور إلى كرخ جدان، فقال المظفر في المسير إليه؛ فقال للمظفر: قد أمسينأن وغداً العيد، فإذا قضينا العيد سرنا إليه. فسار ندار طمعاً في أن يكون الظفر له، فسار ليلأن حتى أشرف على عسكر مساور، فأشار عليه بعض أصحابه أن يبيتهم، فأبى وقال: حتى أراهم ويروني، فأحس به الخوارج، فركبوأن واقتتلوا.
وكان مع بندار ثلاثمائة فارس، ومع الخوارج سبع مائة، فاشتد القتال بينهم، وحمل الخوارج حملة اقتطعوا من أصحاب بندار أكثر من مائة، فصبروا لهم، وقاتلوهم، حتى قتلوا جميعأن فانهزم بندار وأصحابه، وجعل الخوارج يقطعونهم قطعة بعد قطعة، فقتلوهم. وأمعن بندار في الهرب، فطلبوه، فلحقوه، فقتلوه، ونصبوا رأسه ونجا من أصحابه نحومن خمسين رجلاً وقتل مائة. وأتى الخبر إلى المظفر، فرحل نحوبغداد، وسار مساور نحوحلوان، فقاتله أهلهأن فقتل منهم أربع مائة إنسان، وقتلوا من أصحابه جماعة، وقتل عدة من حجاج خراسان كانوا بحلوان، وأعانوا أهلهأن ثم انصرفوا عنه. وقال ابن مساور في ذلك:
فجعت العراق بندارها ... وحزت البلاد بأقطارها
وحلوان صبحتها غارة ... فقبلت أغرار غرارها
وعقبة بالموصل أحجرته ... وطوقته الذل في كارها
ذكر موت محمد بن عبد الله بن طاهروفي ليلة أربع عشرة من ذي الحجة انخسف القمر جميعه؛ ومع انتهاء خسوفه مات محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين، وكانت علته التي مات بها قروحاً أصابته في حلقه ورأسه فذبحته، وكانت تدخل فيها الفتايل.
ولما اشتد مرضه كتب إلى عماله وأصحابه بتفويض ما إليه من الولاية إلى أخيه عبيد الله بن طاهر، فلما مات تنازع ابنه وأخوه عبيد الله الصلاة عليه، فصلى عليه ابنه، وتنازع عبيد الله وأصحاب طاهر، حتى سلوا السيوف، ورموا بالحجارة، ومالت العامة مع أصحاب طاهر، وعبر عبيد الله إلى داره بالجانب الشرقي، فعبر معه القواد لاستخلاف محمد، فكان أوصاه على أعماله، ثم وه المعتز بعد ذلك الخلع إلى عبيد الله، فأمر عبيد الله للذي أتاه بالخلع بخمسين ألف درهم.
ذكر الفتنة بأعمال الموصلي هذه السنة كانت حرب بين سليمان بن عمران الأزدي وبين عنزة.
وسببها أن سليمان اشترى ناحية من المرج، فطلب منه إنسان من عنزة اسمه برهونة الشفعة، فلم يجبه إليهأن فسار برهونة إلى عنزة، وهم بين الزابين، فاستجار بهم وببني شيبان، واجتمع معه جمع كثير، ونهبوا الأعمال فأسرفوا.
وجمع سليمان لهم بالموصل، وسار إليهم، فعبر الزاب، وكانت بينهم حرب شديدة، وقتل فيها كثير، وكان الظفر لسليمان، فقتل منهم بباب شمعون مقتلة عظيمة، وأدخل من رؤوسهم إلى الموصل أكثر من مائتي رأس، فقال حفص بن عمروالباهلي قصيدة يذكر فيها الوقعة أولها:
شهدت مواقفنا نزار فأحمدت ... كرات كل سميدع قمقمام
جاؤوا وجئنا لا نفيتم صلنا ... ضرباً يطيح جماجم الأجسام
وهي طويلة.
وفيها كان أيضاً بأعمال الموصل فتنة وحرب قتل فيها الحباب بن بكير التليدي؛ وسبب ذلك أن محمد بن عبد الله بن السيد بن أنس التليدي الأزدي كان اشترى قريتين كان رهنهما محمد بن علي التليدي عنده، وكره صاحبهما أن يشتريهمأن فشكا ذلك إلى الحباب بن بكير، فقال الحباب له: ائتني بكتاب من بغا لأمنع عنهما؛ وأعطاه دواب ونفقة، وانحدر إلى سر من رأى، وأحضر كتاباً من بغا إلى الحباب يأمره بكف يد محمد بن عبد الله بن السيد عن القريتين، ففعل ذلك، وأرسل إليهما من منع محمدأن فجرت بينهم مراسلات واصطلحوا.
فبيمنا محمد بن عبد الله بن السيد والحباب بالبستان على شراب لهمأن ومعهما قينة، قال لها الحباب غني بهذا الشعر:
متى تجمع القلب الزكي وصارماً ... وأنفاً حمياً تجتنبك المظالم
كذبتم وبيت الله لا تأخذونها ... مراغمة ما دام للسيف قائم
ولا صلح حتى تقرع البيض بالقنا ... ويضرب بالبيض الخفاف الجماجم

وافترقا وقد حقد كل واحد منهما على صاحبه، وأعاد الحباب التوكيل بالقريتين، فجمع محمد جمعأن وترددت الرسل في الصلح، وأجابا إلى ذلك، وفرق محمد جمعه، فأبلغ محمد أن الحباب قال: لوكان مع محمد أربعة لما أجاب إلى الصلح، فغضب لذلك، وجمع جمعاً كثيرأن وسار مبادراً إلى الحباب، فخرج إليه الحباب غير مستعد، فاقتتلوا فقتل الحباب ومعه ابن له وجمع من أصحابه، وكان ذلك في ذي القعدة من هذه السنة.
ذكر عدة حوادثفيها نفي أبو أحمد بن المتوكل إلى البصرة، ثم رد إلى بغداد، فانزل في الجانب الشرقي بقصر دينار، ونفي أيضاً علي بن المعتصم إلى واسط، ثم رد إلى بغداد. وفيها مات مزاحم بن خاقان بمصر في ذي الحجة؛ وحج بالناس عبد الله ابن محمد بن سليمان الزينبي. وفيها غزا محمد بن معاذ من ناحية ملطية، فانهزم وأسر.
وفيها التقى موسى بن بغا والكوكبي العلوي عند قزوين، فانهزم الكوكبي ولحق بالديلم، وكان سبب الهزيمة أنهم اصطفوا لقتال جعل أصحاب الكوكبي تروسهم في وجوههم، فيتقون بها سهام أصحاب موسى، فلما رأى موسى أن سهام أصحابه لا تصل إليهم مع فعلهم، أمر بما معه من النفط أن يصب في الأرض، ثم أمر أصحابه بالاستطراد لهم، ففعلوا ذلك، فظن الكوكبي وأصحابه أنهم قد انهزموأن فتبعهم، فلما توسطوا النفط أمر موسى بالنار فألقيت فيه، فالتهب من تحت أقدامهم، فجعلت تحرقهم، فانهزموأن فتبعهم موسى، ودخل قزوين.
وفيها في ذي الحجة لقي مساور الخارجي عسكراً لخليفة مقدمهم حطرمس بناحية جلولاء، فهزمه مساور.
وفيها سار جيش المسلمين من الأندلس إلى بلاد المشركين، فافتتحوا حصون جرنيق، وحاصروا فوتب وغلب على اكثر أسوارها.
ذكر ابتداء دولة يعقوب الصفار وملكه هراة وبوشنجوكان يعقوب بن الليث وأخوه عمرويعملان الصفر بسجستان، ويظهران الزهد والتقشف. وكان في أيامهما رجل من أهل سجستان يظهر التطوع بقتال الخوارج، يقال له: صالح المطوعي، فصحبه يعقوب، وقاتل معه، فحظي عنده، فجعله صالح مقام الخليفة عنه، ثم هلك صالح، وقام مقامه إنسان آخر اسمه درهم، فصار يعقوب مع درهم كما كان مع صالح قبله.
ثم إن صاحب خراسان احتال لدرهم لما عظم شأنه وكثر أتباعه، حتى ظفر به وحمله إلى بغداد فحبسه بهأن ثم أطلق، وخدم الخليفة بغداد.
وعظم أمر يعقوب بعد اخذ درهم، وصار متولي أمر المتطوعة مكان درهم، وقام بحاربة الشراة، فظفر بهم، وأكثر القتل فيهم، حتى كاد يفنيهم، وخرب قراهم، وأطاعه أصحابه بمكره، وحسن حاله، ورأيه، طاعة لم يطيعوها أحداً كان قبله، واشتدت شوكته، فغلب على سجستان، وأظهر التمسك بطاعة الخليفة، وكاتبه، وصدر عن أمره، وأظهر أنه هوأمره بقتال أتباعه، فخرج عن حد طلب الشراة، وصار يتناول أصحاب أمير خراسان للخليفة.
ثم سار من سجستان إلى هراة، من خراسان، هذه السنة، ليملكهأن وكان أمير خراسان محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر بن الحسين، وعامله على هراة محمد بن أوس الأنباري، فخرج منها لمحاربة يعقوب في تعبئة حسنة، وبأس شديد، وزي جميل، فتحاربا واقتتلا قتالاً شديدأن فانهزم ابن أوس، وملك يعقوب هراة وبوشنج، وصارت المدينتان في يده، فعظم أمره حينئذ، وهابه أمير خراسان وغيره من أصحاب الأطراف.
حوادث سنة أربع وخمسين ومائتين

ذكر مقتل بغا الشرابي

وفيها قتل بغا الشرابي؛ وكان سبب قتله أنه كان يحرض المعتز على المسير إلى بغداد، والمعتز يأبى ذلك ويكرهه، فاتفق أن بغا اشتغل بتزويج ابنته من صالح بن وصيف، فركب المعتز ومعه أحمد بن إسرائيل إلى كرخ سامرأن إلى بابكيال التركي ومن معه من المنحرفين عن بغا.
وكان سبب انحرافه عنه أنهما كانا على شراب لهمأن فعربد أحدهما على الآخر، فاختفى بابكيال من بغأن فلما أتاه المعتز اجتمع معه أهل الكرخ وأهل الدور ثم أقبلوا مع المعتز إلى الجوسق بسامرأن وبلغ ذلك بغأن فخرج في غلمانه وهم زهاء خمس مائة إنسان من ولده وقواده، فسار إلى السن، فشكا أصحابه بعضهم إلى بعض ما هم فيه من العسف، وأنهم خرجوا بغير مضارب ولا ما يلبسونه في البرد، وأنهم في شتاء، فأتاه بعض أصحابه وأخبره بقولهم، فقال: دعني حتى أنظر الليلة.
فلما جن عليه الليل ركب في زورق، ومعه خادمان، وشيء من المال الذي صحبه، وكان قد صحه تسع عشرة بدرة دنانير، ومائة بدرة دراهم، ولم يحمل معه سلاحأن ولا سكينأن ولا شيئأن ولم يعلم به أحد من عسكره.
وكان المعتز في غيبة بغأن لا ينام إلا في ثيابه وعليه السلاح، فسار بغا إلى الجسر في الثلث الأول من الليل، فبعث الموكلون بالجسر ينظرون من هو، فصاح بالغلام فرجع، وخرج بغا في البستان الخاقاني، فلحقه عدة من الموكلين، فوقف لهم بغا وقال: أنا بغأن إما أن تذهبوا معي إلى صالح بن وصيف، وإما أن تصيروا معي حتى أحسن إليكم. فتوكل به بعضهم، وأرسلوا إلى المعتز بالخبر، فأمر بقتله، فقتل، وحمل رأسه إلى المعتز، ونصب بسامرأن وبغداد، وأحرقت المغاربة جسده، وكان أراد أن يختفي عند صالح بن وصيف، فإذا اشتغل الناس بالعيد، وكان قد قرب، وخرج هووصالح ووثبوا بالمعتز.
ذكر ابتداء حال أحمد بن طولونكانت ديار مصر قد أقطعها بابكيال، وهومن أكابر قواد الأتراك، وكان مقيماً بالحضرة، واستخلف بها من ينوب عنه بها.
وكان طولون والد أحمد بن طولون أيضاً من الأتراك، وقد نشأ هو، بعد والده، على طريقة مستقيمة، وسيرة حسنة، فالتمس بابكيال من يستخلفه بمصير، فأشير عليه بأحمد بن طولون، لما ظهر عنه من حسن السيرة، فولاه وسيره إليها.
وكان بها ابن المدبر على الخراج، وقد تحكم في البلد، فلما قدمها أحمد كف يد ابن المدبر، واستولى على البلد؛ وكان بابكيال قد استعمل أحمد بن طولون على مصر وحدها سوى باقي الأعمال كالإسكندرية وغيرهأن فلما قتل المهدي بابكيال وصارت مصر لياركوج التركي، وكان بينه وبين أحمد ابن طولون مودة متأكدة استعمله على ديار مصر جميعها، فقوي أمره، وعلا شأنه ودامت أيامه، ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذوالفضل العظيم) الحديد: 21.
ذكر وقعة بين مساور الخارجي وبين عسكر الموصلكان مساور بن عبد الحميد قد استولى على اكثر أعمال الموصل وقوي أمره، فجمع له الحسن بن أيوب بن أمد بن عمر بن الخطاب العدوي التغلبي، وكان خليفة أبيه بالموصل، عسكراً كثيراً منهم حمدان بن حمدون، جد الأمراء الحمدانية، وغيره، وسار إلى مساور وعبر إليه نهر الزاب، فتأخر عنه مساور عن موضعه، ونزل بموضع يقال له وادي الذيات، وهوواد عميق، فسار الحسن في طلبه، فالتقوا في جمادى الأولى، واقتتلوأن واشتد القتال، فانهزم عسكر الموصل، وكثر القتل فيهم، وسقط كثير منهم في الوادي فهلك فيه أكثر من القتلى، ونجا الحسن فوصل إلى حزة من أعمال إربل اليوم، ونجا محمد بن علي بن السيد، فظن الخوارج أنه الحسن فتبعوه، وكان فارساً شجاعأن فقاتلهم، فقتل، واشتد أمر مساور وعظم شأنه وخافه الناس.
ذكر عدة حوادثفي هذه السنة توفي أبوأحمد بن الرشيد، وهوعم الواثق والمتوكل، وعم أبي المنتصر والمستعين والمعتز، وكان معه من الخلفاء إخوته الأمين، والمأمون، والمعتصم، وابنا أخيه الواثق والمتوكل ابنا المعصتم، وأبناء ابني أخيه، وهم المنتصر، والمستعين، والمعتز.
وفيها في جمادى الآخرة توفي علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي أبي طالب، عليه السلام، بسامرأن وهوأحد من يعتقد الإمامية إمامته، وصلى عليه أبوأحمد بن المتوكل، وكان مولده سنة اثنتي عشرة ومائتين.
وفيها عقد صالح بن وصيف لديوداد على ديار مصر، وقنسرين والعواصم.
وفيها أوقع مفلح بأهل قم، فقتل منهم مقتلة عظيمة.
وفيها عاود أهل ماردة من بلاد الخلاف على محمد بن محمد بن عبد الرحمن، صاحب الأندلس، وسبب ذلك أنهم خالفوا قديماً على أبيه، فظفر بهم، وتفرق كثير من أهلهأن فلما كان الآن تجمع إليها من كان فارقها، فعادوا إلى الخلاف والعصيان، فسار محمد إليهم، وحصرهم، وضيق عليهم، فانقادوا إلى التسليم والطاعة، فنقلهم وأموالهم إلى قرطبة، وهدم سور ماردة، وحصن بها الموضع الذي كان يسكنه العمال دون غيرهم.
وفيها هلك أردون بن ردمير، صاحب جليقية من الأندلس، وولي مكانه أدفونش، وهوابن اثنتي عشرة سنة.
وفيها انكسف القمر كسوفاً كلياً لم يبق منه شيء ظاهر.
وفيها كان ببلاد قحط شديد، تتابع عليهم من سنة إحدى وخمسين إلى سنة خمس وخمسين، وكشف الله عنهم.

وفيها وصل دلف بن عبد العزيز بن أبي دلف العجلي إلى الأهواز، وجند يسابور، وتستر فجبى بها مائتي ألف دينار، ثم انصرف، وكان والده أمره بذلك.
وفي رمضان سار نوشرى إلى مساور الشاري، فلقيه، فهزمه، وقتل من أصحابه جماعة كثيرة.
وحج بالناس علي بن الحسين بن إسماعيل بن عباس بن محمد.
وفيها توفي أبوالوليد بن عبد الملك بن قطن النحوي القيرواني بهأن وكان إماماً في النحوواللغة، وإماماً بالعربية، قيل مات خمس وخمسين وهوأصح.
حوادث سنة خمس وخمسين ومائتين

ذكر استيلاء يعقوب بن الليث الصفار على كرمان

وفيها استولى يعقوب بن الليث الصفار على كرمان؛ وسبب ذلك أن علي ابن الحسين بن شبل كان على فارس، فكتب إلى المعتز يطلب كرمان، ويذكر عجز الطاهرية، وأن يعقوب قد غلبهم على سجستان، وكان علي بن الحسين قد تباطأ بحمل خراج فارس، فكتب إليه المعتز بولاية كرمان، وكتب إلى يعقوب ابن الليث بولايتها أيضأن يلتمس إغراء كل واحد منهما بصاحبه ليسقط مؤونة الهالك عنه، وينفرد بالآخر.
وكان كل واحد منهما يظهر طاعة لا حقيقة لهأن والمعتز يعلم ذلك منهمأن فأرسل علي بن الحسين طوق بن المغلس إلى كرمان، وسار يعقوب إليهأن فسبقه طوق واستولى عليهأن وأقبل يعقوب حتى بقي بينه وبين كرمان مرحلة، فأقام بها شهرين لا يتقدم إلى طوق، ولا طوق يخرج إليه، فلما طال ذلك عليه أظهر الارتحال إلى سجستان، فارتحل مرحلتين، وبلغ طوقاً ارتحاله فظن أنه قد بدا له في حربه، وترك كرمان، فوضع آلة الحرب، وقعد للأكل والشرب والملاهي.
واتصل يعقوب إقبال طوق على الشرب، فكر راجعأن فطوى المرحلتين في يوم واحد، فلم يشعر طوق إلا بغبرة عسكره، فقال: ما هذا؟ فقيل: غبرة المواشي، فلم يكن بأسرع من موافاة يعقوب، فأحاط به وأصحابه، فذهب أصحابه يريدون المناهضة والدفع عن أنفسهم، فقال يعقوب لأصحابه: أفرجوا لقوم! فمروا هاربين، وخلوا كل ما لهم، وأسر يعقوب طوقاً.
وكان علي بن الحسين قد سير مع طوق في صناديق قيوداً ليقيد بها من يأخذه من أصحاب يعقوب، وفي صناديق أطوقه وأسورة ليعطيها أهل البلاء من أصحاب نفسه، فلما غمن يعقوب عسكرهم رأى ذلك، فقال: ما هذا ياطوق؟ فأخبره، فأخذ الاطوقة والأسورة فأعطاها أصحابه، وأخذ القيود والأغلال فقيد بها أصحاب علي! ولما أخرج يد طوق ليضع فيها الغل رآها يعقوب وعليها عصابة، فسأله عنهأن فقال: أصابتني حرارة فقصدتها. فأمر بنزع خف نفسه، فتساقط منه كسر خبز يابسة، فقال: يا طوق! هذا خفي لم أنزعه منذ شهرين من رجلي، وخبزي في خفي منه آكل، وأنت جالس في الشرب؟ ثم دخل كرمان وملكها مع سجستان.
ذكر ملك يعقوب فارسوفيهأن رابع جمادى الأولى، ملك يعقوب بن الليث فارس، ولما بلغ علي بن الحسين بن شبل بفارس ما فعله يعقوب بطوق أيقن بمجيئه إليه، وكان علي بشيراز، فجمع جيشه وسار إلى مضيق خارج شيراز، من أحد جانبيه جبل لا يسلك، ومن الجانب الآخر بهر لا يخاض، فأقام على رأس المضيق، وهوضيق ممره لا يسلكه إلا واحد بعد واحد، وهوعلى طرف البر، وقال: إن يعقوب لا يقدر على الجواز إلينا فرجع.
وأقبل يعقوب حتى دنا من ذلك المضيق فنزل على ميل منه، وسار وحده ومعه رجل آخر فنظر إلى ذلك المضيق والعسكر وأصحاب علي بن الحسين يسبونه وهوساكت، ثم رجع إلى أصحابه؛ فلما كان الغد الظهر سار بأصحابه حتى صار إلى طرف المضيق ممايلي كرمان، فأمر أصحابه بالنزول وحط الأثقال، ففعلوأن وركبوا دوابهم عريأن واخذ كلباً كان معه فألقاه في الماء، فجعل يسبح إلى جانب عسكر علي بن الحسين، وكان علي بن الحسين وأصحابه قد ركبوا ينظرون إلى فعله، ويضحكون منه.
وألقى يعقوب نفسه وأصحابه في الماء على خيلهم، وبأيديهم الرماح، يسيرون خلف الكلب، فلما رأى علي بن الحسين أن يعقوب قد قطع عامة النهر تحير في أمره، وانتقض عليه تدبيره، وخرج أصحابه يعقوب من وراء أصحاب علي، فلما خرج أوائلهم هرب أصحابه إلى مدينة شيراز، لأنهم كانوا يصيرون، إذا خرج يعقوب وأصحابه، بين جيش يعقوب والمضيق، ولا يجدون ملجأن فانهزموأن فسقط علي بن الحسين عن دابته، كبا به الفرس، فاخذ أسيرأن وأتي به إلى يعقوب، فقيده فلما أصبح نهب أصحاب دار علي ودور أصحابه، وأخذ ما في بيوت الأموال وبي الخراج ورجع إلى سجستان.
وقيل إنه جرى بين يعقوب الصفار وبين علي بن الحسين، بعد عبوره النهر، حرب شديدة، وذلك أن علياً كان قد جمع عنده جمعاً جمعاً كثيراً من الموالي والأكراد وغيرهم، بلغت عدتهم خمسة عشر ألفاً بين فارس وراجل، فعبأ أصحابه ميمنة وميسرة، وقلباً ووقف هوفي القلب وأقبل الصفار فعبر النهر، فلما صار مع علي على أرض واحدة حمل هووعسكره حملة واحدة على عسكر علي، فثبتوا لهم، ثم حمل ثانية لهم عن مواقفهم، وصدقهم في الحرب، فانهزموا على وجوههم لا يلوي أحد على أحد.
وتبعهم علي يصيح بهم، ويناشدهم الله ليرجعوأن أوليقفوأن فلم يلتفت إليه أحد وقتل الرجالة قتلاً ذريعأن وأقبل المنهزمون إلى باب شيراز مع العصر، فازدحموا في الأبواب، فتفرقوا في نواحي فارس، وبلغ بعضهم في هزيمته إلى الأهواز.
فلما رأى الصفار ما لقوا من القتل أمر بالكف عنهم، ولولا ذلك لقتلوا عن آخرهم. وكان القتل خمسة آلاف قتي، وأصاب علي بن الحسين ثلاث جراحات، ثم أخذ أسيراً لما عرفوه، ودخل الصفار إلى شيراز، وطاف بالمدينة، ونادى بالأمان فأطمأن الناس، وعذب علياً بأنواع العذاب، وأخذ من أمواله ألف بدرة، وقيل أربع مائة بدرة، ومن السلاح والأفراس، وغير ذلك ما لا يحد، وكتب إلى الخليفة بطاعته، وأهدى له هدية جليلة منها عشرة بيزان بيض، وباز أبلق صيني، ومائة من مسك وغيرها من الطرائف، وعاد إلى سجستان ومعه علي، وطوق، تحت الأستظهار، فلما فارق بلاد فارس أرسل الخليفة عمالة إليها.
ذكر خلع المعتز وموتهوفيهأن في يوم الأربعاء لثلاث، بقين من رجب، خلع المعتز، لليلتين خلتا من شعبان ظهر موته.
وكان سبب خلعه أن الأتراك لما فعلوا بالكتاب ما ذكرناه، ولم يحصل منهم مال، ساروا إلى المعتز يطلبون أرزاقهم، وقالوا: أعطنا أرزاقنا حتى نقتل صالح بن وصيف، فلم يكن عنده ما يعطيهم، فزلوا معه إلى خمسين ألف دينار، فأرسل المعتز إلى أمه يسألها أن تعطيه مالاً ليعطيهم، فأرسلت إليه: ما عندي شيء.
فلما رأى الأتراك أنهم لا يحصل لهم من المعتز شيء، ولا من أمه، وليس في بيت المال شيء، اتفقت كلمتهم، وكلمة المغاربة، والفراغنة، على خلع المعتز، فساروا إليه وصاحوأن فدخل إليه صالح، ومحمد بن بغا المعروف بأبي نصر، وبابكيال في السلاح، فجلسوا على بابه، وبعثوا إليه أن اخرج إلينأن فقال: قد شربت أمس دواء، وقد أفرط في العمل، فإن كان أمر لا بد منه فليدخل بعضكم! وهويظن أن أمره واقف على حاله، فدخل إليه جماعة منهم، فجروه برجله إلى باب الحجرة، وضربوه بالدبابيس، وخرقوا قميصه، وأقاموه في الشمس في الدار فكان برفع رجلاً ويضع أخرى لشدة الحر، وكان بعضهم يلطمه وهويتقي بيده، وأدخلوه حجرة، وأحضروا ابن أبي الشوارب وجماعة أشهدوهم على خلعه، وشهدوا على صالح بن وصيف أن للمعتز وأمه وولده وأخته الأمان.
وكانت أمه قد اتخذت في دارها سربأن فخرجت منه هي وأخت المعتز، وكانوا أخذوا عليها الطريق، ومنعوا أحداً يجوز إليهأن وسلموا المعتز إلى من يعذبه، فمنعه الطعام والشراب ثلاثة أيام، فطلب حسوة من ماء البئر، فمنعوه، ثم أدخلوه سردابأن وجصصوا عليه فمات، فلما مات اشهدوا على موته بني هاشم والقواد، وأنه لا أثر فيه، ودفنوه مع المنتصر.

وكانت خلافته من لدن بويع إلى أن خلع أربع سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يوماً، وكان عمره كله أربعاً وعشرين سنة؛ وكان أبيض، أسود الشعر، كثيفه، حسن العينين والوجه، أحمر الوجنتين، حسن الجسم طويلاً؛ وكان مولده بسر من رأى، وكان فصيحأن فمن كلامه لما سار المستعين إلى بغداد، وقد أحضر جماعة للرأي، فقال لهم: أما تنظرون إلى هذه العصابة التي ذاع نفاقها؟ الهمج، العصاة، الأوغاد الذين لا مسكة بهم، ولا اختيار لهم، ولا تمييز معهم، قد زين لهم تقم الخطأ سوء أعمالهم، فهم الأقلون وإن كثروأن والمذمومون إذا ذكروأن وقد علمت أنه لا يصلح لقود الجيوش، وسد الثقور، وإبرام الأمور، وتدبير الأقاليم، إلا رجل قد تكاملت فيه خصال أربع: حزم يتقي به عند موارد الأمور حقائق مصادرهأن وعلم يحجزه عن التهور والتعزير في الأشياء إلا مع إمكان فرصتهأن وشجاعة لا تفضها الملمات مع تواتر حوائجهأن وجود يهون تبذير الأموال عند سؤالهأن وسرعة مكافأة الإحسان، إلى صالح الأعوان، وثقل الوطأة على أهل الزيغ والعدوان، والاستعداد لحوادث إذ لا تؤمن حوادث الزمان.
وأما الاثنتان فإسقاط الحجاب عن الرعية، والحكم بين القوي والضعيف بالسوية.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mohammed.mansy@yahoo.com متصل
 
كتاب : الكامل في التاريخ المؤلف : ابن الأثير
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 9 من اصل 9انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6, 7, 8, 9

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع ومنتدبات ابو ريوف  :: المنــتديــات العامه :: منتدى همسات وخواطر-
انتقل الى: